رواية راكان زيدان واصحابه الفصل الثالث عشر13 بقلم داليا السيد محمد

رواية راكان زيدان واصحابه بقلم داليا السيد محمد 
رواية راكان زيدان واصحابه الفصل الثالث عشر13 بقلم داليا السيد محمد


الجزء الأول من الفصل الثالث عشر
مصائب
لم يدرك راكان مدى سوء حال الجد وأيضا سوء حالة صديقه إلا عندما رآه يتحرك تجاهه بممر المشفى واحتضنه بقوة وهو يقول "من الجيد وجودك معي راك"
ربت على ظهر صديقه وقال "لولا الاستدعاء لكنت هنا بالأمس"
ابتعد ونظر له وقد بدا متعب وعيونه محلقة بالسواد وقال "أعلم، هل كل شيء بخير؟"
أجاب راكان "نعم، ماذا عن جدك؟"
حيا رائد سيف بنظرة ثم عاد لراكان وقال "تدهورت حالته أكثر بالصباح، توقف القلب وتم إجراء إنعاش وكل شيء تحت الأجهزة فهو لا يشعر بالعالم من حوله"
اقتربا من الغرفة الزجاجية التي يرقد بها الجد، هو بالفعل لا يعي شيء مما يدور حوله فقط أجهزة تحيط به وتتصل بجسده النحيل وتنتظم أصواتها بلا توقف
قال راكان "تبدو متعب، منذ متى لم تنم؟"
لم ينظر لصديقه وقال "لا أعلم، لا أريد تركه، أشعر أن عالمي ينهار برحيله"
وضع يده على كتفه وقال "أنت أقوى من ذلك"
لف وجهه لصديقه وبدا يائسا وهو ينظر له ويقول "لم أعد أشعر بالقوة راكان، تلك الأيام أشعر بشيء واحد، الوحدة مختلطة بالضعف الذي لم أعرفه من قبل"
نظرات راكان كانت فارغة لكن عقله كان ممتلئ بذكريات كثيرة
الوحدة كلمة تهز كيانه، لأن الوحدة هي كل ما عرفه طوال حياته، بلا أم ولا أب ولا إخوة، جده كان أبعد ما يكون عنه، حتى المرأة التي رغب بها دفعها بعيدا عنه بقوة..
الوحدة تهزه نعم، لكن لم تعد تؤلمه لأنه لم يجرب سواها، ربما وجود سارة منحه شيء جديد لكنه ما زال يتخبط به، تركها تختار دون أن يوقفها كما عنفه سفيان، لم يوقفها عندما كان عليه أن يفعل والآن هو هنا تاركا إياها مع ذلك الكلب حاتم فهل هو بذلك يجيد دوره كأخ؟
تأمل صديقه الذي كان يشعر بفراغ داخله، لم يعد هناك أحد بحياته، جده كان آخر فرد بعائلته وها هو بطريقه للرحيل فهل سيبقى وحيدا بعده؟
تحدث أخيرا "وما المانع من أن تشعر بالضعف بوقت ما بحياتك رائد؟"
أجاب "لم يمنحنا أحد الإذن بأن نفعل راكان، جدك وجدي علمونا أننا لا يمكن أن نكون سوى أقوياء ولو على حساب مشاعرنا، متى تمكنت من أن تكون ضعيف راكان؟"
ملامحه الجامدة لا تجيب على أي شيء ولكن نبرة صوته اختلفت وهو يقول "لم يمر بحياتي ما يستحق أن أضعف لأجله رائد لكن جدك يستحق"
أغمض عيونه بألم وقال "أنا آسف راكان لم أقصد إيلامك بذكر جدك وذكرياتك معه"
هز رأسه ولم يكن يرغب بأي عتاب أو لوم لصديقه وقال "لا تفعل رائد، فقط أرجو أن يكون وجودي مفيد لك"
لانت ملامح رائد وقال بصدق "أنا لم أفكر سوى بك راك أنت تعلم مكانتك لدي، نحن لسنا أصدقاء فقط نحن كل شيء، كل شيء"
كان يدرك ذلك جيدا فرائد هو أول صديق له، كبرا سويا وترعرعا معا وهو من منحه سفيان وظافر، حياته لم يكن لها معنى إلا بوجود رائد وما زال يمثل له الطفولة والشباب والرجولة وكل مراحل العمر
****
تحرك وافي داخل المشفى ومعه ليان باحثا عن ظافر الذي كان واقفا مع الطبيب ومليكة بجواره والدموع تغرق وجهها.. 
احتضنتها ليان بحنان بينما استمع وافي للطبيب الذي قال "نعم للأسف هي ذبحة صدرية، ربما تعرضت لضغط نفسي أو عصبي والأمر سيء، هي بالعناية الآن ولا تشعر بشيء"
شكره ظافر والألم ظاهر بعيونه ووافي يقول "ماذا حدث ظافر؟ والدتك كانت بصحة جيدة"
تحرك مبتعدا عن مليكة وليان وتبعه وافي وهو يقول "بابا تزوج وماما عرفت بالأمر ويبدو أنهم تشاجرا فرحل ولم يعد للبيت منذ يومان"
تراجع وافي بذهول من الكلمات التي ألقاها ظافر بوجهه، الجميع كان يرى علاقة كاملة بين الوالدين، حب وتفاهم لم يشك بهم أحد حتى انكسر كل شيء الآن وانهار 
هتف وافي "هل أنت متأكد من ذلك؟"
نظر له ظافر بنظرات متألمة وقال "لم أهاتف بابا ولكنه بالفعل ليس بالبيت وافي فأين سيكون سوى عند زوجته الأخرى؟"
تراجع وافي وحك جبينه بأصابعه ثم قال "عليك بمهاتفته، من حقه أن يعرف"
هز ظافر رأسه وقال "نعم خاصة وأن مليكة لا تعرف شيء وتسأل عنه"
تحرك الاثنان للخارج بينما هتفت مليكة بحزن "أنا لا أصدق ما حدث لماما، كانت بخير طوال اليوم وحضرت معي تدريب الكمان وعدنا سويا، أنا لا أعرف ماذا حدث لها ليان؟"
ربتت عليها ليان بحنان وقالت "اهدئي مليكة، إن شاء الله ستكون بخير ربما أجهدت نفسها مؤخرا بالبيت"
هزت رأسها وهي تردد "لطالما كانت قوية، أنا لا أتخيل حياتي بدون وجودها، هي كل شيء بالنسبة لي ليان، كل شيء"
ضمتها ليان لها بحنان ولم تتحدث وهي تشعر بحزن واستوعبت مشاعر مليكة تجاه والدتها وهو أمر طبيعي، أمر لم تشعر به مع والدتها التي لم تمنحها الاهتمام طوال حياتها ولولا شريف لما عرفت معنى الابوة أيضا
نزل سفيان من السيارة، أسرع ليرى ظافر ووافي أمام المشفى وظافر يتحدث بعصبية "ماذا تعني بأنك لن تستطيع الحضور بابا؟ ماما حالتها خطر وأنت لا تهتم؟"
صمت ووافي وسفيان يتابعانه حتى شحب وجهه أكثر وقال بنفس الغضب "معك حق بابا، شهر العسل أفضل"
وأغلق الهاتف وهتف "أنا لا أصدق ما قاله وما فعله! لقد تزوج وسافر بالفعل معها للخارج، ترك ماما التي قضى معها ستة وثلاثين عاما لم يفترقا يوما والآن يلقيها بلا أدنى اهتمام؟"
وضع وافي يده على كتف ظافر وقال بنبرة مواسية "اهدأ ظافر الغضب لن يفيد بشيء"
أبعد ظافر يد صديقه بغضب وهو يقول "وماذا تريدني أن أفعل وافي؟ أرسل له تهنئة بمناسبة زواجه وتحية لأنه قضى على المرأة التي أحبته وأخلصت له؟ ماذا تريدني أن أفعل وافي؟"
لم يتراجع وافي عن صديقه وإنما قال "لا ظافر، لا أطالبك بذلك، لكن أطالبك بأن تهدأ من أجل والدتك وأختك، كلاهم بحاجة لك"
تحولت عيونه إلى الأحمر من شدة الغضب والألم والحيرة بما يفعل وهو ينظر لوافي بينما قال سفيان "هو على حق ظافر، لا مجال للغضب الآن، مليكة لن تتحمل الأمر، مرض والدتها وزواج والدها، لذا عليك بالقوة لمواجهة العواقب"
أغمض عيونه وهو يشعر بانهيار داخلي لا يدركه أحد، كل ما مر من حياته لا شيء بالنسبة لما يصيب أسرته الآن
أسرته تنهار، تتفكك، تضيع بلا إنقاذ، صعب، كل ما يحدث صعب تصديقه والتعايش معه 
فتح عيونه وسفيان يسأله "هل أنت بخير؟"
هز رأسه ولم يرد ووافي يقول "دعنا نعود للداخل لنطمئن على مليكة"
****
انتهت سارة من الحمام وخرجت وقد شعرت بالإجهاد بعد يوم طويل من التصوير وتكرار المشاهد بسبب اللغة، حاتم لم يراها ولم يهاتفها منذ التقيا للتصالح، راكان هاتفها مرة واحدة وعرفت بأن جد رائد متعب جدا وهو لن يعود إلا عندما يطمئن عليه
ما أن انتهت من شعرها حتى رن هاتفها فأسرعت له، الوقت متأخر جدا، ربما راكان ولكنها رأت رقم غريب فظنت أنه من العمل وأجابت 
لكنها سمعت امرأة تقول "الآنسة سارة زيدان؟"
لفت حول نفسها وشعرها يلف معها وهي تقول "نعم، من أنت؟"
الصوت أجاب "امرأة تريد فعل الخير"
لم تتحرك من مكانها وهي تشعر بانقباضه مما ستسمعه وهي تقول "أي خير؟"
ضحكة خفيفة مرت بالهاتف وعاد الصوت يقول "أعيد لك صوابك، أضعك على الطريق الصحيح"
هتفت بدون فهم "أي طريق؟ عن ماذا تتحدثين؟"
قالت المرأة "عن خطيبك، الفنان الشهير، ألا تسألين نفسك أين يختفي بعيدا عنك؟ لا تخبريني أنكِ لا تهتمين وأن ثقتك به لا حدود لها لأن ذلك وهم ولن يفيد بشيء"
صمتت ولم تجد كلمات ترد بها، هل تريد إخبارها أن حاتم..؟ 
لا، لن تفكر بشيء ولن تسمع شيء 
أغلقت الهاتف، ولكنه عاد للرنين ولم تستطع وقف الفضول عندما فتحت دون أن ترد والمرأة تقول "أعلم أنكِ لا تريدين أن تسمعي أو تصدقي ما سأقوله، لذا لن أقول شيء، فقط سأرسل لك عنوان، اذهبي له لتشاهدي بنفسك"
وأغلقت وجمدت مكانها ولم تتحرك حتى يدها بالهاتف وهي تشعر بأن جسدها تخدر ولا تستطيع تحريكه..
فزعت من صوت وصول رسالة وارتجفت يدها التي تمسك بالهاتف لتضعه أمام عيونها وترى العنوان أمامها، لمعت دموع بعيونها تخفي الكلمات ولكنها مسحتها وهي ترى العنوان، هي لا تعرف الأماكن بمصر لكن تطبيق الجي بي اس يعرف وستذهب لتعرف الحقيقة..
حاتم يخونها؟ ولم لا؟ هل ظنت أنه سيخلص لها؟ هو لم يقدم أي تضحية لها فهل سيقدم لها الإخلاص؟
تحركت للدولاب وانتقت ملابسها وبوقت قصير جدا كانت بالسيارة، تسير على ضوء الهاتف للعنوان الذي أرسلته لها المرأة والوقت قارب على الفجر .. 
الطرق خالية ولكنها لم تكن ترى أي شيء سوى الأيام السعيدة التي عاشتها بأول الخطوبة، وبسرعة ضربتها ذكرى ما كان بموقع التصوير، وكلماته لها، وتصرفاته معها فأغمضت عيونها وهي تحاول إبعاد صورته مع امرأة عن مخيلتها
الآن تذكر عندما أمسك يدها أول مرة وقبلها وبعد الخطوبة نال أول قبلة منها بخجل، ولكنها لم تمنحه سواها ولا تنسى أن هذا كان يغضبه ولكنها لم تكن تريد شيء من ذلك قبل الزواج، كثيرا ما تحدث عن أنها أجنبية وهم يجعلون الخطوبة كالزواج فلماذا هي لا تفعل؟ 
كان يتجاهل أنها أخت العمدة وأنها ابنة رجل بالأساس هو مسلم ومصري جعلها تكبر وتنشأ على تلك التعاليم والتقاليد 
توقفت السيارة أمام فيلا صغيرة بمدينة سكنية، باب الفيلا الخارجي كان مفتوح، نزلت وتحركت بخطى غير ثابتة وهي تدفع الباب الخشبي وتتحرك للداخل، المكان هادئ جدا ولكن أنوار خافتة أتت من داخل الفيلا
تحركت للباب الأصلي للفيلا ولكن بالطبع مغلق..
ظلت واقفة أمام الباب وصوت من داخلها يطلب منها أن تذهب، يخبرها أن خلف ذلك الباب دمار، إعصار سيدمر حياتها 
لكنها لم تسمع وهي تضغط على الجرس مرة واثنان وسقطت يدها بجوارها وانتظرت أن يرحل الصمت أو يرحل الشك ولكن باللحظة التالية سمعت الصوت الذي تمنت ألا تسمعه يقول من خلف الباب 
"حبيبتي، البيتزا وصلت"
وانفتح الباب واصطدمت بعيونه، وتجمدت عليه وعلى صدره العاري وبنطلونه القصير، شعره المشعث وعيونه التي سقطت عليها وقبل أن يتحدث صوت امرأة أتى من خلفه 
"حاتم انتظر لا.."
قميص النوم القصير بروبه، بدا رائعا حقا ويمنح أي أحد معنى حقيقي لما كان يحدث خلف الباب الذي دقت هي عليه
الفتاة، بل المرأة، كانت فاتنة حقا وبقيت ساكنة بمكانها بينما صوته أعادها له وهو يقول باستنكار "سارة!؟ كيف أتيت هنا؟"
نظراتها الممتزجة بالدموع عادت له وبدت نظراته غاضبة، أو لم يهمها أن تفهم ماذا تعني وهي تقول "هل هذا هو ما يهمك؟"
كانت باردة بشكل لم تفهمه، من أين جاءت بتلك الشجاعة لمواجهته وهو يخونها مع امرأة أخرى والتي تحركت تجاهه وقالت "وأخيرا عرفتِ بالأمر؟ لقد كان يفكر كيف سيخبرك؟"
كانت تنظر للمرأة ثم عادت له وقالت دون اهتمام بالدموع "تخبرني بماذا؟"
قال ببرود لم تفكر أنه سيبدو عليه "عودي البيت الآن سارة وغدا نتحدث"
هتفت "غدا؟ نحن غدا بالفعل حاتم، فقط أخبرني ما الذي يحدث هنا؟ من هذه وما الذي تفعله معها بتلك الملابس؟"
أبعد وجهه بينما قالت المرأة بطريقة مثيرة للغضب أو كما يقال، كيد النساء "هو ببيته عزيزتي، تلك فيلته الخاصة"
لم ينظر لها وهذا ليس لب الموضوع فقالت "وهي؟"
صمت أجابها فهتفت المرأة "لا تصمت حاتم، أخبرها أم تريدني أن أخبرها أنا؟"
ألم حاد ضرب صدرها أو بالأصح قلبها البريء تلوث بدماء الخيانة، وتساءلت لماذا؟ لماذا فعل بها ذلك؟
التفتت لتذهب، لا تريد أن تسمع أكثر من ذلك ولكن المرأة لم تتركها وهي تتعمد أن ترفع صوتها وتقول "أخبرها أننا تزوجنا وأنك لم تعد ترغب بها"
الغريب أنها لم تهتم لتسمع ما قالته المرأة فقد فهمت دون كلمات.. هي لا تريد أن يشاركها أحد تلك اللحظة، ولا أن تشمت بها امرأة أخذت خطيبها منها 
دخلت السيارة وقادت بلا وعي والدموع شريكتها بتلك اللحظة، ولا تعلم ما الذي تشعر به؟ وكأنها مخدرة، فقط مشاهد تمر عليها
والدتها وسعادتها مع والدها، سنواتهم بالمزرعة وأجمل أيام حياتها، راكان ووجودها هنا وحاتم وما فعله بها
حطمها..
حطم كرامتها أول الأمر، واستهان بها، وعندما رفضت حطم قلبها ودهس مشاعرها بلا رحمة..
زاد البكاء وأغمضت عيونها وقدمها تضغط بلا وعي على دواسة الوقود وهي تبكي بقوة على قلبها المتألم وكرامتها المبعثرة..
لكنها فتحت عيونها على صوت بوق سيارة النقل الكبيرة، التي ظهرت أمامها والأضواء الشديدة أعمت عيونها..
لم يمكنها تفادي الاصطدام الذي حطم صوته القوي سكون الفجر وصرختها تقطع السكينة التي كانت تعم الطبيعة من حولها
وسقطت المصيبة
****
شعر رائد بحركة غير طبيعية بغرفة جده فأسرع تجاها وانتبه له راكان الذي كان يُجري حديث هام على الهاتف فقطعه ليلحق برائد والأطباء يهرعون لغرفة الجد والتفوا حول فراشه.. بدا جهاز الصاعق بيد الطبيب يجهزه 
فهم كلاهم أن القلب توقف من صافرة الجهاز المتصل بالجسد الذي بدا أنه فقد الحياة بعد صراع مع المرض
الجسد انثنى وارتفع عن الفراش مع شدة الصاعقة التي ضربته ولكنه لم يستجيب، كرر الطبيب الأمر مرة أخرى وأخرى، لكن لا فائدة 
أغمض رائد عيونه وهو يدرك أن كل شيء انتهى، أيام صعبة مرت صارع فيها الجد من أجل الحياة ولكن انتهى الأجل ورحل الجد
رفع راكان يده على كتف رائد ولم يتحدث وما زالت عيون رائد على جسد جده وهم يزيلون الأسلاك والطبيب يتحرك لهم ويقول "لقد رحل"
لم ينظر له رائد.. ظل عالقا بجده وهز راكان رأسه للطبيب 
تحرك رائد للغرفة حيث رقد جسد جده، والذي ترك مصر من أجل حفيده واختار أن يعيش معه كي لا يتركه وحده، اليوم تركه وحده للأبد، لن يمكنه أن يعود، لن يمكنه أن يمنحه أي رفقة أخرى، لكم ترجاه الرجل أن يتزوج كي يجد ونيس له بالحياة ولكن ها هو يسقط بلا رحمة بدوامة الوحدة التي ستلف به دون رحمة حتى تعتصره وربما تقتله بيوم ما
انحنى ورفع الغطاء عن وجه جده الذي بدا نائما بسكون وراحة، وكأنه بالموت شفى من المرض وارتاح، كم تحدث معه عن الموت ورغبته برؤية ابنه وزوجته الراحلين وها هو الآن يفعل
تحدث بصوت واهن "سأفتقدك جدي، سأفتقدك وأشتاق إليك وإلى صحبتك وكلماتك، إلى اللقاء جدي أتمنى أن تقابل من تمنيت لقائهم دائما، وأتمنى لقائك بالآخرة"
انحنى وقبل جبين جده ومنع دمعته من أن تسقط، ثم اعتدل وأعاد الغطاء على وجهه وتفاجأ أن دموعه لم ترضخ له وفرت من عيونه على وجنته فمسحها وهو يلتفت خارجا 
كان راكان يمنح أوامره لرجل بالمشفى ورنين هاتفه يقاطعه فأخرجه ليرى اسم وافي فأجاب "كنت سأهاتفك وافي، رائد.."
كان وافي يهرع بكل قوته داخل المشفى وهو يقاطعه "راكان اسمعني"
توقف راكان هو يحدق بالفراغ ويقول "ماذا بك؟"
توقف وافي وهو يلهث أمام غرفة العمليات وهتف من بين أنفاسه التي كان راكان يسمعها تقريبا وقال وافي "سارة"
ضغطت أصابعه على الهاتف وهو يجذب صوته بصعوبة "ماذا أصابها وافي؟ انطق"
نظرات وافي لم تصل لشيء خلف باب العمليات وهو يقول "أصيبت بحادث ونقلت للمشفى وهي الآن بالعمليات"
لم يتحرك ولم يرد بل لم يجد كلمات، كان ما بين صديق عمره وأخته التي عرفها بعد ستة عشر عاما واختار صديقه والنتيجة أنها بالمشفى
أخيرا أمكنه أن ينطق "هل، هل أخبرك الأطباء شيء؟"
ابتعد وافي عن الباب وقال "لا، ما زالوا بالعمليات"
أغمض عيونه ورفع يده الأخرى لشعره ودفعها داخله وسمع رائد يقول "ماذا بك راكان؟"
فتح عيونه وقال "حسنا وافي تابعني حتى أخبرك بخططي"
التفت رائد له وقال "ماذا حدث راكان؟ ماذا به وافي؟"
كانت عيونه العسلية قد تحولت للون الدماء وهو ينظر لرائد وسيف يتحرك تجاههم بفزع وهو يقول "يا عمدة، الآنسة سارة"
لم ينظر له وهو يقول "أعلم، ماذا ستفعل مع جدك رائد، الرجل أخبرني أن.."
قاطعه رائد "راكان ماذا حدث بمصر؟"
ابتلع ريقه وقال "لا شيء، فقط لنعد الإجراءات"
قال رائد "سنعود مصر راكان، جدي أراد أن يدفن بمصر بقبر العائلة"
هز رأسه والتفت لسيف وقال "تولى الإجراءات سيف لنعود مصر بأقرب وقت"
ظل سيف ينظر له فلف وجهه لسيف وقال بنبرة جامدة "سيف نفذ"
تحرك سيف خارجا ورائد يقول "راكان رجالي يمكنها التنفيذ، لا تشغل بالك، يكفي وجودك"
هز رأسه وهو يعلم أن وجوده بجوار رائد لا بديل له، لكن سارة لديها سواه هناك بمصر، وافي، ظافر وسفيان، لن يتركوها وحتى حاتم أكيد سيكون معها لكن رائد ليس لديه سواه
الإجراءات انتهت بسرعة وهو بالطبع عرف كل أخبار مصر، مرض ياسمين وزواج محمد وحادث أخته وبالطبع ما حدث من حاتم 
سيف لم يمكنه إخفاء الأمر والغضب الذي رآه بعيون رئيسه جعله يندم ولكن لو لم يخبره لكان ندمه أكبر
****
خرج الطبيب من غرفة العمليات بعد ساعات طويلة لم يعد وافي يعرف عددها، ولكن القلق قتله وتفهم موقف راكان 
الطبيب وقف أمامه وقال "قريبها؟"
هز رأسه وقال "نعم، ماذا أصابها؟"
تجهم الطبيب وقال "حالتها صعبة وخطر، كسور كثيرة وإصابات بالرأس وكدمات بالجسد ولكن، الأخطر إصابة العمود الفقري"
ظل صامتا لا يتحدث منتظرا الطامة الكبرى والطبيب استمر "ستحتاج لعمليات أخرى ولكن ليس الآن وسيكون بالصعب الحركة قبل وقت طويل من الجراحات والعلاج وكذلك علاج طبيعي"
الصدمة ألقت به بفراغ غريب جعله يشعر بالضياع، سارة، الفتاة الجميلة الشقية والعنيدة تسقط بلحظة بشرك المرض؟ 
نطق بصعوبة "ولكنها ستستطيع أن تسير بيوم ما؟"
صمت الطبيب زرع الشك داخله مما سبب له ألم أكبر حتى تحدث الطبيب "ما زال أمامنا الكثير قبل أن نقرر"
وعندما عاد الصمت ابتعد الطبيب وترك وافي ثابتا بمكانه، دار حول نفسه وكأنه أفاق فجأة من كابوس مزعج ولا يعرف أين هو؟ 
حتى استنشق روائح المعقمات ورأى الملابس البيضاء هنا وهناك، وما زال يدور حول نفسه محاولا استيعاب ما يحدث حوله ولكن بلا فائدة.. لقد وقعت الحادثة وتحطمت الفتاة التي كانت مليئة بالنشاط، الفتاة التي انفتح لها عالم الفن والتمثيل وكادت تصبح نجمة مشعة وسط السماء ولكنها لم تصل وانطفأ بريقها بلا رحمة
عم الصمت ولا أحد يعرف كيف يمكن إيقاف تلك المصائب التي تلفهم واحدة تلو الأخرى 
****
تحركت مي مسرعة داخل المشفى تسأل وتبحث عن ظافر حتى رأته جالسا أمام باب غرفة فهتفت باسمه وهي تهرع له
ما أن سمع اسمه منها حتى رفع وجهه المتعب ورآها فنهض وترك نفسه لأحضانها، كان فعلا بحاجة لها، لم يخبرها بالليل كي لا تهرع له ولكن ما أن عاد النهار وهاتفته حتى فعل
هتفت "ظافر هل أنت بخير؟"
دفن رأسه بشعرها وشعر بالراحة وهي تضمه بذراعيها، لا يمكن لأحد الآن أن يوقفه عنها فهو بحاجة لها أكثر من أي وقت.. 
أبعدها وسقطت نظراته المجهدة على وجهها الجميل والذي سكنه الفزع فقال "نعم، أنا بخير"
أمسكت يده وهتفت "كيف حال والدتك؟ أين مليكة؟"
جذبها لتجلس بجواره ففعلت وهو يقول "ما زالت بالعناية، ومليكة بتلك الغرفة مع ليان"
ظلت يدها بيده وهي تشعر بحزن عميق من أجله وقالت بحنان "ماذا حدث ظافر؟ ما سبب تلك الذبحة؟"
أبعد وجهه عنها وقال "عرفت أن بابا تزوج امرأة أخرى"
شهقت من الصدمة، هي الأخرى سمعت عن علاقة والديه الجميلة ولم تفكر أن ذلك قد يحدث بينهم 
لم ينظر ظافر لها وهو يقول بحزن "لقد سافر معها بشهر عسل، بعد سن الخامسة والستين يعيد تجديد شبابه على حساب والدتي وحسابنا"
رفع وجهه لها وقال "لقد رفض العودة من أجل والدتي، أخبرني أن وجودي أنا ومليكة كافي لها ووجوده لن يثير إلا حزنها، لقد تخلى عنها أيضا بعد أن طعنها بلا رحمة"
دمعت عيونها من أجل المرأة التي لا تستحق ما يحدث لها ولكن هو حكم القدر الذي لا يمكن لأحد استبداله، قالت بألم "هي لا تستحق ذلك، كانت تحبه"
هز رأسه وأبعد وجهه ليخفي دموعه ولكنها شعرت به وضغطت على يده وقالت "ستكون بخير ظافر، إن شاء الله ستكون بخير"
لم يرد فقالت "أين سفيان ووافي؟ كيف تركوك وحدك؟"
مسح دموعه وقال "كانوا معي بالفعل، حتى عرفنا أن سارة أخت راكان أصيبت بحادث صعب بالفجر فرحل وافي لها وسفيان ذهب ليرى حاتم خطيبها ويذهبا لرؤيتها"
تراجعت من كل ما تسمعه وقالت "يا الله! وكيف حالها؟"
نظر لها وقال "ليست جيدة، حالتها خطر ومصابة بالكثير من الكسور وبحاجة لجراحات أخرى كثيرة"
سألته "وأين راكان؟"
لوى فمه وهو يرد "بإيطاليا، جد رائد صديق عمره كان مريض وكان معه، وبالأمس أيضا مات جده، تقريبا كل المصائب سقطت علينا بالأمس"
وضعت يدها على فمها وهي تستوعب كل ما تسمعه وقالت "حقا المصائب تأتي جزافا، ألن يأتي راكان لرؤيتها؟"
هز رأسه وقال "لا أعلم، ولكن من الصعب أن يترك رائد وحده بتلك الظروف"
رددت بحيرة "ويترك أخته؟"
قال بلا تفكير "هو يعلم أننا جميعا معها، لكن رائد هناك وحده وأعتقد أنه سيأتي لدفن جده هنا"
صمتت ولم تتحدث وهي لا تفهم عقول هؤلاء الرجال، هل يضحي بأخته من أجل صديقه؟؟

الجزء الثاني من الفصل الثالث عشر
وقف وافي عندما رأى حاتم وسفيان يتحركان للداخل والقلق يظهر على وجههم وسفيان يقول "ما الأخبار وافي؟"
رمق وافي حاتم بنظرة غير مفهومة وعاد لسفيان وهو يقول "لا جديد سفيان، لم تفيق حتى الآن"
هاتف وافي رن فنظر له وقال "إنه راكان"
تحرك بعيدا وهو يجيب "راكان"
كان راكان يتحرك داخل المطار ورائد بجواره وقال "هل من جديد وافي؟"
أجاب وافي "لا راكان، ما زالت لا تفيق"
لم تتبدل ملامحه وهو يقول "والأطباء؟"
أجاب وافي "ينتظرون أي علامة على عودتها لإكمال العلاج، متى ستعود؟"
سيف تولى الإجراءات وهو يقول "نحن بالمطار وافي"
سأله "هل أخبرت رائد؟"
قاده الرجال للطائرة الخاصة وقال "نعم، منذ لحظات، هل عرضت على الأطباء السفر للخارج كما أخبرتك؟"
كان وافي قد خرج من المشفى وقال "نعم، ولكنهم يرجحون البقاء حتى تفيق وبعدها يقررون"
صعد سلم الطائرة وقال "بل عندما أصل سأقرر، سأغلق لأني أصعد للطائرة، أعلم أنك لن تتركها"
رفع وافي رأسه وقال "بالتأكيد راكان لن أتركها حتى وأنت هنا"
لم يرد راكان وهو يتحرك داخل الطائرة ورائد أمامه وسيف بالمقاعد المجاورة ورائد ينظر له ويقول "كان عليك إخباري راكان والعودة لها"
نظراته الفارغة تصيب من أمامه بالجنون لكن رائد يعرف صديقه جيدا
قال بلا أي تعبير بنبرة صوته "وبماذا كان سيفيد وجودي رائد؟ هي لا تشعر بالعالم من حولها ولن يمكن تحريكها لأي مكان قبل أن يقرر الأطباء"
ربط كلاهم حزام الأمان والطائرة تتحرك والمضيفة ترحب بهم وتعرض المشروبات عليهم وعلى رجال رائد وراكان وهو يسمع رائد يقول 
"وجودك معي عنى لي الكثير راكان، أنت لم تعد لها لأنك أردت أن تظل بجواري ولا تتركني وحدي، حملتني دينا لن يمكنني الوفاء به أبدا"
أبعد نظراته للفضاء الذي لاح بعد صعود الطائرة للسماء وقال "أنت صديق عمري رائد وليس بيننا أي ديون" 
ارتفعت الطائرة بالسماء ففك حزام الأمان ونهض باحثا عن مشروب أقوى من العصير، تبعه رائد ووقف بجواره وقال "ألم تعرف سبب الحادث؟"
لم ينظر لرائد وهو يضع الثلج بالكوب ويمزجه قبل أن يقول "ماذا تظن؟"
سكب رائد مشروب لنفسه وقال "معك حق، رجالك تحيط بها"
أدار وجهه ليلتقي بعيون رائد وقال "ومع ذلك لم أستطع حمايتها"
وتناول ما بالكأس جرعة واحدة، هو لا يفعل إلا نادرا، والآن هو حقا بحاجة لشيء قوي يجعله يستمر بالوقوف ومناطحة نفسه المخطئة بكل شيء تجاه أخته
ربت رائد على كتفه وقال "لا يمكنك وقف القدر راكان"
ظل ينظر له بغضب ليس منه بل من نفسه وهو يقول "ولكني السبب رائد، أنا من أتى بها مصر لتكون تحت حمايتي، ولكني لم أمد إصبع واحد لحمايتها، كنت أعرف أن حاتم أناني وجبان ولن يصلح لها ومع ذلك لم أستطع منعها منه، ترددت، لأول مرة أعرف التردد رائد، ترددت كي لا تغضب لمعارضتي وترحل، أردت وجودها، أردت عائلة وكنت أناني وأنا أتركها تدفع الثمن"
التفت وسكب مشروب جديد بالكأس وتناوله مرة أخرى ورائد يقول "أنت بشر راكان ولست آلة"
ألقى الكأس بكل قوته بعيدا حتى اصطدم بأرضية الطائرة وتحطم لشظايا بصوت فزع له الجميع وهو يهتف بغضب "لا، أنا لست بشر ولا أصلح أن أكون بشر رائد لأنه لم يعلمني كيف أكون بشر" 
صوته الغاضب جعل الجميع ينتبه له..
نهض سيف واقفا وتحركت المضيفة مسرعة تجاه الكأس الذي تحطم لتزيل آثاره وابتعد هو من أمام رائد عائدا لمكانه ودفع وجهه للنافذة وككل مرة الذكريات فقط هي ما تندفع له، وهو لا يريدها ولا يريد رؤية ذلك الرجل الذي صنع منه آلة، وحش، أي شيء آخر إلا إنسان له مشاعر ويمكنه أن يشعر كما باقي الأشخاص الطبيعية 
هو فقط يثور ويغضب ويعاقب لكن لا يعرف كيف يحب ويداوي جراح الآخرين
"راكان"
أغمض عيونه بلا رغبة بأي حديث ولكن رائد لن يتركه لقد اعتادوا على ذلك، كلاهم لا يترك الآخر بأي حالة كان
يذكر أنهما تشاجرا من قبل بسبب رغبة راكان بالبقاء وحده يوم رحل والده ولكن رائد رفض وتشاجرا، وهو فعل المثل يوم وفاة والدة رائد وها هما يعيدان الكرة مرة وراء الأخرى
"راكان لا تصمت"
لم يفتح عيونه وهو يسند رأسه على ظهر المقعد وقال بنبرة أهدأ "أنا بخير رائد"
هدوئه الظاهري أسكت رائد وأعاد سيف لمكانه، ولكن من داخله كانت نيران الغضب تأكله ولن يهدأ إلا عندما يأتي بحق أخته وليحترق العالم كله لو تطلب الأمر منه ذلك
****
وقف الطبيب أمام سفيان ووافي وقال "لم تبدي أي شيء أنا أظن أننا سنحتاج لوقت أطول لإجراء أي جراحة أخرى"
قال وافي بعصبية "ماذا تعني بذلك؟ لماذا لا تتحسن حالتها؟ أخبرتك برغبتنا بنقلها لأفضل مشفى بالعالم"
تراجع الرجل من هجوم وافي فتدخل سفيان "هو يقصد أن كلما أسرعنا بالتصرف كلما كان أفضل لها"
قال الطبيب بتردد "نقلها لن يفيد بشيء يا سادة"
صوت راكان جعلهم يلتفتون له وهو يقول "هذا ليس قرارك، أريد مدير المشفى حالا"
انتبه الطبيب له وقال "ومن حضرتك؟"
انضم رائد له وراكان يقول "راكان زيدان، أخبر مديرك أني أريد نقل أختي فورا لمشفى.. بلندن وأريد تجهيزها وكل ما يخصها خلال ثلاث ساعات"
الطبيب بدا شاحبا وتائها وهو يقول "يا فندم هذا غير صواب"
مال راكان تجاه الطبيب ونظراته تحولت لنيران تقدح حرارة محرقة وهو ينظر له مباشرة ويقول "لست أنت من سيخبرني الصواب من الخطأ، ثلاث ساعات تبدأ من الآن وإلا سأقاضي كل شخص يعمل هنا وأولهم أنت والقائمة ستكون طويلة"
هز الطبيب رأسه وسفيان يقول "اهدأ راكان"
نظر لسفيان بنفس الغضب وقال "لا تخبرني ماذا أفعل سفيان"
تراجع سفيان وفر الطبيب من أمامه بينما تحرك رائد للوقوف أمامه وهو يقول "هل نذهب لرؤية المدير؟"
نظراته لسفيان كانت تعني الاتهام وسفيان أدرك ذلك فقال "لا تخلط الأمور راكان، لست أنا المتهم"
هتف بلا تردد "لا، ولكنك تعرف المتهم سفيان وتركته يذهب دون عقاب"
شحب وجه سفيان وهو يقول "أنا لم أعرف شيء راكان، ليس حاتم من كان يقود السيارة التي صدمتها"
حاول رائد إيقافه ولكن لا شيء يوقف الإعصار وقت ذروته وهو يهتف "لا، ولكنه من أعماها بتصرفاته الأنانية الجبانة، ألم يخبرك أنها بتلك الليلة وجدته بفيلته مع زوجته وقام بتقديمها لها بلا رحمة، لقد ذبحها بدم بارد سفيان وتركها تذهب بلا روح لتلقى مصيرها، والآن فر هاربا كالجبان"
هتف سفيان "كفى راكان أنت تتحدث عن أخي"
لم يتراجع راكان رغم يد رائد التي تدفعه للخلف بلا فائدة وهو يقول "وهي أختي من ترقد بالداخل بين الموت والحياة بسببه"
هتف سفيان "ولماذا لم توقفها عنه طالما كنت تراه ندل وجبان؟"
التفت وافي لسفيان وقال " كفى سفيان؟"
لكن راكان أجاب "أخيك ممثل رائع حقا سفيان، أجاد دوره معها جيدا ولف عقلها بسهولة وهي لم تفكر أنه كان يتلاعب بها ومهما كنت سأفعل لم أكن سأوقفها ولم أرغب بخسارة العائلة الوحيدة التي امتلكتها"
نجح رائد بدفعه بعيدا ولكن ليس قبل أن يقول سفيان "ليس لديك أي إمكانية لتمتلك عائلة بأي يوم ولا تحاسبنا على ذلك"
جمد مكانه، ودفع وافي وسيف، سفيان للخارج ونظرات راكان حلقت بالفراغ رغم تجمع بعض الأشخاص نظرا لأصواتهم المرتفعة ولكن رائد لمس ذراعه وهو يقول 
"راكان اهدأ"
أبعد يد رائد وكأنه عاد لوعيه فجأة وكلمات سفيان ضغطت على جراحه التي كانت حية بالفعل، التفت ليجد الجدار خلفه فرفع ذراعيه ودفع بقبضتيه بالجدار بقوة 
ظل مستندا عليه وتنفس بقوة كي يوقف غضبه من كل من عرفهم، بداية بجده ونهاية بصديقه الذي عرف جيدا كيف يؤلمه
سمع سيف يقول "المدير يعد الإجراءات اللازمة لسفر الآنسة والطائرة تستعد"
أغمض عيونه وما زال يتنفس بقوة حتى التفت وقال "وحاتم ؟"
شحب وجه سيف وهو يحاول إيجاد رد يوقف غضب رئيسه الذي فهم فتحرك لسيف حتى اقترب منه جدا وقال "لو لم تعثر عليه ستدفع أنت الثمن هل تسمعني؟"
هز سيف رأسه ونظراته تواجه راكان المشتعل بنيران أعتى البراكين بالعالم ولا شيء يمكن أن يطفئ نيرانه
****
عندما خرج الرجال الثلاثة للخارج هتف وافي "ما الذي قلته سفيان؟ أنت تعمدت إيلامه أكثر مما هو"
التفت له سفيان وما زال غاضبا وقال "هو لا يتألم أبدا، هو يؤلم فقط ولا يشعر بألم من حوله"
وقف وافي الغاضب بمواجهة سفيان وهتف "أنت تتحدث عن صديق عمرك سفيان، وهو يعاني بسبب أخته التي تدمرت بسبب ما فعله بها أخيك فهل تعقل ما تقول؟"
لم يتراجع سفيان عن مواجهة وافي وهو يقول "أنا أعي جيدا كل شيء وافي ولكن هو من لا يفهم، سارة تحدت حاتم ولم تلبي رغبته لترك السينما ولم تهتم، وهو أدرك ذلك"
زاد غضب وافي وهو يقول بتحدي "ولماذا لم يفض الخطبة ويتركها؟ أخبرك أنا، هو فعل ذلك كي ينتقم منها، من أين عرفت سارة مكانه وكيف ذهبت له سفيان؟ أخيك هو من دمر الفتاة، جرحها وطعنها بكرامتها بلا رحمة وتركها ترحل مجروحة دون أن يتبعها أو يهتم لأمرها، ألا تظن أن راكان لديه الحق بثورته هذه؟"
ابتلع سفيان ريقه ولا رغبة له بالاعتراف بذلك وهو يرد "ما فعله مجرد غطاء ليخفي عدم اهتمامه بها، هو حتى لم يأتي فور وقوع الحادث وتركها من أجل رائد فلا يلوم أحد"
تراجع وافي غير مصدق هجوم سفيان وقال "أنت تمزح سفيان؟ كلنا هنا معها، لذا تركها بيننا، لكن رائد كان وحده هناك وكلنا نعلم مكانة جده بحياته فكيف كان سيتركه وحده؟"
أشاح سفيان بيده والتفت وهو يقول "هي أخته، فليفعل بها ما يشاء"
وتحرك ذاهبا ووافي يتابعه وهو لا يصدق أن سفيان يتحدث بتلك الطريقة عن صديقه وما بينهم أكبر بكثير مما يقول ويفعل..
لم يمكنه أن يوقفه ولا أن يذهب خلفه فلن يترك سارة إلا عندما تعود كما كانت، لذا ارتد وعاد للداخل ليرى راكان يقف مع المدير ورائد معهم فانضم لهم وراكان يقول "تمام الطائرة ستكون بانتظار الاسعاف بعد ساعتان ونصف فهل هذا وقت كافي؟"
هز الرجل رأسه لحظة ثم قال "الأطباء لا يرجحون السفر سيد ركان، ولكن المشفى هناك لا تعترض وسنفعل ما تشاء على مسؤوليتك، لكن نحتاج لوقت أكثر"
لم يعترض راكان وهو يقول بلهجة آمرة "حسنا، دعهم يستعدون وسيتم تأخير السفر"
تحرك المدير مبتعدا وقال وافي "أحتاج للسفر معها، لقد أخبرت سيف وهو سيتولى الأمر"
حدق به راكان قبل أن يقول "رائد بحاجة لك كي ينهي إجراءات الدفن وافي"
التفت له رائد وقال "لا، لست بحاجة له، ليكن معك وأنا سألحق بكم بمجرد انتهاء الدفن"
نظر له راكان بقوة ثم بالنهاية قال "أحتاج لرؤية ظافر قبل السفر، فهل نذهب حتى يتم تجهيز سارة"
هتف رائد "وأنا معك، ثم سأذهب لاستلام جثمان جدي"
لم يذهب وافي معهم، بل وصل رائد وركان للمشفى الآخر بوقت قصير وتحركا للداخل ليجدا ظافر ومي يقفان مع مليكة أمام غرفة العناية
انتبه ظافر لهما فالتفت ليلف راكان بذراعيه وهو يقول "راكان، لم أظن أن الظروف ستسمح لك بالحضور"
ابتعد وقال راكان "لا شيء يمنعني عنك ظافر"
ربت على كتفه وهز رأسه ثم احتضن رائد هو الآخر وقال "البقاء لله رائد، آسف لعدم حضوري"
أجاب رائد بصدق "لا تعتذر يا رجل لديك ما يكفيك، كيف حالها؟"
حيا راكان مليكة الباكية ومي وكذلك رائد وظافر يقول "ما زالت بالعناية ولكن الطبيب أخبرنا أن الأمور بدأت تستقر وتستجيب للعلاج، كيف حال سارة راكان، أنا لا أستوعب ما أصابها"
ابعد وجهه وقال "ما حدث قد حدث ظافر، كيف حالك مليكة؟"
التفتت له الفتاة بعيون منتفخة وحزن واضح بعيونها وقالت "لست بخير راكان، ماما تضيع منا"
قال بهدوء "ستكون بخير مليكة، فقط تماسكي من أجلها"
نظر ظافر لرائد وقال "كيف حالك رائد؟ كنت أتمنى وجودي معك"
هز رائد رأسه وقد دفن أحزانه بجوار ما حدث لأصدقائه وقال "أعلم ظافر، كلنا لدينا ما يكفينا، المهم والدتك، أنا بخير"
التفت لراكان وقال "لقد نفد وقتي راك، لابد أن أذهب"
قال راكان "وأنا عائد للمشفى، ظافر هل أنت بحاجة لشيء؟"
أجاب ظافر "لا، هل ستسافر بها للخارج؟"
رد راكان "نعم"
التفت الاثنان ليرحلا، عندما توقفا مرة أخرى وليان تتحرك تجاههم بملابس قاتمة وبدت جميلة ورقيقة، هادئة جدا وعيونها الزيتونية تذكره بأخته سارة
كانت نظراتها ثابتة على رائد وهي تسرع تجاههم وخصلات شعرها تتأرجح حول وجهها ورفعت الباقي منه لمنتصف رأسها، لمعت عيون رائد عليها وهو يرى إشراقتها الطفولية أمامه 
توقفت أمامهم وقالت "مساء الخير، ألف سلامة على سارة راكان، البقاء لله رائد"
نظراتها كانت تحمل الكثير من الحزن لكلاهم وتنقلت بينهم وراكان أخذ المبادرة بالحديث "شكرا ليان"
أجاب رائد "كيف حالك ليان؟"
تورد وجهها وهي لا تبعد عيونها عنه وترى حزن عميق داخل عيونه، وجه المتعب يخبرها عما عاناه بالأيام السابقة
قطع راكان اتصالهم "رائد هل نذهب؟"
عاد رائد له وأخفضت هي عيونها ورائد يقول "نعم، نعم هيا"
وتحرك الاثنان للخارج والتفتت هي تتابعهم بحزن لأنه لا يدرك حتى ما بعيونها ولا يهتم بها ولكنها أرادت أن تكون معه، تربت على وجهه الجميل لتمنحه الحنان الذي يحتاج له، أرادت أن تتحدث معه، تسمعه، فقط تسمعه ولو مرة واحدة ولكنها تعلم أن تلك المرة لن تأتي أبدا..
****
تمارا ظلت بعيدة منتظرة أن يأخذ سفيان أول خطوة تجاها ولكنه لم يفعل، أيام كثيرة مرت دون أي اتصال بينهم حتى رأت على الميديا حادث سارة أخت العمدة، بالطبع هي تعرف صداقتهم فهل هو مشغول معه؟ 
لكن تلك الحادث بالأمس فماذا عن الأيام السابقة؟
نهضت من وراء مكتبها وشدت التنورة الضيقة للأسفل بضيق وتحركت للوح الرسم ولكنها لم تجد أي رغبة بالرسم فقذفت القلم بعيدا بغضب وعادت لمكتبها، جذبت حقيبتها والهاتف وتحركت للخارج وهي تبحث عن رقمه حتى وجدته وهي تدخل المصعد ولا تجيب السكرتيرة 
اتصلت به، ظل الهاتف يرن دون استجابة حتى توقف والمصعد يفتح بابه فخرجت وكلها غضب منه وعادت تتصل مرة أخرى وتلك المرة أجاب 
"لم أظن أنكِ ما زلتِ تحتفظين برقمي"
ركبت سيارتها وقادت وهي تقول "وماذا عن دبلتك التي بيدي؟ هل من المفترض أن أنساها هي الأخرى؟"
تحركت السكرتيرة إلى الخارج ونظم هو شعره الذي بعثرته يد الفتاة، التي أبعدها دون رغبة منه بإكمال ما أرادته وقال "كما تشائين، فقد منحتك حرية الاختيار"
ضغطت على المقود وهتفت "لماذا لا نلتقي ونتحدث وجها لوجه؟ أم لم تعد تجد وقت لي؟"
جلس خلف مكتبه وقال ببرود "أنا بالمكتب"
قالت باختصار "وأنا بالطريق"
وقذفت الهاتف على المقعد المجاور بغضب من البرود الذي يعاملها به، هي لم ترتكب جريمة وقت وافقت على زواج عقلي، لم تخدعه ولم تدعي العكس وهو من كان يطاردها لتوافق فلماذا يفعل بها ذلك؟
لم تنظر للسكرتيرة التي كادت توقفها ولكنها كانت قد فتحت باب مكتبه ودخلت لتراه يضع رأسه بشاشة الجهاز
رفع وجهه لها عندما دخلت والتقى بعيونها الفاتنة والغاضبة للحظة ثم عاد للجهاز لينهي ما يفعله وأغلقت هي الباب وتحركت تجاهه وهي تقول 
"والآن ماذا سفيان؟"
ترك الجهاز وتراجع بالمقعد وهو ينظر لها بأناقتها الفريدة وقوامها المميز بلا خطأ ومع ذلك لم يغريه هذا الجسد كما تفعل النساء الأخرى ولم يتجاوز معها.. ظن أنه يحتفظ بالأمر لليلة الزفاف ولكنه أدرك مؤخرا أنه انبهر بجمالها فقط والآن تجاوز الأمر 
لكنه لم يفكر أنه كان بالفعل يرغب بها بليلة الزواج، هذا ضاع تماما من ذهنه وانخدع وراء غضبه من كلماتها عن الزواج بلا حب، وربما كرامته تألمت لأنها لم تحبه فأراد الرد بنبذها خارج حياته
قال ببرود "ماذا تمارا؟"
نفخت بقوة وقالت "لا تدعي الغباء فأنت لست غبي"
نهض وتحرك لها ليقف أمامها وقال "لا، ولكن ليس لدي أي شيء لك"
تراجعت للحظة وهي تستوعب كلماته وكأنه ينهي كل شيء بلا كلمات فقالت "لا أفهم، ألا تريد التحدث معي؟ وما بيننا وخطوبتنا؟"
ابتسم بسخرية وقال "ما زلتِ تصدقين تلك الكذبة؟ ظننتك اعترفت بالحقيقة"
أشاحت بيداها الاثنان بغضب وقالت "أي حقيقة سفيان؟ أنني قبلت الزواج منك بعقلي وليس بقلبي؟ وما الخطيئة التي ارتكبتها بذلك؟ ربما اخترتك بعقلي ولكن ربما يتغير ذلك بعد الزواج والقلب يفوز فأين المشكلة؟"
ظل باردا وهو يجيب "المشكلة أنني لم أعد منبهر بجمالك وفتنتك، تقريبا فقدت رغبتي بكِ"
شحب وجهها من كلماته الجارحة، فتحت فمها دون أن تتحدث من الذهول فابتعد وهو يقول "ظننت أني أحببتك وأردتك، لكن بذلك اليوم أدركت أنه كان مجرد انبهار بجمالك ورحل، أنا حتى لم أرغب يوما بتقبيلك وظننت أن ذلك من باب احترام ما بيننا من أمر رسمي وشرعي، لكن ما أن تناقشنا بذلك اليوم حتى عرفت أن زواجنا سيكون من أجل الشكليات، لذا لم يعد الأمر يهمني"
هتفت بدموع الإهانة "أنت حقير سفيان، ندل حقير"
لم ينظر لها ولا يعلم لماذا تذكر ندى بتلك اللحظة وهي تخبره بذلك أيضا، هو بالفعل ندل، جبان، لا يسبب سوى الألم لكل من حوله حتى صديقه جرحه بلا اعتبار لما بينهم
هتف "وأنتِ كنت تتلاعبين بأمرنا تمارا، كان راكان هدفك منذ كنا صغار وعندما ألقاكِ بلا اعتبار بحثتِ عن البديل، ربما كي تجعليه يندم ويعيد حساباته، لكن عندما لم يبالي بكِ استسلمت للبديل، أنا، وأنا أيضا أثبت لراكان أنه ليس هو حلم البنات، فأنتِ تخليتِ عنه من أجلي من أول كلمة، لم تخسري كثيرا أليس كذلك؟"
تحركت له والغضب يملأها من كلماته ولم تجد شيء تفعله سوى أنها صفعته بقوة على وجهه لدرجة تألمت لها أصابعها دون اهتمام منها وهي تهتف بدموع "كيف تجرؤ على قول ذلك؟ راكان كان واضح وصريح ولم يعدني بأي شيء، أنت من تلاعب بي وطاردني حتى أوافق على الارتباط بك، أنت إذن من أراد إثبات أنك أفضل منه، لكني لم أفكر أبدا بتلك الطريقة، لست بحاجة لك لأثبت نفسي فقد فعلت بالفعل، أنا خسرت بالفعل، خسرت نفسي يوم قبلت بك"
انحنى مقتربا والغضب يلفه من صفعتها ولكنه تجاوزها لأنه يستحق الصفع وقال "لا تدعي البراءة فالجميع يعلم نواياك"
الدموع تفجرت من عيونها وهتفت "الجميع كاذبين مثلك، أنا أشرف منك ومنهم جميعا، أنا حقا أستحق كلماتك هذه لأني وافقت على رجل مثلك، يبدل النساء كما يبدل ملابسه ولكني حقا نادمة على ذلك ولو كنت بيوم فكرت أننا قد نكون زوجين جيدين والحب شريكنا، فقد كنت أحلم والأحلام لا تتحقق وأنت لا تستحق"
قال بغضب مماثل لها "ليس أنتِ من يحدد ما أستحقه من عدمه، أمثالك لا يعرف الحب ولن يكون لكِ حبيب فأنا أعرف من يستحق الحب"
ظلت تنظر بعيونه لحظة ثم فجأة جذبت يده وهو لم ينتبه أنها خلعت دبلته وخاتمه إلا وهي تضعهم بيده وقالت بكبرياء واضح "لا، أنت لا تعرف شيء عن الحب ولا من يستحقه من عدمه، كل ما تعرفه هو كيف تأخذ امرأة لفراشك وبعدها تلقيها خلفك وتبحث عن سواها، لذا لا تبحث عن الحب سفيان لأنك لست رجل حب ولن تكون بأي يوم، لأنك وغد أناني ولا تعرف معنى الحب بالأساس، ولو سقطت امرأة بحبك فالويل لها منك لأنك لن ترحمها، أتمنى أن تتألم يوما كي تذوق طعم الألم الذي تسببه للآخرين من حولك"
وتركته وتحركت للخارج بدون أن تنظر خلفها مرة أخرى..
شعر بأنه ينتفض من داخله من كلماتها، لا تبحث عن الحب لأنك لست رجل حب، هل هو كذلك؟ 
مجرد رغبة تحركه تجاه أي امرأة مثل أي حيوان لا يريد من الأنثى سوى شهوة تنتهي بمجرد انتهاء العلاقة الحميمية؟ 
تماما كما قالت، هو بالفعل كذلك، ولكنه لم يكن معها كذلك، ماذا كان يريد منها حقا؟ هل أراد تحدي راكان؟ إذن لماذا يتألم لرحيلها بهذا الشكل؟
شعر بيده تؤلمه فنظر لها ولم يشعر أنه كان يقبض على الخاتم الماسي بقوة جعلته يتألم وظل يحدق بالخاتم والدبلة وهو يفكر بمساوئه كندل حقير حتى مع صديقه وهو يعلم جيدا أنه المخطئ بكل شيء
راكان كان على حق وهي أيضا على حق، هو بالفعل أرادها ليثبت لنفسه أنه الأفضل وأن المرأة تركت راكان من أجله 
راكان أيضا كان محق بأنه لم يكن سيقبل نصيحته بل كان سيهاجمه بقوة ويتهمه برغبته بها، راكان على حق بكل شيء
سقط على المقعد الجلدي وغضب من نفسه يضربه فأغمض عيونه وما زال يذكر سيئاته
راكان يعرفه جيدا ويعرف أنه الأسوأ فيما بينهم، ومع ذلك لم يلقي بالحقيقة بوجهه كي لا يؤلمه ولكن بالمقابل هو فعل، هو عرف أن حاتم كان ندل وجبان مع سارة ومع ذلك لم يفعل أي شيء، تركه يهرب لأنه يعرف أن راكان لن يتركه، بل ولم يعترف بذلك وإنما هاجم راكان وقذف بكلماته النارية بوجهه وهو يعلم أنها ستؤلمه وقد فعل
أغمض عيونه وهو لا يستطيع تقبل أنه فعل ذلك وانحدر لهذا المستوى، لم يعد سفيان الذي عرفه أصحابه، بل ندل وجبان ولا يعرف عن النبل أي شيء
****
خرج ظافر من العناية بلا أي اختلاف فوالدته ما زالت متعبة، ربما استجابت للعلاج وتخطت الخطر لكنها ما زالت متعبة والقلب ضعيف والأطباء لا تمنحه أي كلمات جيدة عن حالتها.. 
رأى مي تجلس بتعب بعد يومين بالكاد تتركه بالليل وتعود له بمجرد أن يظهر النهار، والدها زاره مرة، باقات وورود كثيرة من كل مكان، اتصالات للمجاملة ولكنه لم يستوعب أي شيء
نهضت له ما أن خرج وقالت "كيف حالها؟"
وقف أمامها وبدا بأصعب حالته، عيونه التي لم تنم منذ أن حدث ما حدث أصبحت محلقة بالسواد، شعر ذقنه نبت بشكل غزير منحه شكل مثير للشفقة، قال بلا معنى بصوته "لا جديد"
أخفضت وجهها وقالت "لنعد للمنزل إذن حبيبي، الأطباء لا يرون جدوى من وجودنا"
هز رأسه وقال "أعلم، أرسلت مليكة للبيت بالليل فقد انهارت من التعب بعد رحيلك ورجال راكان أعادتها البيت"
قالت بحنان "دعنا نذهب ظافر كي ترتاح قليلا ثم نعود بالمساء"
لم يعترض ورحلا بلا رغبة منه بذلك لكن لم يعد بيده أي شيء
****
المشفى بلندن كانت تمنح اهتمامات خاصة لسارة، صاحب المشفى كان يعرف راكان جيدا، كانا يقيمان بالسكن معا أيام الجامعة ولم تنتهي الصلة بينهم لأن والد الرجل اختار التعامل مع جد راكان عندما عرفه ومن وقتها والصلة وطيدة وأصبحت العلاقة من بعد جده معه هو وكذلك جاك الذي نهض من وراء مكتبه عندما دخل راكان وقال
"أهلا راكان"
دخل راكان وانتظره سيف بالخارج وقال "أهلا جاك، الأطباء تتحدث عن جراحة عاجلة"
وقف أمامه وقال "أخبرتك أنها بحاجة للعديد من الجراحات، سنبدأ بالأهم وبعدها سنجري الباقي على مراحل، لا تقلق"
ضاقت عيونه وتلك الكلمة لا محل لها داخله الآن ولكن الظاهر يختلف كالعادة وهو يقول "متى ستجرى الجراحة؟"
لمس كتفه ليدفعه للداخل ويجلسا على المقاعد العادية وقال "الليلة سنبدأ بالجراحة العاجلة وما أن نطمئن من نجاحها نجهزها لغيرها"
لمعت عيونه وهو لا يتخيل أن ذلك هو مصير أخته فقال "ألا تفيق؟"
قال "بلى ولكنها تخضع للمخدر والمسكنات طوال الوقت كي لا تتألم"
هز رأسه وقال "متى ستستعيد وعيها بالكامل؟"
قال الرجل "ربما بعد الجراحة القادمة ولكنها لن تكون بحالة جيدة بالطبع، إصاباتها كلها خطرة وستظل معنا وقت طويل"
هز رأسه وقال "أعلم، فقط لا تتراجع عن فعل أي شيء بصالحها ولا تقلق من التكلفة، الحساب مفتوح لم لا نهاية جاك"
أجاب الرجل "لا أشك بذلك راكان، ولا تقلق ولا داعي لتواجدك المستمر فهي لا تشعر بك من الأساس"
كان يدرك ذلك ووافي بالأساس لا يوافق على تركها ومع ذلك لم يقوى على فراقها، نهض فنهض جاك معه وقال راكان "شكرا جاك"
حياه الرجل فخرج وسيف يتبعه عائدا لوافي الذي كان جالسا أمام غرفتها الزجاجية فجلس بجواره وعيونه تلتقط مظهرها الصعب بالداخل بين الجبائر والضمادات والأجهزة
 نظر له وافي وقال "ماذا قال؟"
لم يبعد عيونه عنها وقال "لا شيء مختلف، الجراحة الليلة وبعدها قد تعود للوعي"
عاد وافي لها وقال "الأمر ليس سهل راكان، الحادث كان صعب"
ضغط على أسنانه وقال "سيندم"
ابتعد سيف ليجيب على هاتفه بينما قال وافي "كنت تعلم أنه لا يستحقها"
صمت راكان ولم يرد لقد عاتب نفسه بما يكفي ومع ذلك لم يسامح نفسه ولا توجد كلمات تبرر خطأه فعاد وافي يقول "ولكنك كنت تعلم أنها لن تسمعك"
لف وجهه لوافي ولم يتحدث فأكمل وافي "أنا لا ألومك راكان، ولا يحق لأحد بأن يفعل، سفيان لم يكن على حق لأننا جميعا نعلم أنك أردت أختك معك وهذا حقك، كما نعلم أن سارة لم تكن لتقبل كلمة لا منك، علاقتكم لم تكن تسمح بذلك بل كانت ستزيد الفجوة بينكم، كف عن لوم نفسك راكان عن كل خطأ يحدث لمن يخصك فأنت لست مسؤول عن الجميع، كلنا كبار بما يكفي لنتحمل نتيجة قراراتنا"
ظلت عيون راكان تتجول على وجه وافي الذي أبعد وجهه مرة أخرى للزجاج بينما ارتاح راكان لكلمات وافي وكأنه كان يشعر بالصراعات الدائرة داخله
سيف مال عليه وقال "وصلنا لحاتم"
هز رأسه وعاد لوافي وقال "لم تهنأ بالشهرة كما تمنت"
تجهم وجه راكان وقال "نعم، أتمنى أن تشفى وتعود"
عاد له وافي وقال "لا تغضب من سفيان راكان بالنهاية حاتم أخوه ثم جميعنا ندرك أن سفيان يلقي بكلمات لا يدرك معناها إلا بعد فوات الأوان، ما بينكم أكبر بكثير مما حدث"
أبعد  
ولم يرد وهو ينهض ويقول "أحتاج هواء وافي، أنا بالخارج"
وتحرك خارجا وتبقى رجلان للحراسة وسيف تبعه للخارج حتى تلقاهم البرد والغيوم فقال سيف "هل تريد الإمساك به؟"
ضاقت عيونه وقال "لا، أريد التلاعب على سمعته أولا، أرسل له فتاة وصوره معها وانشر التسجيلات وبعدها نتحول لشركات الانتاج، لن يعرف الشهرة كما حرمها منها وسيندم لأنه تسبب لها بكل ذلك"
لم يرد سيف حتى صمت راكان واحترم صمته إلى أن رن هاتفه فأخرجه ليرى ما انتظره فأجاب "ما الذي فعلته راكان؟ هل جرؤت على الإبلاغ عني؟"
ضاقت عيونه وهو يضع يده الأخرى بجيبه وقال "أبلغ عنك أنت يا باشا؟ لماذا أفعل ذلك؟"
صوت الغضب أجابه "لا تفعل بي ذلك راكان، كنت دائما خلفك"
لف حول نفسه نصف دائرة وقال "خلفي؟ هل تذكرني متى؟"
صمت أجابه حتى رد الرجل "راكان أنا أعلم أنك غاضب مني وأنا على استعداد لعمل أي شيء لنعود كما كنا، فقط أخرجني من تلك الورطة، أنت الوحيد الذي يمكنه فعل ذلك"
فكر راكان وقد انتظر تلك الكلمات ثم قال "وياسر، الرائد ياسر؟"
هتف الرجل "سأنسفه بلا ندم، كما صنعته سأدمره، فقط لا تتركني الآن راكان، لا تفعل بي ذلك"
رفع راكان رأسه وهو يستمتع بكلمات الرجاء من الرجل الذي تخلى عنه ومع ذلك قال "حسنا لديك أربعة وعشرين ساعة وبعدها سأقرر"
وأغلق الهاتف فنظر له سيف وقال "عصفورين بحجر واحد"
لم ينظر لسيف وقال "الباشا مجرد طريق جيد لنا سيف"
هز سيف رأسه وقال "لم أتوقع اتصاله ولا أن تمنحه فرصة أخرى"
حول نظراته لسيف وقال "لأني أعاقب فقط؟"
أنكر سيف "لا تخبرني أنا بذلك راكان، أنا الوحيد الذي أعرفك جيدا"
أبعد نظراته وقال "ما أخبار المشروع الجديد؟"
عاد سيف للجدية وقال "البناء يسير بشكل جيد للفرع الرئيسي وفرعنا بإيطاليا"
هز رأسه وعاد يقول "ورائد؟"
أجاب سيف "ربما يصل بالصباح"
رن هاتفه مرة أخرى ورأى اسم ظافر فأجاب بقلق "مرحبا ظافر، هل من جديد؟"
أجاب ظافر "لا راك، فقط أطمئن عليك وعلى سارة"
قال بهدوء "ستجري جراحة هامة الليلة وربما تعود لوعيها بعدها"
صوت ظافر كان يحمل الصدق وهو يقول "كنت أتمنى التواجد معك"
أجاب راكان بتفهم "أعلم فقط اهتم بوالدتك وأختك الآن، فهم بحاجة لك"
أغلق الهاتف وقبل أن يدخل رأى وافي يخرج وهو يجيب الهاتف حيث كانت ليان التي قالت "كيف حالها وافي؟"
قال وافي "ما زالت على حالها ليان لكن ربما بعد جراحة اليوم تستعيد وعيها"
قالت "ألا يمكن أن أحضر لأكون معها؟"
التفت لراكان الذي كان يتحدث مع سيف وقال "ولم لا ليان؟ لو لم تحتاج مليكة لكِ فسأجعل مكتبي يقوم بالحجز من أجلك"
أنهى الاتصال والتفت لراكان وقال "ليان تريد أن تأتي من أجل سارة"
قال باهتمام "لا أعرف، أنت من يمكنه منحها الإذن وافي"
رد وافي "ربما سارة تحتاج لها عندما تفيق"
هز راكان رأسه موافقا على كلماته 
****
تحرك ياسر لداخل الشقة والغضب واضح عليه وما زال بملابسه الرسمية، قابله والده الذي كان جالسا يشاهد التلفاز وقال "أهلا حبيبي، لم تخبرني أنك ستقطع.."
قاطعه بغضب "أين هي؟ أين تمارا؟"
نهض الأب وابنه يتحرك لغرفة أخته التي كانت جالسة بمنتصف الفراش والدموع ما زالت بعيونها رفعت وجهها له عندما فتح الباب بلا إذن وهو يهتف "أخبري خطيبك أن يبعد صديقه عن طريقي وإلا سأنسفه نسف"
قالت دون مسح دموعها "لم يعد خطيبي ياسر، لقد فسخت الخطبة"
تسمر مكانه ووالده خلفه يقول "ماذا حدث ياسر؟ من الذي تتحدث عنه؟"
لم يلق ياسر أي اهتمام لسؤال والده وهو يقول "فسخت خطبتك من سفيان؟ كيف ومتى ومن سمح لك بذلك؟"
لم تغير مكانها وهي تقول بضيق "لست بحاجة لإذن من أحد فهي حياتي ياسر"
تحرك تجاها بغضب واضح وقبض على ذراعها وجذبها من الفراش حتى كادت تقع وهي تحاول الوقوف وهو يهتف "وماذا عني أيتها الحمقاء؟ ألا يوجد لديك أي اعتبار لوجودي؟ ألم تفكري بخسارتك وخسارتي بترك رجل مثل سفيان الحلواني؟"
هتفت "اتركني ياسر، هل جننت؟ اتركني ولا شان لك بي"
تدخل الأب وهو يجذب ياسر "ياسر اتركها، هل فقدت عقلك؟"
لكنه لم يتركها وهو يقول "سفيان كان الشخص الوحيد الذي سيوقف صديقه عن الجنون الذي يفعله بي"
نجحت أخيرا بتخليص ذراعها منه وهي تقول "أي صديق؟ وما دخل سفيان به وبك من الأساس؟"
هتف ياسر "العمدة يتحداني ويحاول تدميري وسفيان الوحيد الذي كان سيوقفه بسببك، لكن الآن لن يفعل بسبب غبائك"
هتف الأب "ولماذا يتحداك العمدة ياسر؟ ما الذي بينك وبينه؟"
التفت لينظر لوالده وقال "أردت أخت وافي ولكن راكان تحداني عندما أبعدني عنها وأنا لم أتركه ولكن هو أشعل الحرب تجاهي"
تراجع الأب وشحب وجهه وفركت تمارا ذراعها من قبضة ياسر وقالت "سفيان لن يوقف راكان ياسر، أنت لا تعرف العمدة جيدا، لا أحد يوقفه عما يريد، هكذا قال سفيان عنه"
حدق بها بقوة وهتف الأب "ماذا فعل بك؟"
التفت لوالده وقال "أنا موقوف عن العمل بابا"
عاد الرجل للذهول وهو يردد "موقوف؟ أنت؟ لماذا؟ ما الذي فعلته؟"
تحرك من أمام والده وأخته وهو يذكر استدعائه أمام رئيسه عندما تم الإبلاغ عنه أنه كان سبب بمرور صفقات غير مشروعه عبر الحدود ولم يهب الباشا لنجدته لأن الباشا نفسه كان هو الآخر يسقط بالهاوية 
بالطبع لن يجرؤ على قول الحقيقة لوالده فقال "لا شيء، بالتأكيد بلاغ كيدي وعندما ينتهي التحقيق سيندم على ما فعله بي ولن أتركه"
كاد يتحرك لولا أن أوقفته وهي تقول "ياسر ابتعد عن طريق راكان فهو لا يرحم من يقف بطريقه"
توقف دون الالتفاف لها وقال "وأنا أيضا لا أرحم من يقف بطريقي"
وانطلق خارجا لغرفته وصفع الباب خلفه وظل الأب وابنته يقفان بمكانهما ولم يجرؤ أحد على النطق بكلمة واحدة بعد ما قاله وهما الاثنان أدركا أن ياسر سار بطريق لن يعود منه سالما أبدا
****
ابتسم ظافر بوجه والدته التي أفاقت أخيرا وتحسنت كثيرا وقال "الحمد لله على سلامتك ماما، لقد خفت حد الموت عليك، كيف فعلت بنا ذلك؟"
لم تبتسم وظلت شاحبة والتعب واضح على وجهها وهي تقول بصوت واهن "غصب عني حبيبي، لم أفكر يوما بأن أرى ذلك الفزع بعيونك من أجلي"
اقترب من الفراش وأمسك يدها وانحنى عليها وقال بحنان وألم "ماما أنتِ كل شيء بالنسبة لي ولمليكة ولا يمكننا تخيل العالم بدون وجودك، أرجوكِ ماما قاومي المرض من أجلنا نحن بحاجة لك"
دمعة تكونت بعيونها وهي ترى الألم بعيون ابنها فقالت "أنا أفعل ظافر، صدقني رغبتي بالحياة بسببكم أنتم ولكن الصدمة كانت قوية"
أخفض رأسه مخفيا نظرات الألم والغضب من والده فقالت "لا تغضب ظافر، هو اختار حياته ومن حقي اختيار حياتي أنا أيضا"
رفع رأسه لها ونظرات استفسار بعيونه وهو يقول "لا أفهم"
أغمضت عيونها وهي تشعر بتعب يراودها وتنفست بانتظام حتى فتحت عيونها وقالت "لن أعود له ظافر، أريد الطلاق"
ضغطت أصابعه على يدها دون قصد وهو لا يصدق ما يسمع، حياتهم العائلية تتهاوى ولا يستطيع فعل أي شيء، كل السعادة التي كانوا يعيشون فيها كانت وهم، كذبة كبيرة عاشها والدهم معهم حتى أعلن عن نفسه وضرب بهم جميعا عرض الحائط والآن دور والدته وهو حقها ولكن ماذا عنه هو وأخته؟
قال بنبرة ضعيفة مهزوزة "ولكن ماما، الطلاق بعد كل تلك السنوات؟"
سقطت دموعها وقالت "كما هي الخيانة بعد كل تلك السنوات ظافر، لن يمكنني أن أسامحه وأعود له مرة أخرى، أرجوك ظافر، أنا لا أريده ولن أعود له"
سكت ودمعت عيونه بلا شعور عندما ربت الطبيب على كتفه وهو يقول "هل تتركها الآن أستاذ ظافر؟ هي بحاجة للراحة؟"
اعتدل وترك يدها ومسح دمعته قبل أن يقول "حسنا، متى ستخرج من هنا؟"
وقف الطبيب بجواره وقال "ربما بالمساء فهي أفضل حالا"
هز رأسه ووضع قبلة على جبين والدته وقال "أنا بالخارج ماما"
ابتسمت له بوهن ولم ترد وعندما خرج كان سفيان يقف بانتظاره وقال "ظافر، كيف حالها الآن؟"
لم يكن هناك سواهم فمي اعتذرت عن الحضور بسبب تعب والدها ومليكة عادت البيت لاستبدال ملابسها فنظر لسفيان وقال "أفضل ولكنها تريد الطلاق"
تحركا سويا دون اتفاق للكافيتريا وطلبا قهوة وجلسا معا وسفيان يقول "هذا أقل ما يمكن فعله بموقفها ظافر"
رفع وجهه له واستنكر كلماته "بعد كل تلك السنوات سفيان؟ وماذا عن مليكة؟ اسم عائلتنا؟ مي وعائلتها؟ ماذا أخبر الجميع سفيان؟"
تراجع سفيان بالمقعد وقال "لا شيء ظافر، حياتكم خاصة بكم، كانت بين الحياة والموت ولن تجازف، لن يمكنك إجبارها على شيء"
تناول القهوة وتمعن بكلمات سفيان قبل أن يقول "هل الأمر سهل هكذا؟"
حدق به سفيان فرفع وجهه له وقال "ضياع حب سنوات طويلة بلحظة واحدة وانهيار كل ما كان بينهم؟ هل يمكن تصديق ذلك؟"
عاد سفيان للأمام وتناول القهوة قبل أن يقول "أحيانا يمر الرجل بأزمة عاطفية بحياته، خصوصا عندما يصل لعمر والدك، يحتاج لتجديد شبابه ويتصور أن امرأة أصغر ستمنحه ذلك بالرغم من أن والدك لم يكن يهوى تغيير النساء بأي يوم"
رمقه ظافر بنظرة واضحة وهو يقول "مثلك؟"
لم يفر سفيان من نظرات ظافر وهو يدرك كلماته، رفع قدح القهوة لفمه وتناول ما تبقى به قبل أن يقول "نعم ظافر، هو ليس وغد حقير مثلي يهوى استبدال النساء كل لحظة"
هز ظافر رأسه وقال "ولكنك لا تهوى استبدال الأصدقاء سفيان"
جمدت نظراته وتراجع بالمقعد وهو لا يجد كلمات للرد حتى قال ظافر "تعلم أن ما قلته كان مؤلم"
أبعد وجهه وكلمات ظافر تصيب الهدف، نفخ وقال "هو أخي ظافر"
لم يغضب ظافر وهو يقول "وكلنا نعلم أنه أناني ولا يفكر إلا بنفسه ومصلحته، هيا سفيان لقد دمر الفتاة ألا ترى ما أصابها؟ هو السبب سفيان وراكان لديه كل الأعذار كي لا يتركه"
هتف بغضب "كان عليه إيقاف الأمر قبل أن يبدأ من الأساس، أنت قلت أنكم جميعا تعرفون حاتم جيدا فلماذا ترك أخته له؟ بالضبط كما تركني أسقط بشباك تمارا وهو يعلم أنها كانت تحبه وأنها لم تحبني بأي يوم، هل هذا هو الصديق الذي لا تريدني أن أخسره؟"
شحب وجه ظافر من كلمات سفيان وتفاجأ بها غير مصدق ما يقول والصدمة جعلته يفقد التركيز للحظة حتى استوعب ما يدور وقال "أنت لا تصدق ما قلت سفيان أليس كذلك؟ لأنك لو فعلت فأنت لم تعرف راكان بأي يوم"
أشاح بيده وقال "ظننت أني كنت أعرفه ولكن يبدوا أني كنت مخطئ"
تراجع ظافر بالمقعد وقال "لا سفيان، أنت لم تعرفه بالفعل، راكان ليس ذلك الرجل الذي تحاول إخباري عنه لأني أعرفه جيدا، سارة لم تكن لتقبل أي معارضة من راكان خاصة وأن أخيك يعلم جيدا كيف يسقط الفتيات بشباكه ويجعلهم يلقون أنفسهم بالتهلكة من أجله"
نفخ سفيان ولم يرد وظافر أكمل "سارة كانت بلا خبرة ولا يمكنها التفريق بين الصدق والتمثيل، مهما كان راكان سيفعل معها فهي لم تكن لتتراجع وربما بنت عداوة معه وخسرته وهو لم يرد ذلك، لقد أراد عائلة سفيان، العائلة التي لا ذنب له أنه لم ينالها بيوم"
جف حلق سفيان وشعر ببرودة تسري بجسده، نعم ظافر على حق، هي نفس كلمات راكان ولم تختلف، قال بوهن "هو من أخبرك ذلك بالتأكيد"
هز ظافر رأسه بالنفي ورد "لا، أنا لم أناقشه بذلك، تعلم أني لم ألقاه سوى لحظات قبل سفره بها، راكان يعرف ماذا يفعل وكلنا ندرك ذلك"
اقترب من المائدة واستعاد غضبه قائلا "وتمارا؟ كان يعلم بحبها له ولم ينصحني"
غضب ظافر وقال بقوة "وأنت كنت تعلم بذلك سفيان، كلنا كنا نعلم منذ كنا أطفال ومع ذلك لم تهتم، الحقيقة سفيان أنك تعمدت الدخول بتلك العلاقة حتى تثبت له، بل لنفسك، أنك الأفضل وأنها اختارتك أنت وليس هو، لو تدخل راكان لكنت هاجمته واتهمته بأنه يريدها لنفسه"
تجهم وجه سفيان والحقيقة ظاهرة أمامه ولا مفر من مواجهته 
ظافر عاد يكمل "هو فعل الصواب، اللعنة سفيان ماذا حدث لك؟ راكان جزء لا يتجزأ من حياتنا، بل كلنا لا نتجزأ عن بعض سفيان فكيف تفعل به ذلك؟ خاصة وهو من أصيبت أخته التي عثر عليها بعد سنوات وبسبب أخيك"
عاد الشحوب لوجه سفيان وربما كلمات ظافر دفعته للخلف كثيرا وأسقطت أفكاره السوداء من عقله وظافر يكمل "عد لنفسك سفيان وتذكر كل ما كان بيننا، نحن كبرنا كثيرا على تلك التصرفات الصبيانية وآن الأوان لكي ننظر لحياتنا بشكل مختلف"
كان يعلم أن ظافر على حق وكلماته هي نفس كلمات راكان وهو الصواب لو أزال الضباب من على عيونه
راكان ليس متهم بل هو المتهم بكل شيء، هو من أراد تمارا لنفسه لإرضاء غروره فعلا، وهو من سكت عن تصرف أخيه الأناني، وهو أيضا من تسبب بألم صديقه بكلماته الخنجرية الحادة
هو فقد نفسه بمرحلة لم يكن من الصواب أن يفعل بها ذلك، وهو من تخلى عن تمارا يوم أتت عنده تحاول بناء ما تهدم وهو نادم على ما فعله بها، حقا آن الأوان لكي ينظر لحياته بشكل مختلف
****
رن هاتف راكان وهو يقف خارج المشفى مع سيف فرأى اسم ياسر فأجاب وقد توقعه "ياسر"
هتف ياسر بغضب "لن يمكنك إيقافي والانتصار راكان هل تسمعني؟ لن يمكنك"
لف راك جسده لمواجهة الزحام أمامه بمنتصف النهار وقال بهدوء "أنت بالفعل موقوف ياسر"
هتف الأخير "سأعود أيها الجبان الذي رحل هاربا من مواجهتي"
ضغط راكان على الهاتف وهو يرد "أمسك لسانك ياسر لأن كل خطأ منك يزيد من قائمتك السوداء معي"
لم يتراجع ياسر وهو يرد "كما هي قائمتك راكان، فقط عد وقف بمواجهتي وستندم"
رفع راكان رأسه وقال "سأفعل ولكن للأسف لن يمكنك أن تفعل لأني لا أدخل السجون فهي صنعت لأمثالك ممن يحيدون عن الطريق الصواب"
لم يتوقف الرجل ولا غضبه وهو يصيح عبر الهاتف "بل لأمثالك من زعماء العصابات"
رد راكان بنفس الهدوء "لو كنت زعيم عصابة لكنا بصف واحد ياسر وليس أعداء، للأسف أنت لا ترى سوى ما تريده ولا ترى الحقيقة كما هي وأنا لست بحاجة لتعديل أفكارك وسأتركها تقودك إلى حيث تستحق"
وأغلق الهاتف والتفت لسيف وقال "أريد تسليم التسجيلات الخاصة بياسر للقيادة سيف غدا"
حدق به سيف وقال "تتعجل تدميره"
أبعد وجهه لسيارة الأجرة التي توقفت أمام المشفى وقال "لقد مللت من اللعبة، لقد وصل وافي بليان"
رآهم ينزلون من السيارة الأجرة ويتحركون لهم وليان بدت جميلة بالمعطف الطويل الأنيق فقال "تلك الفتاة جميلة سيف ومع ذلك لم تغوي أي رجل حتى الآن"
ابتسم سيف وقال "لا أظن أنك تفكر بها يا عمدة!؟"
لف وجهه لسيف الذي رحلت ابتسامته وقال "آسف يا عمدة"
وصل وافي وقال "الجو برد راكان لماذا تقفان هنا؟"
قال راكان "اتصالات وافي، مرحبا ليان"
ابتسمت برقة وقالت "مرحبا راكان كيف حال سارة؟"
قال وهم يتحركون للداخل "الجراحة تمت بنجاح وننتظر أن تفيق بأي لحظة، ستكون سعيدة بوجودك"
نظرت له فمنحها نظرة امتنان بينما قال وافي "كنت تتحدث عن العمل، يمكنك الذهاب لو شئت"
توقفا أمام غرفة سارة الزجاجية ونظر لجسد أخته المدمر وقال "ليس بعد وافي، ربما بعد أن تفيق"
رن هاتفه مرة أخرى فرأى اسم رائد فتحرك بعيدا وأجاب "رائد"
أجاب رائد "أين أنت؟ أنا أمام المشفى"
التفت لليان التي كانت تنظر لسارة من الزجاج وقال "بالداخل رائد، ليان هنا"
توقف رائد على باب المشفى عند ذكر اسمها وصمت، وأدرك راكان أنه على حق تجاه صديقه فقال "ما زلت معي؟"
صوت رائد عاد وهو يدفع الباب ويدخل "نعم، أنا بالداخل"
أغلق كلاهم وليان تقول "سأبقى معها وافي ولن أعود إلا عندما تعود معي"
نظر لها وقال "ودراستك ليان؟ أنا سأبقى حبيبتي ونتناوب سويا"
هزت رأسها وقالت "لا، ربما تشفى قبل انتهاء الإجازة ونعود سويا"
التفتت بقوة عندما سمعت صوت رائد يقول "مرحبا، كيف حالها؟"
كان يقف مواجها لراكان وانضم لهم وافي وظلت جامدة وهو يمنحها أكتافه العريضة دون الالتفات لها وكأنها ليست موجودة..
كادت تسمح للدموع بأن تفر من عيونها ولكنها منعتها ولفت وجهها للزجاج ولملمت خيبتها وحاولت وقف قلبها المنهار وراء دقاته، أي غباء الذي تفكر به؟ هي تعرف الحقيقة فلماذا لا توقف قلبها عن أوهامه؟ 
لن يراها، هذا ما تكرره لنفسها ولن تتوقف
"مرحبا ليان"
التفتت له عندما حدثها والتقت بعيونه الدخانية التي أعجبتها من أول نظرة، وسيم، قوي، أنيق بشكل غير طبيعي، حتى حزنه لم يمس شيء منه
ظلت تحدق به حتى نست ما عليها قوله فعاد وقال "كيف حالك؟"
استوعبت ما يحدث ورمشت عيونها التي بهرته، جميلة، أجمل فتاة رآها بحياته، ذلك الشعر الخلاب يجذبه بشكل غير طبيعي، نظراتها البريئة تدفعه لجهنم لأنه لا يستطيع احتكارها لنفسه، فمها الصغير يدعوه لقبلة مميتة ولكنه لا يستطيع، هي من المحرمات، لن يتجاوز مع أخت صديقه، هو ليس الرجل المخلص ليمنحها أي أمل بعلاقة ثم يفر منها كالجبان، هي لا تستحق ولا وافي يستحق
قالت برقة "بخير، هل انتهيت من مراسم الدفن؟"
هز رأسه وكم أحب أن يسمعها وهي تتحدث بصوت ملائكي رائع، ركز بما يدور وقال "نعم، لم أعرف بوجودك"
لم تستطع ترك عيونه التي ظلت تأسر نظراتها وقالت "سارة صديقتي وليس لها أحد وراكان لن يمكنه الاعتناء بها، أقصد هي بحاجة لامرأة بجوارها"
تفهم كلماتها وقبل أن يتحدث كان راكان يقترب منه ويقول "أحتاجك معي"
انتبه وشعر بأنه ينسلخ من جلده بترك عيونها وهو يقول "ماذا؟"
نظر له راكان نظرة واضحة وقال "لدينا عمل فهل نذهب؟"
هز رأسه وشكر تدخل راكان لينقذه من أن يفضح أمره وأخفضت هي وجهها وهو يتحرك مع راكان ثم رفعت وجهها لتتابعه وهو يبتعد دون أن يلتفت لها ككل مرة وهي تعلم أنه لن يفعل 
جذبها وافي من شرودها وهو يقول "لدينا غرفة خاصة لنذهب لترتاحي من السفر، هيا"
ما أن خرجا حتى ركبا بسيارة راكان الذي قال "أنا لا أفهم ما يدور بينكم رائد؟"
أبعد رائد وجهه وقال "تتحدث عن من راك؟"
قال بجدية "أنت وليان رائد، لا تدعي الجهل"
لف وجهه له وقال "لا أفعل، فقط بها شيء غريب يجذبني لها بقوة راكان، حقا لا أعلم ماذا يصيبني عند رؤيتها؟ أشعر بأني أسير عيونها البريئة وجمالها الرقيق، صوتها الرقيق لم أسمع مثله من قبل، أنا أفقد نفسي بوجودها راك"
ظل راكان يحدق به ثم أبعد وجهه وقال "وما أن تنالها ستمل وتعود لميرندا"
شحب وجهه وقال "ومن قال أني أفكر بذلك راكان؟"
عاد له راكان وهتف "ماذا!؟"
لم يبعد نظراته عن صديقه وهو يريد أن يتحدث عما يشعر به وقال "أنا أرغب بالبعد عنها بعد الشمال عن الجنوب، لن يمكنني الإضرار بها ولا المساس برقتها، هي تستحق الأفضل راكان وأنا لست الأفضل"
وضع راك يده على ساق صديقه وقال "وماذا يسمى هذا رائد؟"
لم يعرف وظل صامتا يفكر حتى قال "ربما وفاء لأخيها، أو لأني أعرف ماذا أستحق، لكن صدقني راك أنا أنوي الابتعاد عنها لأقصى مكان، بيننا فروقات كثيرة راك، أكبرها بعشرين عاما تقريبا، أنا رجل هوائي متقلب، لا يمكنني منحها أسرة وأطفال، وهي أخت صديقي وتستحق حمايتي حتى من نفسي"
هز راكان رأسه وقال "أعلم، ولكن ماذا لو كانت تفكر بك بالمثل؟"
ضحك رائد بسخرية وقال "لن تفعل راك، أخبرتك بما يمنع ذلك ولو فعلت فهو مجرد انبهار وسيزول بأول رجل يظهر بحياتها وتجد الحب معه"
أبعد راكان وجهه وقال "افعل ما تراه صواب رائد فأنت تجيد ذلك حتى الآن"
تبادلوا الأدوار عندما قال رائد "لا تغضب من سفيان"
لم ينظر لرائد وهو يستعيد كلمات سفيان المؤلمة فعاد رائد يقول "لكل منا وقت يفقد فيه اتزانه وسفيان يمر بتلك المرحلة راك، بداية بندى ومرورا بتمارا التي تركها بطريقته المهينة، وانتهاء بحاتم أخيه وما فعله"
لف وجهه لصديقه الذي لم يمنحه فرصة ليتحدث وأكمل "سفيان يتخبط راك، هو يرغب بامرأة تمنحه ما لم تمنحه إياه ميرفت ولكنه بنفس الوقت لا يثق بأي امرأة بسببها، وبتلك المرحلة هو لا يشعر بنفسه ولا بتصرفاته، لكني واثق أنه سيعود لنفسه وسيدرك خطأ ما فعله، فقط لا تقسو عليه عندما يهاتفك"
زم راكان شفتيه وقال "وماذا تظن بي رائد؟"
ابتسم رائد وقال "لا أظن شيء بالعمدة، أنا أعرفه كما أعرف نفسي جيدا؟"
ظل يحدق بصديقه ثم أبعد وجهه بلا هدف ولا كلمة أخرى
تعليقات



<>