الفصل الثاني عشر12
بقلم عاشقة القلم
استيقظ باران أخيرًا على شعورٍ ثقيل يضغط رأسه بصورةٍ غريبة.
فتح عينيه ببطء، ثم عقد حاجبيه بانزعاج وهو يحاول استيعاب ما حوله.
السقف،
الأريكة،
ضوء الصباح المتسلل من خلف الستائر،
رمش عدة مرات قبل أن ينتفض قليلًا وهو يدرك أنه لم ينم فوق سريره.
اعتدل جالسًا، ثم مرر يده فوق وجهه بخشونة، بينما كان عقلُه يحاول جمع أحداث الليلة الماضية.
ما الذي حدث؟.
آخر ما يتذكره…
ديلان.
العصير.
جلوسها قربه بهدوء غير معتاد.
حديثها اللطيف الذي ظل ينساب حوله كنسيمٍ دافئ جعله ينسى حذره للحظات.
ثم…
لا شيء.
فراغ كامل.
تجعد ما بين حاجبيه أكثر.
نظر حوله بتفحص، وكأنه ينتظر أن يجد تفسيرًا معلقًا في الهواء.
لكن الغرفة كانت مرتبة كما هي.
لا شيء يوحي بأن أمرًا غريبًا قد حدث.
نهض أخيرًا بتثاقل، وشعر للحظة بدوارٍ خفيف جعله يثبت يده على طرف الأريكة.
باران بصوتٍ منخفض متجهم:
باران: ما هذا الذي أصابني…؟.
تحرك بخطوات بطيئة نحو باب الغرفة، ثم خرج متجهًا مباشرة إلى غرفة ديلان.
فتح الباب دون تردد…
لكن الغرفة كانت فارغة.
مرتبة بعناية.
السرير منظم، الستائر نصف مفتوحة، ولا أثر لفوضى أو ارتباك.
كأن أحدًا لم يمر من هنا أصلًا.
وقف للحظات يحدق في المكان بصمت، بينما ذلك الشعور الغامض داخله بدأ يزداد.
شيء ما لم يكن طبيعيًا.
لكن ما هو؟،
زفر ببطء، ثم قرر تجاهل الأمر مؤقتًا.
اتجه إلى غرفة الرياضة كعادته اليومية، محاولًا استعادة توازنه الذهني.
بدأ يتمرن بعنفٍ أكثر من المعتاد، وكأنه يريد طرد ذلك التشوش الذي يعبث برأسه.
صوت أنفاسه الثقيلة امتزج بصوت الأجهزة المعدنية، والعرق بدأ يغطي جبينه وذراعيه، لكنه رغم ذلك لم يستطع طرد صورة ديلان من رأسه.
هدوؤها ليلة أمس…
ابتسامتها…
ونظرتها الغريبة التي لم يفهمها.
أنهى تمارينه أخيرًا، ثم عاد إلى غرفته وأخذ حمامًا باردًا طويلًا.
وحين خرج، ارتدى ملابسه الرسمية المعتادة بعناية؛ قميصًا داكن اللون وساعة فاخرة، وعاد وجهه يحمل تلك الصرامة التي يعرفها الجميع عنه.
لكن شيئًا داخله لم يكن مستقرًا.
نزل إلى الطابق السفلي بخطوات هادئة.
وما إن وصل إلى منتصف الدرج حتى توقفت خطواته فجأة.
رآها.
كانت تخرج من المطبخ تحمل بعض الأطباق بين يديها، متجهة نحو غرفة الطعام.
تجمدت عيناه عليها للحظة.
كانت ترتدي عباءة واسعة بنية اللون، وخمارًا أسود مع نقاب يخفي ملامحها، ولم يظهر منها سوى عينيها الهادئتين.
بدت مختلفة اليوم.
هادئة أكثر،
أنثوية أكثر،
وغريبة بطريقة جعلت قلبه يضطرب دون سبب واضح.
نزل بسرعة أكبر، واتجه خلفها نحو غرفة الطعام.
وحين دخل…
توقفت عيناه على الطاولة.
كانت مليئة بأصناف الطعام بصورةٍ جعلته يرفع حاجبيه بدهشة حقيقية.
فطائر ساخنة تتصاعد منها رائحة الزبدة الشهية…
أطباق الجبن والزيتون…
معجون منزلي…
خبز طازج…
إبريق شاي يتصاعد منه البخار…
وقارورة عصير موضوعة بعناية وسط الطاولة.
مشهد دافئ، منزلي، هادئ.
شيء لم يعتده داخل هذا القصر البارد.
اقترب ببطء، بينما كانت ديلان ترتب آخر الأطباق فوق الطاولة.
وما إن شعرت بحركة خلفها حتى استدارت بسرعة.
وحين رأته، أسرعت تقول بنبرة هادئة:
ديلان: صباح الخير، لقد استيقظت أخيرًا.
ظل باران ينظر إليها للحظات دون أن يجيب.
ثم ألقى نظرة أخرى على الطاولة، قبل أن يقترب منها أكثر.
مد يده نحو طبق الخيار المقطع، أخذ شريحة ووضعها في فمه ببطء، ثم قال بصوتٍ خافت هادئ:
باران: صباح الخير…
توقف قليلًا، ثم أردف وهو يراقبها بعناية:
باران: لا أعلم ما الذي حدث البارحة…
وجدت نفسي نائمًا فوق الأريكة.
شعرت ديلان بقلبها يقفز داخل صدرها.
لكنها أخفت ارتباكها ببراعة مدهشة.
رفعت بصرها إليه بثبات، بينما رسمت فوق وجهها قناعًا من الهدوء والبراءة.
ديلان: لا شيء حدث…
كنا نتحدث فقط، ثم رأيت النعاس يغلبك، وبعدها غطيت في نومٍ عميق.
أشارت بيدها بخفة نحو الأعلى.
ديلان: لذلك تركتك وذهبت لغرفتي لأنام أنا أيضًا، كان يومًا متعبًا بالنسبة لي.
ظل باران يحدق فيها بصمت.
عيناه كانتا ثابتتين عليها بصورةٍ أربكتها للحظة.
كأنه يحاول التسلل خلف كلماتها…
خلف هدوئها…
خلف تلك البراءة المتقنة التي ترتديها الآن.
ثم قال أخيرًا بنبرة بطيئة:
باران: إذًا… هذا كل ما حدث؟.
ديلان: نعم.
ساد الصمت بينهما للحظات قصيرة، قبل أن يبتسم بخفة غامضة.
باران: جيد إذًا، موعدنا الليلة ما زال قائمًا.
فأنا لم أغيّر رأيي.
شعرت ديلان بانقباضٍ خفي في صدرها، لكنها أخفته سريعًا خلف برودٍ مصطنع.
ديلان: حسنًا…
أتمنى فقط ألا تتراجع في آخر دقيقة وتنام مجددًا.
لمعت عيناه بشيءٍ يشبه التحدي.
باران: لا تقلقي…
اليوم لن أرهق نفسي كثيرًا حتى لا أنام.
وفي تلك اللحظة، قاطع حديثهما دخول زينب وهي تحمل طبقًا من العسل وآخر من القشطة.
زينب بابتسامة واسعة: صباح الخير سيد باران.
التفت إليها بهدوء.
باران: صباح الخير يا زينب…
أراكِ اليوم نشيطة على غير العادة.
بل إن الإفطار يبدو وكأنه مائدة ملوكية.
ضحكت زينب بخفة، ثم قالت وهي تشير نحو ديلان:
زينب: لست أنا يا سيدي…
السيدة ديلان هي من أعدّت كل هذا، أنا فقط ساعدتها قليلًا.
التفتت عيناه نحو ديلان مجددًا.
وهذه المرة، لم تكن نظرته عادية.
دهشة…
إعجاب…
وانبهار خفي بتلك الفتاة التي كل يوم تكشف له وجهًا جديدًا منها.
تلك الطفلة المشاكسة التي ظنها مجرد فتاة عنيدة، بدأت تتحول أمامه إلى عالمٍ كامل يجهله.
جلس أخيرًا إلى الطاولة، ثم أشار لها بالجلوس.
جلست بهدوء مقابله، بينما بدأ يتناول إفطاره ببطء.
لكنه بين الحين والآخر كان يختلس النظر إليها.
إلى يديها الصغيرة وهي ترتب الأطباق.
إلى عينيها المختبئتين خلف النقاب.
إلى هدوئها الذي صار يربك قلبه أكثر مما يريحه.
وللمرة الأولى… شعر بالضيق لأنها لم ترفع نقابها كما كانت تفعل سابقًا كلما إقترب منها.
كأنها تضع بينهما حاجزًا جديدًا.
لكنه، رغم ذلك، أقنع نفسه أن الأمر ربما يحمل معنى آخر…
ربما بدأت تتقبله.
ربما بدأت تلين له أخيرًا.
لكن شيئًا واحدًا ظل يعكر صفو تلك اللحظة الهادئة…
رفضها الدائم لقربه.
وذلك النوم المفاجئ الذي سقط فيه الليلة الماضية بصورة لم يستطع تفسيرها.
الأمر لم يكن طبيعيًا.
وكان عقله يرفض تجاهله بالكامل.
لكن…
لم يُظهر شيئًا.
بل قرر أن يسايرها.
أن يراقبها أكثر.
أن يكتشف بنفسه ما تخفيه خلف هدوئها الذكي.
فهو أدرك منذ وقتٍ طويل أن ديلان ليست فتاة ساذجة.
بل تملك ذكاءً حادًا… ومكرًا ناعمًا… وسرعة بديهة أربكته أكثر من مرة.
وهذا تحديدًا ما زاد تعلقه بها.
بل جعله يقع في أسرها دون أن يشعر.
لقد كان يظن في البداية أنه يريد إخضاعها فقط…
لكن الأمر لم يعد كذلك.
قربها بات يمنحه شيئًا لم يعرفه منذ سنوات طويلة.
هدوءًا.
طمأنينة.
وشعورًا دافئًا بالحياة داخل هذا القصر البارد.
حتى إنه بدأ يطيل الجلوس معها دون سبب، فقط ليستمع إلى صوتها… أو يراقب تفاصيلها الصغيرة.
أما فكرة امتلاكها…
فلم تعد مرتبطة بالسلطة كما كانت سابقًا.
بل أصبحت رغبة موجعة في أن تبقى قريبة منه دائمًا.
قريبة بما يكفي…
ليهدأ ذلك الفراغ الغريب داخل قلبه كلما نظر إليها.
________
_______________
أنهى باران إفطاره ببطءٍ غير معتاد.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة… لم يشعر بالرغبة في مغادرة الطاولة سريعًا.
كان معتادًا على هذا القصر البارد؛
مجرد مكان يعود إليه لينام أو يبدّل ثيابه قبل أن يخرج مجددًا.
نادراً ما كان يتناول إفطاره هنا.
وحتى عندما يفعل… كان كل شيء يبدو بلا روح.
الطعام فاخر…
الخدم حاضرون…
والمكان مترف بصورةٍ كاملة.
لكن الدفء… لم يكن موجودًا يومًا.
أما اليوم…
فقد كان مختلفًا.
شيء هادئ تسلل إلى داخله دون استئذان.
ربما بسبب رائحة الخبز الساخن التي ملأت المكان…
أو بسبب ذلك الصوت الناعم القادم من المطبخ…
أو ربما بسبب تلك الفتاة الجالسة أمامه بهدوئها الغريب، والتي بدأت تغيّر شيئًا فيه دون أن يشعر.
رفع بصره نحوها مجددًا.
كانت تجلس بهدوء، ترتب بعض الأطباق الصغيرة بعناية، بينما ينسدل خمارها الأسود حولها بهيبةٍ ناعمة جعلتها تبدو بعيدة عن كل شيء قاسٍ في هذا العالم.
شعر للحظة برغبةٍ غريبة في إطالة هذه اللحظة أكثر.
أن يبقى هنا فقط…
بعيدًا عن صخب الشركة…
وعن قذارته المعتادة التي عاش غارقًا فيها لسنوات.
لكن باران لم يكن رجلًا يسمح لمشاعره بالظهور بسهولة.
لذلك نهض أخيرًا من مكانه، وعادت ملامحه تتجمد تدريجيًا حتى ارتدى قناع القسوة المعتاد.
ذلك القناع الذي يخفي خلفه كل شيء.
التفت نحو ديلان، ثم قال بصوتٍ هادئ يحمل صرامته المعهودة:
باران: أنا ذاهب الآن إلى العمل…
وموعدنا الليلة كما اتفقنا.
ما إن سمعت الجملة الأخيرة حتى شعرت ديلان بانقباضٍ خفي في قلبها.
لكنها أخفته بسرعة، ثم رفعت بصرها إليه قائلة بهدوء:
ديلان: حسنًا…
وهل ستعود للغداء اليوم؟،
توقف للحظة.
نظر إليها باستغراب واضح، وكأن سؤالها فاجأه أكثر مما ينبغي.
باران: ولماذا تسألين؟،
أخفضت بصرها قليلًا، ثم قالت بنبرة هادئة تخفي خلفها الكثير:
ديلان: حتى لا أتفاجأ مثل الأمس… فقط.
ظل ينظر إليها طويلًا.
طويلًا جدًا…
حتى إنها بدأت تشعر بأن نظراته تحاول قراءة ما خلف كلماتها.
لكنه…
ابتسم داخله دون أن يُظهر ذلك.
لقد ظن انه فهم ما ترمي إليه.
هي تسأله إن كان سيعود…
إن كانت ستراه مجددًا…
إن كانت تنتظره بطريقةٍ ما.
ورغم بساطة السؤال، إلا أنه أشعل داخله شعورًا غريبًا لم يختبره منذ زمن.
شعور رجلٍ يعود إلى بيت… وهناك من ينتظر عودته.
دفء صغير…
بسيط…
لكنه كاد يربك قلبه بالكامل.
أما ديلان، فكانت تراقبه بحذر من خلف نقابها.
لاحظت ذلك التغير الخفي في ملامحه.
لم يكن غاضبًا كما توقعت.
ولا متوحشًا كما اعتادت رؤيته.
بل بدا… هادئًا بصورةٍ غريبة.
وهذا ما أخافها أكثر.
لأنها للمرة الأولى بدأت تلمح خلف قناع القسوة ذلك الرجل الذي يخفيه عن الجميع.
ذلك الجانب الذي ربما لم يسمح لأحد برؤيته من قبل.
لكن…
ما إن تذكرت جملته الأخيرة عن "موعد الليلة" حتى عاد التوتر ليقبض على صدرها بعنف.
خفضت بصرها سريعًا حتى لا يقرأ القلق في عينيها.
بينما كان عقلها يعمل بجنون.
كيف ستتهرب منه هذه المرة؟،
هل ستنجح كما نجحت ليلة أمس؟،
وماذا لو اكتشف أمرها؟،
شعرت ببرودة تسري في أطرافها.
لكنها تماسكت بصعوبة.
أما باران، فقد التقط سترته أخيرًا واتجه نحو الباب بخطواتٍ ثابتة، قبل أن يلتفت إليها للحظة أخيرة.
نظرة قصيرة…
لكنها حملت شيئًا أربك قلبها دون أن تفهمه.
ثم غادر.
وبقيت ديلان واقفة مكانها للحظات، تحدق في الفراغ الذي تركه خلفه.
كانت تشعر بحيرةٍ خانقة.
هذا الرجل…
كل يوم تكتشف فيه جانبًا جديدًا منه.
تارةً تراه قاسيًا مخيفًا، وكأنه لا يملك قلبًا أصلًا…
وتارةً أخرى تلمح في عينيه تعبًا ووحدةً غريبة.
هل كانت كراهيتها له تحجب عنها حقيقته طوال الوقت؟،
أم أنه ببساطة بدأ يتغير فعلًا؟،
تنهدت بخفوت، ثم هزت رأسها بسرعة وكأنها تطرد تلك الأفكار.
لا…
لا يجب أن تضعف.
فكرة الليلة وحدها كانت كفيلة بإعادتها إلى خوفها بالكامل.
أغمضت عينيها للحظة، ثم همست في سرها:
ديلان: يا رب… أعني…
رفعت قلبها كله إلى الله.
استغفرته بصمت، وطلبت منه العون والحكمة، فهو وحده القادر على إخراجها من هذا الاختبار الذي وجدت نفسها عالقة فيه.
ثم أخذت نفسًا عميقًا، وأجبرت نفسها على الهدوء.
التفتت بعدها نحو زينب، وعادت تساعدها في ترتيب المطبخ بوجهٍ هادئ وبشوش.
حتى زينب نفسها توقفت أكثر من مرة تنظر إليها بدهشة.
لم تعتد رؤية ديلان بهذه الخفة… بهذا الهدوء.
كانت تبدو مختلفة اليوم.
أكثر سكينة… رغم القلق المختبئ خلف عينيها.
راقبتها زينب بصمت، بينما شيء دافئ يهتز داخل قلبها العجوز.
لقد رأت باران منذ سنوات…
رأت قسوته، غضبه، ضياعه، والطريق المظلم الذي ابتلع عمره كله.
وكانت تظن أن لا أحد سيستطيع انتشاله مما غرق فيه.
لكن هذه الفتاة…
هذه الصغيرة الهادئة بعينيها الطاهرتين…
بدأت تغيّر شيئًا فيه بالفعل.
رفعت زينب بصرها نحو السماء، بينما كانت يداها ترتبان الأطباق ببطء.
وهمست داخل قلبها بدعاءٍ صادق خرج من أعماق روحها:
"يا رب…
إن كانت هذه الفتاة خيرًا له… فثبّتها في طريقه…
وأصلح حاله على يديها…
وأخرج قلبه من ذلك المستنقع الذي غرق فيه لسنوات…
واجعلها النور الذي يعيده إليك…"
ثم ابتسمت بحنان وهي تنظر إلى ديلان من بعيد.
بينما كان القدر…
في مكانٍ آخر…
يبدأ بهدوءٍ في نسج خيوطٍ جديدة لم يكن أحدٌ منهم مستعدًا لها بعد.
------///****///****///-----
وصل باران إلى الشركة مع ساعات الصباح الأولى، بهيبته المعتادة التي اعتاد الجميع رؤيته بها.
ما إن دخل البهو الرئيسي حتى تبدلت الأجواء من حوله بصورةٍ تلقائية.
العمال والموظفون الذين كانوا يتحدثون قبل لحظات خفتت أصواتهم فجأة، وكل من صادفه وقف مستقيمًا وهو يحييه باحترامٍ ممزوج بالخوف.
لم يكن احترامًا عاديًا…
بل رهبة.
رهبة رجلٍ صنع لنفسه اسمًا لا يُناقش، وهيبةً لا يجرؤ أحد على كسرها.
كان يسير بخطوات ثابتة، ملامحه جامدة كعادتها، وعيناه تحملان تلك البرودة التي جعلت الجميع يهاب الاقتراب منه.
لكن…
خلف ذلك الوجه القاسي، كان هناك اضطراب صغير يعصف به منذ الصباح.
صورة ديلان وهي تقف في المطبخ…
صوتها الهادئ…
ورائحة ذلك الإفطار الدافئ.
كلها أشياء لم تغادر رأسه منذ خرج من القصر.
حتى إنه شعر بانزعاجٍ من نفسه.
متى أصبح يفكر بتلك التفاصيل التافهة؟،
شدّ فكه بقوة، ثم دخل المصعد دون أن ينظر إلى أحد.
وصل إلى طابقه الخاص، واتجه مباشرة نحو مكتبه الواسع.
فتح الباب ودخل، فتبعته سكرتيرته كعادتها.
كانت تسير خلفه بثقة امرأة اعتادت لفت الأنظار إليها.
ترتدي ثيابًا باهظة الثمن، ضيقة تكشف أكثر مما تخفي، بينما غطت مساحيق التجميل وجهها بطبقات متقنة جعلتها تبدو كدمية مصقولة بعناية.
أما باران…
فلم يلتفت إليها حتى.
دخل المكتب، ثم تبعه الحارس ووضع حقيبته فوق المكتب قبل أن ينسحب بصمت.
بقيت السكرتيرة واقفة قرب الباب للحظات، تنتظر أن يمنحها انتباهه المعتاد.
لكنه لم يفعل.
جلس خلف مكتبه بهدوء، وبدأ يفتح بعض الملفات وكأنها غير موجودة أصلًا.
عقدت حاجبيها بدهشة خفيفة.
هذا لم يكن طبيعيًا.
اقتربت منه أكثر، ثم قالت بصوتٍ ناعم اعتادت استخدامه معه:
السكرتيرة: هذه مواعيد اليوم يا سيد باران.
وضعت الملفات أمامه، ثم انحنت قليلًا متعمدةً استعراض مفاتنها بالطريقة التي أتقنتها لسنوات.
عادةً…
كان يلتقط الإشارة فورًا.
لكن اليوم…
لا شيء.
بقي يطالع الأوراق ببرود، وكأنه يسمع صوتًا قادمًا من بعيد دون أن يرى صاحبته.
شعرت بانزعاجٍ خفي وهي تراقبه.
حتى نظراته التي كانت تتبع تفاصيلها دائمًا لم تكن موجودة.
وقفت مستقيمة أخيرًا، ثم سألت بنبرة مترددة:
السكرتيرة: هل تريد شيئًا آخر يا سيد باران؟.
أجابها دون أن يرفع عينيه إليها:
باران: أحضري قهوتي كالمعتاد.
أومأت بصمت، ثم همّت بالمغادرة.
لكن قبل أن تصل إلى الباب، أوقفها صوته فجأة.
باران: انتظري.
التفتت إليه بسرعة، وما إن رأته يرفع عينيه نحوها أخيرًا حتى تهللت أساريرها.
اقتربت منه بخطوات هادئة، بينما عاد ذلك البريق إلى عينيها.
وقف باران من مكانه ببطء.
ثم اتجه نحوها حتى أصبح أمامها مباشرة.
توقفت أنفاسها للحظة.
كانت هذه أول مرة منذ فترة طويلة يقترب منها بهذه الطريقة.
قال بصوتٍ هادئ منخفض:
باران: أردت أن أستفسر عن شيء…
رفعت حاجبيها باهتمام.
أما هو…
فكان يراقب ملامحها بعينين غارقتين في التفكير، وكأنه لا يراها هي أصلًا… بل يقارن بينها وبين شخصٍ آخر.
شخص بعينين بريئتين ونقابٍ أسود وصوتٍ هادئ أربك عالمه كله.
اقترب أكثر، ثم رفع يده ببطء وأحاط خصرها بلطف، يجذبها نحوه حركةً أربكتها تمامًا.
اتسعت عيناها بدهشة، بينما بدأ قلبها يخفق بعنف.
أما هو، فظل يراقب عينيها مباشرة، ثم رفع يده الأخرى ومررها على خدها بخفة.
لكن شعوره كان غريبًا…
فارغًا.
لا شيء.
لا تلك الرغبة المعتادة…
ولا اللهفة التي كان يشعر بها سابقًا.
بل مجرد مقارنة صامتة جعلته يزداد شرودًا.
أما هي، فقد ظنت أن شيئًا تغير أخيرًا.
باران: اردت ان أسألك إءا كنت مرتبطة لسخص ما، فكيف تريدن منه ان يعاملك؟.
ابتسمت ابتسامة حقيقية هذه المرة، وخرج صوتها دافئًا وهي تقول:
السكرتيرة: إذا كنت مرتبطًا بشخص… فأظن أن أي امرأة تريد أن يعاملها شريكها بلطف.
ابتلع كلماته بصمت وهو يستمع لها.
تابعت بنبرة حالمة:
السكرتيرة: أن يكون حنونًا… يحتويها… يجعلها تشعر بالأمان.
رفعت عينيها إليه أكثر.
السكرتيرة: لا رجلًا قاسيًا يخيفها طوال الوقت…
لأن المرأة مع الوقت ستشعر بالنفور منه مهما حاولت.
ساد الصمت للحظة.
جملة بسيطة…
لكنها أصابت شيئًا داخله مباشرة.
تذكر ديلان.
خوفها منه…
ارتجافها كلما اقترب.
ونظرتها الحذرة التي لا تفارق عينيها.
شعر بشيء يضيق داخل صدره.
وفجأة…
أفلت السكرتيرة من بين يديه ببرودٍ حاد، وكأنه تخلص من شيء لا يعنيه.
عاد وجهه يتجمد مرة أخرى، وعادت تلك القسوة لتغلف ملامحه بالكامل.
صرخ بصوتٍ حاد أرعبها:
باران: إلى مكتبك!.
ارتجفت قليلًا من تغيره المفاجئ.
أما هو، فأكمل بصرامة:
باران: وأحضري القهوة… ولا تدخلي قبل أن أطلبك.
تراجعت بسرعة، ثم خرجت من المكتب وهي تشعر بارتباكٍ شديد.
لم تفهم ما الذي حدث للتو.
قبل لحظات كان يقترب منها بلطفٍ لم تعهده منه…
ثم تحول فجأة إلى ذلك الرجل البارد المخيف الذي تعرفه.
أما داخل المكتب…
فوقف باران أمام نافذته الزجاجية الكبيرة، يحدق في المدينة الممتدة أمامه بشرودٍ ثقيل.
كانت كلماتها تتردد داخل رأسه بإزعاج:
"المرأة تريد رجلًا يحتويها… لا يخيفها…"
أغلق عينيه للحظة.
ثم ظهرت صورة ديلان مجددًا داخل عقله…
وهي ترتجف منه.
لأول مرة منذ سنوات…
شعر أن قسوته التي اعتادها ربما لم تكن قوة كما ظن دائمًا.
بل شيئًا آخر…
شيئًا قد يجعله يخسرها قبل أن يحصل عليها أصلًا.
