رواية براءة ايقظت غافلا
الفصل الخمسون50
بقلم عاشقة القلم
ظلّ باران يحتضن ديلان طويلًا تحت ضوء القمر الخافت…
وكأن قلبه ما زال غير قادر على استيعاب أنه نجا فعلًا…
وأنها ما تزال هنا بين ذراعيه.
كانت تستند إلى صدره بصمت، تسمع نبضات قلبه الهادئة، فتشعر للمرة الأولى منذ شهور أن الخوف بدأ يبتعد قليلًا عنها.
لكن باران…
كان يفكر في شيء آخر.
شيء ظلّ يرتبه داخل عقله منذ أيام.
ابتعد عنها قليلًا، ثم نظر إليها مطولًا قبل أن يقول بهدوء:
باران: ديلان… أريد أن أتحدث معك في أمر مهم.
رفعت عينيها نحوه باستغراب خفيف.
ديلان: ماذا هناك؟.
ابتسم ابتسامة دافئة، ثم أمسك يدها بين يديه وقال:
باران: أريدك أن تعودي إلى بيت خالتكِ لفترة.
اتسعت عيناها فورًا.
وكأن الكلمة أصابتها بارتباك غير متوقع.
ديلان: أعود لماذا؟… لماذا اعود إلى هناك؟.
هز رأسه بهدوء.
باران: نعم.
ساد الصمت للحظات.
أما ديلان، فشعرت بانقباض خفيف داخل قلبها.
ربما لأنها اعتادت وجوده قربها طوال تلك الأشهر…
حتى صار الابتعاد عنه، ولو لأيام، يثير خوفًا خفيًا داخلها.
لاحظ باران ذلك فورًا.
ابتسم بحنان، ثم قرب يدها من شفتيه وهمس:
باران: لا تنظري إليّ بهذه الطريقة… لن أختفي.
تنهدت بخفوت وهي تحاول إخفاء ارتباكها:
ديلان: لكن… لماذا الآن؟.
أخذ نفسًا عميقًا، ثم قال وعيناه تلمعان بشيء يشبه الحلم:
باران: لأنني أريد أن نبدأ التحضير لحياتنا كما ينبغي… لا كمرضى خرجوا للتو من المستشفى، بل كعروسين انتظرا الفرح طويلًا حتى وصلا إليه أخيرًا.
شعرت بشيء دافئ يهتز داخل قلبها.
أما هو، فأكمل بصوت هادئ ممتلئ بالشوق:
باران: أريدك أن تعيشي تفاصيلكِ كاملة؛ مع خالتكِ؛ مع الحناء؛ مع تجهيزاتكِ؛ مع كل تلك اللحظات التي كادت أن تُسرق منكِ.
اغرورقت عيناها بالدموع فورًا.
اقترب أكثر وأضاف بابتسامة خافتة:
باران: ثم أنسيتي!!، إن لديكِ امتحانات نهاية السنة أيضًا، ولن أسمح أن يضيع مستقبلك بسبب كل ما مررنا به.
ابتسمت وسط دموعها وقالت بمشاكسة خافتة:
ديلان: ومن قال إنني أستطيع التركيز أصلًا وأنت هكذا؟.
ضحك بخفة…
ضحكة هادئة لكنها ممتلئة بالحياة.
ثم قال:
باران: إذًا سأعتبر نجاحكِ هدية زفاف إضافية لي.
خفضت رأسها بخجل، بينما كان قلبها يمتلئ بمشاعر يصعب وصفها.
هذا الرجل…
حتى بعد كل ما عاشه…
ما زال يفكر في أحلامها قبل أحلامه.
في صباح اليوم التالي…
اجتمعت العائلة كلها في الصالون الكبير.
حتى كوثر خالة ديلان وجيهان كانا موجودين.
كانت الأجواء مختلفة تمامًا عن الاجتماعات السابقة.
لا خوف…
لا حديث عن نتائج وتحاليل…
ولا وجوه شاحبة تنتظر كلمة من طبيب.
هذه المرة…
كان الحديث عن الحياة.
عن الفرح.
عن الزفاف الذي تأجل طويلًا.
جلس باران قرب والدته، بينما كانت ديلان تجلس بخجل إلى جانب كوثر.
أما سلمى…
فكانت الأكثر حماسًا كعادتها.
قالت فور جلوس الجميع:
سلمى: حسنًا، بما أن الجميع هنا، فلنبدأ التخطيط الرسمي قبل أن يغيّر باران رأيه ويقرر إقامة الزفاف في المستشفى.
ضحك الجميع، حتى باران نفسه هز رأسه باستسلام.
ثم قال بهدوء:
باران: لقد حددت الموعد بالفعل.
ساد الصمت فورًا.
حتى ديلان رفعت عينيها نحوه بدهشة.
ابتسم وهو ينظر إليها مباشرة:
باران: بعد شهر… فور انتهاء امتحانات ديلان.
شهقت سلمى بسعادة:
سلمى: أخيرًااا!.
أما فاطمة، فوضعت يدها فوق قلبها وهي تبتسم بعينين دامعتين.
بينما كوثر لم تستطع إخفاء تأثرها وهي تنظر إلى ديلان.
تلك الفتاة التي جاءت إلى بيتها يومًا محطمة وخائفة…
ها هي اليوم تقترب من بداية حياة جديدة تستحقها.
اقترب باران من ديلان قليلًا، ثم قال بصوت هادئ لم يسمعه إلا القريبون:
باران: هذه المرة… لن يؤجل أي شيء فرحنا.
شعرت ديلان أن قلبها يخفق بعنف.
أما هو، فأكمل وعيناه معلقتان بها:
باران: أريد أن يكون كل شيء كما حلمنا؛ بيتنا؛ حفلنا؛ حتى أدق التفاصيل.
تدخلت سلمى فورًا:
سلمى: إذًا أنا المسؤولة عن يوم الحناء.
قال عاكف ببرود متعمد:
عاكف: وهذا أكثر شيء أخاف منه.
ضحك الجميع.
أما باران، فظل ينظر إلى ديلان فقط.
وكأنه لا يرى أحدًا سواها.
وبعد انتهاء الحديث…
خرجت ديلان إلى الحديقة قليلًا لتلتقط أنفاسها.
كان قلبها ممتلئًا بصورة غريبة.
فرح،
وخوف،
وشوق،
وعدم تصديق.
لحقت بها كوثر بهدوء.
اقتربت منها ثم رتبت طرحتها بحنان أمومي دافئ.
وقالت بصوت مبحوح من التأثر:
كوثر: ها قد جاء اليوم الذي كنت أخشى ألا أراه.
نظرت إليها ديلان بعينين دامعتين.
أما كوثر، فأكملت وهي تبتسم رغم دموعها:
كوثر: ستعودين إلى بيتي كعروس هذه المرة؛ لا كفتاة هاربة من الألم.
شهقت ديلان باكية وارتمت في حضن خالتها.
أما كوثر، فضمّتها بقوة وهي تردد:
كوثر: الحمد لله الذي جبر قلبك يا ابنتي… الحمد لله.
وفي المساء…
وقف باران أمام السيارة التى ستقل ديلان، استعدادًا لإعادتها إلى بيت خالتها.
كانت لحظة بسيطة…
لكنها بدت ثقيلة على قلبيهما.
اقترب منها بهدوء ثم قال:
باران: شهر واحد فقط.
ابتسمت بخجل وهي تحاول إخفاء حزنها:
ديلان: تقولها وكأنها يوم واحد.
ضحك بخفة.
ثم اقترب أكثر وهمس:
باران: صدقيني… بعد كل ما عشناه، صار الانتظار الأخير سهلًا.
نظرت إليه طويلًا…
إلى ملامحه التي استعادت الحياة تدريجيًا…
إلى عينيه اللتين عادتا تلمعان بالأمل…
ثم قالت بصوت مرتجف:
ديلان: أحيانًا ما زلت أخاف أن يكون كل هذا حلمًا.
ابتسم بحنان شديد.
ثم أمسك يدها ووضعها فوق قلبه.
باران: إذًا اسمعي جيدًا؛
هذا النبض حقيقي؛
وحبّي لكِ حقيقي؛
وحياتنا القادمة أيضًا حقيقية.
اغرورقت عيناها بالدموع.
أما هو…
فانحنى قليلًا وهمس قرب جبينها:
باران: استعدّي يا ديلان…
لأنني سأجعل هذا الزفاف يعوضكِ عن كل دمعة بكيتها يومًا.
____/////-----///////____
بدأت الأيام تمضي بسرعةٍ غريبة…
وكأن الحياة، بعدما توقفت طويلًا عند أبواب الخوف والمستشفيات، قررت أخيرًا أن تعوضهم عن كل ما سُرق منهم.
القصر الذي عاش أشهرًا من الصمت الثقيل…
عاد يمتلئ بالأصوات مجددًا.
ضحكات،
خطوات متسارعة،
أقمشة فساتين متناثرة،
قوائم طويلة للتحضيرات،
ورائحة القهوة التي لا تنقطع بسبب الاجتماعات اليومية التي تحولت إلى جزء ثابت من البيت.
لقد بدأت الاستعدادات للزفاف أخيرًا.
في بيت كوثر…
كانت الأجواء لا تقل جنونًا.
الأقمشة المطرزة معلقة في كل مكان…
علب الحلوى التقليدية تُرتب بعناية…
وأصوات النساء تتداخل بين الضحك والنصائح والحكايات القديمة عن الأعراس.
أما ديلان…
فكانت تعيش حالة لا تشبه أي شيء عرفته من قبل.
كل صباح تستيقظ وهي تشعر أن قلبها أخف قليلًا…
وأن الحياة التي ظنت يومًا أنها لن تبتسم لها مجددًا، تعود لتربت على روحها بهدوء.
وقفت أمام المرآة ذلك اليوم، تقيس أحد الفساتين التي أرسلتها المصممة لتجربتها.
كان فستانًا واسعًا أنيقًا بلون عاجي هادئ، مطرزًا بخيوط فضية ناعمة، مع طرحة طويلة تنساب برقة خلفها.
أما نقابها…
فكان بسيطًا وراقيًا، يليق تمامًا بهدوئها وهيبتها.
دخلت سلمى الغرفة فجأة، وما إن وقعت عيناها على ديلان حتى وضعت يدها فوق قلبها وصاحت:
سلمى: يا إلهي… باران لن ينجو هذه المرة أيضًا.
احمرّ وجه ديلان فورًا وهي تخفض رأسها بخجل.
أما سلمى، فاقتربت منها بسرعة وأخذت تدور حولها بانبهار.
سلمى: أقسم أنكِ تبدين أميرة من قصص قديمة.
ضحكت كوثر التي كانت تراقبهما من الباب وقالت بحنان:
كوثر: بل عروسًا انتظرت فرحتها طويلًا حتى استحقتها.
ارتجفت عينا ديلان بالدموع فورًا.
أما سلمى، فاحتضنتها بسرعة وهي تهمس:
سلمى: انتهت الأيام الصعبة… حان وقت الفرح الآن.
وفي تلك الأثناء،
داخل القصر…
كان الوضع أكثر فوضى.
عاكف يجلس مجبرًا وسط أكوام من التصاميم التي اختارتها سلمى بنفسها…
وعلامات الانهيار واضحة على وجهه.
بينما كانت سلمى تتحدث بحماس لا ينتهي:
سلمى: وهذه الورود ستكون عند المدخل؛ والإضاءة هنا؛ أما المنصة فستكون مزدوجة بما أن لدينا عروسين.
رفع عاكف رأسه ببطء وقال بذهول:
عاكف: ماذا تعنين “لدينا عروسين”؟.
توقفت سلمى فجأة، ثم ابتسمت تلك الابتسامة التي تعني المصيبة دائمًا.
اقتربت منه وقالت بثقة:
سلمى: لأننا قررنا إقامة زفافنا أنا وأنت في الليلة نفسها.
ساد الصمت.
حتى باران، الذي كان يشرب قهوته بهدوء قرب النافذة، اختنق فجأة وهو يحاول كتم ضحكته.
أما عاكف…
فبقي ينظر إليها وكأن عقله توقف عن العمل.
عاكف: ماذا؟!.
دخلت فاطمة في تلك اللحظة وهي تضحك:
فاطمة: في الحقيقة… الفكرة أعجبتني جدًا.
رفع عاكف يديه باستسلام:
عاكف: ممتاز… إذًا الجميع اتفق ضدي دون أن يسألني حتى؟.
اقترب باران أخيرًا وربت على كتف أخيه بمشاكسة نادرة:
باىان: اعتبرها عقوبة السنوات التي كنت تتعالى علينا فيها.
نظر إليه عاكف بصدمة مصطنعة:
عاكف: حتى أنت؟.
أما سلمى، فانحنت نحوه قليلًا وقالت بانتصار:
سلمى: انتهى أمرك يا سيد عاكف، فأخي هو من قرر ذلك.
ضحك الجميع بقوة.
وكان ذلك الضحك تحديدًا…
أجمل صوت سمعه البيت منذ زمن طويل.
لكن خلف تلك الأجواء المرحة…
كان هناك شيء أعمق يحدث داخل القلوب.
شيء يشبه الامتنان.
الجميع كان يعلم جيدًا أن هذه اللحظات لم تكن مضمونة يومًا.
قبل أشهر فقط…
كانوا يجلسون في الممرات الباردة للمستشفى ينتظرون نتائج قد تغيّر حياتهم كلها.
أما الآن…
فهم يناقشون تفاصيل الزهور والأغاني وقاعات الزفاف.
وكأن الله أراد أن يجبر قلوبهم دفعة واحدة.
في إحدى الأمسيات…
اجتمع الجميع في الحديقة الكبيرة للقصر لمناقشة آخر التحضيرات.
الأضواء الذهبية كانت تزين الأشجار…
والهواء الصيفي الدافئ يلف المكان براحة غريبة.
جلست ديلان قرب باران بصمت، بينما كانت سلمى تتجادل مع منظم الحفل حول تفاصيل المقاعد.
أما عاكف…
فكان يراقبها من بعيد بنظرة استسلام ممزوجة بحب واضح رغم محاولاته الدائمة لإخفائه.
لاحظ باران ذلك فابتسم بخفة.
ثم مال قليلًا نحو صديقه وهمس:
باران: لم أرك تنظر إلى أحد هكذا من قبل.
نظر عاكف إليه ببرود متعمد:
عاكف: لا تبدأ أنت أيضًا.
ضحك باران بهدوء.
أما عاكف، فتنهد أخيرًا وهو يراقب سلمى تلوّح بيديها بحماس وهي تتحدث.
ثم قال بصوت منخفض صادق:
عاكف: لا أعلم متى أصبحت جزءًا من روحي بهذا الشكل.
ابتسم باران طويلًا.
ذلك الاعتراف لم يكن سهلًا على رجل مثل عاكف.
ربت على كتفه وقال:
باران: لأن الله يعوض الإنسان دائمًا… لكن بطريقته الخاصة.
أما في الجهة الأخرى…
فكانت ديلان تراقب باران بصمت.
ترى ضحكته…
ملامحه التي استعادت الحياة…
ذلك النور الذي عاد إلى عينيه بعد شهور طويلة من الألم.
شعرت فجأة أن قلبها امتلأ بشيء أكبر من الفرح.
شيء يشبه السكينة.
اقتربت منه بهدوء وهمست:
ديلان: أتصدق أحيانًا أن كل هذا حقيقي؟.
التفت إليها فورًا.
ثم أمسك يدها برفق وقال:
باران: بعد كل ما عشناه… أعتقد أن الله أراد أن يمنحنا فرحين بدلًا من فرح واحد.
ابتسمت بعينين دامعتين.
أما هو…
فنظر نحو الأضواء المعلقة فوقهم، ثم عاد ينظر إليها وقال بصوت عميق دافئ:
باران: أريد أن تكون تلك الليلة بداية جديدة لنا جميعًا،
ليلة ندفن فيها كل الألم الذي مررنا به، ونبدأ الحياة التي حلمنا بها أخيرًا.
وفي تلك اللحظة،
بين الضحكات،
والأضواء،
ورائحة الصيف الدافئة،
شعر الجميع أن الحياة، بعد قسوتها الطويلة،
بدأت أخيرًا تبتسم لهم.
انقسمت الأيام التي سبقت الزفاف بين بيتين…
لكن القلوب كانت معلقة ببعضها طوال الوقت.
في بيت كوثر…
كانت ديلان تعيش تفاصيلها الأولى كعروس وسط دفء نسائي حنون، تختلط فيه رائحة القهوة التركية برائحة الأقمشة الجديدة والعطور الشرقية الخفيفة.
أما في القصر…
فكان باران يعيش لأول مرة شعور الرجل الذي يستعد ليبني بيتًا وحياةً كاملة مع المرأة التي أحبها حتى صار يخاف فقدانها أكثر من خوفه من الموت نفسه.
وفي مكان آخر داخل القصر،
كانت سلمى تقلب البيت رأسًا على عقب استعدادًا لزفافها هي وعاكف في الليلة نفسها، بينما عاكف يراقب كل تلك الفوضى بنظرات عاجزة بين الاستسلام والدهشة.
في بيت كوثر…
كانت الساعة تقترب من التاسعة مساءً.
والكتب الجامعية مفتوحة فوق الطاولة الصغيرة في غرفة ديلان، لكن عقلها لم يكن قادرًا على التركيز بالكامل.
امتحانات نهاية السنة اقتربت،
وفي الوقت نفسه كانت التحضيرات للزفاف تسحب قلبها نحو عالم آخر بالكامل.
جلست فوق السرير تضم دفترا بين يديها، بينما كانت سلمى على مكالمة فيديو معها من القصر.
ظهرت سلمى على الشاشة وهي مستلقية وسط عشرات علب الزينة والأقمشة.
قالت بتذمر درامي:
سلمى: أقسم أنني سأهرب يوم الزفاف.
ضحكت ديلان بخفة لأول مرة منذ ساعات طويلة.
أما سلمى، فأكملت وهي ترفع قطعة قماش بيضاء:
سلمى: انظري؛ هذه خامس مرة يغير فيها عاكف رأيه بشأن بدلته.
سمعتا صوت عاكف من بعيد يقول ببرود:
عاكف: لأنكِ تريدين جعلي أبدو كأحد أمراء المسلسلات التاريخية.
انفجرت ديلان ضاحكة.
أما سلمى، فصاحت غاضبة:
سلمى: وهل هذا سيء؟!
ثم اقترب وجهها من الهاتف فجأة وهمست لديلان:
سلمى: بالمناسبة؛ باران منذ الصباح يسأل عنكِ كل عشر دقائق.
احمرّ وجه ديلان فورًا.
وفي اللحظة نفسها تقريبًا،
رن هاتفها مكالمة على الخط الآخر.
توقفت سلمى عن الكلام فور، عند رؤية إبتسامة ديلان ، عند رؤيتها الاسم على الشاشة.
ثم ابتسمت بخبث:
سلمى: وها هو العاشق المريض سابقًا يتصل.
أغلقت ديلان المكالمة بسرعة وسط ضحكات سلمى المرتفعة، ثم أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تجيب.
ظهر وجه باران على الشاشة.
كان جالسًا في سيارته، يرتدي قميصًا أسود بسيطًا، بينما بدت خلفه أكوام من ملفات الزفاف والتصاميم.
لكن رغم التعب الظاهر على ملامحه،
كانت عيناه ممتلئتين بالحياة مجددًا.
وذلك وحده كان يكفي ليجعل قلب ديلان يضطرب.
ابتسم فور رؤيتها.
ابتسامة هادئة دافئة تشبه الطمأنينة نفسها.
باران: اشتقت إليكِ.
خفضت عينيها بخجل وهي تبتسم دون وعي.
ديلان: مرت ساعات فقط.
أجابها بصوت منخفض عميق:
باران: ومن قال إن الساعات تمر بسهولة بعيدًا عنكِ؟.
ارتجف قلبها بعنف.
أما هو، فظل يتأملها طويلًا عبر الشاشة.
ثم قال فجأة:
باران: تبدين متعبة.
تنهدت بخفوت وهي تنظر إلى الكتب قربها.
ديلان: الامتحانات والتحضيرات معًا؛ أشعر أن رأسي سينفجر.
ابتسم بحنان بالغ.
باران: لهذا قلت لكِ ركزي على دراستكِ واتركي الباقي عليّ.
رفعت عينيها نحوه وقالت باعتراض خافت:
ديلان: لكنه زفافنا؛ أريد أن أشارك في كل التفاصيل.
أمال رأسه قليلًا وهو ينظر إليها بنظرة ممتلئة حبًا.
باران: وجودكِ بخير يكفيني.
ساد الصمت للحظات…
ذلك الصمت المليء بالشوق.
ثم قال باران فجأة:
باران: افتحي النافذة.
عقدت حاجبيها باستغراب.
ديلان: ماذا؟.
ابتسم بخفة:
باران: فقط افتحيها.
نهضت ببطء واتجهت نحو نافذة غرفتها.
وما إن فتحتها،
حتى اتسعت عيناها بدهشة.
سيارة باران كانت متوقفة أسفل البيت.
شهقت وهي تعود تنظر إلى الهاتف:
ديلان: باران!.
ضحك بصوت خافت لأول مرة منذ مدة طويلة.
باران: قلت لكِ إن الساعات لا تمر بسهولة.
شعرت بحرارة تجتاح وجهها بالكامل.
أما هو، فأضاف بمشاكسة هادئة:
باران: انزلي لخمس دقائق فقط؛ أعدكِ أنني سأعيدكِ قبل أن تغضب خالتكِ.
بعد دقائق،
كانت ديلان تجلس إلى جانبه داخل السيارة.
الشارع هادئ،
والليل يلف المدينة بسكون دافئ.
أما قلباهما…
فكانا يعيشان شيئًا آخر تمامًا.
نظر باران إليها طويلًا.
طويلًا جدًا،
حتى ارتبكت وهمست:
ديلان: لماذا تنظر إليّ هكذا؟.
أخذ نفسًا بطيئًا ثم قال بصوت ممتلئ بالشعور:
باران: لأنني ما زلت حتى الآن أخاف أن يكون كل هذا حلمًا… وأن أستيقظ فأجد نفسي مجددًا داخل غرفة المستشفى.
انقبض قلبها فورًا.
أما هو، فأكمل وهو يبتسم بخفة:
باران: لكنكِ هنا؛ وهذا يجعلني أصدق أن الله عوضني فعلًا.
أخفضت رأسها وهي تحاول إخفاء دموعها.
ثم همست:
ديلان: وأنا أيضًا؛ كلما رأيتك بخير أشعر أنني ولدت من جديد.
مد يده نحوها ببطء…
ثم أمسك يدها بحنان شديد.
باران: شهر واحد فقط يا ديلان،
ثم تصبحين معي إلى الأبد.
ارتجفت أنفاسها.
أما هو؛
فأغمض عينيه للحظة وكأنه يتخيل ذلك اليوم الذي انتظره طويلًا.
وفي القصر…
كانت الفوضى مستمرة.
سلمى تركض بين العمال والمصممين وكأنها تدير معركة حقيقية.
أما فاطمة وزينب فكانتا تشرفان على التحضيرات الكبيرة الخاصة بالزفافين معًا.
الحديقة بدأت تتحول تدريجيًا إلى لوحة ساحرة من الأضواء البيضاء والورود.
بينما وقف عاكف في منتصف الصالون يحدق في نماذج بطاقات الدعوة وكأنه أمام قضية مصيرية.
اقترب منه باران بعد عودته من لقاء ديلان.
ثم قال بمشاكسة خافتة:
باران: لم أتوقع يومًا أن أراك متوترًا بسبب لون الورود.
رفع عاكف عينيه إليه ببرود:
عامف: ولم أتوقع يومًا أن أراك تقود نصف ساعة فقط لترى شخصًا لخمس دقائق.
ضحك باران بصوت حقيقي هذه المرة.
أما عاكف؛
فنظر إليه مطولًا.
ثم قال بهدوء صادق:
عاكف: من الجيد أن أراك تضحك هكذا مجددًا.
ساد الصمت لحظة.
أما باران، فابتسم وهو ينظر نحو الحديقة المضاءة.
ثم قال بصوت منخفض ممتلئ امتنانًا:
باران: أشعر وكأن الله أعاد لي الحياة؛ لذلك أريد أن أعيش كل لحظة منها كما ينبغي.
وفي تلك الليلة،
بين كتب الامتحانات،
ومكالمات الفيديو الطويلة،
وضجيج التحضيرات،
والقلوب المعلقة بموعد الزفاف،
كان الجميع يشعر أن الأيام القادمة لن تكون مجرد احتفال،
بل بداية عمر جديد كُتب لهم بعد نجاةٍ لم تكن سهلة أبدًا.
بدأت الأيام الأخيرة قبل الزفاف تمضي بسرعةٍ مربكة،
حتى إن الجميع شعر وكأن الزمن، الذي كان ثقيلًا ومؤلمًا داخل أروقة المستشفى، قرر فجأة أن يركض.
لكن رغم اقتراب الفرح،
لم تكن الطرق كلها تجتمع في مكان واحد.
ديلان بقيت في بيت خالتها كوثر كما تقتضي العادات،
تعيش تفاصيلها الأخيرة كعروس بين دفء النساء وضجيج التحضيرات ورائحة الحناء والأقمشة الجديدة.
أما باران،
فعاد إلى القصر مع والدته فاطمة وزينب، يحاول ترتيب كل شيء بنفسه، وكأنه يريد أن يعوض ديلان عن كل لحظة خوف عاشتها بسببه.
وفي مكان آخر من المدينة،
كان عاكف داخل منزله الخاص، المنزل الذي ظل باردًا وصامتًا لسنوات طويلة، قبل أن تدخله سلمى ذات يوم وتبعثر هدوءه بالكامل.
في بيت كوثر،
كان المساء مزدحمًا بالأصوات.
أصوات النساء،
ضحكاتهن،
وحركة الأقمشة وصناديق الحلوى التي امتلأت بها غرفة الجلوس.
أما ديلان،
فكانت جالسة فوق الأرض قرب الطاولة الصغيرة، تحاول مراجعة بعض الدروس استعدادًا لامتحاناتها الأخيرة.
لكنها كانت تقرأ السطر نفسه للمرة العاشرة دون أن تستوعب شيئًا.
تنهدت بخفوت وهي تغلق الكتاب أخيرًا.
لاحظت كوثر ذلك، فاقتربت منها وهي تحمل كوبًا من الشاي الساخن.
جلست قربها وقالت بحنان:
كوثر: عقلكِ ليس هنا أصلًا.
ابتسمت ديلان بخجل خفيف.
ثم همست:
ديلان: أحاول التركيز؛ لكنني أشعر أن قلبي يعيش في مكان آخر منذ أيام.
ربتت كوثر على يدها بحنان أمومي دافئ.
كوثر: هذا طبيعي يا ابنتي؛ كل فتاة تعيش هذا التوتر قبل زفافها.
لكن ديلان خفضت عينيها وهمست بصوت أعمق:
ديلان: ليس الزفاف فقط يا ماما كوثر…
أحيانًا أنظر لكل ما يحدث وأخاف.
عقدت كوثر حاجبيها بحنان:
كوثر: تخافين من ماذا؟.
ترددت ديلان للحظة؛
ثم قالت بصوت مكسور بالكاد خرج:
ديلان: أخاف أن تسرقنا الحياة من جديد؛ بعد أن أعادت باران إلينا.
شعرت كوثر بوخزة داخل قلبها.
اقتربت منها أكثر ثم احتضنتها برفق.
كوثر: لا تعيشي أسيرة الخوف يا ديلان…
لو رأيتِ كيف عاد باران للحياة من أجلكِ لفهمتِ أن الله لن يخذل قلبين تعلّقا به بهذا الشكل.
أغمضت ديلان عينيها داخل حضن خالتها.
أما في داخلها…
فكانت تحاول فعلًا أن تتعلم كيف تصدق السعادة دون خوف.
وفي تلك اللحظة تقريبًا…
كان باران في القصر يقف وسط الحديقة الكبيرة التي تحولت إلى ورشة كاملة استعدادًا للزفاف.
الأضواء البيضاء تُعلّق بين الأشجار…
الورود تصل تباعًا…
والعمال يتحركون في كل اتجاه.
وقف يراقب كل شيء بصمت طويل.
حتى اقتربت منه فاطمة وهي تتابع نظراته.
قالت بابتسامة دافئة:
فاطمة: يبدو أنك تريد إقامة زفاف لأسرة ملكية لا حفل زواج فقط.
ابتسم بخفة دون أن يبعد عينيه عن المكان.
ثم قال بصوت هادئ:
باران: أريدها أن تشعر أن الله عوضها عن كل شيء.
شعرت فاطمة بغصة حادة داخل قلبها.
ذلك الابن الذي خرج من الموت قبل أشهر قليلة…
ها هو الآن يقف يحلم بتفاصيل حياة كاملة.
اقتربت منه وربتت على كتفه.
فاطمة: يكفي أنك عدت لنا سالمًا يا باران.
أغمض عينيه للحظة قصيرة.
ثم قال بصوت منخفض:
باران: لا أريد فقط أن أعيش يا أمي…
أريد أن أعيش الحياة التي حُرمت منها طويلًا.
نظر نحو الأضواء المعلقة وأضاف بابتسامة دافئة:
باران: أريد بيتًا مليئًا بالضحك؛ بأطفال يشبهونها؛ بأيام عادية لا نخاف فيها من الغد.
اغرورقت عينا فاطمة بالدموع فورًا.
أما هو…
فأخرج هاتفه ونظر إلى صورة ديلان التي تزين شاشته.
ثم ابتسم دون وعي.
وفي منزل عاكف؛
كان الوضع مختلفًا تمامًا.
الهدوء يسيطر على المكان،
لكن ذلك الهدوء لم يعد كما كان.
فمنذ دخول سلمى إلى حياته،
حتى الصمت صار يحمل شيئًا منها.
جلس عاكف فوق الأريكة يحدق في بدلة الزفاف المعلقة أمامه وكأنها تخص شخصًا آخر.
حتى رن هاتفه فجأة.
ظهرت صورة سلمى.
تنهد باستسلام قبل أن يجيب.
وما إن فتح المكالمة حتى ظهر وجهها على الشاشة بعصبية واضحة.
سلمى: عاكف! لماذا لا ترد على رسائلي؟.
قال بهدوء بارد متعمد:
عاكف: لأنكِ أرسلتِ سبعًا وعشرين رسالة خلال ساعة واحدة.
اتسعت عيناها بصدمة مصطنعة:
يلمى: وهل هذا كثير على خطيبتك؟.
أغمض عينيه وهو يحاول كتم ابتسامته.
أما هي، فأكملت بحماس:
سلمى: اسمع؛ قررت أن نغير تنسيق الطاولات.
فتح عينيه ببطء وقال وكأنه يستعد لكارثة:
عاكف: مرة أخرى؟.
سلمى: نعم، لأن التنسيق السابق لا يناسب الإضاءة الجديدة.
ظل ينظر إليها بصمت للحظات.
ثم قال فجأة بصوت هادئ عميق:
عاكف: سلمى…
توقفت عن الكلام فورًا.
كانت تعرف هذه النبرة جيدًا.
نبرة الرجل الذي يقول شيئًا خرج من قلبه مباشرة.
تنهد بخفة ثم قال:
عاكف: هل تدركين أنكِ غيّرتِ هذا البيت بالكامل؟.
رمشت بعينيها بدهشة خفيفة.
أما هو، فأكمل وعيناه ثابتتان عليها عبر الشاشة:
عاكف: قبل معرفتكِ؛ كنت أعود إلى هنا فقط لأنام.
أما الآن؛ فأعود وأنا أفكر إن كنتِ ستتصلين أو ستصرخين عليّ بسبب لون الورود.
انفجرت ضاحكة رغم احمرار وجهها.
لكن قلبها ارتجف بعنف.
أما عاكف…
فابتسم أخيرًا.
ابتسامة صغيرة نادرة جعلت سلمى تصمت للحظة وهي تتأمله.
ثم همست بخفوت:
سلمى: أحبك.
ساد الصمت.
أما هو…
فأخفض عينيه قليلًا وكأن الكلمة أصابته في مكان عميق داخله.
ثم قال بصوت منخفض صادق:
عاكف: وأنا أيضًا؛ بصورة لم أكن أظن أنني قادر عليها يومًا.
ومع مرور الأيام…
أصبحت حياة الجميع معلقة بين أمرين:
التحضيرات…
والامتحانات.
ديلان وسلمى كانتا تدرسان عبر مكالمات الفيديو أحيانًا، قبل أن يتحول الحديث بعد دقائق إلى الفساتين والزفاف والحناء.
أما باران…
فكان يتصل بديلان كل ليلة تقريبًا.
أحيانًا يتحدثان لساعات…
وأحيانًا يبقى فقط ينظر إليها عبر الشاشة بصمت.
وفي إحدى الليالي…
كانت ديلان تراجع دروسها حين جاءها اتصال فيديو منه.
أجابت فورًا.
فوجدته مستلقيًا فوق الأريكة في مكتبه بالقصر، يبدو متعبًا قليلًا.
لكن عينيه كانتا تبحثان عنها فورًا.
ابتسم حين رآها وقال:
باران: كنت أحتاج رؤيتكِ فقط.
شعرت بحرارة خفيفة تلفح وجهها.
ثم قالت بقلق:
ديلان: تبدو مرهقًا؛ هل أعبت نفسك اليوم؟.
ابتسم بخفة.
باران: قليلًا… لكنني بخير.
ظلت تراقبه بصمت.
أما هو؛
فقال فجأة:
باران: أتدرين ما أكثر شيء يشغلني هذه الأيام؟.
همست:
ديلان: ماذا؟.
نظر إليها طويلًا…
ثم قال بصوت مليء بالشعور:
باران: أن أصل إلى ليلة زفافنا؛ وأن أراكِ تمشين نحوي أخيرًا بالحلال بعد كل ما مررنا به.
ارتجف قلبها بقوة.
أما باران؛
فابتسم وهو يهمس:
باران: أعتقد أنني سأبكي حينها.
ضحكت ديلان وسط دموعها.
بينما كان قلباهما، رغم المسافات والبيوت المختلفة…
يقتربان أكثر من أي وقت مضى.
مرّت الأيام الأخيرة بسرعةٍ جعلت الجميع يشعر وكأن الزمن نفسه يركض نحو ليلة انتظروها طويلًا…
ليلة الحناء.
الليلة التي تسبق الزفاف في العادات التقاليد، حيث تختلط الفرحة بالدموع، وتتحول العروس من فتاة تعيش في بيت أهلها، إلى امرأة تستعد لعبور بابٍ جديد في حياتها.
وقد كانت تلك الليلة مختلفة،
لأنها لم تكن حناء لعروس واحدة فقط.
بل لعروسين،
ديلان وسلمى.
ولأن بيت كوثر كان بيتًا تقليديًا واسعًا، مليئًا بالدفء والذكريات، قررت العائلتان إقامة الليلة هناك، ليجتمع الجميع تحت سقف واحد قبل ليلة الزفاف الكبرى.
قبل الغروب بساعات،
كان البيت يعيش حالة من الفوضى الجميلة.
الأضواء الذهبية علقت في الفناء الكبير،
الستائر المطرزة زينت الجدران،
والروائح الشرقية امتزجت ببخار القهوة التركية والحلويات التقليدية التي امتلأت بها الطاولات الطويلة.
في إحدى الزوايا،
كانت النساء يجهزن صينية الحناء الكبيرة.
صينية نحاسية مزينة بالشموع الحمراء والورود المجففة والشرائط الذهبية، تتوسطها أوعية الحناء المعطرة بماء الورد والعنبر.
أما أصوات الدفوف والأغاني الشعبية التقليدية القديمة،
فكانت تتسلل إلى كل زاوية من البيت.
داخل غرفة ديلان،
كانت الأجواء مختلفة تمامًا.
هدوء ثقيل،
يشبه اللحظات التي تسبق البكاء.
جلست ديلان أمام المرآة، ترتدي قفطانًا تقليديًا بلون أحمر قانٍ مطرز بخيوط ذهبية دقيقة، بينما انسدلت طرحتها الحريرية الطويلة فوق كتفيها بهدوء مهيب.
أما سلمى،
فكانت ترتدي قفطانًا مشابهًا بلون أخضر زمردي، لكنها بقيت كما هي رغم كل شيء؛ تتحرك وتتحدث وتضحك بلا توقف حتى وهي عروس.
وقفت خلف ديلان تتأملها عبر المرآة، ثم وضعت يدها فوق قلبها وقالت بانبهار صادق:
سلمى: أقسم أنكِ تبدين وكأنك خرجتِ من حكاية عثمانية قديمة.
ابتسمت ديلان بخجل خافت.
لكن عينيها كانتا ممتلئتين بشيء آخر…
شيء يشبه رهبة اللحظة.
لاحظت سلمى ذلك فورًا.
اقتربت منها بهدوء هذه المرة، ثم جلست قربها وقالت بصوت دافئ:
سلمى: ماذا بكِ؟.
تنهدت ديلان ببطء وهي تنظر لانعكاسها في المرآة.
ثم همست:
ديلان: أشعر أن قلبي يرتجف…
سلمى: خوف؟
هزّت رأسها بخفة.
ديلان: لا أعلم…
ربما لأنني انتظرت هذا اليوم طويلًا حتى صرت أخاف تصديقه.
شعرت سلمى بغصة داخل قلبها.
تعرف جيدًا كم عانت ديلان؛
كم بكت بصمت؛
وكم مرة ظنت أن الحياة لن تمنحها السعادة أبدًا.
احتضنتها فورًا وهمست قرب أذنها:
سلمى: بعد كل الذي مررتِ به… من حقكِ أن تفرحي حتى النهاية.
أغمضت ديلان عينيها داخل حضنها.
وفي تلك اللحظة؛
رن هاتفها.
نظرت إلى الشاشة؛
فارتجف قلبها فور رؤية اسم باران.
ابتسمت سلمى بخبث وهي تنهض:
سلمى: سأترككِ مع العريس المشتاق.
احمرّ وجه ديلان فورًا.
أما سلمى، فخرجت وهي تضحك بصوت مرتفع.
أجابت ديلان على مكالمة الفيديو بيد مرتجفة قليلًا.
ظهر باران على الشاشة مرتديًا بدلة سوداء أنيقة، بينما بدا خلفه عاكف الذي كان يحاول عبثًا تعديل ربطة عنقه وسط تذمره المستمر.
لكن باران؛
ما إن رآها؛
حتى صمت.
تمامًا.
كأن الكلمات غادرت العالم فجأة.
ظل ينظر إليها طويلًا؛
طويلًا جدًا؛
حتى ارتبكت وهمست بخجل:
ديلان: لماذا تنظر هكذا؟.
تنفس ببطء، ثم قال بصوت خرج مثقلًا بالمشاعر:
باران: لأنني عاجز عن استيعاب أنكِ ستصبحين زوجتي غدًا.
ارتجف قلبها بعنف.
أما هو؛
فابتسم تلك الابتسامة الهادئة التي عادت إلى وجهه بعد شفائه.
ثم قال:
باران: لو رأيتِ نفسكِ بعيني الآن، لفهمتِ لماذا نجوت من الموت متمسكًا بالحياة.
اغرورقت عيناها بالدموع فورًا.
وفي الخلفية؛
ظهر عاكف فجأة وهو يقول ببرود:
عاكف: هل انتهيتما؟ لأن سلمى تهدد بحرق المنزل إن تأخرنا.
انفجرت ديلان ضاحكة رغم دموعها.
أما باران، فهز رأسه باستسلام قبل أن يهمس لها:
باران: سأراكِ بعد قليل؛ يا أجمل ما أعطاني الله.
ومع حلول الليل؛
بدأ الضيوف بالتوافد.
النساء امتلأن بالألوان الزاهية والعباءات المطرزة؛
الضحكات تعلو؛
والأغاني الشعبية تتصاعد شيئًا فشيئًا.
ثم جاءت اللحظة المنتظرة.
أُطفئت معظم الأضواء؛
ولم يبقَ سوى وهج الشموع الحمراء التي تزين صينية الحناء.
ساد صمت مهيب فجأة.
ثم بدأت النساء يغنين الأغنية التقليدية الخاصة بليلة الحناء؛
أغنية تحمل في كلماتها وداع العروس لبيتها القديم وانتقالها لحياة جديدة.
دخلت ديلان وسلمى ببطء إلى الفناء.
رؤوسهما مغطاة بطرحات حمراء شفافة؛
والشموع تحيط بهما من كل جانب.
أما ديلان؛
فشعرت أن قلبها يكاد يخرج من صدرها.
كل شيء بدا كالحلم.
الأصوات؛
الأنوار؛
النساء اللواتي يزغردن؛
كوثر التي تبكي بصمت وهي تراها تسير أمامها كعروس حقيقية أخيرًا.
أما فاطمة؛
فكانت تنظر إلى ديلان بعينين ممتلئتين بالحب والامتنان.
تلك الفتاة التي وقفت مع ابنها في أصعب لحظات حياته؛
ها هي اليوم تدخل عائلتهم كابنة لا كزوجة فقط.
جلست العروسان في منتصف الفناء فوق مقعدين مزخرفين.
ثم تقدمت امرأة كبيرة في السن تحمل صينية الحناء.
وضعت قليلًا من الحناء في كف ديلان أولًا.
لكن وفق العادة؛
أغلقت ديلان يدها بخجل.
تعالت الضحكات والزغاريد فورًا.
قالت إحدى النساء بمزاح:
" العروس لن تفتح يدها حتى يقدم العريس الذهب!"
ضحكت النساء أكثر.
وفي تلك اللحظة…
تقدم باران أخيرًا.
كان يرتدي بدلة سوداء فاخرة، وعيناه لا تفارقان ديلان لحظة واحدة.
أما هي؛
فشعرت أن العالم كله اختفى حين رأته.
اقترب منها ببطء؛
ثم انحنى قليلًا وهمس بصوت لم يسمعه سواها:
باران: لو طلبتِ عمري كله الآن لأعطيتكِ إياه.
ارتجفت أنفاسها بعنف.
ثم وضع قطعة ذهبية صغيرة داخل يدها برفق.
رفعت عينيها إليه؛
فوجدته ينظر إليها وكأنه يرى معجزته الخاصة.
عندها فقط؛
فتحت يدها.
تعالت الزغاريد بقوة؛
وامتلأ المكان بالتصفيق والضحكات.
أما كوثر؛
فلم تستطع منع دموعها وهي ترى الحناء تُرسم فوق يد ديلان.
همست وسط بكائها:
كوثر: الحمد لله الذي أراكِ هذا اليوم يا ابنتي؛
وفي الجهة الأخرى؛
كانت سلمى تجادل عاكف حتى في ليلة الحناء.
قالت وهي تفتح يدها بعناد:
سلمى: لا تظن أنني سأصبح هادئة بعد الزواج.
أجابها عاكف ببرود معتاد:
عاكف: أدركت ذلك متأخرًا للأسف.
ضحك الجميع بقوة.
لكن رغم سخريته؛
كانت عيناه ممتلئتين بشيء دافئ كلما نظر إليها.
شيء لم يعرفه قبلها.
اما فاطمة فكانت الفرحة تشع من عينيها، فاليوم تشهد زواج إبنها الذي ظنت انها فقدته، من الفتاة الاي اعادته للمسار الصحيح، ومن جهة أخرى إبنتها التي رأتها اليوم عروسا، التى ظنت انها ستبقى دوما تلك الطفلة المشاكسة.
استمرت الليلة حتى ساعات متأخرة؛
رقصات شعبية؛
ضحكات،
دموع أمهات،
ودعوات صادقة خرجت من قلوب أنهكها الخوف طويلًا.
أما ديلان…
ففي لحظة هادئة وسط كل الضجيج…
رفعت عينيها نحو باران.
كان يقف بعيدًا قليلًا يراقبها بصمت.
لكن تلك النظرة وحدها…
كانت مليئة بعمر كامل من الحب والامتنان والنجاة.
وعندها فقط…
أدركت أن كل الألم الذي مرّ بها…
كان يقودها نحو هذه الليلة ب
