رواية راكان زيدان واصحابه الفصل الثامن8 بقلم داليا السيد محمد

رواية راكان زيدان واصحابه الفصل التاسع بقلم داليا السيد محمد

منحتك فرصتك
لم تستطع سارة النوم، كلمات راكان تطن بأذنها..
لفت الروب الطويل حول بجامتها ونزلت لتناول أي شيء دافئ، لاحظت أن المطبخ مضاء فاندهشت، ربما راكان ولكن..
ما أن دخلت حتى توقفت عن الحركة ولكن قلبها كان يتحرك ويدق بقوة وهي ترى وافي يصنع كوب من القهوة والتفت ليراها أمامه فتوقف بلا حركة وهو يقول بأدب 
"هل أيقظتك؟"
حاولت أن تبتسم وهي تبعد نظراتها عنه، منذ وصلوا وهي تفر منه وظنت أنهم سيرحلون ولكن أخيها اقترح البقاء، ربما من أجل ليان، الفتاة الهادئة التي نامت بمجرد أن دخلت الفراش 
تحركت لتعد كوب الشوكولاتة وقالت "لا، الجو برد فأردت شيء دافئ"
تراجع للمائدة وجلس وما زال بالجينز وقميصه الرمادي ولكنه فتح أزراره ليبدو صدره البرونزي منه ولكنها حاولت ألا تنظر وهو يقول 
"أشعر أننا نزعجك بوجودنا"
سكبت اللبن الدافئ بالكوب على المسحوق والسكر وقالت "وما الذي منحك هذا الانطباع؟"
تناول القهوة وقال "هذا الانزعاج بعيونك"
جلست أمامه وأحاطت الكوب بيداها وهي تنظر له بقوة وقالت "ليس من وجودكم بالتأكيد"
سألها برغبة في مد الحديث للا نهاية "ماذا إذن؟"
تناولت مشروبها وهي تفكر بالكلمات، العربية لغة صعبة ووالدها أصر على تعليمها إياها ولكنها ما زالت تتعثر بها وربما لا تجد كلمات تعبر عما ترغب بقوله ومع ذلك قالت 
"راكان يريدني أن أرحل معه إلى مصر"
تجول على وجهها الساكن والخالي من التعبيرات، هو رأى زيدان الجد مرات قليلة قبل موته ولم يحبه ولكنه يذكر ملامحه وسارة لا تحمل منه أي شيء ربما قوتها
قال "ولكني لا أظنه سيجبرك؟"
هزت رأسها وقالت "لا، لم يفعل، أنا حياتي هنا، كل سنوات عمري مرت وأنا هنا"
نهض وغسل كوبه وأعاده مكانه والتفت ليستند على طرف الحوض وواجها وهو يقول "أمضيت خمسة عشر عاما من عمري بالإسكندرية ثم تركتها عندما طردني والدي، وعندما فكرت بترك الماضي خلفي أدركت أن ترك المكان سيساعدني على بداية جديدة ورحلت للقاهرة، ولم أندم حقا"
نظرت له وهو تلقى نظراتها وهي تقول "والدك طردك؟"
لم يتراجع وهو يقول "نعم، ميسرة زوجته، والدة ليان كانت قاسية ورفضت وجودي بالبيت فطردني"
قالت بلا مشاعر فهي لا تؤمن بأن هناك امرأة داخلها، عاشت كفتاة مزرعة، تحرث الأرض وتحلب البقر وترعى الغنم، ونست أنها أنثى رغم كلمات والدها لكنها أحبت حياتها هنا 
"ولكنك الآن رجل آخر"
أكد كلماتها وهو يقول "نعم، نجحت واخترقت صفوف رجال الأعمال وحققت ما لا أعلم إذا ما كنت سأحققه لو ظللت بجواره"
عاد وتحرك ليجلس بجوارها وما زالت تتبع عيونه كما كان يفعل وقال "لذا طرق باب جديد ليس خطأ بل هو الصواب، وإن لم يصلح لنا ما بنا يمكننا العودة وطرق باب ثاني وثالث حتى نحصل على مرادنا"
عيونها القاتمة ظلت تحدق بعيونه وقلبها يرفرف بسببه
ذلك الرجل لديه تأثير غريب عليها، كل الرجال الذين نشأت بينهم هنا لم تشعر تجاههم بأي شيء مما تجده داخلها الآن
قالت بارتباك "ماذا سأفعل بمصر؟ أنا لا أجيد إلا حياة الريف، أحب الاستيقاظ على صوت العصافير وقضاء الوقت مع الماشية، ركوب الخيل والركض عبر الحقول لرعاية المزرعة، تصليح الأشياء، هذه هي حياتي"
ابتسم وقال "حياة رائعة حقا ولكنها لا تصلح لامرأة جميلة ورقيقة مثلك"
 تورد وجهها بسرعة وارتجف جسدها فنهضت تاركة الكوب دون أن تتناوله وقالت "أشعر بالنعاس، طابت ليلتك"
وفرت هاربة، نعم هاربة من تلك العيون التي تأسرها والكلمات التي تضيق عليها الخناق، هو يؤثر عليها بشكل صعب
دخلت الفراش وما زال قلبها يدق بقوة ولا تعلم لماذا؟ 
هي تعشق المكان هنا وحياتها التي ترعرعت بها فهل يمكنها أن تتركها وتحيا بمكان آخر؟ 
هل تسمع لكلمات وافي بطرق باب جديد وتجربة ما خلفه؟ 
وافي! 
ما الذي يجعلها تسمع لكلماته وتتأثر بها رغم أن أخيها قال نفس الكلمات ولكن بشكل آخر؟ 
ما زال لديها وقت كافي لتفكر وربما تمنح نفسها اجازة وتذهب بزيارة مع راكان وترى كيف هي الحياة هناك قبل أن تقرر البقاء من عدمه
دخلت الفراش وما زال قلبها يدق بقوة ولا تعلم لماذا؟ 
هي تعشق المكان وذكرياتها مع والدها ولن تذهب لأي مكان
نعم هذا هو الحل، ستقبل بالذهاب لمصر بزيارة لمدة اسبوع أو اثنين ثم بعدها تقرر مصيرها، هل سيكون ما وراء الباب هو الأفضل أم العودة هنا لنهاية عمرها!؟
بالصباح كان الجميع يلتفون حول المائدة لتناول الإفطار..
سارة تصنع أطعمة إيطالية رائعة وليان تبدي إعجابها وتحاول التعلم، رغم أنهما متقاربتان بالعمر إلا أن سارة متفتحة جدا وليان خجولة جدا..
تبادلوا أحاديث مرحة وشيقة عن المزرعة والماشية وانحرف راكان بالطبع للعمل حتى نهض وافي وقال "ألا تتوقف عن العمل؟ نحن بإجازة، أريد ركوب الخيل ورؤية المكان، ليان هل تجيدي ركوب الخيل؟"
هزت رأسها بوجه متورد وقالت "نعم، كنت أفعل بالنادي مع بابا"
هز رأسه وقال "ربما نحتاج لمرشد، هل ستأتي؟"
كان يوجه سؤاله لراكان الذي رن هاتفه بذات الوقت فأخرجه ليرى الاسم ثم قال "لا أظن ، سارة ستكون الأفضل"
ابتعدت سارة بالأطباق وقالت "ولم لا؟ سأنتهي من الأطباق ونذهب"
****
رفع ظافر وجهه لسفيان الذي فتح الباب فجأة وقال "لم أعد أراك يا ابن عمي؟"
ابتسم ظافر وتراجع بالمقعد وسفيان يجلس أمامه وظافر يقول "منذ سفر بابا وماما، ومليكة تستحوذ على وقت فراغي"
ابتسم سفيان وقال "لم تكن تهتم بها من قبل فما الجديد؟"
نهض ظافر وجذب زجاجته العتيقة وسكب كأس لسفيان ولنفسه وتحرك له وقال "نعم، هي أيضا قالت المثل، لديها موهبة بالعزف على الكمان ولم تخبرنا من قبل وأظن أني أستطيع مساعدتها"
ضاقت عيون سفيان وقال "كمان!؟ أنت تمزح! عمي لن يقبل بذلك، تعلم أنه يريدها مختلفة"
صدق ظافر على كلماته ثم قال "نعم ولكنها لن تكون إلا ما أرادت، كلانا فعل المثل سفيان، أنت درست تجارة وأنا هندسة رغم اعتراضه، كان يريدني طبيب ولكني فعلت ما أردته فلماذا هي لا؟"
لم يجادل سفيان وهو يرد "عليك بمساندتها أمامه فأنا أخشى من أفكاره الرجعية"
ظل ظافر ينظر لسفيان للحظة ثم قال "ألا توجد أخبار عن ندى؟"
تبدلت ملامح سفيان وتناول جزء كبير من شرابه قبل أن يجيب "لا، تركت الشقة التي منحتها لها والعمل ولم أعد أعرف عنها شيء"
انحنى ظافر للأمام وقال "غريب أمرها، لماذا اختفت هكذا؟ وأنت ألا تريد معرفة مكانها؟ رجالك يمكنها فعل أي شيء"
نهض سفيان وجذب الزجاجة وسكب لنفسه متذكرا كم مرة فكر بها وحاول بالفعل البحث عنها ولكنه تراجع..
قال "لا أريد معرفة شيء عنها، كانت علاقة عادية وانتهت"
نهض ظافر ووقف أمامه وقال بجدية "لم تكن عادية سفيان، أنت تزوجتها وعشت معها وقت كزوج وزوجة، بل وكلاكم توقع طفل"
تحرك سفيان من أمامه للنافذة ووقف أمامها وما زال يذكر كيف تهور معها بشكل لم يفعله مع امرأة من قبل فقال "ولكن ما أن ابتعدت عنها حتى وجدت أني لم أعد أريدها"
والتفت لظافر وقال بجدية "هي اندفعت لي بسبب مكانتي ومركزي وأموالي، أرادت فقط الالتصاق بمن هم مثلي، قبلت الأموال والملابس وطالبت بالمزيد، الزواج الشرعي، أرادت أن تكون زوجة حفيد الحلواني فقط من أجل المكانة"
تحرك ظافر له وقال "كان بإمكانها ملاحقتك ومطالبتك بالكثير وتهديدك بالفضائح بسبب زواجكم العرفي"
تناول المشروب وقال "ليس لديها ما يثبت زواجنا العرفي، هي لم تهتم بالورقة ولم تطالب بها"
تراجع ظافر وقال "لا!؟ إذن هي ليست كما تحاول إظهارها، كان بإمكانها التسبب لك بفضيحة كبيرة وأنت تعلم ذلك، ومع هذا هي لم تفعل واختفت هكذا بلا أي مقدمات، ألا يجعلك هذا تتساءل عن السبب؟"
هز أكتافه بلا مبالاة وقال "ولماذا أفعل؟ لو كان لديها سبب يخصني ما تركتني، أمثالها لا يتركون فرصة إلا وينتهزونها بلا تراجع، دعنا منها وأخبرني متى سيعود وافي وراك؟"
ظل ظافر يحدق بسفيان وهو يجد أنه يأخذ الأمور باستهتار وهي عادته فقط مع النساء، الجميع بالعائلة وبينهم كأصدقاء يعلمون أن ما فعلته أمه جعله لا يثق بأي امرأة وها هو يثبت ذلك بتصرفاته مع أي امرأة تدخل حياته وتمنحه أي مشاعر
ابتعد ظافر وقال "ربما بنهاية الاسبوع، عرفت أن حاتم سيعود بنفس الموعد تقريبا؟"
جلس سفيان وقال "نعم، عيد ميلاد جدك السبعين وأنا أردت تدبير حفل من أجله، لذا أسأل عن وافي وراكان لن أفعل شيء بدون وجودهم"
ابتسم ظافر وقال "رائع، لنا كثيرا لم نحتفل وجدي بحاجة للتغيير، هاتف راكان وتعجله"
هز سفيان رأسه وهو بالأساس كان ينوي فعل ذلك
****
قلعة رائد كما أطلق عليها وافي كانت كبيرة جدا ورائعة، وبعد الوقت الذي قضاه بها تلك المرة أصبح يعشق المكان أكثر
تحرك لرؤية ليان التي كانت تتأرج على الأرجوحة الخشبية المتدلية من الشجرة وابتسم لرؤيتها، كانت تبدو طفلة وشعرها يتطاير خلفها 
توقف أمامها ووضع يداه بجيوبه وقال "تستمتعين بها؟"
ابتسمت وقد بدت أفضل كثيرا خلال المدة التي قضتها هنا، قالت بصدق "جدا، تمنيت كثيرا واحدة مثلها، المكان هنا رائع حقا"
هز رأسه وهو يتجول بعيونه بالمكان الشاسع حوله وقال "رائد طور المكان كثيرا، هو مهندس معماري رائع، وجده أيضا لديه أفكار رائعة"
لم تتوقف وهي تقول "وما هي أعماله؟"
تحرك ليدفع الأرجوحة بها وقال "أشياء كثيرة، شركات عقارية، استيراد وتصدير، تعليب فواكه، تصنيع النبيذ فلديهم حقول كثيرة لزراعة العنب، جد راكان كان يشارك جده بتلك المصانع لكن راكان أوقف ذلك"
سألته "لماذا؟"
صوت رائد أوقف الحديث وهو يهتف من بعيد "وافي، راكان يهاتفك فلم لا تجيب؟"
وضع يده على جيبه فلم يجد هاتفه فقال "نسيت هاتفي بمكتبك أنا قادم"
وتحرك للداخل ووقف أمام رائد وقال "ماذا هناك؟"
قال رائد بجدية "لا أعلم هو طلبك"
****
تقدم راكان داخل المكان القديم والموجود بأحد ضواحي المدينة الأثرية الرائعة والذي تحول لمطعم أنيق والموجودين بدا عليهم الرسمية
تجولت عيونه بالمكان بينما مال سيف عليه وقال "أنت لا تستمع أبدا"
لم تتوقف عيونه عن التجول وهو يقول "لا متعة إلا في المخاطرة سيف، أنت خائف؟"
حدق سيف به بغير تصديق وقال "بالتأكيد خائف لكن عليك"
عاد بعيونه لسيف وقال "لا تخف يا صديقي، لأن خوفك لن يزيد بعمري ولا سينقصه"
ولف وجهه تجاه الرجال التي كانت تتحرك تجاهه وكأنه كان، بل هو يعلم حقا بأنهم بطريقهم له والرجل ذا الجسد الفاره ومن خلفه أربعة آخرين وقفوا خلفه وهو يقول "مستر زيدان"
قال بهدوء بإيطالية لا خطأ بها "مرحبا توليو، تبدو بأفضل حال"
تراجع الرجل وقال "لم نراك منذ سنوات"
عيون راكان جالت على الرجال الواقفة خلف توليو وقال "لا أحب الضوضاء ورئيسك يعشقها"
تراجع الرجل وقال "هذا يعني أنك تريد لقائه؟"
ابتسم راكان ابتسامة لم تصل لعيونه الجامدة وقال "تعني أني أريد مكان هادئ لي ولرجالي ولو رئيسك أراد لقائي فمرحبا به على مائدتي"
لم يتحرك أحد بينما تراجع توليو وقال "هناك مكان جيد ومناسب لمزاجك مستر زيدان"
وأشار بيده فتحرك راكان بثبات، وبالفعل كان المكان شبه خاص ومغلق فتحرك للداخل وتوليو يقول "عشاء!؟"
قبل أن يجلس راكان أو يجيب كان صوت قوي يقول "ليس الآن توليو، أحضر مشروب ترحيب أولا بمكتبي، مرحبا راكان"
لم تنفك ملامح راكان وهو يرد "مرحبا توماسو"
أشار توماسو لتوليو وقال "خذ الرجال وقدم لهم واجب الضيافة توليو"
أحنى الرجل رأسه وهو يقول "كما تأمر يا زعيم"
نظرات راكان لسيف كانت حازمة،  فتحرك مع توليو رغما عنه..
بينما تحرك الرجلان لمكان بعيد عن موائد الطعام حيث باب خشبي عتيق عليه رجلان عمالقة للحراسة ابتعدا لهما وفتح توماسو الباب وترك راكان يدخل ثم تبعه 
أغلق الباب وتحركا للمقاعد الجلدية وجلسا وتوماسو يقول "لكم انتظرت زيارتك هذه"
كان راكان يتأمل ملامح توماسو الحذرة وتلك الرسومات التي تظهر على جسده من تحت ملابسه، وشم على صدره يظهر من فتحة قميصه لكن غير واضح وبالتأكيد هناك العديد منها على جسده فهي سمة المافيا
رد راكان "تعلم أني لا أحب الأماكن التي تتواجد بها"
تراجع الرجل بالمقعد المريح وقال "وكيف عرفت بهذا المكان؟"
ابتسم راكان ولمعت عيونه ولم يجيب، فنفخ توماسو وأبعد وجهه لحظة قبل أن يعود لراكان ويقول "أنت كالزئبق راكان، لا يمسك بك أحد، تفوق جدك بمراحل"
دق الباب فأذن ليدخل رجل بمائدة متحركة وضعها أمامهم وعليها متطلبات المشروب وفتح الزجاجة وسكب المشروب وقدمه لراكان ثم زعيمه وتحرك خارجا
لم يتناول راكان المشروب وقال "لماذا توقف مشروع المسلماني توماسوا وتدفع نورسيني بطريقه؟ هو لا يسبب أي ضرر لك؟"
تناول توماسو الشراب وقال "هو لم يتبع الطريق الصواب راكان وأنت تعلم القوانين"
وضع راكان الكأس على المائدة وقال "رائد خارج دائرتك، تعلم ذلك منذ أيام زيدان الكبير"
تراجع توماسو وقال "وقد مات الكبير وكان عليه تجديد العهد معي وهو لم يفعل"
جمدت ملامح راكان وهو يقول "تقصد أنه لم يعد هناك أهمية لي؟"
نهض توماسو لمكتبه الفاخر وقال "لا تأخذ حديثنا على محمل شخصي راكان، هنا الأمر مختلف"
نبرة راكان كانت تتبدل بروية وهو يقول "مختلف؟ لأي حد توماسو؟ لحد أنك نسيت من أنا؟"
أشعل توماسو سيجارة ونفخ دخانها والتف لراكان وقال "لا، لم أنسى أنك العمدة ولكن هذا بمصر لكن هنا أنا الزعيم وهذا.."
قاطعه راكان بنبرته الرعدية والهادئة هدوء قاتل ومخيف "وهذا يبعدني عن الساحة ويجعلك تطيح بمن هو صديقي الشخصي؟"
للحظة بدا الارتباك على وجه توماسو من هجوم راكان ولكنه جذب نفس من سيجارته ونفخ دخانها مرة أخرى وقال "راكان.."
لم يتحرك راكان وهو يهتف بصوت الرعد "العمدة توماسو، وإياك والتقليل مني مرة أخرى، أنا العمدة بمصر وهنا وبأي مكان أرغب به"
أشاح توماسو بيده التي كانت تختفي بين الدخان وهو يقول "ولكن أنت تنسى أنك سحبت كل علاقاتك من هنا و.."
قاطعه مرة أخرى وقال بنفس النبرة "لذا عرفت أنك وضعت يدك بالقوة على هذا المطعم كسداد لدين صاحبه وأنك هنا الآن؟ هل تعي ما تقول؟ العمدة لا يتراجع عن أي مكان وضع قدمه به"
شحب وجه توماسو وراكان ينهض ويغلق جاكته ولم يمنح الرجل فرصة ليتحدث ويقول "لا تتناسى أبدا وجودي، ولا تقع بطريقي مرة أخرى توماسو،  ما زلت أضع باعتباري علاقتنا الجيدة"
والتف ليذهب لكن الرجل قال "لا تهددني راكان"
لم يستدير بل توقف بمكانه لحظة قبل أن يقول "وهل تعرف عني التهديد توماسو؟"
وتحرك للخارج دون حتى الرد، وتوماسو يرتد لأقرب مقعد وتوليو يدخل ويقول "لقد رحل"
لم ينظر لرجله وهو يقول "راكان وضعني برأسه"
هتف توليو "وماذا؟"
نظر له وقال "أنت لا تعرف راكان توليو،  هو بركان خامد لكن ما أن يثور حتى يدمر ما يشاء"
هتف توليو "أنت أخبرتني أنه مختلف عن جده"
كان شاردا وهو يقول "كل الاختلاف، زيدان كان يطيح بلا رحمة والدماء طعامه المفضل، لكن راكان مختلف، راكان لا يقتل بل يمتص دمائك حتى ترغب بالموت ولا يمنحه لك فتقتل نفسك بيدك"
لم يرد توليو فلف وجهه له وقال "ابعد رجالك عن المسلماني، ولا تفكر بأن تلمس أي شيء يخصه وأخبر نورسيني بذلك، هل تسمعني؟"
جادل الرجل بدهشة "ولكن نورسيني.."
قاطعه بقوة "اللعنة عليك وعلى نورسيني، أخبره أنني من أمر بذلك، هل تفهم؟"
هز رأسه وهو لا يفهم سر تراجع زعيمه عن المسلماني، وقد كان سيجني الكثير من ورائه والآن أصبح العمدة لغز لا يفهمه ولكن زعيمه يفعل وبدا فزعا من اللقاء
ما أن دخل راكان سيارته حتى هاتفه وافي فأجاب "وافي، أنا لابد أن أعود مصر بالصباح ماذا عنك؟"
أجاب وافي "كما تشاء يا عمدة هل أنهيت أعمالك كلها؟"
قال "نعم، ماذا عن ليان؟"
أجاب وافي "هي أفضل بكثير، فكرتك كانت صائبة بالتغيير، ماذا عن سارة هل ستعود معك؟" 
نظر لخارج النافذة وقال "أنا بطريقي لها لمعرفة قرارها، ألم تهاتفها منذ رحلنا؟"
تحرك وافي بالمكتب وقال "لا، هي أختك يا عمدة"
نفخ وقال "منحتك فرصتك وافي"
لف وافي وجهه بلا فهم وقال "لا أفهم؟ أي فرصة التي تتحدث عنها؟"
قال راكان بفارغ صبر "لا شيء وافي، سيف سيرسل الرجال لاصطحابكم للمطار، قد أبقى الليلة مع سارة"
وأغلق كلاهم وسيف يقول "أردته لسارة؟"
نظر له وقال "ظننت أنه قد يؤثر عليها لتعود مصر"
هز سيف رأسه وقال "عهدكم واضح يا عمدة، لا أخوات بالدائرة"
هز رأسه وهو يدرك كلماته ولكنه قال "ليس وافي سيف، وافي كاسمه، وهو الأفضل لسارة لكنها لم تدرك ذلك، لو لم تعد معنا مصر ستبدأ خطتك البديلة سيف، لن تبقى هنا وحدها أكثر من ذلك"
هز سيف رأسه ثم قال "توماسو سيترك سيد رائد؟"
وضع الهاتف بالجاكيت وقال "هل تشك سيف؟"
ابتسم سيف وقال "ليس بالعمدة لكن بذكائه"
ابتسم راكان وقال "أظن أنه سيفكر جيدا تلك المرة سيف، لا تنسى حفل جد سفيان"
قال سيف "بالطبع يا عمدة"
****
للمرة الألف يضع رقمها أمامه على الهاتف ثم يتراجع عن الاتصال ربما تصده، منذ الحفل الموسيقي لم يلتقيا ورغم أنه عرض عليها التعارف وهي لم ترفض، إلا أنه تردد كثيرا بالاتصال بها والآن أراد دعوتها لحفل جده وأخيرا حسم رأيه وضغط اتصال..
مرت الثواني كالدهر حتى أتى صوتها الرقيق "مي مرزوق، من معي؟"
نهض من وراء مكتبه وصوتها جعله يشعر بحرارة تندفع بجسده وهو يقول "ظافر الحلواني"
رفعت وجهها من أمام الجهاز وهي لا تصدق أنه يهاتفها، فقد ظنت أنه سيفعل بعد الحفل لكن يوم بعد يوم لم يفعل فأدركت أنه تراجع كرجل له علاقات لا تنتهي..
ناداها فقالت بصوت مرتجف "أهلا ظافر"
صوتها الهادئ منحه هدوء ودفعة جيدة ليكمل حديثه وهو يقول "مشغولة؟"
تراجعت بالمقعد وقالت "لا، وأنت؟"
ارتاح لأنها تفتح حوار معه ولم تصده كما كان يظن فقال "لا شيء هام، رغبت بدعوتك على حفل عيد ميلاد جدي السبعين بعد الغد؟"
تورد وجهها وقالت "نعم بابا أخبرني أن لديه دعوة للحفل"
حك جبهته وقد فاته أن والده يعرف والدها وبالتأكيد كان سيدعوه ومع ذلك قال محاولا عدم إنهاء الحوار "ستأتين معه؟"
شعرت بقلبها يدق بقوة، رغم خطبتها لشاكر ثلاثة شهور، إلا ولا مرة شعرت بقلبها يفعل ذلك..
كانت علاقة غريبة، شاكر لاحقها بطريقة مجنونة وظهرت مصالح عائلية بين والدها ووالد شاكر توطدت بالخطوبة ولكن شاكر دمر كل شيء وهي لم تعد تتأثر بما فعله 
فقط فقدت ثقتها بالرجال أمثاله وكلمات الحب والغزل التي تخرج من أفواههم، لذا هي حريصة مع ظافر رغم اختلافه الواضح
أجابت "لم أكن سأفعل، لا أعرف أحد"
لف حول نفسه وقال "ولكنك تعرفيني وتعرفين مليكة، الآن يمكنك قبول الدعوة أليس كذلك؟"
صمتت وهي تفكر بالدعوة، هو طلب منها التأني بعلاقتهم ومنحهم فرصة وابتعد بعد الحفل ولم تراه أو تسمع منه شيء، ولكن ها هو يعود بطريقة جيدة دعوة بحفل مفتوح لن يحرجها به أو يتطاول فما المانع؟
صوته الرجولي الغليظ نادها "مي ما زلتِ معي؟"
انتبهت وأجابت "نعم، حسنا ظافر سأحضر مع بابا، شكرا لدعوتك"
ابتسم وشعر براحة تثلج صدره وهو يقول "شكرا مي، سعيد بقبول دعوتي"
تنفست بسرعة لتلاحق قلبها المتسارع بدقاته وقالت "شكرا لك"
وطال الصمت قبل أن يغلق كلاهم بذات الوقت..
أدرك أن الأمر معها ليس كأي امرأة عرفها، هو لا يعبث تلك المرة وعلى استعداد لعلاقة جادة، فقط تثق به وتوافق على علاقتهم وهو سيعاهدها على الصدق والإخلاص وستنسى معه ذلك الكلب شاكر
تنهدت وهي ما زالت تحتضن الهاتف
ظافر رجل رائع حقا، وسيم وجذاب ومثار إعجاب المشاهير وعلاقاته معهن خير دليل، ولكنه لم يغويها حتى الآن، بل يتبع طريق طويل معها وهي تفضل ذلك..
لا تريد الاندفاع بعلاقة مرة أخرى والعودة للندم والحزن، ستكون هادئة وتتأنى معه ولن توافق على أي شيء إلا عندما تتأكد أنه لا يتلاعب بها
****
عندما وصل راكان المزرعة كان الليل قد غيم على المكان والبرد سيطر على الجو.. 
دفع سيف له بالبالطو وقال "توقف عن إهمال جسدك"
لم يأخذه وقال "لا أحب هذا الدور تعلم ذلك، أنا بالسابعة والثلاثين ولست بأولى حضانة" 
ونزل من السيارة ولفحه البرد القارص، ومع ذلك لم يهتم وهو يصعد الدرجات الخشبية ويدفع الأبواب للداخل دون إذن قبل أن يبتل من قطرات المطر
رأى أخته تنزل الدرجات بنفس ملابسها القديمة وهي تقول "أي مجنون يخرج بتلك الأجواء سواك يا ابن أبي؟"
لم ينظر لها وهو يتحرك لغرفة الجلوس وقد اشتعلت النيران بالمدفأة وجلس بالمقعد المجاور وقال "لو تهدم سور بالخارج ستهرعين له بلا اهتمام للأجواء وستنضمين لي بالجنون، أليس كذلك؟"
أحضرت له كوب من الشاي الدافئ ودفعته له وهو يمشط شعره الناعم للخلف نافضا المياه منه وهي تقول "هو كذلك؟ تصيب الأهداف كالعادة، ليان أخبرتني أنكم راحلون غدا؟"
لفت شال من الصوف حول كتفيها وهي تجلس على الأرض بجوار المدفأة فقال "نعم، يمكنك أن تأتي معنا، سفيان وظافر يعدان لحفل عيد ميلاد جدهما وربما تأتين للتعارف وحضور الحفل"
أمسكت الحديدة الطويلة بمقبض خشبي ودفعت الخشب بين النيران فارتفعت ألسنة النيران وتعالى صوت تكسر الخشب وتآكله، وارتفعت رائحة احتراقه مع الحرارة المنبعثة منه.. 
ظلت تحدق بالنيران حتى قالت "راك أنا لا أريد الذهاب؟"
صمت وهو يبتلع الشاي الدافئ، فرفعت وجهها له وقد انتظرت إصراره ومعارضته لرأيها ولكنه لم يفعل فقالت "أنت لا تعترض؟"
هز أكتافه بلا مبالاة ظاهرة وقال "ولماذا أفعل؟ رغبتك كانت واضحة من البداية وسياستي معك كانت واضحة أيضا، لا إجبار"
ظلت تتابع عيونه التي لا معاني بها، متى سترى داخل أخيها وتخترق دواخله؟ 
عندما تحدث عنه والدها قال إنه لم يقترب من ابنه أبدا، ولا مرة استطاع أن يعرف ماذا يخفي خلف نظراته الفارغة وملامحه الجامدة.. ومن الواضح أنها هي الأخرى لن تنجح
قالت "مصر لم تكن هدفي بأي يوم"
أنهى الشاي وقال "ولا أي مكان سوى هنا، أحيانا أظن أن هناك قصة حب وراء ذلك"
ضحكت بصوت رقيق وقالت "ومن المجنون الذي سينظر لفتاة تتخذ مسار الرجال لكل شيء بحياتها حتى ملابسها راك؟"
نهض واقفا وقال "أليس هناك طعام بمطبخك؟ سأعد لنفسي شيء طالما أنكِ لا تقدمي لي شيء؟"
ضحكت مرة أخرى ونهضت لتقف أمامه ووضعت إصبعها على صدره وقالت "أنت تعني أني لا أريد صنع طعام من أجلك وأنك أنت العمدة ستصنع طعام لنفسك؟"
أحنى رأسه تجاها دون اهتمام بإصبعها الملامس لصدره وقال "أنتِ لا تعرفين أي شيء عن العمدة سارة"
كانت ملامحه جادة جدا وسكنت ابتسامتها وهي تحدق بعيونه وقالت بتأني "بابا قال.."
قاطعها بنفس الجدية "بابا أيضا لم يعرف عني أي شيء، كان يكتفي بالجلوس بمكتبه يضع التصاميم الهندسية لزيدان ثم يعود لغرفته صامتا بلا اهتمام بمن حوله، بابا اختار أن يعيش راهبا بعد رحيل والدتي ونسى حتى أن له ابن"
تراجعت وسقطت يدها بجوارها وانتهت ابتسامتها وهي تقول "هو تركك لجدك، اعتقدت أنك أردت ذلك"
لم يبتعد عنها وهو يقول "كطفل لا يدرك شيء عن الإرادة، هل تظني أني ملكت حرية الاختيار؟"
كانت تنظر بعيونه وهو لم يترك نظراتها حتى قالت "أنت طلبت منه أن يذهب بدونك"
هز رأسه ولم يفر من الحساب، كعادته يواجه بلا ذرة تراجع وقال "نعم، لأني كنت أعلم أن بوجوده هناك كان يقتل به الرجل الذي أراد أن يكون، ولو رحلت معه كان زيدان سيعدني ولن يرحمه أو يرحمني، مشكلة بابا كانت تكمن بأنه لم يدرك مدى سلطة زيدان ومدى قوته وقلة الرحمة بقلبه، أنا من طلبت من زيدان ترك بابا يرحل، بل وكان يعرف جيدا برحيله وتركه يفعل لأني أخبرته أن ذلك الأفضل"
تراجعت وهي تردد "أنت!؟ أنت طلبت منه ذلك؟"
اعتدل وقال "نعم، كان هذا هو الحل كي أوقف غضب زيدان منه لرغبته في إبعادي عنه، زيدان كان لديه من القسوة ما تجعله لا يتورع عن إيذاء أقرب الناس له في سبيل تحقيق هدفه ومصالحه، لا أحد عرفه مثلي، بل أحيانا أشك أني عرفته جيدا أو أن أحد فعل"
منحها ظهره والذكريات تتساقط عليه رغما عنه..
تعذيب جده له وهو صغير كلما أخطأ، المشاهد القاسية التي كان يجبره على مشاهدتها، قسوته عليه بكل حياته.. كل هذا جعله يدرك أن لا رحمة بقلب ذلك الرجل
همست بحزن "كان يؤذيك؟"
لم يرد وقد شرد ذهنه لذكريات لا يريدها أن تمر على ذهنه
لمسته فابتعد وهي فزعت من حركته وهو يقول "هل سأتناول أي شيء أم أعود لعملي؟"
مسحت دمعة هاربة من عينها وتحركت وهي تقول "اهدا يا ابن أبي سأجهز لك شيء، هل ستعمل الآن؟ متى تنام؟"
تحرك للخارج وقال "أحيانا لا أفعل"
نظرت له وهو يتحرك للسيارة ورددت "أنا حقا لا أعرف عنك شيء أخي"

                 الفصل التاسع من هنا
تعليقات



<>