رواية فرصة ثانية الفصل العاشر10بقلم همس هشام
همّت ملك بالرحيل من منزل نهى، فقامت نهى بأخذها في عناق طويل، بادلتها ملك العناق وقالت بتنهيدة:
-ربنا يخليكي ليا يا نهى، وجودك جنبي بيخفف عني كتير
ابتعدت عنها نهى وقالت:
-ويخليكي ليا يا ملوكة، هقولك حاجة تفرحك وتطلعك من مود الكآبة ده
-إيه
أخذت يدها ووضعتها على بطنها وقالت بابتسامة واسعة:
-سلمي على ابن أختك يلا
اتسعت عيناها وقالت:
-انتي طلعتي حامل بجد
أومأت لها بسعادة، فقامت ملك بعناقها مرة أخرى وأكملت:
- ألف مبروك يا نهى، وربنا يكملك على خير
-الله يبارك فيكي يا حبيبتي
ابتعدتا عن بعضهما، فسألت ملك:
-أمير عرف؟
-أيوة ومبسوط جداً، استني أوريكي
ثم أخذت هاتفها وفتحت لها الفيديو، كانت تشاهد ملك الفيديو بعيون تلمع فقالت:
-كنارية ما شاء الله، ربنا يحميكوا ويبعد عنكوا العين
ضحكت وقالت:
-اللهم آمين، عارفة لو أمير سمعك وانتي بتقولي كناريا دي
ليأتيهم صوت أمير قائلاً بمزاح:
-هقولها أهلاً وسهلاً يا غرابة، البيت نور
نظرت له بازدراء مصطنع، ولم تجبه، فقال:
-إيييه مصدرلنا مشط رجلك ليه
فقالت نهى:
-أمير متضايقش ملوكة
أمسكت حقيبتها وهمّت بالمغادرة وقالت:
- لا ملوكة زعلت خلاص وهتقوم تمشي
نظرت له نهى وقالت توبخه:
-أهو شُفت قولتلك بتزعل
نظر إلى ملك فوجدها ترفع حاجبيها بانتصار، فقالت بخفوت:
- آه يا خبيثة
اقترب أمير يضع يده على كتفها ويضمها وقال:
-هراضيها عشان خاطرك انتي بس
ثم نظر إلى ملك وقال وهو يجز على أسنانه:
-متزعليش يا ملك ده أنا بهزر
أجابته ملك:
-أوكي يا أمير مافيش مشكلة، بس أنا همشي عشان متأخرش
-طب استني أوصلك
-لا مافيش داعي، أنا طلبت عربية خلاص
ثم اقتربت تودعهم وهمّت بالرحيل، متجهة إلى المنزل
____________________________
دلفت دينا إلى مكتب نهى، بعد أن علمت أن وقت عملهم قد انتهى، ولحسن حظها أن ساعات عملها اليوم في الليل عكس ساعات عملهم، فكان أمامها فرصة وضع قطعتي القماش، أخذت تبحث عن مكان جيد تثبت فيه قطعة القماش دون أن تنتبه لها نهى، ظلت دقائق تفكر حتى وجدت المكان المناسب ووضعته فيه، ثم خرجت من المكتب وهي تنظر حولها، أغلقت الباب خلفها برفق
واتجهت إلى مكتب أمير، فتحت الباب برفق ودخلت المكتب، كانت تبحث هنا وهناك عن مكان جيد لتسمع صوت أقدام يقترب، نظرت حولها بفزع أين تختبئ، ركضت تحت طاولة المكتب وانتظرت عدة دقائق لكن لم يأتِ أحد، يبدو أن وجهة صاحب الأقدام ليست هنا، خرجت من أسفل الطاولة وثبتتها في مكان جيد لن يخطر على بال أحد، ثم فتحت الباب برفق، لتصطدم بعاملة النظافة التي نظرت لها بحواجب معقودة وسألتها:
- في حاجة يا سيستر دينا
سألتها لأن علامات الفزع قد ارتسمت على وجه دينا، فقالت دينا بتلعثم:
-كنت بدور.... على دكتور أمير
دلفت العاملة بالمنظفات وقالت:
- دكتور أمير مشي من بدري، وأنا هنا عشان أنظف المكتب
- تمام شكراً
ثم غادرت مسرعة وصدرها يعلو ويهبط بشدة إثر التوتر والخوف
_________________________
وضعت رحمة الشال على كتفها واتجهت إلى أعلى البناية، تصعد درجة وتؤخر قدمها في الأخرى، لكن قلقها يزداد عليه، تريد لو تراه وتطمئن عليه، أخذت نفساً عميقاً وزفرته ببطء وفتحت باب السطح، دلفت وعيناها على سطح بنايته، كان الظلام حالكاً، ولا ترى أي شيء، لكن هو رآها واستشعر وجودها بداية من خطواتها المترددة وعبقها المميز، لتقترب من حافة السور فأتى عليها قليلاً من أشعة إضاءة الطريق، ابتسم على نظراتها المتفحصة لسطح بنايته، لكن فطن أنها لم تره، نهض بتثاقل وسار مقترباً منها، شعرت هي بخطوات أقدام فأصابها الخوف، فأتاها صوته يطمئنها:
-ده أنا متخافيش
ارتسمت على وجهها علامات الارتياح لسماع صوته، وقف على حافة السور وقال:
-عاملة إيه
فقالت بارتباك:
-كويسة، انت عامل إيه
وضع يده على جرحه الذي وضع عليه لاصقاً طبياً:
-كويس الحمد لله
لترفع يدها وأشارت على جرحه بحياء، فقال:
-لا متشعليش بالك، أنا كويس، أنا اللي مضايقني إني مش هعرف أروح الإنترفيو إلا لما تخف خالص، ودي فيها أسبوعين
فقالت وهي تنظر إلى الأسفل:
-في كريم للجروح عندي هبقى أجيبهولك
-تسلمي يا ست المحامين
كان يقولها بمزاح، مما جعلها ترفع نظرها له وتبتسم، نظر في عينيها وشرد في عينيها، كانت أعيناً بنية مسحوبة لكن كان لها بريق مميز يجعله يذوب كلما رآها، فقالت هي وهي تخفض نظرها إلى الأسفل مرة أخرى:
-ست المحامين!!
-دي زيها زي ست البنات كدا، وأنا حبيت أميزك يا ست المحامين
ابتسمت وهي تزيح خصلة من شعرها خلف أذنها وقالت:
-بكره هجبلك المرهم، أنا لازم أمشي دلوقتي
-مع السلامة يا ست المحامين
همّت بالمغادرة، وكان هو يبتسم كالأبله، فقد فطن أنها صعدت للاطمئنان عليه، بعد أن لمحها تشاهد مشاجرته اليوم مع ذلك الشاب
_________________________________
دلفت ملك إلى المنزل بإرهاق، فكان يوماً شاقاً، أخفت مشاعرها وحزنها طوال اليوم، فعملها يتطلب منها هذا، خلعت حذاءها ولامست الأرض براحة، فقد آلمها الكعب بشدة، فأقبل عليها والدها يرحب بها:
-ملك وحشتيني يا حبيبة بابا
اقتربت منه بابتسامة مرهقة وارتمت في أحضانه وقالت:
-وانت وحشتني أوي يا بابا
ضمها إليه، فقالت:
-تعرف أنا كنت محتاجة الحضن ده أوي النهاردة، ربنا يخليك ليا وميحرمنيش منك
مسد على ظهرها وقال:
-ويخليكي ليا يا حبيبة بابا
ابتعدت عنه وقالت:
-هروح أغير علطول وأجي أعملك البيض بالبسطرمة اللي وحشك
ضحك وقال:
-بيض بالبسطرمة إيه بس، أنا جايبلك سوشي
اقتربت منه وقالت بحماس:
-قول والله
ضحك بملء فمه على تبدل حالها وقال:
-أيوة يلا روحي غيري وتعالي علطول
-ثواني وهتلاقيني عندك
ثم ذهبت سريعاً تأخذ حماماً دافئاً وترتدي بيجامة مريحة وتذهب له، لتجد على الطاولة أكياساً من الكرتون، اتجهت لهم وقالت:
- أقسم بالله جه في وقته
جلس على المقعد المجاور لها بابتسامة حنونة، فهي تبدو أحسن حالاً من أمس، فتحت العلب وأمسكت العيدان وأخذت قطعة ومدت يدها له ليأكلها، فقال باعتراض:
-لا مبحبوش وانتي عارفة
-واحدة بس متكسفنيش
أكلها على مضض، فقالت له:
-بابا عارف مين حامل؟
أجابها وفي فمه الطعام:
- إيه خالتك ناهد
ضحكت على تعقيبه وقالت:
-لا أكيد
ابتلع الطعام وقال:
- أكيد ما خالتك دخلت سن اليأس من عشر سنين
كتمت ضحكتها وقالت:
-بابا بطل الهزار ده بقى
ثم أكملت وهي تأخذ قطعة من السوشي:
-دي نهى اللي حامل
أخذ كأس الماء يرتشف منه القليل ليذهب طعم السوشي من فمه:
- ألف مبروك لبنت ناهد
ضحكت وقالت وهي تلوك الطعام:
-الله يبارك فيك، متنساش تباركلها بقى
أومأ لها عادل وقال:
- حاضر
قالت وهي تغمس قطعة السوشي في الصوص:
-قولي انت عملت إيه النهاردة
قص عليها تفاصيل يومه وكانت تستمع له وهي تأكل بنهم، كان يشعر بالغرابة من حالتها، فهي تتصرف كأن شيئاً لم يكن، فقام بسؤالها:
-ماهر مكلمكيش النهاردة
-آه اتكلمنا
-وإيه اللي حصل
- مافيش، دخل عليا بكلام ملهوش معنى، قولتله مافيش حاجة هترجع زي الأول إلا لما تصلح كل الغلطات اللي عملتها
تنهد عادل وقال:
-كويس، وقالِك إيه
-قالي حاضر ومشي
أراحت ظهرها على المقعد وقالت:
-يااه الواحد بقاله كتير مأكلش أكلة حلوة كدا
-بالهنا والشفا
لملمت ملك الطعام وقالت له:
- هعمل شاي بالتوت، أعملك معايا
- لا، اعمليلي شاي عادي
-أوكي
أخذت باقي الطعام واتجهت إلى المطبخ تعد لهم الشاي
_____________________
صباح يوم جديد، كان يجلس يحيى مع والدته ونسمة في الحديقة، كانت سوسن تجلس بجانبه، وتضمه إلى حضنها، قبّل يحيى يدها وقال:
-وحشتيني أوي يا ماما
مسدت على كتفه وقالت:
-وانت كمان يا يحيى، البيت وحش من غيرك
كانت نسمة تشاهدهم بابتسامة حنونة، فقال لها يحيى:
-عاملة إيه يا نوسة، شغلك عامل إيه
-بخير الحمد لله، مش ناقصنا غير إنك ترجعلنا بالسلامة
* وأنس طمنيني عليه
قالت بابتسامة واسعة:
-بيسأل عليك علطول، مش بيبطل حرفياً
-بوسيهولي وسلميلي عليه، وأنا إن شاء الله في أقرب وقت هبقى معاكوا
أنهى حديثه وهو يحك أنفه، ظل مستكيناً في أحضان والدته، هذا ما كان ينقصه، دفء أحضانها وحنانها هو ما يجعله قوياً، ابتعدت عنه والدته وأخذت الحقيبة وفتحتها وقالت:
-جبتلك كل لبسك اللي قولتلي عليه، وكل اللي قولتلي عليه، أنا مبسوطة أوي إنك هترجع زي الأول
-بحاول يا أمي، ادعيلي
أعطته الحقيبة، وقالت:
-متعرفش فين الحمام هنا
أشار إلى المبنى وقال:
-ادخلي المبنى واسألي بقى
نهضت واتجهت إلى المبنى، لتجلس نسمة بجانبه، فقال لها:
-طمنيني عليكي، حاسس إن في حاجة شغلاكي
ابتسمت له ابتسامة صغيرة وقالت:
- لا يا حبيبي أنا كويسة
نظر إلى عينيها مباشرة وأشار إليها:
-عينيكي بتقول عكس كدا
- انت لسه فيك العادة دي
-أنا من كتر ما شُفت بقيت ببص في عين اللي قدامي أعرف ماله
صمتت لا تعرف أتخبره، أم لا، فقد ابتعدوا عن بعضهم في الفترة الأخيرة ولم يعودوا كالسابق، فقال لها يحيى بتوجس:
-انتي خايفة تقوليلي
قالت بتلعثم:
-مش حكاية خايفة.... بس
مسد على يدها وقال يطمئنها:
-أنا بحاول أرجع يحيى القديم، مش هتساعديني
نظرت إلى يده واستشعرت في نبرته حنانه، وشعرت بأن أخيها قد عاد، بينما هو كان يحاول أن يضبط نفسه أمامهم قدر المستطاع، يحاول السيطرة على حكة أنفه، ألم عظامه، تعرقه رغم وجود نسمة هواء، حمحمت هي وقالت:
-حسين، بيحاول يرجعلي وأنا مش عارفة أعمل إيه يا يحيى
-انتي حاسة إنك عايزة تعملي إيه
رفعت كتفها وقالت بحيرة:
-مش عارفة، حاسة إني تايهة ومش عارفة أعمل إيه، عمال يقولي اتغيرت، وفي شوية تصرفات بيعملها تدل على كدا، لكن خايفة
-خايفة يكون تغير لحظي يعني، وبعد كدا تلاقيه رجع زي الأول
أومأت وهي تنظر له بحيرة، أخذ يفكر فيما تفعله، فتركيزه ضعيف ويحاول أن يستجمع شتات نفسه، طال صمته ووجد أن والدته على مقربة، فقال لها:
-بصي خليه تحت الاختبار، ولو فعلاً اتغير ارجعيله، وأنا واثق فيكي
قاطع حديثهم مجيء والدتهم، نهضت نسمة لكي تجلس سوسن بجانب يحيى، وأحس يحيى أن نسمة لا تريد أن تتحدث أمام سوسن.
على الناحية الأخرى كانت ملك تتابع الجلسة من على بُعد، تدرس تصرفاته وإيماءاته، وفطنت أنه يحاول السيطرة على نفسه وقد يرهقه ذلك كثيراً، ليقطع مراقبتها يد لامست كتفها، التفتت وكان ابراهيم:
- عاملة إيه يا دكتورة ملك
-الحمد لله، حضرتك عامل ايه يا دكتور ابراهيم
-بخير الحمد لله، أنا كنت حابب أطمن عليكي
ابتسمت له ملك بلطف، وقالت:
-شكراً جداً يا دكتور ابراهيم، أنا بخير
كانت ملك تحادثه وعيناها زائغتان على يحيى وأسرته، فقال لها ابراهيم:
-العفو، إحنا زمايل، شكلك مشغولة
أشارت ليحيى وأسرته وقالت:
-مريض عندي وبتابع حالته مع أسرته
أومأ بتفهم وقال:
- تمام، ربنا يوفقك، أجيلك وقت تاني
أومأت له ملك، وظلت تراقبهم، حتى أتى لهم الممرض، ويبدو أنه أخبرهم بأن وقت الزيارة قد انتهى، وقررت ملك أن تذهب إليهم بعد أن رحل يحيى وتخبرهم بحالته وأنهم عامل أساسي في مرحلة شفائه
_________________________
دلف يحيى إلى الغرفة ووضع الحقيبة على الطاولة وألقى بجسده على الفراش، كان يشعر بالإرهاق الشديد، فتظاهره أنه بخير أتعبه كثيراً، ظل على وضعه هكذا لعدة دقائق، ثم نهض بتثاقل وأخذ الحقيبة، فتحها وأخرج ما بها، كانت ملابسه، وكانت عبارة عن قمصان كلاسيكية أنيقة وتيشرتات ذات ياقة وسراويل منها القماش والجينز، كان يشاهد ملابسه بحسرة، فكان أنيقاً مرتباً، مد يده فوجد زجاجة عطره، فتحها ورش منها في الهواء وأغمض عينيه يشمها، رائحتها أعادته لأيام نجاحاته، تذكر الليالي التي سهر بها لكي ينهي رسم أحد مشاريعه، إشرافه على البناء، وضع العطر جانباً، ثم أخرج ساعتين فاخرتين، نظر لهما بتعجب، فهو يتذكر أنه باع كل ساعاته الثمينة لكي يأتي بالمواد المخدرة، لكن يبدو أن والدته قد أخذتهما في الخفاء واحتفظت بهما، نهض بكسل وأخذ سروال قماش رمادياً وتيشرت أبيض ذا ياقة، ودلف لكي يستحم، وبعد دقائق خرج من المرحاض، وقف أمام المرآة ورش القليل من عطره، وأخذ الفرشاة، وصفف شعره إلى الوراء، وضع الفرشاة والتقط إحدى الساعات وارتداها ونظر إلى نفسه عبر المرآة برضا، ثم جلس على المقعد وأمامه دفتر الرسم، وهمّ بإكمال رسمته الثانية التي بدأ فيها بالأمس، لكن قاطعه دق على الباب، وقد فطن أنها ملك، فقد أصبح يعلم طريقة طرقها على الباب، فقال بصوت عالٍ:
-ادخلي يا دكتورة ملك
فتحت الباب وقالت بمرح:
-عرفت إزاي إني اللي بخبط
وقفت عندما رأته بهذه الهيئة الجديدة فقالت:
-إيه التغيير ده
صمت ثم قال:
-للأحلى ولا للأوحش
يبدو أنه قد فقد ثقته بنفسه، فقالت:
-للأحلى طبعاً، لو كنت أعرف إن زيارة أهلك هتفيدك أوي كدا كنت جبتهم من أول يوم
اقتربت تجلس على الكرسي المجاور وقالت متسائلة:
-اتبسطت من زيارة أهلك
قال وهو يتلاعب بالقلم:
- آه اتبسطت، أمي كانت وحشاني أوي
اعتدلت في جلستها وقالت:
-طب كويس، في حاجة ضايقتك وانت قاعد معاهم
عقد حاجبيه وقال:
-هي أعراض الانسحاب هتختفي امتى
-هي مش هتختفي فجأة، هي هتروح بالتدريج، انت بقالك أسبوع بس هنا، استنى أسبوع تاني وهتلاقي نفسك بقيت أحسن
أومأ وأكمل:
-أنا ونسمة أختي كنا قريبين أوي، عمرها ما خافت إنها تقولي على حاجة، حتى لو عملت حاجة غلط كانت تيجي تجري عليا وتقولي، وأنا عمري ما زعقت أو بهدلتها، كنت بحاول أكونلها الأخ والأب، خصوصاً لما بابا مات، ماما كانت شايلة البيت فمكنتش حابب إني أشغلها بيا وبنسمة، فكنت بخلي بالي منها
صمت لعدة ثوانٍ، مد يده يأخذ منديلاً يمسح حبات العرق الباردة، ثم أكمل:
-لكن النهاردة شُفت في عينيها الحيرة إنها تحكيلي على حاجة
تنهد وصمت لم يكمل، فسألت ملك:
-وحكتلك ولا لا
-حكتلي لكن هي حاجة خاصة بيها، مش عارف صح إني أحكي ولا لا
-أنا دكتورتك النفسية يا يحيى، وأي حاجة بتقوليها بينا عمرها ما بتبقى مع حد تاني
نظرت في عينيه بثقة، مما جعله يروي لها الأمر:
-نسمة كانت متجوزة وعن قصة حب حلوة، لكن جوزها بعد ما جابوا ابنهم أنس اتغير، هي فضلت صابرة عليه كتير مع إني كنت ضد إنها تصبر كل ده، لكن احترمت رغبتها ووقفت جنبها، بس في الآخر اطلقوا، ودلوقتي بتقولي إنه رجع ندمان وعايزهم يرجعوا
عقّبت ملك قائلة:
- هو لازم يتغير الأول، هي مش هترجع لنفس التعب تاني
-بتقول إنه عمل كذا فعل يدل إنه اتغير، لكن هي قلقانة إنه يكون بيوهمها
-خلاص انصحها إنها تستنى شوية، ولو فضل كدا يبقى ممكن يجربوا تاني، وكمان عشان ابنهم
أومأ لها وصمت يفكر، فقالت له وهي تنظر إلى دفتر الرسم المفتوح:
-رسمت رسمة جديدة؟
قرّب منها الدفتر وقال:
- أيوة بس لسه مكملتش
كانت عبارة عن شخص ملقى في البحر يبدو أنه يغرق، وتوجد فتاة ذات شعر طويل معقود على هيئة ذيل حصان، وترتدي بالطو، وكانت على مقربة منه تقف أعلى مركب وبيدها حبل متجه إلى البحر لكن لم يكتمل، فأشارت إلى اللوحة وقالت:
-يعني الحبل ده هيطول ولا هيفضل كدا
-لا هيطول وهيروحله
- امممم فهمت، لكن حاسة إني عارفة البنت دي، بالذات من ديل الحصان ده
ابتسم على سؤالها وأخذ الدفتر وأجابها بتلاعب يشبه سؤالها:
- لا متهيألك
ضحكت بابتسامة واسعة وقالت بتعجب:
-يا سلام!!!
أراح ظهره على الكرسي وعقد يديه أمام صدره، فقالت:
-انت مقولتليش انت عرفت إزاي إن أنا اللي بخبط
أجابها ببساطة:
-عارفة يا دكتورة ملك إحنا لو كنا اتعرفنا في ظروف تانية كنتي هتنبهري من ذكائي
ابتسمت ابتسامة جانبية وقالت:
-آه، غرور المهندسين بدأ يبان
لاحظ أنها تبتسم وتتفاعل معه لكن بدون حماسها الذي اعتاده منها طوال الأسبوع المنصرم، كان يريد أن يسألها ما بها لكن يشعر بالتردد، لاحظت ملك صمته فقالت له:
-في حاجة يا يحيى
نظر لها نظرة عميقة، ثم قال:
-في حاجة مضايقاكي، متغيرة بقالك يومين
رسمت ابتسامة وقالت:
- لا أنا كويسة
أشار إلى ابتسامتها وقال:
-أنا بفهم في البني آدمين كويس جداً، آه ممكن أبقى تعبان لكن أنا بدأت أفوق، يعني ابتسامتك الصفرا دي أكدتلي إن في حاجة فعلاً
-كل إنسان وعنده مشاكل في حياته، وأنا بواجه مشكلة لكن هتتحل
قال بتساؤل:
-إيه المشكلة اللي عندك
أجابته ببساطة:
-أنا هنا الدكتورة يا يحيى مش انت
حمحم يحيى وقال بتفهم:
-آه هي كدا يعني
أومأت وقالت بحزم:
-أيوة، أنا اللي بسمع وبحل، مش ده دورك
- تمام، أنا تعبان وعايز أرتاح، الجلسة هتخلص امتى
فطنت أنه لم يعجبه الأمر، لكن كان يجب أن تحافظ على شخصيتها كطبيبة، فقالت:
-ممكن نعتبرها خلصت
أومأ ونهض يتجه إلى الفراش، واتجهت هي إلى الخارج
