
رواية خادمتي الصامته الفصل السابع والعشرون27 بقلم اسماعيل موسي
عندما عادت تقى إلى القصر، كانت خطواتها أبطأ من المعتاد، لا من التعب، وإنما من ثقل ما شعرت به وهي تعبر العزبة وحدها للمرة الأولى، دخلت إلى الحجرة التي اعتادت أن تقف عند بابها في انتظار أوامر نوح، ثم وضعت دفترها أمامه وجلست في صمت، ظل نوح يقلب الصفحات قليلًا، يتأمل ما كتبته، ثم رفع عينيه إليها وقال بهدوء: «أنتِ تظنين أنكِ عدتِ من أجل أن تكملي عملك كخادمة»، خفضت تقى عينيها، ولم تجب، فتابع: «لكن هذا لم يعد عملك»، رفعت رأسها نحوه، وبقيت عيناها معلقتين بوجهه، فأردف: «منذ اليوم، لن تكون مهمتك أن تخدمي داخل القصر، ولا أن تنتظري من يناديكِ لتنفذي أمرًا، أنتِ ستكونين مسؤولة عن العزبة»، اتسعت عيناها قليلًا، وكأن الكلمات احتاجت إلى لحظة حتى تجد مكانها في عقلها، فابتسم نوح ابتسامة خفيفة وقال: «العزبة هي العين التي أبصر بها ما يجري خارج هذا القصر، وأريدك أن تكوني عيني فيها»، ثم أوضح لها أنها ستنظر وتسمع وتعرف ما يحتاج إلى إصلاح وما يحتاج إلى حزم وما يستحق أن يُترك لأهله، ثم تتخذ ما تراه صوابًا، وأن الدفتر الذي كانت تكتب فيه أوامره لن يعود دفترًا لأوامره وحدها، بل ستسجل فيه قراراتها وما يترتب عليها، ثم قال لها بوضوح إنها لم تعد مضطرة إلى العمل داخل القصر كخادمة، ولا إلى تنظيف حجراته أو القيام بأعمال الخدم، فقد تغيرت مهمتها، وتغير معها أجرها، ثم حدد لها مرتبًا ثابتًا يتناسب مع المسؤولية التي أصبحت تحملها، وبعده حدد مبلغًا آخر لعائلتها يصل إليهم كل شهر، حتى لا تضطر إلى طلب المال من أحد أو أن تعود إلى القلق على طعام إخوتها، ظلت تقى تنظر إليه في صمت، ثم إلى الورقة أمامه، فقال نوح: «هذا ليس فضلًا مني، أنتِ تعملين، ولكِ أجر عملك، وعائلتك لن تجوع لأنكِ أصبحتِ مسؤولة عن العزبة»، عندها خفضت تقى رأسها، وضمت أصابعها إلى بعضها، وكأنها تحاول أن تخفي ارتجافة صغيرة مرت في يديها، فلم يكن المال وحده هو ما هزها، بل معنى أن يكون لها عمل تعرف قيمته، وأجر تحصل عليه دون منّة، ومكان يقف خلفه اسم الرجل الذي منحها ثقته، رفعت رأسها أخيرًا ونظرت إلى نوح بثبات، فقال لها: «لا تخذلي ثقتي بكِ»، فأومأت تقى مرة واحدة، ثم مدت يدها إلى دفترها وضمته إلى صدرها، وكأنها لم تعد تحمل بين صفحاته أوامر سيدها فقط، بل تحمل بداية حياة جديدة لم تعد فيها خادمة داخل القصر، وإنما العين التي اختارها نوح ليرى بها ما يجري في عزبته.
لم يكتفِ نوح بأن يضع مسؤولية العزبة بين يدي تقى، بل أدرك أن المسؤولية التي منحها إياها تحتاج إلى ما هو أبعد من حسن النية والقدرة على تنفيذ ما يقال لها، فقال لها ذات مساء وهو يشير إلى مكتبته: «ستقرئين هنا كل يوم، أريدك أن تزيدي ما تعرفينه، أن تقرئي في التاريخ والحساب وشؤون الناس والأرض، وكلما وجدتِ كتابًا لا تفهمين منه شيئًا فلا تتجاوزيه، عودي إليه حتى تفهميه، فأنتِ لم تعودي مجرد خادمة أحتاج منها أن تنفذ أمرًا، بل أصبحتِ شخصًا أمثله أمام أهل العزبة، ومن يمثلني لا يكفي أن يعرف ما يفعل، بل عليه أن يعرف لماذا يفعله»، ثم نظر إلى ثيابها البسيطة وأضاف بهدوء: «واهتمي بنفسك أكثر، ليس ترفًا أن تكون ثيابك نظيفة ومرتبة، ولا عيب أن تختاري ما يليق بكِ، الناس تنظر إلى من يقف أمامها قبل أن تسمع كلامه، ومن يمثل صاحب العزبة لا بد أن يفرض احترامه بهيئته كما يفرضه بكلمته»، بقيت تقى صامتة لحظات، ثم نظرت إلى ثوبها القديم وكأنها تراه للمرة الأولى بعين مختلفة، وفي صباح اليوم التالي خرجت إلى المركز للمرة الأولى في حياتها وهي تحمل في يدها المال الذي حدده لها نوح، وكانت الطريق نفسها تبدو غريبة عليها، فقد اعتادت أن تعرف حدود عالمها من باب القصر إلى بيوت الفقراء والحقول، أما الآن فكانت تدخل مكانًا لم تطأه من قبل، وحين وصلت إلى السوق وقفت أمام دكاكين الملابس مرتبكة، تتأمل الأقمشة المعلقة والألوان المتجاورة، ولم تعرف من أين تبدأ، اقترب منها أحد البائعين وسألها عما تريد، فتلعثمت في البداية وهي تشرح له أنها تريد ثيابًا تصلح لمن تعمل في العزبة وتمثل صاحبها، ثم بدأ يعرض عليها قطعة تلو أخرى، وكانت تقى تمسك القماش بين أصابعها، تقلبه وتفحصه وتضعه على ذراعها، وتسأل عن ثمنه وجودته، فإذا بالغ في السعر اعترضت عليه، وإذا حاول إقناعها بقطعة لا تعجبها هزت رأسها وطلبت غيرها، ومع مرور الوقت أخذ خجلها يتراجع شيئًا فشيئًا، حتى وجد البائع نفسه أمام امرأة تعرف ما تريد، تناقشه في السعر وتجادله في نوع القماش، وتنتقل من دكان إلى آخر تبحث عما يناسبها، ولم تكن صامتة كما عرفها أهل القصر والعزبة، بل كانت تتحدث، وتسأل، وتضحك أحيانًا من ارتباك البائع حين ترفض ما يعرضه عليها، وكأن صوتها الذي ظل حبيسًا سنوات طويلة كان يكتشف الطريق إلى الخارج من جديد، وحين انتهت من شراء ثيابها وقفت للحظة أمام إحدى واجهات الدكاكين، تنظر إلى صورتها المنعكسة في الزجاج، فلم ترَ تلك الخادمة الفقيرة التي خرجت ذات يوم تبحث عن دواء لأمها، بل رأت امرأة تستعد للعودة إلى العزبة وهي تعرف أن الناس هناك سينظرون إليها بطريقة مختلفة، وأن عليها من الآن فصاعدًا أن تجعل احترامهم لها يبدأ من احترامها هي لنفسها
خرجت تقى من حجرتها بثوبها الجديد، تمشي بخطوات مترددة وكأنها لا تزال غير معتادة على أن يراها أحد بهذه الهيئة، كان ثوبها بسيطًا لكنه أنيق، نظيفًا، مناسبًا لمكانتها الجديدة، وحين وصلت إلى نوح توقفت أمامه لحظة، ثم نظرت إلى ثيابها وخفضت عينيها في خجل، ورفعت يديها بإشارة صغيرة تسأله إن كان ما ترتديه لائقًا، نظر إليها نوح قليلًا، ثم قال بهدوء إن اختيارها كان موفقًا، وإنها أحسنت حين اختارت ما يليق بها دون تكلف، وأضاف أن هيئتها الآن تليق بالمسؤولية التي تحملها، فرفعت عينيها إليه وقد ظهر في وجهها شيء من الرضا لم تستطع إخفاءه، ثم غادرت القصر متجهة إلى بيت أبيها، وكانت هذه المرة تحمل معها أكثر مما اعتادت أن تحمل طوال حياتها، ثيابًا جديدة لإخوتها، وبعض الطعام والحاجات التي اشترتها من المركز، وأشياء صغيرة اختارتها بعناية لكل فرد من عائلتها، وحين اقتربت من البيت الطيني القديم عاد إليها ذلك الشعور الثقيل الذي كانت تعرفه جيدًا، فالبيت لم يتغير، والجدران التي أكلها الزمن ما زالت واقفة بصعوبة، والفقر ما زال يسكن زواياه، لكنها دخلته هذه المرة وهي تحمل ما يكفي لتصنع فيه فرحة قصيرة، غير أنها ما إن وصلت حتى وجدت أباها طريح الفراش، وقد أضعفه المرض وأخذ من جسده ما بقي فيه من قوة، وكانت زوجته الجديدة تتحرك في البيت بوجه متجهم، ترفع صوتها عليه وتضيق بكل ما يحتاجه، وكأن مرضه جعله في نظرها عبئًا لا رجلًا كان يومًا صاحب البيت، أما عويس فكان يزداد انكماشًا تحت وطأة المرض والكلمة القاسية، لا يملك قوة يرد بها ولا مالًا يواجه به حاجته، وفي ناحية أخرى كانت الجدة تجلس صامتة، وقد انحنى ظهرها تحت ما حملته من أعوام، وبدت يداها نحيلتين ترتجفان وهي تحاول القيام بأبسط الأشياء، كان الزمن قد أخذ منها قوتها شيئًا فشيئًا، وترك لها وجهًا غلبت عليه التجاعيد وعيونًا تحمل أكثر مما تستطيع الكلمات أن تحكيه، وحين رأت تقى تدخل محملة بالثياب والطعام، رفعت رأسها إليها طويلًا.