رواية خادمتي الصامته الفصل الخامس والثلاثون35 بقلم اسماعيل موسي

رواية خادمتي الصامته بقلم اسماعيل موسي
رواية خادمتي الصامته الفصل الخامس والثلاثون35 بقلم اسماعيل موسي


ظل نوح إلى جوارها دون أن يحاول إجبارها على الكلام، فقد كان يعرف تقى منذ سنوات، ويعرف أن صمتها لم يكن فراغًا، وأن وراء هدوئها أشياء كثيرة اعتادت أن تحتفظ بها لنفسها، لكنه هذه المرة كان يرى أمامه فتاة تتكلم وتبكي ولا تعرف كيف تشرح ما يحدث داخلها، فترك لها الوقت حتى تهدأ دون أن يلاحقها بالأسئلة
مسحت تقى دموعها مرة أخرى، ثم قالت بصوت خافت وهي تحاول أن تخفي اضطرابها «هل ستعود إلى القاهرة؟»
رفع نوح عينيه إليها، وكأنه كان يتوقع سؤالًا كهذا منذ اللحظة التي خرجت فيها من المائدة، لكنه لم يتوقع أن يسمعه منها بهذه النبرة، ثم قال «ولماذا تسألين؟»
ابتلعت تقى ريقها وأشاحت بوجهها قليلًا، ثم أجابته «سمعت ما قالته السيدة»
ساد بينهما صمت قصير، وكان نوح يستطيع أن يجيبها ببساطة وأن يقول إنه لم يتخذ قرارًا، وأن الأمر ليس بهذه السهولة، لكنه بقي يتأملها محاولًا أن يفهم لماذا كان مجرد الحديث عن عودته إلى القاهرة قد جعلها تترك المائدة وتجلس وحدها في الحديقة وتبكي، ثم قال أخيرًا «وإذا عدت إلى القاهرة، هل سيزعجك ذلك؟»
رفعت تقى عينيها إليه، وكأن السؤال وضع أمامها ما كانت تحاول الهروب منه منذ خرجت من القصر، لكنها لم تجد ما تقوله، وكان صمتها هذه المرة إجابة كافية، فظل نوح يتأمل وجهها والدموع التي لم تجف تمامًا على خديها، ثم قال بصوت خافت «تقى، أنا لا أريد أن أرحل»
رفعت رأسها ببطء، وكانت تلك الجملة وحدها كافية لأن تخفف شيئًا ثقيلًا عن صدرها، لكنها لم تعرف كيف تُظهر ما شعرت به، وظلت تنظر إليه وكأنها تريد أن تتأكد أنه قالها فعلًا، ثم ابتسم نوح ابتسامة صغيرة وتابع «ولا أظن أنني مستعد لأن أترك العزبة الآن»
خفضت تقى عينيها، وظهرت على ملامحها راحة حاولت إخفاءها، ثم قال بعد لحظة «لكن لماذا كان الأمر قاسيًا عليك إلى هذا الحد؟»
سكتت تقى، وهذه المرة لم تكن تجهل الإجابة، وإنما كانت تعرفها جيدًا، لكنها لم تكن قادرة على قولها، فقد كانت تريد أن تخبره بأن العزبة لم تعد مجرد مكان تعمل فيه، وأن وجوده فيها لم يعد بالنسبة إليها أمرًا عابرًا، وأنها لا تستطيع أن تتخيل صباحًا لا تسمع فيه صوته، ولا مساءً تنتظر فيه عودته، لكنها خافت من الكلمات أكثر مما خافت من دموعها، فاكتفت بأن قالت «لا أعرف»
تأملها نوح طويلًا، ثم لم يسألها مرة أخرى، وجلس إلى جوارها تحت الشجرة بينما ظل الليل يحيط بهما من كل جانب، وكانت تقى تمسح دموعها بين حين وآخر، في حين شرد نوح ببصره أمامه وكأنه يمنحها المساحة التي تحتاج إليها حتى تستعيد هدوءها
وبعد وقت قصير، قالت تقى بصوت خافت «آسفة لأنني تركت المائدة»
أجابها نوح «لا تعتذري، لم تفعلي شيئًا يستحق الاعتذار»
نظرت إليه تقى، ثم هدأت ملامحها قليلًا وارتسمت على وجهها ابتسامة صغيرة وسط آثار الدموع، وللمرة الأولى منذ أن خرجت من المائدة شعرت أن صدرها يستطيع أن يتنفس من جديد، وأن ذلك الخوف الذي مزق قلبها قبل قليل لم يعد بالثقل نفسه، بعدما عرفت أن نوح لن يرحل عن العزبة الآن

لم تمر الأيام التالية بهدوء كما كانت تقى تتمنى، فقد بدأت أخبار القاهرة تصل إلى العزبة بصورة متتابعة، وكانت الأوضاع السياسية هناك تزداد اضطرابًا مع تعثر الوزارات وسقوطها وتشكيل غيرها، بينما ظل اسم نوح حاضرًا في أحاديث من حوله، وكأن ابتعاده عن العاصمة لم يعد أمرًا يمكن التغاضي عنه في وقت كانت الحياة السياسية تحتاج إلى رجال من أمثاله
كان الباشا زوج المرأة التي جاءت إلى العزبة لا يكف عن محاولاته لإقناع نوح بالعودة، وكانت مطالبه تتكرر في كل اتصال تقريبًا، مرة يحدثه عن اضطراب الأحوال، ومرة يذكره بمكانة والده وما تركه من اسم وإرث سياسي، ومرة أخرى يخبره أن بقاءه بعيدًا عن القاهرة لم يعد مقبولًا، وأن عليه أن يعود إلى الساحة السياسية ويكمل الطريق الذي بدأه والده قبل أن تأخذه الوفاة
وكان أكثر ما يضغط به عليه أن هذا الإرث ليس مالًا ولا أرضًا ولا قصرًا، وإنما مسؤولية تركها أبوه خلفه، وأن ابتعاد نوح عنها لا يمكن أن يستمر إلى الأبد، حتى وصل الأمر في إحدى المكالمات إلى القول له إن هروبه من مسؤولياته ليس ابتعادًا عن السياسة فحسب، وإنما خيانة لما أراده والده منه
كان نوح يسمع كل ذلك بصبر، ثم يختصر حديثه بكلمات قليلة ويحاول إنهاء المكالمة، وفي كل مرة كان الباشا يعود إليه من جديد، حتى أصبحت اتصالاته تتكرر خلال اليوم الواحد، وكان نوح يتهرب منها أحيانًا بحجة انشغاله، وأحيانًا يتركها تصل إلى نهايتها دون أن يعطي جوابًا واضحًا، لأنه لم يكن يريد اتخاذ قرار تحت ضغط أحد
سمعت تقى بعض تلك المحادثات، ولم تكن تحتاج إلى سماع أكثر مما سمعت حتى تفهم أن الأمر لم يعد مجرد اقتراح بالعودة إلى القاهرة، وإنما أصبح إلحاحًا مستمرًا يلاحق نوح في عزلته التي اختارها بنفسه
وفي أحد المساءات وجدته جالسًا وحده، وقد بدا عليه الضيق بعد مكالمة طويلة أخرى، فاقتربت منه وجلست إلى جواره دون أن تقاطعه في البداية، ثم قالت بصوت خافت «العزبة لن تذهب إلى أي مكان يا سيد نوح»
التفت إليها، فتابعت وهي تختار كلماتها بعناية «إذا كانت هناك حاجة إلى وجودك في القاهرة، فلا تتمنع أكثر من اللازم، فالناس هناك لا يبدو أنهم سيتوقفون عن طلبك، وما تركه والدك من مسؤوليات لن يختفي لمجرد أنك بقيت هنا»
ظل نوح صامتًا، فكانت تقى تعرف أن الكلام ليس سهلًا عليها، لكنها لم تتراجع، وأضافت «يمكنك أن تذهب إذا كان عليك أن تذهب، ثم تعود، فالعزبة ستبقى هنا، وأراضيك ستبقى هنا، وأنا سأبقى أتابع كل شيء كما علمتني، ولن يتغير شيء بسبب غيابك أيامًا أو حتى مدة أطول»
نظر إليها نوح طويلًا، ولم يجد في كلامها محاولة لإبقائه إلى جوارها هذه المرة، بل وجد شيئًا آخر لم يكن يتوقعه منها، فقد كانت تقى التي بكت خوفًا من رحيله قبل أيام هي نفسها التي تجلس الآن إلى جواره وتخبره ألا يهرب من المسؤولية إذا كانت القاهرة تحتاج إليه
قال لها «أنتِ تريدينني أن أذهب؟»
خفضت تقى عينيها لحظة، ثم أجابت «أريدك أن تفعل ما تراه صوابًا، لا ما تخاف أن تخسره هنا»
بقيت كلماتها بينهما، وكان نوح يعرف جيدًا أن تقى لم تقلها بسهولة، وربما لهذا السبب بالذات شعر أنها المرة الأولى التي تتحدث إليه فيها لا باعتبارها خادمته القديمة ولا باعتبارها المرأة التي يخشى عليها، وإنما باعتبارها شخصًا أصبح قادرًا على أن يقف أمامه ويقول له الحقيقة حتى لو كانت الحقيقة تعني أن يبتعد عنها قليلًا
أما تقى، فظلت جالسة إلى جواره، تخفي في صدرها خوفها القديم من القاهرة ومن احتمال أن تأخذه منها، لكنها لم تشأ أن يكون حبها لوجوده في العزبة سببًا في أن يتخلى عن الطريق الذي تركه له والده، ولذلك قالتها ببساطة، وكأنها تحاول أن تمنحه الإذن الذي لم يطلبه منها، العزبة لن تذهب إلى أي مكان، وكان عليها أن تثبت له أن المكان الذي بناه معها لن ينهار بمجرد أن يبتعد عنه قليلًا.

ظل نوح شاردًا بعد كلمات تقى، وبقيت عيناه معلقتين بشيء بعيد لا تراه هي، وكأن حديثها دفعه إلى التفكير في أمر ظل يؤجله طويلًا، ثم قال بصوت خافت «أشعر أن هواء القاهرة سيقتلني، فقد اعتدت حياة الفلاحين، ونسمات الهواء الباردة، وصوت النيل الذي يجري قرب القصر، حتى أصبحت أشياء كنت أظنها عادية جزءًا من حياتي إلى الحد الذي يصعب معه أن أتخيل نفسي بعيدًا عنها»
ثم استدار نحو تقى، وقال بعد لحظة من الصمت «يجب عليّ أن أرحل فعلًا، لكن عندما أطلبك إلى القاهرة، يجب ألا تتأخري»
ارتبكت تقى من كلامه، وبقيت تنظر إليه لحظة قبل أن تقول «أنا... حياة القاهرة والبندر غريبة عني يا سيد نوح، وكلما رأيت ما رأيته اليوم من تفاصيل حياة السيدتين وطريقة حديثهما وتصرفاتهما، شعرت أنني أقل من تلك الحياة، وأنني لا أعرف كيف يمكن لفتاة مثلي أن تجد لها مكانًا بينها»
ابتسم نوح، ولم تكن ابتسامته هذه المرة تحمل شفقة، وإنما شيئًا من الثقة التي اعتادت أن تراها في عينيه كلما تحدث معها عن قدرتها على التعلم، ثم قال «ستتفاجئين بما تستطيعين فعله عندما تصلين إلى هناك، وأعتقد أن لا شيء يمكنه أن يوقفك، حتى الملك نفسه»
نظرت إليه تقى بدهشة، ولم تعرف هل كان يمزح أم يتحدث بجدية، بينما بقيت ابتسامته هادئة، وكأنه كان يرى فيها شيئًا لم تستطع هي أن تراه بعد، شيئًا يجعل القاهرة، بكل ما فيها من اتساع وضجيج وأبواب مغلقة، أقل صعوبة مما تتخيل.

تعليقات



<>