
الفصل الثالث والعشرين
ذكريات
ما أن وصلت تمارا لمبنى الشركة وتوقفت سيارتها حتى رأت سيارة سفيان تقف أمامها، ابتسمت ونسيت ليان ومشكلتها وأغلقت سيارتها ونزلت مسرعة له كما فعل وهو يبتسم ويقول "يوم واحد لم أراكِ وأشعر أنه كان سنوات، اشتقت لكِ"
ضحكت بسعادة ويده تحتضن يدها وعيونه تلمع لرؤيتها وهي تقول "هل ستبقى تلك الكلمات لما بعد الزواج؟"
ابتسم وقال "سأحاول أن أفعل؟"
ضربته بذراعه فضحك وقال "أحد المهندسين أخبرني بفيلا جيدة ما رأيك لو نذهب لرؤيتها ربما تعجبك؟"
هتفت بسعادة لأنه سيكون معها "حقا؟ ستأتي معي؟"
قال وهو يجذبها لسيارته "لم أستطع تركك تختارين بيتنا وحدك، هيا"
سعادتها تكاد تحملها على جناحين وتطير بها للسماء بعيدا عن العالم
الفيلا كانت رائعة حقا وكبيرة وتحتاج لبعض التعديلات تناقشا بها، حمام السباحة كان جاف ولم يتم إعداده بعد، الدور العلوي ما زال يحتاج للكثير ولكنها خطفت قلبها وهي تنزل وتلف بالمكان وتهتف
"رائعة سفيان، أحببتها جدا"
أحاطها بذراعه وانتظر نظراتها له ليقول "وأنا أيضا، هل اتفقنا عليها؟"
هزت رأسها بسعادة وقالت "نعم، وما أن نتم شراءها حتى نستدعي المهندس كي نتناقش معه بكل التعديلات التي اتفقنا عليها"
وضعت يداها على صدره وما زال يحيطها بذراعيه ويتجول داخل عيونها الجميلة وقال "كما تشائين جميلتي، أنتِ تأمرين وأنا أنفذ"
ثم انحنى وقبلها قبلة عميقة بها شوق واحتياج وحب، حب خفي بقلب كلاهم ولكن ولا واحد منهم يقوى على البوح به
هي تخاف لو صرحت بمشاعرها تندم مرة أخرى وهو لا يعلم ما إذا كانت تحبه مثلما يحبها لذا ظل كلاهم يخفي مشاعره عن الآخر بلا رغبة بالإفصاح عنه
تناولا الغداء معا عندما رن هاتف فأخرجه ليرى اسم حاتم فردد "حاتم؟"
توقفت عن الطعام ونظرت له فأجاب "لم أصدق أنك تهاتفني!؟ لم تجب كل اتصالاتي السابقة"
أجاب حاتم "تعلم انشغالي، لكن هذا لا يمنع أنك قد لا ترغب برؤية وجهي"
تراجع بالمقعد وقال "ربما، بالتأكيد لم تنسى ما فعلت؟"
كان حاتم قد ترك سارة وما زال غاضبا مما حدث بينهم وتحرك لسيارته وقال "وهل ظننت أني نادم؟"
ضاقت عيون سفيان وهو يقول "لم القسوة والفتاة لم تكن تستحق؟"
هتف حاتم بغضب "لكن أخيها يستحق، واليوم هي أثبتت أنها الأخرى تستحق فهي تخبرني أنها لم تحبني، هي لم تحب حاتم الحلواني، الممثل الناجح، المشهور والذي تتهافت عليه المعجبات بلا نهاية، أنا أيضا أخبرتها أني لم أكن أرغب بها بالأساس وهدفي كان أخيها"
تملكه الغضب وهو يقول "راكان لم يضرك بشيء حاتم، إلا بعد ما فعلته بسارة"
الغضب كان واضح بصراخ حاتم الذي كان يقود سيارته وهو يقول "بل فعل، منذ أربع سنوات عندما تركتني نفين بسببه؟ لا أحد كان يعلم مقدار حبي لها ومع ذلك لم يهتم أحد بي وكلكم كنت تضحكون وراكان يخطفها مني، اليوم أنا أسترد كرامتي وأنا أرى أخته أمامي تندب حظها لأن لديها أخ مثله"
لم يصدق ما يسمعه ولم يمنحه حاتم الفرصة ليرد وهو يقول "لقد كسرت قلبه على أخته كما كسر قلبي وجعلتها تدرك من هو أخيها ولم ولن أندم سفيان، أعلم أنك لن تختار جبهتي لأنه صديقك المقرب ولطالما حاربت له ومعه، لكني لست بحاجة لك يا، أخي"
وأغلق الهاتف وسفيان متجمد ولا يتحرك وسقطت يده بالهاتف وهو لا يصدق ما سمع وتمارا تناديه "سفيان، سفيان ماذا بك؟ ماذا قال لك؟"
انتبه لها ولم يقل شيء وهو يحاول التركيز على ما سمعه وذكريات تلك الفتاة تخترق ذهنه
لم يكن راكان هو من أحبته الفتاة كما ظن حاتم، بل كان هو وهو من اختلق قصته مع راكان كي لا يخلق مشاكل بينه وبين أخيه وقد حذره راكان من ذلك ولكنه لم يسمعه والآن حاتم يحاسب راكان على خطأ لم يرتكبه
نادته تمارا مرة أخرى فعاد لها وقال "لا شيء تمارا، لقد التقى بسارة اليوم ويبدو أنهما تشاجرا"
تراجعت تمارا وقالت "وماذا حدث؟ أين سارة؟ هل أصابها شيء؟"
قال بلا تركيز "لا أعلم تمارا، لا أعلم"
الصمت لفه وتمارا تنظر له ولا تفهم سر تجهمه بهذا الشكل وصمته الغريب، ظل هكذا حتى طلبت هي الذهاب ولم يمانع
تملكه الصمت حتى نزلت أمام الشركة وتركها وذهب بعد وداع بارد لم تعتاد عليه منه وهو قاد للشركة حتى دخل وتوجه لمكتب ظافر وفتحه ودخل
رفع ظافر وجهه له وقال "سفيان، تعالى هناك الكثير ينتظرك، غياب الرجال يثقل كاهلنا و.."
قطع كلماته عندما تحرك سفيان للأريكة وسقط عليها وفك ربطة عنقه فنهض ظافر وتحرك له حتى جلس أمامه بقلق وقال "ماذا حدث؟ هل تشاجرت مع تمارا؟"
هز رأسه بالنفي فعاد ظافر يسأله "ماذا حدث إذن؟ ميرفت؟"
انحنى للأمام ومسح وجهه براحتيه وحدق بالأرض ثم قال "حاتم هاتفني اليوم"
تراجع ظافر وردد "وماذا؟ بالنهاية كان سيفعل سفيان، أنت حاولت كثيرا فلماذا تبدو هكذا؟"
نظر له سفيان وقال "لقد تحدث عن نفين ظافر"
تجهم ظافر هو الآخر وردد "نفين، ما الذي ذكره؟"
أبعد وجهه عن ابن عمه وقال "ذكر أنه فعل ذلك بسارة وكسر قلبها لينتقم من راكان، هو ما زال يعتقد أنها تركته من أجل راكان"
رفع ظافر يده لشعره ودفعه للخلف وهو يقول "يا الله! أنا لا أصدق ذلك"
تراجع سفيان للخلف وقال "أنا لا أعلم ماذا سيحدث لو راكان علم بذلك؟"
حدق به ظافر وقال "أخبرك وقتها أن ذلك ليس بالصواب سفيان ولم يرغب بالمشاركة بتلك اللعبة ولكنك وضعته بها بلا تفكير"
هتف بعصبية "لم أظن أن يعاقبها حاتم بذنب راكان بأي يوم، ولا أن يبث سمه بينهما، كيف ستغفر هي له أنه سبب ما فعله حاتم بها؟"
وأمسك رأسه بين يداه وهو يغمض عيونه ويحاول ألا يدرك توابع فعلته الحقيرة وكل نتائج حياته السابقة تواجه الآن؟
بل لا تمسك النيران به هو فقط، بل بصديق عمره الذي لم يضره بأي يوم
****
تحرك راكان لداخل القصر وقال لسيف "أراك بالصباح سيف"
لم يتبعه سيف وهو يتحرك لغرفة رائد وما أن دخل حتى رآه يثور غاضبا بالممرض الذي كان يتابع جراحه وحالته والممرض يقف ساكنا أمامه
تحرك للداخل وقال "سامي اخرج الآن"
التفت الشاب لراكان وكأنه أنقذه من الجحيم وهو يتحرك ويقول "أمرك يا عمدة"
وتحرك الشاب للخارج ونظرات رائد تنطق بالجحيم الذي كان يشتعل داخله ولا يدرك متى سينتهي؟
تحرك راكان له وقال "تبدو كالثور الهائج"
أبعد وجهه وراكان يجلس بالمقعد المجاور للفراش فقال رائد "وكيف تريدني أن أكون راكان؟"
بدا هادئا كعادته رغم التعب الذي كان يحاول أن يظهر عليه وهو يرفضه كعادته ويقول "أريدك أن تدرك أن الغضب لن يحل أي مشكلة رائد"
هتف به "وبرودك هذا سيفعل؟"
ابتسم وقال "لا، ولكن ربما بعض الهدوء يجعلك تزن أفكارك جيدا لتصل لحل"
مد له يده وهتف "امنحني هاتفك"
حدق به وهو يفهم مراده فعاد رائد يهتف "هاتفك راكان"
أخرج راكان الهاتف وفتحه ومنحه له وقال "حتى لو أجابت فلن تقبل منك أي حديث"
لم يسمعه وهو يتصل وهي كانت تجلس بمنتصف الفراش والدموع تسيطر عليها ومع ذلك لم يلين عقلها فما فعلته كان خطأ يوم كشفت نفسها له وذهابها له بالمشفى كان خطأ
رن هاتفها فرأت اسم راكان فمسحت دموعها وجذبت الهاتف وأجابت "نعم راكان"
انتفض قلب رائد لصوتها الباكي وتبدل غضبه لرقة لم يعرفها بنفسه من قبل وهو يقول "ليان"
استوعبت الصوت بالطبع فزادت دموعها وقلبها يدق بعنف مؤلم ولم ترد وعاد يقول "ليان أرجوكِ اسمعيني أنا بريء، صدقيني أنا"
صرخت به "كاذب، لا أريد أن أسمع صوتك ولا رؤيتك أنا أكرهك، أكرهك"
وأغلقت الهاتف وقذفته على الفراش وهي تبكي بقوة ودفنت وجهها بالوسادة وهي لا تسمع رنين الهاتف المتواصل وحتى لو سمعته لم تكن لتجيب
ضغط على الهاتف وهو يسمع الرنين وهي لا تجيب وهتف "اللعنة ليان أجيبي، بحق الله أجيبي"
ولكن بلا فائدة وتابعه راكان وهو يسند رأسه على أصابعه وينظر له حتى سقطت يده بالهاتف بجواره ونظر لراكان وقال "كان عليها أن تسمعني راكان، لم أكن صادق بحياتي كلها مثل اليوم"
أبعد يده عن رأسه وقال "أعلم ولكنها لا تثق بك رائد"
التفت له بغضب فأكمل "من حقها أن تفعل، ما رأته حتى ولو لم يكن يستحق فماضيك كافي بأن يجعله يكفيها رائد، هي تعرف كل شيء عنك خاصة ميرندا ورؤيتك معها لن يكون بريئا أمامها وهي بل الجميع يعرف قصتكم"
أبعد وجهه وكلمات راكان تضربه بالحقيقة التي يفر منها، انحنى راكان للأمام وأسند ذراعيه على ساقيه وقال "تمنيت أن تنال امرأة مثلها ولكن يبدو أن الطريق مسدود"
لف وجهه له وقال "أخبرتك من قبل أني رجل سيء ولا يصلح لأي شيء ولا لأي امرأة نقية مثلها"
صمت راكان لحظة ثم قال "هي تتألم رائد لقد رأيت الألم بعيونها، هي بحاجة للوقت"
لمعت عيون رائد وكأن بها دموع وهو يقول "أعلم وما يؤلمني أني السبب، بدلا من أن أكون سببا بسعادتها أصبحت سبب تعاستها وسأظل كذلك راكان"
تراجع راكان بالمقعد ولم يرد فأبعد رائد وجهه وقال "أحتاج للرجوع إيطاليا راكان"
عاد راكان يتقدم للأمام وهو يردد "ماذا؟ هل تدرك حالتك؟"
لم ينظر له وهو يقول "نعم أعلم، ولكني أعلم أيضا أني لابد أن أبتعد عنها، لابد أن أختفي من حياتها راكان، أنا سبب الألم الذي تعيشه الآن وسأظل كذلك، لن يمكنني أن أمحو الماضي ولا كل من مروا بحياتي وستظل هي تراني كذلك، لذا لابد أن أختفي حتى تعود لحياتها وتقابل من يستحقها"
قال راكان بضيق "نحن نعود لنقطة البداية"
هز رأسه وقال "ليتني بقيت بها راكان، ليتني لم أمنحها أي أمل أو أنال أنا بعض الأمل، لابد أن أعود إيطاليا، الدواء هناك، لن أبقى هنا"
ظل راكان صامتا وهو يفكر بكلمات رائد حتى قال "حسنا امنحني بعض الوقت لأدبر سفرك مع الأطباء"
ونهض وتركه خارجا من غرفته عندما وصل البهو وجد سارة تقف بانتظاره فبطء حركته من الغضب الواضح على ملامحها حتى وصل لها وقال "ماذا هناك؟"
هتفت بغضب "لقد رأيت حاتم اليوم"
كان يعلم لكنه لم يعرف ما دار بينهم، وضع يداه بجيوبه ونظر لها من ارتفاعه وقال "وماذا؟"
غضبها كان واضح بعيونها وهو يفهم جيدا ما يراه أمامه وهي قالت "أخبرني بأنه لم يحبني بأي يوم"
تحرك للمقاعد المذهبة وجلس على واحد واضعا ساقا على ساق وقال "وهل ظننتِ أنه كان يفعل؟"
تحركت تجاهه ووقفت أمامه وما زالت عيونها تشتعل بالغضب وقالت "نعم راكان، نعم ظننت أنه كان يحبني ولم أكن أعلم أنه كان يتلاعب بي لينتقم"
ضاقت عيونه وعقد حاجبيه وهو يردد "ينتقم!؟"
أشاحت بيدها وهي تبتعد وتكاد تصرخ من الألم الذي بقلبها مما فعله بها بسبب أخيها وصرخت بالفعل قائلة "نعم، كان ينتقم منك، أنت كسرت قلبه وهو فعل بك المثل"
التفتت له وهو اعتدل محاولا التقاط معاني كلماتها وهي تكمل "ظن أنه كسر قلبك علي ولم يعرف ألا قلب لك"
كانت تبكي والدموع تلطخ وجهها وهو لا يتحدث حتى أشارت لنفسها بيدها وقالت بألم "لقد كسر قلبي أنا مرتين"
نهض وتحرك تجاها ووقف أمامها وقال "أنا لا أفهم شيء، ما الذي أراد أن ينتقم له؟"
لفت يدها له ودفعتها بصدره وهي تقول "أنت سرقت منه حبيبته من أربع سنوات، هو أحبها وأنت أخذتها لنفسك وكسرت قلبه عليها وهو انتقم وكسر قلبك علي، أنت السبب، أنت سبب كل ذلك الألم"
تذكر فهو لا ينسى شيء، نفين، بالتأكيد هي
تحرك مبتعدا وهاتفه يرن فأخرجه ليرى اسم سفيان أجاب "سفيان"
ابتلع سفيان ريقه وبعد صراع مع نفسه هاتفه وقال "راكان أنا آسف ولكن حاتم"
رفع رأسه وقاطعه "أعلم"
صمت سفيان فقال راكان "اهدأ سفيان، ما حدث قد حدث"
سأله سفيان الذي كان يذرع الغرفة ذهابا وإيابا من كثرة الغضب من حاتم ومن نفسه لأنه السبب "وسارة راكان؟ ستكرهك بدون سبب"
لم يلتفت لها وهو يقول "وما الجديد جديد سفيان؟ ما حدث لن يبدل شيء"
ردد سفيان "هل ترغب بأن أخبرها الحقيقة؟"
رد بحزم "لا ولنفس السبب القديم"
أغمض سفيان عيونه وراكان يخجله بتصرفاته، فتح عيونه وقال "سامحني يا صديقي"
قال بنفس الحزم "لا شيء يستحق أن أسامحك عليه سفيان"
هز سفيان رأسه وقال "حسنا راكان فقط لو هناك شيء يمكنني"
قاطعه "لا يوجد شيء صدقني"
أغلق كلاهم والتفت لها وقال "اسمعي سارة، حاتم شخص مريض، يظن أن العالم كله يتآمر عليه وأن كل امرأة يشير لها لابد أن تسقط تحت أقدامه، ولكن تلك ليست الحقيقة ونيفين لم تحبه بأي يوم حتى يظن أنها خانته كما كان يتوهم، هو من كان يطاردها حتى رحلت واختفت وهو ظن أني السبب"
هتفت "وتريدني أن أصدقك"
قال بلا تعابير ولكن نبرة حادة "احذري سارة أنا لا أكذب، النساء لم تعني لي شيء بأي يوم والكل يعرف ذلك رغم أنهم كانوا كالنمل من حولي فلم أحتاج لسرقة واحدة"
وتحرك ليذهب ولكنها قالت "أخبرتك ألا قلب لك ولن ترغب بك أي امرأة ولا بقسوتك وقلبك المتحجر داخل صدرك"
التفت لها وقال "وماذا تعرفين عني كي تقرري ما لدي من عدمه؟ أنتِ لا تنظرين إلا لنفسك وتحت أقدامك لذا تسقطين بلا توقف، اخرجي من قوقعتك سارة ولا تجعلي من حولك يتلاعب بك ويدمر كل ما لديك"
وتحرك للخارج بدلا من أن يصعد لغرفته وينال بعض الراحة بعد أيام لا عدد لها من التعب والإرهاق، كلمات سارة جعلته لا يرغب حتى بالبقاء هنا
قاد السيارة وصورة زيدان ترتد له، كلماته "القلوب للضعفاء وأنت لست كذلك، هل ترى تلك المرأة؟ لقد ظنت أنها تستطيع التلاعب بي ماذا تظن أني سأفعل بها؟"
ظل صامتا وهز رأسه بالنفي، أي لا يعلم، ابتسم زيدان ابتسامة شيطانية والمرأة مربوطة بالمقعد ولا حول لها ولا قوة وباللحظة التالية كانت رصاصة تخترق رأس المرأة وسقط رأسها على صدرها ولم يرمش ولم يهتز له طرف
كان يتعلم كيف يقتل مشاعره داخله؟
مشاهد التعذيب لمن يقف بطريق العمدة الكبير، دماء، أظافر منزوعة، أصابع مقطوعة، قطع عنق
كل شيء رآه حتى أصبح الأمر وكأنه شيء معتاد والدماء كالماء الجاري أمامه لذا رحل النوم من عيونه ولم يعد يرغب بالفراش من كثرة ما يراه بالنوم
****
نامت حبيبة وتركتها رهف وخرجت لتبدل ملابسها وربما تعمل قليلا، فكت شعرها البني وتركته يسيل على ظهرها وتحركت لغرفتها عندما دق الباب بدقات هادئة..
شعرت بالخوف يتسرب لها، فايز، هو من يطاردها
نظرت للساعة كانت الواحدة صباحا، عادت الدقات فتحركت للباب وقالت "من!؟"
لم تصدق عندما أجاب "أنا"
تراجعت قليلا وهي تفكر ولا تعلم لماذا لم تخف؟ بل فتحت لتراه يستند بذراعه على الباب ورفع رأسه لها وبدا غريبا وهو ينظر لها وبدت جميلة وشعرها ينساب بحرية على أكتافها
عاد لعيونها قال "أعلم أن الوقت متأخر لكن هل يمكن أن تأتي؟ لا أرغب بأن أدخل بوقت كهذا"
من نظراته لم يمكنها أن ترفض، هزت رأسها وتركته وتحركت لجلب جاكيت وربطت شعرها وجذبت حقيبتها وتحركت فلم تجده
أغلقت الباب ونزلت فرأته بالسيارة، دخلت فلم ينظر لها ولم يتحدث ولا يعلم لماذا فكر بها وقاد لبيتها ورغب بالبقاء معها
توقف بمكان هادئ، السماء والقمر الذي بدا ضعيفا بنوره الباهت وصمت يحيط بهم وظل صامتا ونظراته تتجول بالخارج وكل ما كان يراه الآن هو زيدان، كلماته، تصرفاته، الرجل الذي أراد أن يصنعه منه فهل أصبح كذلك بالفعل؟ كما قالت سارة لا قلب له؟
"هل أنت بخير؟"
انتبه لها ولكنه لم يلف وجهه لها وقال "منذ متى ماتت والدتك؟"
اندهشت من أنه يتحدث عنها، ظلت تنظر له بصمت حتى لف وجهه لها والتقى بعيونها الحائرة فقالت "منذ تسع سنوات، كنت بالتاسعة عشر، أول عام لي بالكلية، أصابها فشل كلوي"
لم تظهر أي تعابير على وجهه المتعب ولم يتحدث فقالت "احتاجت غسيل كلوي ثلاث مرات بالأسبوع، لم أكن أعمل ومعاش بابا لم يكفي أي شيء وهي توقفت عن العمل بسبب مرضها، ساعدني أحد أصدقاء بابا بعمل دفتر تأمين صحي وحصلنا على الغسيل به، تألمت كثيرا حتى رحلت"
عودة الذكريات تكون مؤلمة دائما وهو يعرف ذلك جيدا، فتحت الباب ونزلت للهواء ولفت ذراعيها حولها من البرد رغم الجاكيت ولكنها شعرت بشيء ثقيل والعطر المميز يخترق أنفها وهو يضع جاكته على أكتافها ويشعل سيجار كبير
ضمته عليها سعيدة به وما زال الجاكيت الثمين يحتفظ بدفء صاحبه
عادت تنظر للمدينة المضيئة أسفلها ثم قالت "كدت أترك الجامعة"
نظر لها من بين الدخان وهي نظرت له وقالت "حبيبة كانت صغيرة وبحاجة للكثير، لكن نفس صديق والدي وجد لي عمل بشركة برمجة معروفة وقد كان يعلم مهارتي بالمجال، المرتب كان مناسب مع معاش بابا ودارت حياتنا"
قال "والأهل والأقارب؟"
حولت نظرها للسماء وقالت "اختفوا، لا أحد يسأل، خافوا أن أطلب مساعدة"
سألها "ولم تفعلي"؟
هزت رأسها وقالت "أبدا، ماما كانت تخبرني أن ليس هناك من يهتم بنا حقا"
قال "ولا أهل حبيبة؟"
نظرت له وقالت "لم أعرف عنهم شيء، ماما لم تجب عن أي سؤال يخصهم، دائما كانت تصمت ولا ترد، منذ عدة أيام حبيبة تحدثت معي عن رغبتها برؤية والديها أو معرفة أي شيء يخصهم ولكني فشلت بمنحها أي شيء، تمنت لو كان لديها والدين كأي فتاة"
ظل يسمعها رغم أنه تمنى لو تفعل هي المثل معه وتسمعه، لديه الكثير ليقوله لكن ولا كلمة تريد أن تخرج، لم يعتاد على الحديث عما داخله، لم يعرف
زيدان قطع لسانه الداخلي أو ربما لو سمعت ما لديه ستدرك كم هو وحش ولا رحمة لديه ولا يعرف عن الإنسانية أي شيء
يكفيه أن يسمعها، نبرة صوتها تريحه، نظراتها تجذبه بقوة تجعله لا يرغب بتركها
أبعد وجهه وقال "متى ستنتهي امتحاناتها؟"
قالت "آخر يناير"
هز رأسه وقال "بعد الافتتاح"
لم ترد ولا هو فعادت تنظر له وجانب وجهه كان جذابا جدا ومع ذلك بدا حزينا فقالت "أنت تعرف ليان؟"
هز رأسه ونفخ الدخان وقال "ابنة زوجة والد صديقي وشريكي، وافي"
سألته "وأنت تتولاها؟"
نظر لها من بين الدخان وقال "لا بل وافي، مات والده من عام وأوصاه بها واعتبرها أخته ونحن أيضا"
رددت "أنتم؟"
ظل يلف نظراته على وجهها وقال "وافي، سفيان وابن عمه ظافر ورائد، نحن خمسة نشأنا سويا وأصبحنا شركاء بكل شيء وأخت أحدنا أخت لنا"
ظلت تنظر له فسألها "ماذا؟"
قالت "كنت تبدو أفضل عندما أتيت لتأخذ ليان، فهل حدث شيء بينكم؟"
مال تجاهها ووجه يقترب من وجهها ورائحة الدخان تحيط بها وهو يقول "بيننا؟ من تقصدين؟"
أبعدت وجهها لكنه رفع أصابعه ولمس ذقنها ليعيد وجهها له وتلتقي بعيونه وقد ارتجفت من لمست يده وهو يقول "هل ظننتِ أن هناك شيء بيني وبين ليان؟"
ظلت تنظر بعيونه وهو أيضا ورفع أصابعه لوجنتها ومررها عليها فابتعدت من أمامه وسقطت يده بجواره وهي تمنحه ظهرها فوضع يداه بجيوبه وقال "أخبرتك أن لا نساء بحياتي، حاليا"
التفتت له فالتقى بنظراتها ولم يفر منها وهو يقول "لو أخبرتك أني لم أعرف امرأة من قبل فسأكون كاذب، لكن كلها ليلة وتنتهي"
تورد وجهها وشعرت بغضب غريب لا تفهم سببه وهي تسأله "ولم تتزوج؟"
ابتسم وقال "لا، الزواج لم يخلق لي"
ظلت تنظر له بلا معنى وهي تدرك أن كلماته حقيقة وأنه لا يمزح، أبعد وجهه وقال "حياتي لا تصلح للزواج والأسرة"
ظلت صامتة فنظر لها وقال "من التي تقبل برجل معروف أنه رجل عصابات وقتل ومطاردات لا تنتهي؟"
قالت بلا تفكير "لم أرى بك ذلك الرجل"
ظل يحدق بعيونها ثم قال "وماذا رأيتِ؟"
لم تفر من عيونه وهي تقول "رجل يحمي امرأة دون أن يعرفها، رجل يخلص لأخت صديقه ويتولاها كأخته، رجل ينشأ شركة ضخمة من أجل المساهمة بتطوير البلد وتضع مليارات من أموالك بها"
التفت ليواجها وقال "ولا تخافين مني؟"
هزت رأسها بالنفي وقالت "أبدا، حبيبة طلبت مني اليوم أن أوافق على العمل معك وترك الجامعة، هل تعلم ماذا قالت عنك؟ قالت أنك ربما لديك ملامح جامدة لا تظهر ما داخلك لكن هي لا تعلم لماذا تشعر وكأنها تعرفك جيدا؟"
ظل صامتا ولم يرد ثم أبعد وجهه والأفكار تتلاعب به دون أن يمنحها فرصة لتفعل ولكنها قالت "لماذا تحب أن تظهر كالقاسي الذي لا يرحم؟"
لم ينظر لها وقال "هو أنتِ من لا يرى ذلك رهف"
التفت لها وشعرت باسمها جميل من بين شفتيه وأكمل "ولكن هذه هي الحقيقة، أنا لا أرحم"
ظلت تنظر له وفجأة شعرت بقلبها يدق بقوة وأنها تضعف أمامه فأخفضت وجهها وخافت، خافت أن يرى ضعفها تجاهه ويدرك ذلك من عيونها
تنفست بصعوبة وقالت "لكنت تركت فايز يعبث بي"
أحنى وجهه عليها وقال بنبرة لا يعرفها "أنا لا أرحم، ولكن لدي نخوة خاصة تجاه امرأة.."
ولم يكمل لأنه لم يجد كلمات تعبر عما أراد قوله فرفعت وجهها له والتقت بعيونه ووجهه القريب جدا منها وعاد قلبها لجنونه وسقطت نظراته على شفتيها فجأة وشعر برغبة بتقبيلها
تقريبا انتهت المسافة بينهما واختفى الكون من حولهما وسقطت أنفاسه على بشرتها الناعمة فأيقظتها من الحلم الجميل لتخفض وجهها ولفته بعيدا لتعيده لوعيه
رفع يده لشعره واعتدل وهو لا يصدق أنه فكر بتقبيل امرأة بالطريق، العمدة يتصرف كالمراهقين
لم ينظر لها، ولو فعل لرآها ترتجف بقوة وقلبها يكاد يهزها من دقاته والتهب وجهها من الحرارة التي ارتفعت بكل جزء من جسدها
عندما ملأ الصمت الأجواء حولهم قالت "هل نذهب لقد تأخر الوقت؟"
أدرك أنه أفسد كل شيء فالتفت لها ولكنها لم تنظر له فقال "نعم"
فتح لها الباب فدخلت وتبعها خلف المقود واشتغل المكيف فسرى الدفء بجسدها والصمت حل عليهم والأفكار تضرب كلاهم حتى وصل أمام بيتها وظل كلاهم بمكانه لا يتحرك حتى خلعت جاكته وقالت
"طابت ليلتك"
لم يرد وهي تفتح الباب فقال "متى ستقدمين الاجازة بالجامعة؟"
ظلت مكانها لا تنظر له حتى قالت "سأتناقش مع العميد غدا"
وتركته ونزلت على خلاف ما تمنى قلبها الذي أرادها أن تبقى معه للانهاية
تابعها بنظراته حتى اختفت بالداخل فتراجع بالمقعد وأسند رأسه على المقعد وأغمض عيونه ودفع يداه بشعره وهو لا يعرف ماذا يحدث له وما الذي فعله الليلة ولماذا أتى هنا؟؟
****
نظر الطبيب للأوراق والتحاليل الخاصة بمي وقال "نعم هناك احتمالية فعلا لإنجاب طفل مصاب بمتلازمة داون، لكن هذا بنسبة ثلاثة إلى خمسة عشر في المائة، وهي نسبة ضعيفة مدام وليس بالضرورة أن يكون الطفل كذلك"
ظلت تنظر للطبيب وهي تقول "ولكن قد يكون ووقتها سيعاني"
ابتسم وقال "ليس بالضرورة أن يعاني مدام، هناك أشكال كثيرة لتلك المتلازمة، لكن لماذا تتوقعين السيء وقد يكون الأفضل هو ما سيكون؟"
رد ظافر "هذا صحيح، هل هذا يعني أن لا مانع من الحمل؟"
رفع الطبيب يداه وقال "بالطبع لا مانع، والدعاء دائما ما يكون أفضل من الطب في كثير من الأحيان"
نظرت لزوجها الذي ابتسم وعاد الطبيب يقول "لو تم الحمل سيكون هناك الكثير من الاختبارات ستجرى بحسب مواعيدها من عمر الجنين وسنعرف حقيقة الجنين، فقط تفاءلي مدام بالخير"
هزت رأسها ولم ترد وهي تنظر لزوجها الذي منحها نظرات أمان وراحة وحنان وهو لا يتخلى عنها
ضمها له وهم ينزلون الدرجات وقال "سنكون بخير حبيبتي طالما نحن معا"
رفعت وجهها له وقالت "أنا أحبك ظافر، أنت أملي بالحياة"
قبل رأسها وقال "اطمئني حبيبتي نحن نسعى للخير والله سيمنحنا الخير"
لم ترد وهو يفتح لها باب السيارة لتدخل ونظراتها كلها سعادة وامتنان يكفي وجوده معها وتمسكه بها فخوفها كله كان من أن يتركها لكنه لم يفعل
****
تحرك سيف له وهو يمارس تمارينه الرياضية ويرفع الأثقال الحديدية والوقت مبكر جدا فقال سيف "صباح الخير، لك وقت طويل هنا"
أبعد الحديد ونهض وجسده كله ينبض بالعرق وعضلاته تصرخ من الألم فقد أمضى ما تبقى من الليل هنا يصارع الآلات محاولا الانتصار ولكن لا يعرف على ماذا؟
جذب المنشفة وجفف عرق وجهه وقال "أريد رؤية البغدادي وأريد أطباء رائد وأعد الطائرة لنقله إيطاليا لو وافقوا"
قال سيف "كما تأمر، متى سترى البغدادي؟"
تحرك خارجا وهو يقول "ساعة"
أخذ حمام وارتدى ملابسه، كانت الثامنة تقريبا عندما نظر لساعته، التفت لهاتفه وجذبه ولم يفكر وهو يتصل
انتظر طويلا حتى أتى صوتها وهي تقول "صباح الخير"
شعر براحة هدأت الغضب الذي كان داخله ورغم إصراره على إخراجها من تفكيره إلا أنه لأول مرة لا يتبع الصواب وهاتفها "صباح الخير، ما رأيك بغداء وحبيبة معك؟"
كانت تضع الساندويتشات لحبيبة فتوقفت وهي تنظر للفراغ، تصرفاته غريبة ذلك الرجل وعندما طال صمتها قال وهو يتحرك للباب "الأمر صعب؟ أم غير مقبول؟"
لم يذكر ما كاد يحدث بالأمس وعليها أن تفعل المثل، تذكرت كلمات حبيبة عنه فقالت "ألا تخشى من الصحافة؟"
كان ينزل السلم وقال "أنا لا أخاف من أي شيء رهف، الثالثة مناسب"
قالت "نعم"
ارتاح وقال "سأمر عليكِ بالجامعة"
هتفت "لا، أقصد"
توقف قبل غرفة رائد وقال "لا!؟"
ارتبكت وقالت "أقصد الطلبة والزملاء"
قال بهدوء "ستتركين الجامعة بأقرب وقت فلم الاهتمام؟"
رفعت وجهها وقالت "أنا لم أقرر بعد"
قال بهدوء "بلى فعلتِ، مكانك معي فلا تأخذي الكثير من الوقت فأنا لا أحب الانتظار، أراكِ بالثالثة""
وأغلق وهي تحدق بالهاتف ولا تصدق أنه يفعل بها ذلك، كيف تستسلم له هكذا، ليست ليلة الأمس هي ما فعلت بها ذلك، ماذا كان يقصد بأن مكانها معه؟
حبيبة خرجت وهي تقول "سأتأخر اليوم رهف، هل انتهيتِ؟"
فزعت وهي تقول "ماذا!؟"
ضحكت حبيبة وقالت "أفزعتك، هيا لابد أن أذهب"
كادت تذهب عندما قالت "حبيبة انتظري"
تحركت لها وقالت "راكان يرغب بدعوتنا على الغداء اليوم، ما رأيك؟"
نظرت لها وقالت "دعوتنا؟ هل تعنين أنا معك؟"
هزت رأسها فاندهشت الفتاة وقالت "ظننته يريد الانفراد بكِ"
ضربتها على ذراعها وقالت "ألا تكفين عن المزاح وتخبريني رأيك؟"
ضحكت وقالت "ومن التي ترفض دعوة ذلك الوسيم؟ ربما يطلبني للزواج"
ضحكت مرة أخرى واختفت ورهف تكاد تلحق بها لتضربها ولكنها لم تفعل وتوقفت وهي تضحك من مزاحها ..
أغلقت الباب واستندت عليه وأغمضت عيونها وهي تذكر تلك اللحظة، كاد يقبلها، شعرت بأنفاسه المعطرة برائحة دخان مميز كرائحة عطره
كم كانت سعيدة معه، كل هذا الرجل كثير جدا أمام امرأة مثلها بلغت الثامنة والعشرين ولم تعرف رجلا بخلاف فايز، الذي ندمت على خطبتها له ولكن راكان مختلف، رجل بكل المقاييس، وسيم، جذاب، قوي، غامض، الكل يؤمن أنه الزعيم الذي يهابه الجميع إلا هي
ترغب بأن تكون معه، فقط وقتها تشعر بالأمان الذي منحه لها من أول لقاء، غريبة هي علاقتهم ومع ذلك تجادله وتتمرد عليه وهو لا يمل ولا ييأس فهل ستظل علاقتهم هكذا؟
هل هناك علاقة بالأساس بينهم؟
ما مسمى تلك العلاقة؟
لا أجوبة
****
تحرك لغرفة رائد الذي كان يصرخ بالممرض كالعادة فقال "صباح الخير"
التفت له وهو يجلس على جانب الفراش وساقه ممددة أمامه وسامي يضبط الجانب الآخر من الفراش ورائد يقول "صباح الخير، هل جهزت لي السفر راكان؟"
وقف بجواره ووضع يده بجيبه وقال "سيف يستدعي الأطباء وبعدها نقرر رائد، أنت ترى أن نقلك من مكان لآخر بحاجة لمتخصص، لو وافق الأطباء فالطائرة ستنقلك"
لم يرد فنظر راكان للشاب وأومأ له برأسه فخرج ورائد ينظر للا شيء فقال "هل أنت بخير؟"
لم ينظر له وهو يجيب "نعم، قراري هو الصواب راكان، لابد أن أذهب، أعود إيطاليا"
قال بهدوء "وماذا رائد؟ ما الذي سيتبدل برحيلك؟ هي ستظل أخت وافي وباقية هنا، هل ذلك يعني أنك لن تأتي مرة أخرى؟"
نظر لراكان وقال "بل سأفعل راك، ولكن بعد وقت كافي ربما تكون الجراح وقتها قد هدأت وعادت هي لحياتها، من الصعب البقاء راكان صدقني"
تفهم وقال "حسنا كما تشاء"
وتحرك خارجا فرأى سيف الذي قال "الأطباء ستصل بالثانية عشر، البغدادي بالغرفة"
تحرك للغرفة دون رد، غرفة التعذيب التي خصصها العمدة الكبير لما كان يمارسه مع أمثال البغدادي..
انتشر الرجال بالممر المؤدي للغرفة وهم ينتبهون لمروره حتى وصل لباب عليه رجلان فتحه أحدهم له وهو يدخل والمكان الذي كان بارد ورائحة غريبة تعطره، بالمنتصف البغدادي جالسا وكأنه ينتظر مضيفه
نهض واقفا لرؤية راكان الذي توقف أمامه بلا حديث بينما قال سيد "لماذا أنا هنا يا عمدة؟ أنا.."
أحنى راكان رأسه فتوقف عن الإكمال وراكان يقول "أنت تتحداني سيد؟"
نظرات راكان تحولت لإعصار جارف سيقتلعه من مكانه وهو تراجع للخلف وهو يرد بارتباك "لا، بالطبع لا"
لم يبتعد راكان وهو يقول "والجونة؟"
شحب وجه سيد وهو يردد "الجونة؟ ماذا، ماذا عنها؟"
أجاب راكان بحزم "الشركة والمخزن؟"
ابتلع الرجل ريقه وهو يتعثر بالكلمات "يا عمدة أنا، أنا، صدقني، لا، أرجوك"
هتف راكان بقوة جعلته يرتجف "سيف"
بسرعة كان رجلان يجذبان سيد لمقعد وأجلسوه وربطوا يداه وهو يصرخ بينهم "يا عمدة أنا لم أفعل شيء، صدقني"
خلع جاكته وأخذه أحدهم ورفع أكمام قميصه وتحرك تجاهه وهو يقول "سنرى"
****
كان المساء قد حل عندما وصل وافي بيته بعد عودته من الجونة، خلع جاكته وفك ربطة عنقه وهو يحلم بحمام لكن..
رنين جرس الباب أعاده للباب وفتحه ليرى امرأة يعرفها جيدا تنظر له بنظرات واثقة مما أتت لتفعله وهو يقول "ميرندا!؟ ما الذي أتى بكِ هنا؟"
تحركت للداخل بلا دعوة منه وهو التفت ليتابعها وهي تتأمل المكان وقالت "لدي شيء هام لأخبرك به وجها لوجه"
والتفتت له فواجها وهو يقول "وما هو ميرندا؟"
جلست وقالت "رائد، صديقك المقرب"
تحرك حتى وقف أمامها وقال بقلق "ماذا عنه؟ هل تشاجرتم وهو مصاب ميرندا؟ عليكِ بالتحمل فلا جزء به سليم"
ضحكت ساخرة وقالت "تدافع عنه الآن، ترى ماذا ستفعل عندما تعرف الحقيقة؟"
القلق زاد داخله فقال "هل تتحدثي؟"
قالت بلا ندم ولا تردد "يتلاعب بأختك، ليان، هذا هو اسمها أليس كذلك؟"
انحنى عليها وقد تبدلت ملامحه وهو يعيد كلماتها "رائد ماذا؟ تقريبا لم أسمعك جيدا"
ابتسمت بخبث وقالت "بل سمعت جيدا وافي، وأختك هي الأخرى تحبه، كانت ببيت راكان يوم سافرت فيه الجونة، أتت لرؤيته، لقد تشاجر معي وطردني بسببها"
أمسكها من ذراعيها وهزها بقوة وصرخ بها "ماذا تقولين؟ أنت كاذبة، رائد وليان، لا، لا يمكن، هناك الكثير بينهم، أنت كاذبة"
أبعدت يداه عنها وهي تقول بغضب "أنا لست كاذبة، اسأل أختك، بل اسأله هو شخصيا ولن ينكر، لقد قطع علاقته بي بسببها بعد خمس سنوات، لقد أغوى أختك كما يفعل مع كل النساء وكانت عنده ببيت صديقكم، ترى كم مرة رآها وماذا حدث بينهم؟"
ألقت شعلتها بين الوقود فاشتعل بلهيب يصل لعنان السماء وسيحرق بطريقه أي شيء
****
ما أن خرج سفيان من البيت حتى رأى حاتم يوقف سيارته أمام البيت، ظل ثابتا بمكانه والغضب تملكه وحاتم ينزل بغرور
ما أن تقدم من سفيان حتى دفع هذا الأخير قبضته بوجهه مما جعله يرتد للخلف وهو يمسك أنفه بين أصابعه وسفيان يهتف "كيف تجرؤ على أن تأتي هنا؟"
اعتدل حاتم ولم يجد دماء بيده وقال بألم "هو ليس بيتك وحدك سفيان، لي به مثل ما لك"
اقترب منه سفيان وهتف به بقوة "أنت ليس لك أي شيء، لقد أخذت كل ما لك حاتم، هل نسيت ما كنت تأخذه قبل الشهرة؟"
تحداه حاتم وقال "كلها حقوقي سفيان ولن أتنازل عنها"
هتف به سفيان "أنت لا تعرف عن الحق أي شيء، أنت لا تفكر سوى بنفسك فقط ولو بيدي لوضعتك على ساقاي وضربت مؤخرتك حتى تسكب الدماء منها"
تحداه حاتم وقال "لا تظن أن صديقك سيحميك فهو أجبن.."
قبض سفيان على صدر حاتم وجذبه من قميصه له ونظر بعيونه بغضب وقال "كلمة واحدة عن راكان وسألقنك درسا لن تنساه بحياتك"
أمسك حاتم قبضة سفيان وقال "تضرب أخاك من أجله"
جذبه أكثر وهو يقول "لأنه أفضل منك بمئات المرات، أنت لا تملك ذرة إخلاص لأخيك، لكن هو يضحي بنفسه من أجل أي واحد منا، ابتعد عن طريقي وطريق راكان حاتم لأني لن أحميك كثيرا منه"
ودفعه للخلف بقوة وتحرك من جواره ولكن حاتم عاد يقول "أريد أموال سفيان"
التفت له سفيان وقال "لن تنال مليم واحد مني حاتم لأنك لا تستحق"
وركب سيارته وتحرك مبتعدا دون النظر له وجذب هاتفه واتصل بتمارا التي أجابت فقال "تمارا هل لديك رقم سارة؟"
تراجعت بدهشة وقالت "سارة؟ وماذا تريد منها سفيان؟"
هتف بنفس الغضب "ليس هذا وقت الغيرة مي، أريد رقم هاتفها"
أغلق فأرسلت له الرقم دون أن تفهم شيء فاتصل بسارة التي أجابت فقال "سارة أنا سفيان"
كانت تتحرك لموقع التصوير فتوقفت وقالت "أهلا سفيان ماذا هناك؟"
قال "أريد رؤيتك، أين أنت؟"
منحته عنوانها فقاد السيارة إلى هناك..
راكان ليس له ذنب بالأمر، لن يكون سبب بكره سارة له، علاقته بها ليست متوازنة من الأساس وهو لا يستحق ذلك، لذا عليها أن تعرف حقيقة أخيها
****
خرجت من مكتب العميد وقد اتخذت قرارها، بانتهاء الشهر والسنة ستترك الجامعة، شعرت بانقباضه بقلبها، هي حقا تحب الجامعة والتدريس لكن فايز يرهبها بتصرفاته وهو يرغب بإزاحتها من طريقه لذا ستترك له الساحة
ما أن خرجت من بوابة الجامعة حتى رأته يقف مستندا على السيارة عاقدا ذراعيه أمام صدره ونظارته الشمسية تخفي عيونه
ابتسمت وهي تتحرك له بملابسها الرسمية حتى وقفت أمامه وقالت "أين الباقين؟"
كان يتأمل ملامحها الجميلة بنور الشمس المضيئة ثم قال "أنا لست بالعمل"
قالت بدهشة "أنت متى تتوقف عن العمل؟"
أجاب بصدق "عندما أكون معك"
انتفض قلبها بقوة وهو يفاجئها بكلماته وقبل أن تنطق صوت فايز قاطعهم "هذا له تفسير واحد؟"
اعتدل راكان لمواجهة فايز وقال "الذي هو؟"
قال فايز بطريقة استفزت راكان "الذي هو علاقة واضحة وأمام الجامعة"
اقترب راكان من فايز الذي هتف بخوف من ملامح راكان "أنا بالحرم الجامعي ولن يمكنك.."
لم يتوقف راكان حتى وصل له وقال "أنا يمكنني أي شيء وكل شيء، ولأنها علاقة واضحة فهي أمام الجامعة فايز وليست بالشقق وبإيجار بلطجية، أنا حذرتك أن تبتعد عنها ولكن يبدو أنك لا تفهم تحذير العمدة جيدا"
شحب وجه فايز بينما لمست يدها ذراعه فنظر لها بقوة فأبعدت يدها بالحال وقالت "لن تضربه بالشارع، أنت العمدة"
ظل يحدق بها وقال "لا فارق عندي بالمكان دكتورة، مثل هذا الكلب لا يضرب إلا على كوم قمامة وليس بحرم جامعي"
والتفت لفايز وقال "لو لم تكن هي معنا لما رحمتك، لا تسقط بطريقي مرة أخرى"
وتراجع وهي معه وفتح لها السيارة فركبت ونظراتها تذهب لفايز الذي ظل يحدق بها حتى اختفى عندما جلس راكان بجوارها ونظر لها وقال "هل تعرض لكِ مرة أخرى؟"
هزت رأسها بالنفي، لن تشعل النيران المشتعلة بالفعل
ظل ينظر لها من خلف نظارته ثم عاد للسيارة وقاد فأبعدت وجهها عنه لحظة ثم قالت "لقد قدمت إجازة عام والعميد وافق"
قال بحزم "جيد وأنا منحتك ترقية؛ رئيس قسم الالكترونيات الحديثة بالشركة وما يعني إدارة كاملة للمشروع وهذا يعني أن كل وقتك لي"
ظلت تنظر له وهي لا تصدق فالتفت لها فقالت "وقتي كله لك؟"
أدرك كلماته فأبعد وجهه للطريق وقال "لشركتي وأعمالي"
صمتت فقال "الطريق رهف"
استوعبت نفسها ومنحته مكان حبيبة واخترق الزحام حتى وصلا
نزلت لتصل للفتاة التي استبدلت ملابسها ببيت صديقتها وما أن ركبت حتى قالت "السيارة موديل العام موتور.. ولديها قوة..، هائلة حقا"
ابتسم ونظر لها بالمرآة وقال "أنتِ تمزحين؟ معلوماتك صحيحة"
ضحكت رهف وقالت "هي تعشق السيارات"
نظر لها وقال "هواية؟"
قالت الفتاة "أعشقها"
ظل صامتا لحظة بينما قالت رهف "كيف كان الامتحان؟"
أجابت ولكن سرعان ما عادت له وقالت "تخرج معنا بملابس رسمية لتناول غداء بسيط؟"
عاد لها بالمرآة والتقى بعيونها العسلية وقال "لا أملك سواها ما عدا الرياضية"
قالت الفتاة بإعجاب "تبدو كلاعبي المصارعة"
ضحكت رهف ورفعت خصلتها الطائرة ودفعتها خلف أذنها وبدت رقيقة وجميلة جدا وقالت "لن تسلم منها، أنت من اقترح وجودها"
ابتسم وقال "وما زلت أصر، أنا لست مصارع، لكن لدي مهارتي الخاصة وأنتِ؟"
هتفت "السيارات وكل ما يخصها"
عاد ينظر لها ثم قال "لديّ مجموعة سيارات قد تعجبك، ما رأيك قبل عودتكم البيت آخذكم لرؤيتها"
صفقت بيداها ولكن رهف قالت "تأخذنا لأين؟"
لف وجهه لها وقال "اهدئي، القصر مليء بالخدم والحرس وصديقي وأختي، أي لن أخطفكم وأحبسكم به"
المطعم كان مكان آخر غير مطعم العشاء السابق، أجمل وأكثر فخامة وبدا الاحترام على العاملين بمجرد رؤيته وهو يتحرك بجوارها حيث يرشدهم المسؤول حتى جلست وهو بالمقعد المجاور لها وحبيبة تواجههم
نظرت رهف له وقالت "لا تخبرني أنك المالك أيضا؟"
لف نظراته حوله حتى عاد لها والتقى بذهبية عيونها وقال "لا، هل تفضلين أملاكي؟"
ظلت تنظر له وقالت "أنا أفضل مكان أقل فخامة من كل هذا، هنا ليست الطبيعة التي يريد الشخص أن يكون عليها"
لم يترك عيونها وقال "ولكني على طبيعتي"
أبعدت وجهها وقالت "لأنك نشأت هكذا" وعادت لوجهه وقالت "ابن الأثرياء"
لم يرد فهي حقيقة، هو بالفعل نشأ هكذا، صوت حبيبة جذبه وهي تقول "المكان رائع، سمعت أن لديك الكثير من الأملاك بمصر هل هذا واحد منهم؟"
عاد للفتاة وقال "لا، أختك لا تفضل أملاكي تقول أنها مبالغ بها من حيث الثراء"
أبعدت وجهها ولم ترد بينما هتفت حبيبة "حقا؟ هي لن تتبدل، تظن أن السعادة ليست بالمال بل براحة البال، ولكن الحقيقة أنها تتعب كثيرا لتوفير هذا المال حتى ترتاح"
ابتسم وقال "أعتقد أنها تفعل بالفعل"
نظرت له ولكنه غمز لحبيبة التي ضحكت فلانت ملامحها خاصة عندما لاحظت أن حبيبة مستمتعة معه وهو تعامل معها بطريقة رائعة جعلتها تزداد إعجاب به وبشخصيته التي تعلن أنها لرجل يعرف جيدا كيف يتعامل مع كل البشر بجميع أعمارهم وعقولهم
****
دخل سفيان موقع التصوير الخاص بسارة وسأل عنها حتى وجدها تؤدي مشهد فتوقف بعيدا يشاهدها واعترف حقا أنها موهوبة وقد ظن أن راكان هو الذي دفع المخرج لطريقها لكن بدا أنها تستحق
ما أن انتهت حتى تحرك لتراه فاتجهت له وقالت "أهلا سفيان هل هناك شيء!؟"
نظر حوله وقال "أين يمكننا أن نتحدث؟"
ظلت تنظر له بدهشة ثم قالت "بالخارج مكان للاستراحة، تفضل"
تحرك بجوارها حتى اختارا مائدة وجلسا فقالت "ماذا هناك؟ أصبت بالقلق منذ هاتفتني"
ظلت نظراته تتجول هنا وهناك حتى ثبت عليها وقال "الأمر خاص براكان وحاتم"
تجهم وجهها وتراجعت بالمقعد وقالت "لا أريد التحدث عنهما سفيان"
اقترب من المائدة وقال "لابد أن نفعل سارة لأن راكان يستحق مني ذلك"
قالت غاضبة "راكان لا يستحق أي شيء ولن ينال شيء، سيظل هكذا وحيد بلا شريك لأن أمثاله ممن لا قلب لهم يعيشون لأنفسهم ولا يشعرون بمن حولهم"
تراجع سفيان من كلماتها وقال بغضب مكتوم "ما الهراء الذي تنطقين به سارة عن أخيك؟ راكان رجل بلا قلب؟ لو كان بلا قلب فلماذا بحث عنكِ ومنحك حمايته وأصر على وجودك بجواره؟ أنتِ لا تعرفين شيء عن راكان حتى تصدري أحكام قاسية عليه"
هتفت "بل أعرف سفيان، أنا لم أرغب بالبقاء هنا وهو من أجبرني، هو سبب كل ما أصابني"
تراجع وقال بحزم "كاذبة"
بهت وجهها فأكمل "لو لم ترغبي بالبقاء لكنتِ الآن بإيطاليا سارة ولم يكن أحد سيمنعك حتى راكان، لا أحد سبب ما حدث لكِ سوى أنتٌ، أنتٌ من لم يرى حاتم على حقيقته، أنتٌ من عمت الشهرة عيونك ورغبتِ بأن تنالي النجم المشهور، راكان لم يضربك على يدك لتفعلي أي شيء كلها كانت قراراتك"
ضربتها الحقيقة بالصميم وهو لم يتوقف بل أكمل "لو كان بلا قلب كما قلتِ لما تولى أخت غير شقيقة بحمايته وعنايته"
جف حلقها ومع ذلك قالت بلا قوة "وما فعله مع حاتم؟"
توقف سفيان لحظة وقد تطرقت لسبب وجوده هنا فقال "هو لم يفعل أي شيء بحاتم"
سخرت ضاحكة "وتلك المرأة؟ نيفين، أليس هذا اسمها؟ ألم يسرقها من أخيك؟ كيف تدافع عنه وهو من حطم قلب أخيك؟"
دق على المائدة بقبضته دون اهتمام بمن حوله وهو يقول "لم يفعل، راكان لم يسعى خلف امرأة أي امرأة من قبل، هو بالأساس لم يكن مثلنا، حياته متاهة كبيرة هو فقط من يستطيع اختراقها بلا ضياع لأنه يعرف ماذا يفعل جيدا، لكن لم تكن النساء لعبته كي لا يفقد اتزانه بأي يوم"
قالت بغيظ "أنت تريد حمايته من أخطائه"
ابتسم وقال "هو لم يكن بحاجة لحماية أحد بأي يوم سارة، هو من ينشر حمايته على من يطلبها منه أو من يحتاجها، راكان لم يضر حاتم بأي يوم"
لم تفهم وهي تسأل "وتلك المرأة؟"
أخفض رأسه لحظة ليستجمع شجاعته وهو يقول "كنت أنا من تلاعب بها وجذبتها لي، وعندما أدركت هي أني لست رجل زواج وحاتم لم يعد مرغوب به، رحلت واختفت وعندما حاول حاتم البحث عنها بكل ما يملك ادعيت أن راكان أغواها ونالها ثم أبعدها"
اتسعت عيونها وهي لا تجد كلمات ترد بها، رفع وجهه الحزين لها وقال "حاتم تهجم على راكان بأحد الأماكن العامة وهدده بالقتل بسبب نيفين وما فعله كان بناء على كلماتي والغريب أن راكان لم يكذبني وتعامل مع حاتم وعندما تواجهنا أنا وهو، أخبرني أنه لم يكن ليوقع بيني وبين أخي ولكن ما فعلته لم يكن صواب وحذرني"
ظلت صامتة وهي تشعر بألم لأنها جرحت أخيها بلا سبب وهو لم يفكر بنفي التهمة عن نفسه، قالت "هو لم ينكر عندما واجهته واتهمته.."
وسكتت وأبعدت وجهها فقال "هو لم ولن يبيعني سارة، هذا هو راكان، لذا كان لابد أن تعرفي الحقيقة وتدركي أن حاتم هو الندل الجبان وليس أخيكِ، مهما عشت فلن أجد رجل أوفى من أخيكِ وسأظل مدين له بالكثير"
ونهض وتحرك مبتعدا وهي لا تتبعه بل تنظر لمقعده الفارغ ولا تعرف ماذا فعلت وماذا ستفعل مع أخيها الذي لم يفعل لها إلا ما تدرك أنه من أخ يكن الكثير لأخته رغم أنه لم يعرفها سوى شهور قليلة وهي ترد له الدين بالإهانة والقسوة
****
ليان كانت تعيش ولكن قلبها متألم، أرادت أن تصدق براءته كما أخبر تمارا ولكن..
دق باب غرفتها ودخلت الدادة وهي تقول "امرأة تريد رؤيتك"
نظرت لها وسألتها "من يا دادة؟"
أجابت المرأة "لا أعرفها حبيبتي"
نزلت ليان وتحركت للصالون وما أن دخلت حتى تجمدت عندما رأت ميرندا تجلس ببرود تنتظرها، ابتسمت لرؤية ليان ونظراتها جالت عليها من أعلالها لأسفلها وسيجارة بين أصابعها دفعتها لفمها وجذبت نفس عميق ثم أخرجته دخان كخط مستقيم وهي تقول
"هو أنتِ إذن؟"
لم تتحرك ليان ولم ترد وميرندا نهضت وتحركت لتقف أمامها وقالت "صغيرة وجميلة وغنية ومن عائلة، صفات جيدة لزوجة وأم لأولاد"
عيون ليان كانت هي الأخرى تتأمل ميرندا، هي تصغر رائد بسنوات قليلة، مساحيق التجميل على وجهها كانت كثيرة ولا تخفي عمرها الذي تعدي الثلاثينات
لم ترد بكلمة وميرندا تقول "لكن كامرأة، لن تمنحيه ما أمنحه له"
اهتز كيانها من كلماتها..
لفت ميرندا حول ليان حتى عادت لوجهها وقالت "هل تعرفين منذ متى ونحن معا؟ خمس سنوات، خمس سنوات كنا أفضل من المتزوجين، كان يلف العالم ثم يعود لي أنا، أنا وطنه، أنا سكنه، أنا عائلته، أنا كل شيء بالنسبة له، أما أنتِ فمجرد لعبة جديدة لم يجربها من قبل، لذا يتلاعب بكِ حتى ينال ما يريد وبعدها"
وترقعت بأصابعها وقالت "ينتهي كل الانبهار ويفقد رغبته باللعبة ويكسرها ويلقيها بالقمامة، هذا سيكون مصيرك لذا ابتعدي عنه أفضل لكِ وحفاظا على كرامتك، هو لن يكون سوى لي، ويوم يتزوج سأكون أنا زوجته احفظي كلماتي هذه ولا تنسيها"
وعادت للمقعد وأطفأت السيجارة بالمطفأة وجذبت حقيبتها من على المقعد وما زالت ليان جامدة لا ترد ولا تبدي أي رد فعل وميرندا تتحرك للخارج دون انتظار كلمة من ليان التي تساقطت دموعها مرة أخرى وهي تدرك كل ما قالته تلك المرأة
هي كانت تعرف كل ما قالته، لكن أن تلقيه هكذا بوجهها جعلها تتألم أكثر ولكن ما الفائدة ولا شيء قد يتبدل؟
لقد أصبحت سجينة حب بلا أمل مع رجل لا يستحق قلبها ولكن ليت الأمر بيدها
*****
أوقف وافي سيارته بطريقة غاضبة أمام باب القصر ونزل وصفع الباب خلفه وتحرك للباب ورجال الأمن لا تتحرك تجاهه وما أن انفتح الباب ودخل حتى رأى سيف يتحرك له وهو يقول "سيد وافي!؟"
دفعه وافي من أمامه وهتف "ابتعد من طريقي سيف"
لأول مرة يرى أحد كل ذلك الغضب على وافي، لطالما كان الرجل الممتلئ بالحب والتسامح بوقت كان الجميع فيه يتصارعون من حوله
دفع باب غرفة رائد عندما رفع وجهه لوافي الذي هجم عليه ويداه تقبض على صدر ملابسه وتألم رائد بصمت من صدره المكدوم ونظراته تواجه وافي الغاضب وهو يصرخ به "أيها الندل الجبان كيف تفعل ذلك؟ كيف تخون العهد؟ هل ظننت أنها امرأة سهلة ممن تعرفهم؟"
رجال سيف أحاطت وافي لتبعده عن رائد المتألم من ضلوعه المصابة ولكنه لم يقاوم وافي الذي جذبه الرجال للخلف وهو يصرخ محاولا التخلص منهم
"اتركوني، لابد أن يعلمه أحد كيف يفرق بين من يعرفهم وبين بنات الأسر، لن تتخلص من وساختك أبدا رائد ولكن بعيدا عن أختي، هل تسمعني؟"
كان رائد متعب حقا والألم المعنوي يضاهي ألمه الجسدي وربما يفوقه بمراحل وهو يقول "لا تلعب ذلك الدور وافي فهي ليست أختك لتفعل ومع ذلك أنا لم أتلاعب بها"
كان يجاهد للتخلص من الرجال وهو يهتف "أنت أغويتها رائد، أغويتها وأنت تعلم أنها فتاة نقية وبريئة"
كان يعلم أنه على حق ولن ينفي شيء، ستظل هي بريئة حتى ولو على حساب نفسه فلم يرد ووافي يكمل "لن أسمح لك بجذبها لطريقك النجس رائد، ابتعد عن ليان وإلا أقسم أن أقتلك، أنت لم تحترم العهد رائد ولن تفعل وأنا لن أتركك هل تسمعني؟ لن أتركك"
صوت راكان كان هو ما أجاب "كفى"
التفت وافي بين يدي الرجال لراكان وهتف "أنت كنت تعلم أليس كذلك؟ بالتأكيد فهو قرينك وربما أنت من سهل له الطريق"
تحرك راكان تجاه وافي حتى وقف أمامه وقال "كفى وافي، أنت لا تعي ما تقول"
هتف وافي "بل أعي كل شيء راكان، هو صديقك المقرب ومن أجله تفعل أي شيء ولكن ليان خارج اللعبة راكان، هل تسمع؟ ليان خارجها لأنك تعلم جيدا ماذا تعني بالنسبة لي، لم أتخيل أبدا أن تفعلا ذلك معي"
وهتف "اتركوني"
أشار راكان برأسه للرجال فتركوه واندفع وافي ضاربا كتفه بكتف راكان خارجا من الغرفة ولم يلاحظ رهف وحبيبة وهما يقفان بالقرب من الغرفة تتابعان ما كان يحدث بلا فهم
بينما قال راكان "سيف أرسل من يتبعه ويتأكد من سلامته"
تحرك سيف للتنفيذ والتفت راكان لرائد الذي أبعد وجهه والألم يضرب جسده وقلبه وكل كيانه فأغمض عيونه وراكان يقول "هل أنت بخير؟"
هز رأسه وقال "نعم، متى موعد الطائرة؟"
ظل راكان يحدق به قبل أن يقول "بالصباح"
لم يفتح عيونه وقال "اتركني وحدي راكان، فقط تأكد أنه لن يضر بها"
أجاب بهدوء "اطمئن لن يفعل، هل أستدعي الطبيب؟"
نفى برأسه وقال "فقط اتركني"
للحظة أراد البقاء معه ولكن بحالته هذه الوحدة قد تكون أفضل، التفت لسامي وقال "لا تتركه وامنحه أي شيء مهدئ أو يوقف الألم"
تحرك الفتى بلا تفكير لمكان الدواء وعادت نظراته لصديقه الذي كان يحاول التحكم بمشاعره المتضاربة، لقد خسر صديقه ومن قبله خسرها هي الأخرى وخسر راحة البال وبالنهاية خسر قلبه
تحرك راكان للخارج وأغلق الرجال الباب وسيف يعود له فتوقف وقال "ليان؟"
قال سيف "الرجال أخذت التعليمات، هو لم يتخذ طريق بيتها"
هز رأسه ثم عاد لرهف وحبيبة وقال "من هنا"
ولكنها قالت "دعنا نذهب"
حدق بها وقال "لقد وعدت حبيبة، لنذهب"
وأشار لهما فتحركا لباب جانبي ومنه لسلالم نزلا منها وواجها باب فتحه فتبعته وحبيبة أمامها وتوقفتا عندما لاحظوا المكان الواسع جدا وتلك السيارات التي تراصت بجوار بعضها البعض
صرخت حبيبة واندفعت لسيارة صفراء وهتفت باسمها وتاريخها فعقد ذراعيه أمام صدره وهو لا يصدق أن الفتاة تعرف كل ذلك عن السيارة، تماما كما يعرف هو ويهوى تلك الأمور، هواية لم يقبلها زيدان وأخبره أنها لا تعني شيء ذو قيمة ومع ذلك لم يتوقف عنها حتى جمع تلك المجموعة من أفضل السيارات بالعالم
لفت رهف وجهها له وقد كان متجهم الملامح فقالت "هل أنت بخير؟"
نظر لها وقال "تبدين مثل سيف عندما يظن أنه ولي أمري"
تورد وجهها وكلماته قاسية ومع ذلك لا يجب عليها أن تتألم فأبعدت وجهها ولم ترد فتحرك لحبيبة التي توقفت أمام سيارة حمراء وراقبته وهو يتناقش معها بجدية واضحة والفتاة تجادله بثقة وانتقلوا لسيارة أخرى وأخرى حتى انتهوا
أسرعت حبيبة لها وهي تقول "هل تصدقين أن أبيه راكان سيأخذني بجولة بأي سيارة أرغب بتجربتها"
لم تنظر له وهي تقول "لا تنسين امتحاناتك"
قالت "لم أفعل، لذا اتفقنا على أن يكون الأمر بإجازة نصف العام"
عادت له وقد وضع يداه بجيوبه وقالت "شكرا لك على هذا اليوم الرائع، هل نذهب؟"
هز رأسه وقال "نعم من هنا"
تحركوا لباب آخر خرجوا منه على مكان سيارته التي جاءوا بها وركبوا وهو قاد مرة أخرى ولكن الصمت لفهم حتى وصلوا
حبيبة قطعت الصمت "شكرا أبيه راكان، لقد استمتعت جدا خاصة بالسيارات"
ابتسم وقال "سعيد أن بيننا شيء مشترك حبيبة"
ابتسمت هي الأخرى وقالت "وأنا أيضا، طابت ليلتك"
ونزلت ولم تنتظر رهف التي التفت وفتحت الباب وقالت "طابت ليلتك"
لم يرد وهي تبتعد دون أن تنظر له حتى اختفت فقاد والغضب يطفو على السطح بعد أن سيطر عليه طوال الوقت بسبب ما كان فضرب على المقود مرة واثنان وهتف "كان عليّ أن أعرف أن ذلك سيحدث، تلك اللعينة لم تكن لتصمت قبل أن تنتقم"
أخرج هاتفه واتصل فأجاب سيف "راكان"
قال بغضب "أين ميرندا؟"
أجاب سيف "بالطائرة منذ نصف ساعة"
هتف بغضب "كانت تعلم أني لو وضعت يدي عليها فلن أرحمها"
رد سيف "اهدأ يا عمدة، الحل هنا وليس معها"
كان يعلم ولكن ليس الآن فقال بنفس الغضب "هل أصبحت الحكيم الآن سيف؟"
وأغلق الهاتف وما زال يقود بسرعة غير عادية مفرغا شحنة غضبه بالقيادة وهو يدرك أن ميرندا نجحت بزرع فجوة بين الأصحاب الذي ظلوا سنوات كالعصبة القوية لا تنكسر ولا تنفك