سقطت كلمات باران على مسامع عباس كصاعقةٍ شقّت صدره، لا كجملةٍ عابرةٍ يمكن احتمالها. شعر وكأن الهواء قد انسحب فجأة من حوله، وكأن الأرض التي يقف عليها بدأت تميد تحت قدميه. تجمّد لوهلة، قبل أن ينفجر صوته عاليًا، متحشرجًا، يحمل في طبقاته كل معاني الذهول والرعب:
عباس: "هذه... هذه ابنتي!".
لم يكن صراخًا بقدر ما كان استغاثةً خرجت من أعماق أبٍ رأى كابوسه الأكبر يتجسد أمامه.
اقترب باران خطوة واحدة فقط… خطوة صغيرة في المسافة، لكنها كانت كفيلة بأن تجعل الظل الذي يلقيه يتمدد فوق روح عباس. كانت عيناه تلمعان ببرودٍ مظلم، لا دفء فيه ولا رحمة، كليلٍ بلا قمر. ابتسم ابتسامة خفيفة، لكنها لم تصل إلى عينيه، وقال بصوت منخفض، حاد كحدّ السكين:
باران: "وأموالي… ليست أقل قيمة."
ارتجف جسد عباس، لا خوفًا على نفسه، بل على تلك الروح الصغيرة التي ربّاها بين يديه، تلك التي لم يعرف قلبها يومًا طريقًا للخطأ. شعر بطعنةٍ غائرة في صدره، كأن الكلمات اخترقته دون استئذان. رفع رأسه فجأة، وعيناه تقدحان غضبًا ممزوجًا باليأس:
عباس:"مستحيل! مستحيل أن يحدث ذلك… ابنتي ما زالت صغيرة على الزواج!".
لكن ضحكة باران جاءت قاسية، مرتفعة، تخترق الجدران، كأنها تسخر من كل القيم التي يتمسك بها عباس. أمال رأسه قليلًا، وقال باستخفافٍ واضح:
باران:"ومن قال لك أنني أريد الزواج بها؟".
توقفت أنفاس عباس.
أما باران، فأكمل، ببرودٍ قاتل، كأنه يتحدث عن صفقةٍ تجارية لا عن روحٍ بشرية:
باران:"هي… كأي شيءٍ أحصل عليه بمالي."
في تلك اللحظة، لم يعد الغضب كافيًا لوصف ما شعر به عباس. كان الأمر أكبر من غضب… كان انهيارًا داخليًا، تمردًا لكل ما في داخله ضد هذا الظلم الفج. صرخ بكل ما أوتي من قوة، كأن صوته وحده هو السلاح الأخير الذي يملكه:
عباس:"مستحيل! لن يحدث هذا! ابنتي ليست كأولئك النساء اللواتي تعرفهن!".
تقدم خطوة، وعيناه تلمعان بدموعٍ رفضت أن تسقط، وقال بصوتٍ مكسور لكنه ثابت:
عباس: "ابنتي متحجبة؛ متدينة؛ تخاف الله؛ لا تعرف طريق الحرام، وما زالت صغيرة!… صغيرة!".
توقف لحظة، وكأن الكلمات تخونه، ثم أكمل بصوتٍ يرتجف:
عباس: "وأنا؛ لن أبيع ابنتي. حتى لو كلفني ذلك حياتي."
ساد صمت ثقيل لثوانٍ، لم يُكسره إلا صوت أنفاس عباس المتسارعة.
ثم، وكأن كل قوته قد خذلته فجأة، انخفض صوته، وتحول إلى رجاءٍ مذلّ، يكسر القلب قبل الأذن:
عباس:"أمهلني أسبوعًا؛ فقط أسبوع؛ سأجمع لك المال. أمضي لك على سندات، خذ من راتبي كل شهر؛ لكن لا تطلب مني هذا؛ أرجوك…"
ارتعشت شفتاه وهو يهمس:
عباس:"أقسم أني سأعيده…"
لكن قبل أن يأتي أي رد، انطلق صوتٌ آخر، مشحون بالقلق والغضب، صوت حسنية، التي كانت تتابع المشهد وقلبها يتمزق بين الخوف والفقر:
حسنية:"ماذا تقول يا رجل؟!، هل سنعيش بقية حياتنا في الضيق؟ المبلغ كبير… سيأخذ منك سنوات!".
استدار إليها عباس فجأة، وعيناه تشتعلان، ليس غضبًا منها بقدر ما هو رفضٌ للفكرة ذاتها. صرخ بصوتٍ مبحوح:
عباس: "اخرسي!"، خرج كصرخة من اعماق قلبه ، إهتز المكان من إرتحاجها.
تجمدت في مكانها.
تابع، وصوته ينكسر تحت وطأة الألم:
عباس:"أتريدينني أن أبيع ابنتي؟!، أن أرميها بيدي في النار؟!".
اقترب منها خطوة، وكأنه يريد أن يجعلها ترى ما يراه هو:
عباس:"ألم تسمعيه؟! هو لا يريدها زوجة…!".
ثم وضع يده على صدره، كأن قلبه يوشك أن يتمزق:
عباس:"لن أفعل هذا؛ لن أبيع فلذة كبدي؛ لن أفعل!".
كان المشهد مشحونًا حدّ الاختناق، الهواء نفسه بدا ثقيلاً، وكأن الجدران تضيق عليهم.
لكن باران؛ لم يتأثر.
وقف بكل برود، كأنه يشاهد مسرحية لا تعنيه. ثم قال بنبرة حاسمة، لا تقبل جدالًا، كأنها حكم نهائي:
باران:"سأمنحك مهلة يوم واحد."
رفع عينيه نحو عباس، وأضاف ببطءٍ مقصود:
باران:"إما المال… أو ابنتك."
تجمد الزمن للحظة.
ثم أكمل، بصوتٍ خالٍ من أي رحمة:
باران: "لا يوجد حل آخر."
ارتعش قلب عباس، بينما تابع باران:
باران:"غدًا مساءا آخر مهلة لك… فكر جيدًا."
اقترب قليلًا، وخفض صوته، كأنه يهمس بسرٍ مظلم:
باران: "وبعدها… سآتي."
ثم، بنظرةٍ باردة، أضاف:
باران:"إما مالي… أو آخذ حقي بنفسي."
كان يتمنى في داخله ألا يتمكن عباس من جمع المال؛ كان يرى في تلك الفتاة شيئًا مختلفًا، شيئًا لم يسبق له أن امتلكه، "جوهرة" كما وصفها في عقله المظلم؛ رغبة جديدة، خطيرة.
استدار أخيرًا، بخطواتٍ واثقة، وغادر المكان.
ومع صوت خطواته التي ابتعدت تدريجيًا؛ سقط الصمت.
صمتٌ ثقيل، موجع، كأن البيت كله دخل في حداد.
وقف عباس في مكانه، كتمثالٍ هشّ، عيناه معلقتان بالفراغ، وداخله يصرخ.
بينما حسنية، وضعت يدها على فمها، تحاول كتم شهقةٍ كادت تفضح انهيارها.
وفي تلك اللحظة؛ لم يكن هناك سوى سؤالٍ واحد ينهش روح الأب:
كيف يحمي ابنته؛ من وحشٍ👿 لا يخاف الله…؛ ولا يعرف الرحمة؟.
ما إن أُغلق الباب🚪.
انفجرت حسنية فجأة، كأن شيئًا ما انكسر داخلها دفعة واحدة، ولم يعد يحتمل المزيد من الصمت أو التردد. كانت عيناها تقدحان بريقًا غريبًا، خليطًا من الخوف والأنانية واليأس، وهي تصرخ بوجه عباس بصوتٍ حادٍ اخترق سكون المكان:
حسنية: "سَلِّمها له… وأنهِ هذا الكابوس!".
تجمد عباس في مكانه، كأن الكلمات لم تصل إلى أذنيه فحسب، بل ارتطمت بروحه ارتطامًا عنيفًا. التفت إليها ببطء، وعيناه متسعتان من هول ما سمع، وقال بصدمةٍ تكاد تشق صوته:
عباس: "هل… جننتِ؟!".
لكن حسنية لم تتراجع. بل تقدمت خطوة، وكأنها تحاصره بمنطقها القاسي، وقالت بلهجةٍ متوترة، متسارعة، كمن يخشى أن ينهار إن صمت:
حسنية: "وهل تفضل أن تموت؟! أو تُسجن؟! ماذا سنفعل نحن بعدها؟! ماذا سنفعل عندما نُلقى في الشارع؟!".
ارتفعت نبرتها أكثر، وقد بدأت ملامحها تتصلب:
حسنية:"بل كلنا سندفع الثمن؛ أولنا نحن، وآخرنا ابنتك! ستصبح لقمة سهلة بين يديه سواء رضيت أم لا!، عندنا يلقي بك في السجن او يقتلك".
كلمة "ابنتك" كانت كفيلة بأن تفجر ما تبقى من صبر عباس.
صرخ بها فجأة، بصوتٍ هادر خرج من أعماق قلبٍ مكلوم:
عباس: "هي ابنتي!!!".
اهتز جسده كله، وعيناه اشتعلتا كجمرٍ حي، وهو يضيف بحدةٍ لا تقبل النقاش:
"ولو كانت آخر شيء أملكه في هذه الدنيا؛ لن أبيعها! مهما كان الثمن!".
ضحكت حسنية… ضحكة قصيرة، باردة، خالية من أي دفء، كأنها تسخر من كلمة "أبوة" نفسها.
"تبيعها؟!" قالتها بنبرةٍ لاذعة، ثم أردفت ببرودٍ أشد:
"بل تتخلص منها."
ساد صمت ثقيل للحظة، قبل أن تكمل، وعيناها تلمعان بفكرةٍ تراها خلاصًا:
حسنية:"ربما هذا هو الحل الأنسب… لنا ولها."
اقتربت منه قليلًا، وخفضت صوتها، وكأنها تقنعه بسرّ:
حسنية:"ومن يدري؟… ربما حين تقدمها له، يغير رأيه ويتزوجها."
ثم ابتسمت ابتسامةً باهتة، وأضافت:
حسنية:"وبذلك… تضمن مستقبلها. فهو باران كول أوغلو؛ المال والجاه بين يديه."
في تلك اللحظة، لم يعد عباس يرى أمامه زوجته؛ بل رأى غريبةً تتحدث بلسانٍ لا يعرفه.
ارتفعت يده فجأة، في اندفاعٍ غاضب، كأنما يريد إسكات هذا الصوت بأي شكل؛ لكن شيئًا ما أوقفه في اللحظة الأخيرة. ربما ما تبقى من إنسانيته؛ أو ما تبقى من احترامٍ مكسور.
أسقط يده ببطء، لكن الغضب لم يسقط.
دفعها جانبًا بقسوة، دون أن ينظر إليها، كأنه يزيح عقبةً عن طريقه، ثم استدار، وخطى خطواتٍ ثقيلة نحو غرفته.
وما إن دخل… حتى أغلق الباب خلفه بعنفٍ دوّى في أرجاء البيت، كأنه إعلان حربٍ صامتة.
في الخارج…
وقفت حسنية مكانها، لا تتحرك.
لكن عينيها؛ لم تكونا مهزومتين.
كان فيهما بريقٌ آخر.
بريق فكرة.
ببطء، التفتت؛ وسارت نحو غرفة ابنتها.
خطواتها كانت هادئة، لكن داخلها كان يعجّ بضجيجٍ لا يُسمع.
دفعت الباب برفق، ثم أغلقته خلفها.
في الداخل…
كانت ميرال جالسة، وكأنها كانت تنتظر.
التقت أعينهما.
نظرة واحدة فقط؛
لكنها كانت كافية.
في تلك النظرة، لم يكن هناك سؤال؛ بل اتفاقٌ صامت.
وفجأة، لمع شيء في عيني ميرال؛ شيء مظلم، حاد، كشرارةٍ أولى لفكرةٍ خطيرة.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة باردة؛ ابتسامة لا تحمل براءة، بل تحمل نية.
كانت قد وجدت الحل.
في عقلها؛ لم تكن المشكلة "باران".
ولا حتى "المال".
بل كانت المشكلة؛ ديلان.
العقبة.
الحاجز الوحيد الذي يقف بينها وبين ما تريد.
قطعت حسنية الصمت، بصوتٍ منخفض، مشحون بالترقب:
حسنية: "هل سمعتِ؟".
لم تتردد ميرال، بل أجابت فورًا، بثقةٍ غريبة:
ميرال: "نعم…"
ثم اتسعت ابتسامتها قليلًا، وأضافت:
ميرال:"وأخيرًا؛ الفرصة التي كنا ننتظرها."
اقتربت حسنية منها، وكأنها تخشى أن يسمع الجدران ما سيقال:
حسنية:"كيف؛ سنتخلص منها؟".
ساد صمت قصير…
ثم، وبنبرةٍ ساخرة، باردة، كأنها تستمتع بالفكرة، قالت ميرال:
ميرال: "بل؛ وسيشكرنا القدر."
اتسعت عينا حسنية قليلًا، وهي تراقب ابنتها، تدرك تدريجيًا أن ما يدور في عقلها؛ ليس مجرد فكرة عابرة.
بل خطة.
خطة مظلمة.
وفي تلك اللحظة…
في تلك الغرفة الصغيرة، خلف بابٍ مغلق…
وُلد شيء خطير.
لم يكن مجرد قرار؛
بل بداية طريقٍ لا عودة منه.
__________/////*****//
_في اليوم التالي....🌞💥.
مع أول خيطٍ للفجر، كان عباس قد غادر المنزل.
لم يلتفت خلفه؛ لم يجرؤ حتى على إلقاء نظرةٍ أخيرة على الباب الذي يختبئ خلفه عالمه كله. خرج بخطواتٍ متعثرة، كأن الأرض أثقل من أن تحمله، وكأن الليل لم ينتهِ في داخله بعد. كان يمشي بلا وجهة، بلا خطة، يبحث؛ لا عن حلٍ واضح، بل عن معجزةٍ تنتشله من هذا الكابوس الذي انغلق عليه كقفصٍ محكم.
في صدره، كان الصراع يمزقه:
صوتٌ يصرخ "أنقذ ابنتك"،
وصوتٌ آخر يهمس "كيف؟"
في الوقت ذاته؛
كانت ديلان تقف أمام مرآتها الصغيرة، ترتب حجابها بعناية، وتعدل كتبها بين يديها. ملامحها هادئة، بريئة، لا تحمل أي أثرٍ للعاصفة التي تعصف خارج عالمها الصغير. ابتسمت لنفسها ابتسامة خفيفة، ثم خرجت من غرفتها، تودع يومًا عاديًا؛ لا تعلم أنه قد يكون آخر يومٍ عادي في حياتها.
سارت في الطريق المؤدي إلى الثانوية، خطواتها خفيفة، وعيناها تلاحقان أحلامًا بسيطة: درسٌ جديد، صديقة تنتظرها، وربما امتحان تخشاه قليلًا. لم تكن تدري؛ أنها تسير نحو قدرٍ آخر، قدرٍ كُتب لها دون أن تُستشار.
أما في المنزل…
فقد عاد الصمت.
صمتٌ ثقيل، لكنه لم يكن بريئًا.
كانت حسنية تقف في منتصف الغرفة، تحدق في الفراغ، وكأنها تسترجع كل ما قيل، كل ما حدث؛ ثم فجأة، تحركت.
اقتربت من الهاتف.
ترددت لثوانٍ؛ فقط ثوانٍ.
ثم رفعت السماعة.
أصابعها كانت ثابتة، على عكس قلبها الذي كان يخفق بسرعةٍ غريبة، ليس خوفًا… بل توترًا مشوبًا بحماسٍ خفي.
ضغطت الأرقام.
كل رقمٍ كان كخطوةٍ تقودها أعمق نحو شيءٍ لا عودة منه.
رنّ الهاتف؛
مرة.
مرتين.
ثم جاء الصوت.
بارد. حاد. متوجس.
باران: "ألو… من أنت؟ ومن أعطاك رقمي الخاص؟".
ابتلعت حسنية ريقها، ثم قالت بصوتٍ حاولت أن تجعله ثابتًا:
حسنية:"أنا… زوجة عباس."
ساد صمتٌ قصير.
صمتٌ ثقيل، كأن الطرف الآخر يعيد ترتيب أفكاره.
أغمضت حسنية عينيها للحظة؛ ثم فتحتها، وقد استقر في نظرتها ذلك البريق الماكر، وأكملت بنبرةٍ مدروسة:
حسنية:"اتصلت لأخبرك بخصوص ذلك الموضوع… إنه موافق."
في الطرف الآخر…
تغير شيء.
لم يكن صوته هذه المرة كالسابق، بل صار أخفض، أبطأ؛ يحمل نغمةً خفية من الاهتمام المشوب بالدهاء:
باران:"أي موضوع؟".
قالها همسًا، لكنه كان همسًا مليئًا بما لا يُقال.
ابتسمت حسنية.
ابتسامة صغيرة، لكنها كانت كفيلة بأن تكشف نواياها لو رآها أحد.
حسنية:"ديلان."
نطقت الاسم بوضوح، ثم أضافت، بنبرةٍ يغلفها التمثيل:
حسنية "زوجي؛ خجل منك. لم يستطع أن يقولها لك بنفسه؛ لكنه وافق على عرضك."
توقفت لحظة، وكأنها تمنحه الوقت ليصدق.
ثم تابعت، تخيط كذبتها بإحكام:
حسنية "طلب مني أن أبلغك؛ لكن لا تأتِ إلى المنزل."
ضاقت عيناها قليلًا، وهي تضيف:
حسنية:"لا يريد أن تهتز صورته أمامها؛ ولا أن يضعف إن رآها."
ثم أسدلت الجملة الأخيرة، كطعنةٍ صامتة:
حسنية:"خذها من أمام الثانوية؛ هناك لن يراك أحد، ولن يتراجع هو عن قراره."
في الجهة الأخرى…
ساد صمت.
لكن هذا الصمت لم يكن فراغًا؛ بل كان امتلاءً.
امتلاءً برغبةٍ سوداء تتحقق.
ثم جاء صوته.
باردًا؛ واثقًا؛ كأنه يوقّع على صفقةٍ انتظرها طويلًا:
باران:"حسنًا…"
توقف لحظة، ثم أكمل:
باران:"سأخلّصكم من هذا العبء."
كلمة "العبء" ارتطمت بقلب حسنية، لكنها لم تعترض.
بل صمتت.
تابع، ببرودٍ أشد:
باران: "القضية أُغلقت."
ثم، وكأنه يمنّ عليهم بكرمٍ زائف:
باران:"يمكنه العودة إلى عمله من الغد."
لكن ما قاله بعدها؛ كان كافيًا ليكشف حقيقته:
باران:"وسأخلّصه من عذاب الضمير ذاك."
ثم؛
ضحك.
ضحكة عالية، صاخبة، كأنها إعلان انتصار.
كأنها نهاية معركة؛ لم يخضها أحد سواه.
وانقطع الخط.
أنزلت حسنية السماعة ببطء.
لم تتحرك.
لم تتكلم.
لكن شيئًا ما في داخلها كان قد تغيّر.
كانت تعرف؛ تمامًا؛ ماذا فعلت.
وفي مكانٍ آخر…
كانت ديلان تدخل بوابة الثانوية، لا تعلم أن أعينًا قد تترصدها، وأن قرارًا قد اتُّخذ، وأن حياتها؛ كما عرفتها؛
قد انتهت بالفعل.
___________*****____
_أمام الثانوية......🏫......
كانت الشمس تميل نحو الغروب، تنثر ضوءًا ذهبيًا دافئًا على بوابة الثانوية، حيث بدأت حركة الطالبات تخفّ تدريجيًا. وعلى الرصيف المقابل، وقفت ديلان إلى جانب صديقتها سلمى، تتقاسمان ضحكاتٍ خفيفة، وكأن العالم كله لم يكن سوى مساحةٍ آمنة لهما وحدهما.
كانت ديلان تضم كتبها إلى صدرها، وعيناها تلمعان بحلمٍ بسيطٍ ونقي. قالت بخجلٍ رقيق، وابتسامةٍ بالكاد ارتسمت على شفتيها:
ديلان:"سأدخل الصيدلة؛ إن شاء الله."
نظرت إليها سلمى، ثم انفجرت ضاحكة، دفعتها بخفةٍ على كتفها:
سلمى:"وأنا لن أتركك! سنبقى معًا؛ حتى في الجامعة!".
ضحكتا معًا، ضحكة بريئة، صافية، لا تعرف شيئًا عن القسوة التي تتربص بهما.
كانتا ترسمان مستقبلهما بالكلمات، تخطان طريقًا طويلًا بالأحلام! لم تدرك ديلان أن هذا الطريق سيتوقف هنا، عند هذا الرصيف تحديدًا.
وفجأة!
انكسر المشهد.
توقفت سيارتان سوداوَان على نحوٍ مفاجئ، حاد، كأنهما خرجتا من العدم. صرير الإطارات شقّ سكون المكان، وجعل الضحكات تختنق في الهواء.
تبادلت الفتاتان نظرة سريعة، ارتبكتا، قبل أن يفتح بابا السيارتين بعنف.
نزل رجال.
خطواتهم سريعة. نظراتهم قاسية. حضورهم يبعث على الخوف دون تفسير.
تقدمت سلمى خطوة، وقلبها بدأ يخفق بعنف، وصرخت بحدة:
سلمى:"من أنتم؟!".
لكن السؤال؛ لم يجد إجابة.
كل شيء بعدها حدث بسرعةٍ مرعبة، كأن الزمن انكمش في لحظة واحدة.
أحاطوا بهما.
صرخت ديلان، تراجعت خطوة، قبل أن ينقضّ عليها رجلان، يمسكان بذراعيها بقوةٍ جعلتها تصرخ:
ديلان:"اتركوني!".
ارتجف صوتها، اختنق بالخوف، وهي تحاول التملص من قبضتهم:
ديلان:"ماذا تفعلون؟! دعوني!".
كانت تصرخ؛ تصرخ بكل ما تبقى لديها من قوة، وكأن صوتها وحده قد ينقذها.
لكنهم كانوا أقوى.
شدّوها بقسوة، بينما كانت قدماها تقاومان الأرض، تحاولان التمسك بها، وكأنها آخر ملجأ.
"ديلان!" صرخت سلمى، محاولةً الاقتراب، لكن أحدهم دفعها بعنفٍ جعلها تتعثر وتسقط.
رفعت رأسها، والذعر يملأ عينيها، وهي ترى صديقتها تُسحب أمامها، كأنها تُنتزع من الحياة نفسها.
وفي لحظةٍ خاطفة…
التف رجلٌ ثالث خلف ديلان.
وضعت قطعة قماش على أنفها وفمها.
توقفت صرختها فجأة.
ارتبك جسدها.
بدأت مقاومتها تضعف… عيناها تترنحان، تبحثان عن شيءٍ تتشبثان به، عن وجهٍ مألوف؛ عن نجاة.
لكن العالم بدأ يتلاشى.
تراخت أطرافها.
سقطت رأسها.
وغابت.
دُفع جسدها داخل السيارة بلا رحمة، كأنها شيءٌ لا روح له.
أُغلِق الباب بعنف.
وانطلقت السيارتان؛
بسرعةٍ هائلة، كسهـمٍ أُطلق من قوس، يخترق الطريق بلا تردد، مبتعدًا… مبتعدًا… حتى ابتلعه الأفق.
على الرصيف؛
كانت سلمى واقفة.
لا؛ لم تكن واقفة.
كانت منهارة.
عيناها متسعتان، أنفاسها متقطعة، وجسدها يرتجف كغصنٍ في مهب الريح.
صرخت، بصوتٍ ممزق:
سلمى:"ديلان!!!".
لكن الصوت؛ عاد إليها فقط.
ركضت خطواتٍ قليلة، ثم توقفت، كأنها لا تعرف إلى أين تذهب.
نظرت حولها، الناس بدأوا يتجمعون، يتهامسون، لكن لا أحد يفهم.
سلمى:"ساعدوني! لقد أخذوها!". صرخت، تبكي، تشير بيديها المرتعشتين نحو الطريق الذي اختفت فيه السيارة.
لكن كلماتها كانت تتكسر في الهواء، لا تجد من يلتقطها.
في تلك اللحظة؛
لم تكن سلمى تفهم.
لم تكن تعرف من هم؛ ولا لماذا؛ ولا إلى أين.
كل ما كانت تعرفه؛
أن صديقتها… اختفت.
مرّ الوقت…
طويلًا، ثقيلًا، كأن كل دقيقة تحمل وزن ساعة.
داخل السيارة…
كانت ديلان غارقة في ظلامٍ عميق، لا صوت، لا إحساس؛ فقط فراغ.
حتى…
توقفت السيارة.
صرير الفرامل كان حادًا، كأنه يعلن نهاية الرحلة؛ أو بدايتها.
فُتح الباب بعنف.
امتدت أيدٍ خشنة، سحبتها إلى الخارج.
كانت بلا حراك، جسدها مستسلم، رأسها يتمايل بلا وعي.
مرّوا بها عبر بوابةٍ ضخمة.
قصر.
كبير؛ صامت؛ مهيب بطريقةٍ مخيفة.
لم يكن فيه دفء.
فقط برودة؛ كأن جدرانه تخفي أسرارًا لا تُروى.
حُملت عبر ممراتٍ طويلة، أضواء خافتة، وأرضيات تعكس خطواتهم.
ثم…
فُتح باب.
غرفة واسعة؛ فاخرة؛ لكنها باردة كقلب من بناها.
وُضعت على سريرٍ كبير.
بلا عناية.
بلا رحمة.
مجرد جسدٍ أُلقي في مكانه.
هناك؛
في ذلك السرير؛
كانت ديلان ترقد.
ساكنة.
صامتة.
لا تعلم…
أنها لم تعد تلك الفتاة التي وقفت قبل قليل على الرصيف، تضحك وتحلم.
ولا تعلم…
أنها الآن…
في قبضة وحش👿👿.
________////____///
ما إن ابتلعت الطريقُ تلك السيارة السوداء، حتى اندفعت سلمى تركض، كأن الأرض تشتعل تحت قدميها. لم تكن تشعر بشيء؛ لا بتعبٍ ولا بأنفاسٍ تتقطع؛ فقط قلبها كان يضرب صدرها بعنف، كأنه يريد الفرار من بين ضلوعها.
كانت تركض وهي تبكي، تتعثر أحيانًا وتكاد تسقط، ثم تتابع بلا وعي. صورة ديلان وهي تُسحب أمامها لم تغب عن عينيها لحظة، وصرختها الأخيرة كانت لا تزال ترنّ في أذنيها كجرس إنذارٍ لا يتوقف.
"يجب أن أصل؛ يجب أن أخبر عمّ عباس؛ يجب أن أنقذها…"
كانت ترددها بين نفسها، وكأنها تتشبث بخيط أملٍ واهٍ.
في الجهة الأخرى؛
كان عباس قد وصل لتوه إلى منزله.
خطواته ثقيلة، وملامحه منهكة، كأن يومًا واحدًا قد استنزف عمرًا كاملًا من روحه. دخل وهو يجرّ خيبته خلفه، لم يجد حلًا؛ لم يجد مالًا؛ ولم يجد مخرجًا.
استقبلته حسنية.
بوجهٍ بارد.
هادئ أكثر مما يجب.
كأن شيئًا لم يحدث.
كأن بيتهم لم يكن على حافة الانهيار.
قالت بنبرةٍ عادية، تكاد تكون رتيبة:
حسنية:"أهلًا بك يا عباس… ها؟ ماذا فعلت؟ هل دبرت المبلغ؟".
رفع عينيه إليها، وفي نظرته تعبٌ لا يوصف، ثم قال بصوتٍ منخفض، مثقلٍ بالخذلان:
عباس:"لا؛ لم أجد؛ ولا أحد من معارفي أراد أن يقرضني…"
تنهد، وكأن الكلمات نفسها تؤلمه.
لكن حسنية لم تتأثر.
بل أمالت رأسها قليلًا، وقالت ببرودٍ جاف:
حسنية. "ألم أقل لك؛ أن توافق على كلام السيد باران؟".
قبل أن يرد…
اهتز هاتفه داخل جيب سترته.
صوت الإشعار كان حادًا؛ غريبًا…؟؛ كأنه يحمل نذيرًا.
أخرجه ببطء، بلا اهتمامٍ كبير في البداية…
لكن ما إن فتح الرسالة📨
توقف الزمن.
تجمدت أصابعه.
اتسعت عيناه فجأة، حتى كادتا تخرجان من محجريهما.
وانفتح فمه…
بلا صوتٍ أولًا…
ثم انفجر:
"لاااا!!!"
كان صراخًا ممزقًا، خرج من أعماق روحٍ انهارت في لحظة واحدة.
ارتجف جسده، وهو يحدق في شاشة الهاتف…
صورة.
ابنته.
ديلان.
ملقاة على سرير؛ ساكنة؛ مغيبة عن الوعي.
كأنها؛ بلا حياة.
عباس:"لا!!!… لا يمكن…"
همس بها، لكن صوته كان يختنق.
ثم جاء إشعارٌ آخر.
يداه ترتعشان وهو يفتحه.
قرأ.
وكل كلمة؛ كانت خنجرًا.
📨 "قلت لك؛ سآخذ ما هو من حقي بيدي. انتهت الصفقة بنجاح؛ أنت بعت، وقبضت المال؛ وأنا أخذت البضاعة التي تعود لي."
سقط الهاتف من يده.
لكن لم يشعر به.
كان العالم كله قد سقط.
رفع يده إلى رأسه، كأنها ستنفجر، ثم صرخ بصوتٍ مهتز، مليءٍ بالجنون:
عباس:"خطفها…! خطف ابنتي؛ ذلك السافل؛ ذلك المنحط…!"
رفع الهاتف بسرعة، كأن الأمل قد يكون مخبأً فيه، ثم أعاده إلى جيبه بعشوائية، وكأنه لم يعد يحتمل النظر.
التفت نحو الباب؛
وركض.
دون أن يرى.
دون أن يسمع.
فقط يركض.
وهو يصرخ:
"لاااا! ابنتي…! ابنتي لااا… أيها النذل…!".
اصطدم بالباب وهو يفتحه، وخرج إلى الشارع كإعصارٍ مكسور، لا يعرف إلى أين يذهب؛ لكنه يعرف أنه يجب أن يصل.
إليها.
في الداخل؛
عاد الصمت.
لكن لم يكن صمتًا حزينًا.
كان… مختلفًا.
وقفت حسنية في مكانها، تتابع خروجه، وعيناها تلمعان بشيءٍ غريب.
ثم!
ظهرت ابتسامة.
صغيرة.
باردة.
كأنها انتصار.
في زاوية الغرفة، كانت ميرال تراقب.
اقتربت ببطء.
تبادلتا نظرة واحدة فقط؛
لكنها كانت مليئة بكل شيء.
الفهم.
الرضا.
والشماتة.
جلستا على الأريكة.
بهدوءٍ تام.
كأن شيئًا لم يحدث.
كأن روحًا لم تُسلب.
نظرت حسنية إلى ابنتها، وهمست:
حسنية:"انتهى الأمر."
ابتسمت ميرال، ابتسامةً أوسع هذه المرة، وقالت بنبرةٍ تحمل نشوة النصر:
ميرال:"وأخيرًا… تخلصنا منها."
"لتذهب للجحيم، بقيت تمثل علينا العفة والبراءة"
تبادلتا نظراتٍ صامتة…
لكنها كانت صاخبة بمعانيها.
في الخارج…
كان أبٌ يركض، وقلبه يحترق.
وفي الداخل…
كانت أمٌ وإبنتها… تبتسمان على انقاذ فتاة بريئة لم تفعل شيء فقط ساقها القدر في طريقهم المظلم
