
رواية خادمتي الصامته بقلم اسماعيل موسي
رواية خادمتي الصامته الفصل الرابع والثلاثون34 بقلم اسماعيل موسي
بعد أن هدأت دهشة الضيوف قليلًا، انصرف الحديث إلى القاهرة، وكان نوح أكثر انخراطًا فيه هذه المرة. تحدثت المرأة عن أحوال العاصمة وما يدور في أروقة السرايا، وسألت نوح عن آخر الأخبار التي وصلته، فبدأ يجيبها بهدوء، متنقلًا بين أحوال القصر والصراعات التي تدور بين رجاله، ثم تطرق الحديث إلى الملك فاروق، وما يحيط بحكمه من تجاذبات وتدخلات أجنبية، وإلى النفوذ الذي لم تعد القاهرة قادرة على تجاهله في شؤونها السياسية
كانت تقى جالسة في مكانها، تستمع دون أن تقاطع أحدًا، وكل كلمة تصل إلى أذنها كانت تفتح أمامها بابًا إلى عالم لم تعرف بوجوده إلا في تلك اللحظة. الملك فاروق؟ لم تكن تعرف من يكون. ولم تكن تعرف سعد باشا زغلول الذي جاء ذكره في الحديث، ولا مصطفى النحاس الذي انتقلوا إليه بعد ذلك، ولم تسمع من قبل عن تلك الصراعات التي يتحدثون عنها كما لو أنها أحداث يعرفها كل من يعيش خارج هذه العزبة
شعرت تقى فجأة أنها كانت تعيش في بقعة صغيرة من العالم، لا ترى منها إلا الحقول، والبيوت الطينية، والساقية، والقنوات، ووجوه الفلاحين الذين اعتادت رؤيتهم كل يوم. أما ما يجري في القاهرة، وما يحيط بالحكم، وما تفعله الدول الأجنبية، والأسماء التي تحملها ألسنتهم بسهولة، فكان بالنسبة إليها شيئًا أقرب إلى حكاية أسطورية وصلت إليها من عالم بعيد لا تعرف كيف تصل إليه
لم تتحرك تقى، وإنما جلست تنصت بتركيز شديد، تحفظ الكلمات في ذهنها وتحاول أن تربط بينها، وكلما ظهر اسم جديد بقيت عيناها ثابتتين على المتحدث، كأنها تخشى أن تفوتها كلمة واحدة.
وللمرة الأولى منذ أن جلست إلى مائدة كهذه، لم تكن تفكر في الطعام ولا في ترتيب الأطباق ولا في خدمة الضيوف، بل كانت تحاول أن تفهم العالم الذي بدا أكبر بكثير مما تخيلت
وكان نوح يلاحظ ذلك كله
منذ اللحظة التي نطقت فيها تقى بالفرنسية، لم يتجاوز اندهاشه الأول بعد، وكان بين حين وآخر يرفع عينيه إليها فيجدها غارقة في الحديث، تستمع إلى أسماء لم تعرفها من قبل وأحداث لم يخطر لها يومًا أنها تجري خلف حدود العزبة، ظل يراقبها بصمت، دون أن يسألها عما تفكر فيه، وكأن سماع صوتها للمرة الأولى أمامه لم يكن المفاجأة الوحيدة التي تحملها له هذه الليلة.
وضعت المرأة فنجانها بهدوء، ثم نظرت إلى نوح وقالت بالفرنسية بنبرة حملت هذه المرة شيئًا من الجدية: «وماذا عن خططك للمستقبل يا نوح؟ لا أظن أنه من المفترض أن تجعلك وفاة والديك تنعزل عن العالم وتنسى نفسك إلى هذا الحد
ظل نوح صامتًا، فتابعت المرأة: «الباشا زوجي قلق عليك كثيرًا، وهو لا ينظر إليك باعتبارك مجرد ابن صديقه القديم، بل يعتبرك مثل ابنه تمامًا. كان والدك من أقرب أصدقائه، ولهذا فهو يشعر بمسؤولية تجاهك، ويعتقد أن بقاءك هنا في العزبة لن يصلح شيئًا.
لقد مضى وقت طويل وأنت بعيد عن القاهرة، عن الناس وعن حياتك التي كنت تعيشها قبل وفاة والديك».
ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت،ولهذا كانت زيارتي لهذه العزبة بإيعاز منه، لقد طلب مني أن أحاول إقناعك بالعودة إلى القاهرة، وأن تستعيد حياتك هناك، وتمارس دورك في الحياة السياسية كما كان والدك يفعل
لم تعرف تقى لماذا شعرت في تلك اللحظة أن قلبها ينشق نصفين.
كانت تستمع إلى الحديث، لكن الكلمات لم تعد تمر إلى أذنها كما كانت قبل لحظات. العودة إلى القاهرة لم تعد مجرد حديث عن مستقبل نوح، بل أصبحت احتمالًا حقيقيًا بأن تفقده، بأن يرحل من هذه العزبة، وربما لا تراه بعد ذلك إلا في ذكرياتها.
نظرت تقى إلى المرأة في صمت، وشعرت للمرة الأولى بشيء من الكره الدفين تجاهها. لم تكن تعرف هذه المرأة من قبل، ولم تؤذها في شيء، ومع ذلك كرهت وجودها في تلك اللحظة، لأنها جاءت من القاهرة تحمل معها فكرة تريد أن تأخذ نوح بعيدًا عنها، تأخذ رفيقها وأعز شخص لها، وتعيده إلى عالم لا مكان لها فيه،
حاولت تقى أن تقنع نفسها بأن الأمر لا يعنيها، وأن نوح حر في اختيار حياته، وأنها لا تملك حق الاعتراض على أي قرار يتخذه، لكنها لم تستطع أن تمنع نفسها من التفكير في السؤال الذي جاءها فجأة وبقسوة، ماذا ستفعل إذا رحل نوح؟
وللحظة حاولت أن تتخيل حياتها دونه.
رأت العزبة كما هي، الحقول نفسها، القنوات، الخيل، القصر، المكتبة، الكتب، وكل الأشياء التي اعتادت أن تحيط بها. كل شيء سيبقى في مكانه، لكنها شعرت أن حياتها نفسها ستكون خاوية، لا قيمة لها. فمنذ دخل نوح حياتها لم يعد شيئًا كما كان؛ هو من فتح أمامها أبوابًا لم تكن تعرف أنها موجودة، وهو من جعلها تتعلم وتقرأ وتفكر وتتحدث، وهو أول شخص نظر إليها باعتبارها إنسانة لها عقل وإرادة، لا مجرد خادمة صامتة،
خفضت تقى عينيها، وظلت جالسة في مكانها، تحاول ألا يظهر شيء على وجهها، بينما كان الحديث مستمرًا أمامها،
لكنها لم تعد تسمع التفاصيل، كان هناك سؤال واحد فقط يضرب في داخلها بلا توقف:
ماذا ستكون حياتها إذا لم يعد نوح فيها؟
وفي الجهة الأخرى من المائدة، كان نوح ينظر إليها،
منذ أن بدأت المرأة حديثها، لم يغب عنه التغير الذي طرأ عليها.
رأى الصمت الذي ازداد حولها، ورأى عينيها تنخفضان، ورأى شيئًا في وجهها لم يكن موجودًا قبل دقائق.
تغيّر مزاج تقى دون أن تشعر، حتى هي نفسها لم تفهم ما الذي حدث لها. كانت قبل دقائق تجلس بينهم وتنصت إلى الحديث باهتمام، ثم وجدت نفسها فجأة عاجزة عن البقاء في مكانها. حاولت أن تخفي اضطرابها، واستأذنت بهدوء، ثم غادرت المائدة قبل أن يسألها أحد عن السبب.
خرجت إلى الحديقة، ومشت دون وجهة محددة، حتى ابتعدت عن القصر قليلًا. كان الليل هادئًا، والهواء البارد يمر بين الأشجار، بينما ظلت أصوات الحديث تتلاشى خلفها شيئًا فشيئًا. جلست تحت إحدى الأشجار، وأسندت ظهرها إلى جذعها، ثم بقيت تنظر أمامها دون أن ترى شيئًا.
حاولت أن تفكر في كلام المرأة، في القاهرة، وفي احتمال أن يرحل نوح، لكنها كلما حاولت أن تمنع الفكرة عادت إليها بصورة أشد. ثم شعرت بشيء دافئ ينزلق على خدها
رفعت يدها ومسحت دمعتها باستغراب،لم تكن تعرف متى بدأت في البكاء.
وبعدها نزلت دمعة أخرى، ثم أخرى، حتى تركتها تقى تنساب دون مقاومة. لم تبكِ بصوت، ولم تحاول أن تستدعي الشفقة من أحد، وإنما جلست هناك وحدها، والدموع تنزل من عينيها دون أن تعرف حتى لماذا أصبحت فجأة عاجزة عن السيطرة عليها.
في القصر، انتهت السهرة بعد وقت قصير. صعدت الضيفتان إلى غرفتيهما، وظل نوح وحده لبعض الوقت،كان حديث المرأة لا يزال يدور في ذهنه، لكنه لم يستطع أن يتجاهل خروج تقى المفاجئ،خرج من القصر إلى الحديقة،
كان يسير ببطء بين الأشجار، حتى لمحها من بعيد جالسة تحت الشجرة. توقف مكانه عندما رأى وجهها، وعرف على الفور أنها تبكي.
لم يتقدم إليها مباشرة،بقي لحظة ينظر إليها، وكأن رؤيتها بهذه الصورة أربكته أكثر مما توقع،ثم اقترب بخطوات هادئة حتى صار على مسافة قريبة منها،رفعت تقى رأسها عندما شعرت بوجوده.
التقت عيناها بعينيه، وحاولت بسرعة أن تمسح دموعها، لكنها لم تستطع إخفاء آثارها.
جلس نوح إلى جوارها، دون أن يسألها في البداية عن شيء،
ظل الصمت بينهما للحظات، لكنه لم يكن صمتًا يشبه صمتها القديم. كان صمتًا ممتلئًا بأشياء كثيرة لم تجد الكلمات طريقها إليها بعد.
نظر نوح إلى وجهها، ثم قال بهدوء: «لماذا تبكين يا تقى؟»
هزت رأسها قليلًا، ومسحت خدها بيدها.
«لا أعرف».
قالتها بصدق، وكانت تلك الإجابة أكثر ما جعل نوح يصمت،
نظرت تقى أمامها، ثم قالت بصوت خافت: «ربما لأنني فكرت كثيرًا».
«وفي ماذا فكرتِ؟»
لم تجبه فورًا.
كانت تريد أن تقول له إنها خافت أن يرحل، وأن فكرة فقدانه جعلت قلبها ينشق نصفين، وأنها للمرة الأولى أدركت كم أصبح وجوده جزءًا من حياتها. لكنها لم تستطع أن تقول شيئًا من ذلك.
خفضت عينيها، وسقطت دمعة جديدة على يدها.
أما نوح فظل ينظر إليها، ثم قال بصوت أكثر هدوءًا: «أحيانًا لا نعرف سبب دموعنا إلا بعد أن تنتهي».
نظرت إليه تقى، وبقيت عيناها معلقتين بعينيه للحظة طويلة،
وفي تلك اللحظة، لم تكن بحاجة إلى أن تقول شيئًا.
كان نوح قد فهم أن هناك شيئًا يؤلمها، حتى لو لم يفهم بعد ماهيته.