رواية حب خارج القانون الفصل الحادي عشر11بقلم يارين


رواية حب خارج القانون الفصل الحادي عشر11بقلم
 يارين

"انكسر ما بينهما، وترك خلفه خوفًا لم يعرفاه من قبل... خوف الفقد، وندمًا على أشياء قيلت وأخرى لم تُقل. لكن حين يصبح الرحيل قريبًا، هل يكفي الندم لإنقاذ ما تبقى؟" 
حب خارج القانون١٢
الفصل الثاني عشر

ظل ينظر إليها وهي بين ذراعيه، وعقله لا يستوعب ما يحدث.

قال بصوت مرتجف وهو يربت على خدها:

—  ليليان افتحي عينيكي... يلا، فوقي.

لم تجبه.

رفع رأسه نحو كريم وقال بحدة:

— بسرعهه.

انطلق كريم بالسيارة بأقصى سرعة، بينما ظل هو ممسكًا بها، يراقب وجهها الشاحب، وكل ثانية تمر كانت تزيد الخوف الذي يحاول إنكاره.

وضع أصابعه عند رقبتها مرة أخرى، ثم قال بصوت منخفض:

— لا لا...

قربها أكثر إلى صدره، وبدأ يتحدث إليها رغم أنها لا تسمعه:

— فوقي يليليان...فوقيي

ابتلع غصته، ثم قال بعصبية وكأنه يحاول إجبارها على الاستجابة:

— فوقي بقا.

ضغط كريم على دواسة الوقود أكثر، وقال:

— قربنا يا باشا.

لم يرد عليه.

كانت عيناه معلقتين بها فقط، وكأن العالم كله اختفى من حوله.

تذكر وجهها وهي تضحك فوق السطح، وصوتها وهي تقول له: "وعدتني تعلمني السواقة."

ثم تذكر الليلة الماضية...

كلماته القاسية.

دموعها.

وهي تخرج من جناحه وهي تحاول التقاط أنفاسها.

أغمض عينيه للحظة، وشعر بوخزة قوية في صدره.

— أنا السبب...

وصلت السيارة أمام المستشفى، فنزل كريم مسرعًا وفتح الباب، وفي اللحظة نفسها خرج الأطباء والممرضون بسرير متحرك.

نزل وهو يحملها بنفسه، ووضعها على السرير، ثم أمسك يدها للحظة قبل أن يبعده الأطباء.

— لازم تستنّى هنا.

قال الطبيب ذلك وهو يدفع السرير إلى الداخل.

ظل واقفًا مكانه، يحدق في الباب الذي أُغلق أمامه.

اقترب كريم منه، لكنه لم يتكلم.

رفع هو عينيه إليه وقال بصوت خافت:

— لو حصلها حاجة...

توقف، ولم يستطع إكمال الجملة.

جلس على أحد المقاعد، وأسند مرفقيه إلى ركبتيه، ثم دفن وجهه بين يديه.

لأول مرة منذ سنوات، لم يكن يعرف ماذا يفعل.

ولأول مرة شعر أن قوته كلها لا تساوي شيئًا أمام باب غرفة مغلقة.

مرّت ساعة كاملة، وهو لا يكفّ عن السير ذهابًا وإيابًا أمام غرفة الطوارئ، والتوتر واضح على ملامحه.

خرجت ممرضة، وفي الوقت نفسه دخل ممرض آخر، فاستوقفه بصوت غاضب:

— في إيه؟؟..بقالها ساعة جوه، محدش قال مالها..ولا هي كويسة ولا لأ؟

اقترب منه الممرض وقال بهدوء:

— اهدي حضرتك، إحنا بنعمل لها شوية تحاليل وغسيل معدة، والدكتور هيطلع يطمنك...

لم يكمل جملته، إذ خرج الطبيب من الغرفة.

اتجه إليه بسرعة وقال بقلق:

— ليليان كوبسه؟..حصلها ايه.

رد الطبيب بهدوء:

— هي أكلت حاجة عندها حساسية منها، وحصل لها حاجة اسمها حساسية مفرطة. وكان المفروض تاخد دوا الحساسية، بس هي للأسف مخدتوش، وده سبب لها ضيق في التنفس، مما أدى لفقدان الوعي.

ظل ينظر إليه للحظات دون كلام، ثم سأل:

— طب هي كويسة دلوقتي؟

ابتسم الطبيب ابتسامة مطمئنة وقال:

— أيوه، متخافش. هننقلها دلوقتي غرفة عادية، 

أومأ برأسه ببطء، وكأنه استعاد أنفاسه أخيرًا.

ثم سأل بسرعة:

— أقدر أشوفها إمتى؟

— أول ما ننقلها الغرفة، الممرضة هتسمحلك تدخل.

ابتعد الطبيب، بينما ظل واقفًا مكانه للحظات.

مرر يده على وجهه بتنهيدة طويلة، ثم أغمض عينيه.

همس لنفسه:

— الحمد لله...

بعد قليل، اقتربت منه الممرضة بابتسامة هادئة وقالت:

— المدام فاقت ونقلناها، تقدر تدخللها.

رفع رأسه إليها بسرعة، وكأنه كان ينتظر تلك الجملة منذ ساعات.

— فاقت؟

هزّت رأسها:

— أيوه، بس لسه تعبانة شوية. متضغطش عليها في الكلام.

أومأ بهدوء، ثم اتجه نحو الغرفة بخطوات سريعة، لكنه توقف أمام الباب للحظة.

أخذ نفسًا عميقًا، ثم فتح الباب ودخل.

كانت مستلقية على السرير، وجهها شاحب قليلًا، وعينيها مفتوحتين وهي تنظر إلى السقف بشرود.

ما إن سمعت صوت الباب حتى التفتت نحوه.

تقابلت أعينهما للحظات.

ظل واقفًا مكانه، ينظر إليها بصمت، وكأن رؤيتها مستيقظة أمامه كانت وحدها كافية ليشعر بالراحة.

أما هي، فخفضت عينيها بهدوء، ولم تقل شيئًا.

اقترب من السرير وجلس على المقعد بجانبها، ثم قال بصوت منخفض:

— عاملة إيه دلوقتي؟

ردت بصوت ضعيف:

— أحسن.

سكت قليلًا، ثم نظر إليها بتوتر واضح وقال:

— قلقتيني عليكي.

بصتله بسخرية خفيفة ومردتش، وهو بصلها.

في اللحظة دي، الباب خبط ودخل الدكتور وهو يقول:

— حمدلله على سلامتك يا مدام ليليان.

قالت بتعب:

— الله يسلمك.

أكمل وهو ينظر إلى الملف:

— إنتي أول مرة يحصلك تعب بسبب الحساسية؟

هزت رأسها بالنفي.

بصلها باستغراب وقال:

— طب حضرتك ماخدتيش دوا الحساسية ليه؟

قالت بتعب:

— أنا مأكلتش حاجة عندي حساسية منها، فمكنتش فاهمة إيه اللي حصل، وكمان الدوا مكنش معايا، وعقبال ما قومت أكلم الإسعاف لقيتني بدوخ ومش فاكرة أي حاجة.

بصلها الدكتور وقال:

— حسيتي طيب بأعراض الحساسية؟ سعال قوي وضيق في التنفس وحرقان في الحلق؟

هزت رأسها وقالت:

— حسيت بكل ده، بس أنا مكلتش أي حاجة عندي حساسية منها.

قال الدكتور:

— طب إيه آخر حاجة كلتيها؟ ممكن يكون عندك حساسية منها وإنتي متعرفيش.

قالت:

— كلت كيك بالشكولاته، بس أنا معنديش حساسية منها.

ظل أدهم يفكر قليلاً ثم قال:

— إنتي كلتي من الكيك اللي عاملاها نادية؟

قالت وهي تشيح نظرها عنه:

— آه.

قال:

— عندك حساسية من الفراولة؟

هزت رأسها باستغراب من غير ما تبصله برضو.

قال هو:

— الكيك معمولة بالفراولة ومعاها شكولاته، بس طعمها مش بيبان.

قال الدكتور:

— يبقى عشان كده. المهم إحنا عملنا غسيل معدة، ودلوقتي هنحطلك محاليل، وهتتحجزي يوم عشان نتأكد إن كل حاجة كويسة، لأن النبض وقف لفترة طويلة، فلازم نتأكد إن مفيش أي أضرار.

دخلت الممرضة واقتربت منها.

بصتلها ليليان بريبة خفيفة، وهو لاحظ نظرتها.

أمسكت الممرضة بذراعها وبدأت تمسحه بقطنة صغيرة فيها كحول قبل أن تضع الكانيولا.

أغمضت عينيها بوجع.

نظر لها، وكان يشعر بالاختناق. اقترب منها ومد يده ليمسك يدها، لكنها بعدت إيديها عنه وأمسكت بالغطاء الموضوع على السرير.

وبعد دقائق، ابتعدت الممرضة وهي تقول:

— المحلول هيخلص على بكرة، وإن شاء الله هاجي أشيل الكانيولا بكرة

أومأت ليليان بتعب، بينما ظل هو جالسًا بجانبها، وعيناه معلقتان بوجهها الشاحب

خرجت الممرضة وأغلقت الباب خلفها، فعاد الصمت إلى الغرفة.

ظل واقفًا بجانب السرير، ينظر إلى الكانيولا المثبتة في يدها، ثم رفع عينيه إليها.

كانت تتجنب النظر إليه تمامًا.

قال بهدوء:

— محتاجة حاجة؟

هزت رأسها بالنفي.

— لأ.

سكت قليلًا، ثم جلس على الكرسي بجانب السرير.

— الدكتور قال إنك هتفضلي هنا لحد بكرة.

ردت باقتضاب:

— سمعت.

ظل ينظر إليها للحظات، ثم قال:

— كان ممكن يحصل لك حاجة خطيرة.

بصتله أخيرًا، وقالت بسخرية خفيفة:

— الحمد لله محصلش.

ضايقه ردها، لكنه لم يرد.

أشاحت بنظرها للجهة الأخرى، ثم قالت بصوت أهدأ:

— ممكن تروح... أنا كويسة.

رفع حاجبه:

— أروح فين؟

— البيت.

— وهسيبك هنا لوحدك؟

قالت ببرود:

— مش لوحدي، في دكاترة وممرضين.

سكت، ثم أسند ظهره إلى الكرسي وقال:

— أنا هفضل هنا.

نظرت له باستغراب، لكنها لم تجادله.

مرت دقائق في صمت، حتى بدأت عيناها تثقلان من التعب.

لاحظ ذلك، فقال:

— نامي.

— مش نعسانة.

ابتسم بسخرية خفيفة:

— عينيكي مقفولة وإنتي بتقولي مش نعسانة؟

سكتت، ثم أغمضت عينيها مرة أخرى.

وبعد لحظات، هدأت أنفاسها ونامت.

ظل ينظر إليها بصمت، ثم قال لنفسه بصوت منخفض:

— ليه كل مرة بتخوفيني عليكي بالشكل ده؟

ظل ينظر إليها حتى تأكد أنها غفت تمامًا.

اقترب منها بهدوء، وانحنى قليلًا، ثم وضع يده على وجهها برفق. ظل يتأمل ملامحها المرهقة، وعقد حاجبيه وهو يتذكر كلمات الطبيب:

"حسيتي بأي أعراض؟ زي سعال قوي، وضيق في التنفس، وحرقان في الحلق؟"

تذكرها وهي في جناحه تلك الليلة، تسعل بقوة وتحاول أن تتحدث، لكنه لم يمنحها فرصة واحدة.

كانت تحاول أن تلتقط أنفاسها، لكنه لم يفهم وقتها أنها لم تكن قادرة حتى على التنفس بشكل طبيعي.

نظر إليها بصدمة، وهز رأسه بعنف.

— معقول... كانت جاية تقولي إنها تعبانة؟

تذكر وجهها المرهق وهي واقفة أمامه، ودموعها التي لم يفهم سببها، بينما كان هو يواصل جرحها بكلماته دون أن ينتبه لحالتها.

خفض عينيه، وشعر بغصة حادة في صدره.

— معقول أنا...

توقف عن الكلام.

هز رأسه مرة أخرى وكأنه يحاول طرد الفكرة من عقله.

— لا... لا، مستحيل.

ابتعد عنها، ثم وقف وهو يمرر يده على وجهه بعنف وضيق.

ظل واقفًا للحظات، وعيناه معلقتان بها، قبل أن يهمس لنفسه:

— لو كنت فهمت وقتها... كان ممكن...

لم يستطع إكمال الجملة.

أغمض عينيه بقوة، ثم أخذ نفسًا عميقًا، محاولًا أن يهدأ، لكن الإحساس بالذنب كان يزداد داخله كلما تذكر أنها كانت تستنجد به، وهو لم يرَ سوى غضبه.

في اليوم التالي،

تسللت أشعة الشمس الذهبية من بين ستائر الغرفة، وانعكست بخفوت على أرضية الغرفة الهادئة.

فتحت عينيها ببطء، وشعرت بألم في جسدها. حاولت أن تعتدل في جلستها، ثم نظرت حولها.

كان أدهم واقفًا عند النافذة، يتحدث في الهاتف، وظهره إليها.

فركت عينيها بتعب، ثم شعرت بألم في ذراعها. نظرت إليها، فوجدتها متورمة عند مكان الكانيولا، والجلد حولها محمرًا بشدة.

حاولت أن تفرك المكان، لكنها لمست الكانيولا فتحركت من مكانها، فشعرت بألم أقوى.

التفت إليها فور سماعه صوتها، ونظر نحوها.

كانت جالسة على السرير، تمسك بذراعها.

وقعت عيناه على ذراعها، فرأى قطرات من الدماء والاحمرار الشديد.

اقترب منها بخضة، وأمسك ذراعها برفق وقال:

— في إيه؟

لم تجبه، وكانت عيناها معلقتين بذراعها.

أمسك ذقنها ورفع وجهها إليه وقال:

— بصيلي وأنا بكلمك.

نظرت إليه بألم.

مرر يده على شعرها وقال بقلق:

— في إيه؟

أشارت بعينيها إلى ذراعها.

تركها للحظة، ثم خرج من الغرفة ونادى للممرضة.

اقتربت الممرضة منه، ودخلت خلفه إلى الغرفة.

اقتربت منها وأمسكت بذراعها، ثم بدأت تمسح الدماء برفق، وأخرجت الكانيولا ووضعَت قطعة من اللاصق الطبي مكانها.

قالت الممرضة:

— باين إن جسم حضرتك حساس لدرجة إنه اتحسس حتى من الحقنة.

هزت رأسها بهدوء.

قالت الممرضة:

— ألف سلامة على حضرتك.

ثم استدارت لتغادر، لكنها توقفت ونظرت إليه وقالت:

— المدام تقدر تخرج، بس حضرتك تروح تمضي على الخروج.

هز رأسه لها بهدوء:

— تمام.

خرجت الممرضة، وعاد الصمت إلى الغرفة.

نظر إليها، ثم إلى ذراعها المتورمة، وقال بضيق:

— ليه لمستيها؟

ردت بهدوء:

— كانت بتوجعني.

تنهد، ثم قال:

— طب كنتي قولتيلي.

نظرت إليه للحظات، ولم تجب.

ظل ينظر إليها للحظات، ثم قال بهدوء:

— تقدري تقومي؟

هزت رأسها، وحاولت أن تنزل قدميها من على السرير.

لكن بمجرد أن وقفت، شعرت بدوخة خفيفة، فترنحت قليلًا.

أمسك بذراعها بسرعة قبل أن تسقط وقال بقلق:

— براحة.

قالت وهي تحاول أن تثبت نفسها:

— أنا كويسة.

— واضح.

نظرت له بضيق خفيف، ثم سحبت ذراعها منه بهدوء.

نظر لها وقال:

—انا خليت نادية تجبلك شويه هدوم في شنطتك هتلاقيها هناك.

وشاور لها علي مكانها.

اتجهت نحو حقيبتها الموضوعة على الكرسي، وأخذتها، ثم بدأت تخرج أشياءها.

ظل واقفًا يراقبها، ثم قال:

— استني هنا، أنا هخلص إجراءات الخروج.

هزت رأسها دون أن تنظر إليه.

خرج من الغرفة، وبعد دقائق عاد إليها.

وجدها واقفة أمام المرآة تعدل شعرها، ثم التفتت إليه.

قال:

— يلا.

خرجت معه من الغرفة، وكانت خطواتها بطيئة قليلًا.

لاحظ ذلك، فخفف من سرعته دون أن يعلق.

وصلا إلى خارج المستشفى، وكانت السيارة تنتظرهما.

فتح لها الباب، لكنها وقفت للحظة قبل أن تركب.

نظر إليها وقال:

— في إيه؟

قالت بهدوء:

— مفيش.

ركبت السيارة، وأغلق الباب خلفها، ثم اتجه إلى الجهة الأخرى واستقل مقعد القيادة.

انطلقت السيارة، وظل الصمت مسيطرًا بينهما.

بعد عدة دقائق، نظر إليها بطرف عينه وقال:

— الدكتور قال إنك لازم تاخدي بالك من أكلك كويس جدًا الفترة الجاية.

أومأت برأسها.

— حاضر.

سكت قليلًا، ثم قال:

— وأي حاجة تحسي إنها بتتعبك، تقوليلي فورًا.

نظرت إليه باستغراب بسيط:

— ليه؟

لم يجب فورًا، وظل ينظر إلى الطريق أمامه.

ثم قال بنبرة هادئة:

— عشان ميتكررش اللي حصل.

ظلت تنظر إليه للحظات، ثم أشاحت بوجهها نحو النافذة.

أما هو، فقبض يده على المقود قليلًا، وظل صامتًا طوال الطريق.

توقفت السيارة أمام القصر.

كانت على وشك أن تفتح الباب وتنزل، لكنه أوقفها قائلًا:

— استني.

نظرت إليه باستغراب.

ترجل من السيارة أولًا، ثم اتجه نحو بابها وفتحه، ومد يده إليها.

نظرت إلى يده للحظات، ثم نزلت من السيارة دون أن تمسك بها، واتجهت إلى الداخل.

لكنها كانت تشعر بدوار خفيف، ولاحظ هو ذلك.

اقترب منها سريعًا، ثم حملها بين ذراعيه.

نظرت إليه بخضة خفيفة وقالت:

— نزلني.

لم يرد.

قالت بعصبية:

— ممكن تنزلني؟

نظر إليها وقال بهدوء:

— ممكن تسكتي؟

ثم اتجه بها إلى غرفتها، ودفع الباب بقدمه، واقترب من السرير، وانحنى قليلًا ووضعها عليه برفق.

نظرت إليه بضيق.

قال وهو يتجه نحو الباب:

— لو احتاجتي حاجة، ابقي قوليلي.

وكاد أن يخرج، لكن أوقفه صوتها:

— ليه؟

توقف والتفت إليها باستغراب:

— ليه إيه؟

قالت وهي تنظر إليه:

— إنت بتعاملني كويس ليه؟ ومهتم بصحتي؟

نظر إليها باستغراب أكبر:

— يعني إيه؟

قالت بصوت يحمل عتابًا واضحًا:

— يعني إنت مش مضطر تعاملني كويس، ولا مضطر تهتم بصحتي. أصل أنا مش مراتك وولا حاجة بالنسبالك...  في إنت مش مضطر.

ظل ينظر إليها دون كلمة.

كانت كلماتها تعيده إلى كل ما قاله لها بنفسه، وكأنها تضع كلماته أمامه من جديد.

بقي صامتًا لثوانٍ، ثم استدار وخرج من الغرفة.

أغلقت هي عينيها للحظة، ثم ضحكت بسخرية خافتة، وكأنها تحاول أن تخفي ألمها.

لكن سرعان ما تبدلت ملامحها.

ظلت تفكر في كلماته السابقة، وفي معاملته لها الآن، وفي التناقض الذي لم تعد تفهمه.

نزلت دمعة وحيدة من عينيها.

حاولت مسحها، لكن دموعها تتابعت، حتى انهارت في البكاء ولم تعد قادرة على التماسك.

كان يقف خارج الغرفة.

توقف مكانه عندما وصل إلى أذنيه صوت بكائها.

أغمض عينيه، وشعر بشيء يعتصر قلبه.

لم يكن يعرف لماذا يؤلمه سماع بكائها إلى هذا الحد.

ظل واقفًا أمام الباب، عاجزًا عن الدخول، وعاجزًا في الوقت نفسه عن الابتعاد.

 تنهد بضيق  ثم ذهب إلى غرفته، وما إن دخل حتى اهتز هاتفه في جيبه.

أخرجه، فوجد سليم يتصل به، فرد:

— ألو.

جاءه صوت سليم  قائلًا:

— مجتش الاجتماع ليه بتاع امبارح؟ وكمان مجتش الشركة النهارده، في حاجة ولا إيه؟

قال بإرهاق، فقد كان مستيقظًا منذ الليلة الماضية، ولم ينم إلا قليلًا، وظل طوال الليل في المستشفى خوفًا من أن تحتاج إلى شيء:

— ليليان تعبت شوية وروحنا المستشفى، واتحجزت هناك، بس لسه راجعين دلوقتي.

قال سليم بخضة:

— إيه؟! حصلها إيه؟ هي كويسة؟

رد بهدوء:

— آه، كويسة.

قال سليم:

— مقولتليش ليه؟ كنت جيتلك.

— الموضوع مش كبير الحمد لله، هي بس اتحجزت عشان يطمنوا، وكمان مكنتش عايز أقلقك.

— طب أجيلكوا؟

— لا لا، متتعبش نفسك.

سكت سليم لحظة، ثم قال:

— طيب، ألف سلامة عليها.

— الله يسلمك.

ثم أغلق المكالمة.

ظل ممسكًا بالهاتف للحظات، ثم وضعه على الطاولة.

جلس على طرف السرير، وأسند رأسه إلى يده بإرهاق.

كان جسده يطالبه بالنوم، لكنه كلما أغمض عينيه، تذكرها وهي فاقدة الوعي بين ذراعيه، ثم تذكر صوت بكائها خلف باب غرفتها.

تنهد بضيق، ونهض متجهًا إلى الحمام، لكنه توقف للحظة عندما وقع نظره على باب الغرفة.

ظل ينظر إليه بصمت، ثم قال لنفسه:

— هي ليه فارقة معايا كده؟

                    الفصل الثاني عشر من هنا 
تعليقات



<>