رواية خلف الاضواء الفصل الثاني عشر12بقلم نور الهادي


رواية خلف الاضواء الفصل الثاني عشر12بقلم نور الهادي

قال الدكتور: هكون صريح معاك، أنا كتمت ع الموضوع، لكن وجودها هنا مش هيبقى لصالحها.

قال جاسر: ديما فيها إيه؟

قال الدكتور: بتتعاطى مخدرات.

نظر جاسر له بشدة، فقال الدكتور: مش مرة ولا اتنين، في نسبة مخدرات كبيرة في دمها. حالتها متأخرة، ولازم تتحط في حجر ضروري؛ لأنها هتكون خطر على نفسها وعلى اللي حواليها.

قال جاسر: أنت بتقول إيه؟!

قال الدكتور: دي الحقيقة، الأستاذة ديما مدمنة على المخدرات، واللي هي فيه بسبب إن جسمها بيجيله نوبات نتيجة لجرعات متتالية... هي حاليًا نايمة، لكن لما ييجي الاحتياج غصب عنها، هتروح للي بيريحها.

قال جاسر: ديما مش مدمنة، مستحيل تكون كده!

قال الدكتور: للأسف، أنا بكلمك بناءً على حالتها. محتاجة تدخل فوري عشان يتم علاجها.

سكت جاسر، وهو في صدمته من اللي بيسمعه، وقال: المفروض أعمل إيه؟

قال الطبيب: تتعالج عشان ما تموتش زي بقية الحالات. العلاج هيبقى صعب، بس ده أفضل من إنها تخسر حياتها... حاول تقنعها أو تخلي حد قريب منها يساعدها في الموضوع ده. العلاج زي ده محتاج قدرة وطاقة كبيرة.

قال جاسر: أقدر أخدها من هنا؟

قال الدكتور: منصحكش، خليها هنا ومتقلقش، الموضوع هيكون سري عشان سمعة حضرتك، وعشان البوليس ما يأذوهاش.

قال جاسر: شكرًا.

رجع جاسر على أوضة ديما، لقاها فاقت وبتبصله، وعينها فيها دموع.

قرب منها جاسر وقعد قدامها، وقال: ديما.

مسك إيدها بتنهيدة عميقة، فقالت ديما: جاسر، أنا...

قال جاسر: اهدي الأول، خلينا نتكلم بهدوء.

قالت ديما: أنت شايفني إزاي؟

قال جاسر: شايفك ديما
تنهد ورفع عينه ليها قال"، عشان كده لحد دلوقتي أنا هادي، حتى بعد اللي سمعته.

بصتله ديما وقالت: سمعت إيه؟

قال جاسر: ديما، لازم نتكلم.

قالت ديما: امبارح مشربتش حاجة غير العصير لى مش مصدقنى انا....

قال جاسر: مش امبارح بس يا ديما.

بصتله ديما بشدة وقالت: يعني إيه؟

قال جاسر: كنتِ بتاخدي أي حاجة تانية ومش عايزة تقوليلي؟

دمعت عينها وقالت: دي صورتي اللي في عينك؟

قال جاسر: ديما، من فضلك ردي.

قالت ديما بانفعال: أرد ليه؟ عشان تكذبني؟

قال جاسر بانفعال: الدكتور قال إن فيه مرحلة إدمان من المخدرات، ومرحلتك متأخرة بسبب اللي بتاخديه.

بصتله ديما بصدمة من الى سمعته تنهد جاسر بضيق

قال : المخدرات اللي في دمك هي اللي عملت ولسه هتعمل فيكي أكتر من كده.

قالت ديما: أنت بتقول إيه؟

قال جاسر: جاوبيني عشان أقدر أساعدك.

سالت دموع من عينها وهي بصاله، وقالت: مش هتصدقني، زي ما أنا مش مصدقة اللي بتقوله.

قال جاسر برفق: هصدقك...
بصلها ف عينها وقال: هصدقك يديما لانك مش بتكدبى

قالت ديما: مخدتش حاجة يا جاسر، ما لمستش أي حاجة، وامبارح مخدتش غير العصير. أنا مش بشرب خمرة، تفتكر هلجأ للمخدرات؟ وليه؟ ليه هعمل في نفسي كده؟انا عاديه انا اشتغلت عشان اكفى احتياجاتى عارف ان مرتبك كويس جدا بس انا..انا بغينه لريم ولماما... مش للكيف والسموم

دمعت عينها وهي بتبص لجاسر، وقالت: والله مخدت أي حاجة، مخدتش أي حاجة من اللي بتقولها دي، مخدتش حاجة.

بكت، وجاسر بيبصلها، ومن دموعها الصادقة مسك إيدها برفق، وقال: متأكدة يا ديما؟

قالت ديما: صدقني، أنا بقول الحقيقة، أنا مش مدمنة، أنا مش كده يا جاسر، والله أرجوك كفاية تبصلي كده...

دمعت عينيها وقالت: أنا عمري ما شربت الحاجات دي، أرجوك يا جاسر، صدقني.

قال جاسر: شربتي حاجة امبارح غير العصير؟

نفت ديما برأسها وهي بتبكي.

قال جاسر: مصدقك يا ديما.

نظرت له، فسحبها لحضنه وقال: مصدقك.

بكت ديما بحزن، وجاسر قبض دراعه عليها. لو كان العصير فيه حاجة وديما شربته من غير ما تعرف، معنى كده إنها برده كانت بتاخد حاجة وهي مش عارفة محتواها.

***************************

قالت مي بصدمة: مستحيل!

كانت سمعت ما تلى عليها،قال أسامة: مصدقتش، لكن حالتها بتقول كده.

قالت مي: إزاي... إزاي ديما؟ إحنا عارفينها.

قال أسامة: مش عارف.

بصت مي لأسامة وقالت: تفتكر حد له دخل بالموضوع؟

قال أسامة: مش عارف، مش عارف ليه من حفلة امبارح، ونظرة أحمد حسيت إن وراها مصيبة.

قالت مي: بلاش تتكلم، جاسر ممكن يصدق، ولو شك إن هو القيامه هتقوم.

قال أسامة: عشان كده منعت نفسي أتكلم لمجرد ظنون، إحنا لسه مش متأكدين الحقيقة فين.

.............
كان جاسر في الجناح بتاعه، بيقلب كل حاجة على الأرض. أدراج ديما كان بيفتش فيها وهو بيدور،
 وبيقلب الدرج وتحت السرير. مكنش فيه حد بيدور غيره، كأنه هو اللي عاوز يبحث ويلاقي.

مكنش لاقي أي حاجة. بيفتح الدرج ويشوف دوا ديما الخلصان، مفهوش غير حبة واحدة.

قعد بعد ما ملقاش حاجة، ورجع يبص تاني على الدوا. مسك الحبة وهو بيفتكر شكلها، وبص للي في إيده... كانت دائرية، أما اللي ادهالها كانت مربعة.
وقفت عينه على علبه الدوا وبيخرجها وهو بيمسكها جامد
............

أسامة كان مع مي، سمع صوت بيقول: «أساااامة!»

كان صوت جاسر وهو نازل، فراح له فورًا.

قال: نعم؟

قال جاسر: محدش يخرج من الفيلا دي، مفيش مخلوق يخرج من هنا تحت أي ظرف...
بصوله باستغراب قال جاسر بأمر وحده :حقق مع كل حد عايش هنا، كل حد دخل جناحي
 اداله العلبة بص اسامه للى ف ايده. جاسر قال: تعرفلي مين ورا الحبوب دي النهارده قبل بكرة.

مشي جاسر، وهو بيخرج من الفيلا، والحراس وراه بيقفلوا أبوابها، وكأنهم سمعوا أمره كويس.
.....................

ديما كانت قاعدة في المستشفى، في الأوضة ساكتة. كانت قاعدة لوحدها من ساعة ما جاسر سابها ومشي، ومتعرفش راح فين. كانت خايفة يكون مبقاش عايز يشوفها تاني ومصدقش كلامها.

بصت ديما للممرضة اللي معاها، وقالت: جاسر فين؟

قالت الممرضة: آخر مرة سألت الدكتور، قالّي مشي من ساعتها ولسه مرجعش.

سكتت ديما، واتفتح الباب، دخل جاسر.

نظرت له، فقرب جاسر منها، وكان معاه الدكتور اللي قال: لو متأكد، فأنا مقدرش أمانعك، بس اسمع موافقتها الأول.

قال جاسر: ديما، موافقة

قالت ديما: موافقة على إيه؟

قال الدكتور: هي حتى معندهاش علم!

قال جاسر: أنا هبلغها. أتمنى تمشي في إجراءات الخروج.

أومأ الطبيب وخرج.

بصت ديما لجاسر وقالت: في إيه؟

قرب منها بعدما بقوا لوحدهم.

قالت ديما بأمل: في إيه يا جاسر؟ هنرجع البيت؟

قال جاسر: لا.

قالت ديما: أنت قولت إني هخرج من هنا لسا الدكتور ا.....

قال جاسر: ديما، اسمعيني.

قالت ديما: أنا سمعاك، اتكلم. هنروح فين؟

قال جاسر: لازم تروحي المستشفى.

بصتله ديما بصدمة وقالت: مستشفى إيه؟

سكت جاسر وهو مش عايز يقولها قال:الدكتور قالى ان حالتك علاجها مش هنا هنقلك للمشفى تانيه

قالت ديما: مستشفى الإدمان؟ عايز تحطني هناك؟

قال جاسر: هوفرلك كل حاجة هناك، المكان هيبقى ملائم ليكي.

نفت ديما وهي بتقاطعه: لا، أنا مش مدمنة، أنا مش كده!

قال جاسر: ديما، اهدي.

قالت ديما: لا، لا!

مسك جاسر وشها وقال: ديمااا!

سكتت من صوته المرتفع، فقرب منها وقال بهمس: متصعبيش الموضوع عليا... إنتِ مش كده انا عارف، لكن التقارير الطبية أثبتت إنك في مرحلة إدمان متأخرة، لازم تبقي تحت رعاية خاصة.

سكتت ديما، ولمس وجهها بحنان وقال: لازم، مش عايز نتأخر أكتر من كده.

قالت ديما: أنا مخدتش حاجة يا جاسر.

بكت وقالت بحزن: مخدتش حاجة من اللي بيقولوا عليها، ليه أتحط هناك؟

اتألم جاسر من نبرتها.

قال جاسر: في حد عمل كده، مش إنتِ. أنا واثق فيكي من أول الموضوع لآخره، وأنا عارف إن في حاجة غلط.

قالت ديما: مصدقني؟

قال جاسر: مصدقك، وأوعدك إن اللي ليه دخل في أذيتك مش هرحمه، أيا كان هو مين.

دمعت ديما بحزن.

قال جاسر: بس دلوقتي أنا مش مهتم بحد غير بيكي إنتِ وبس، وإني أطمن عليكي... إنتِ اللي خايف عليها. قدّري إن الوضع صعب، بس أنا عارف إنك قدها.

قالت ديما: أنا عايزة أرجع زي ما كنت يا جاسر، هقابل ريم وماما ازاى...
دمعت عبنها قالت: أنا مش كده عايوه ارجع ليا.

قال جاسر: هاخدك على المستشفى، هتتعالجي هناك.

أومأت ديما له بطاعه وقلة حيله قالت: شوف المناسب واعمله.
 ...   ........................

كانت ديما ساكتة طول الطريق، وكان جاسر بيبصلها. مكنش عارف إيه اللي بيجول في نفسها وهي هادية كده، بس كان متضايق. كان بيتعذب وهو باصصلها ويفتكر كلام الدكتور عن إدمانها من غير ما تعرف. كان ساكت؛ لأن ديما ملهاش أعداء، ومش معقول يكون اللي حصل لها بسببه.

وصل جاسر للمستشفى، ونزل من العربية. ديما كانت مترددة تنزل، مترددة تكون مكانها هنا.

بصلها جاسر وقال: يلا يا ديما.

قالت ديما: مينفعش أرجع الفيلا معاك؟ مش هعمل حاجة، والله أنا عارفة نفسي.

صعبت على جاسر، وحس إن سكينة بتطعن في قلبه.

قال: أنا جايبك هنا عشانك، اسمعي مني؛ لأني مستحيل أذيكي.

سكتت، ونزلت من العربية ومشيت معاه
. كانت بتشوف مكان كبير شبه الفنادق، شكله حلو ومنظم وكأنه سياحي. متوقعتش تشوف ده، حتى لما دخلت لقت ناس منظمة بتشاورله.

جت السكرتيرة، وبعدها جه راجل لابس بدلة، سلم على جاسر وقال: أهلًا بحضرتك، الأوضة جهزت. تقدري تشوفيها، ولو في أي حاجة عاوزاها تبقى موجودة، هنوفرها.

بصت ديما لجاسر، ومشيت معاهم، وبدأت تعرف إنها مستشفى خاصة فريدة من نوعها.

شافت أوضتها، كانت جميلة وهادية، بس مكنش فيها مرايا. كمان لاحظت إن مفيش حاجة متعلقة في السقف، ولا حبل ولا حاجة حادة، حتى لو قلم، وكأنهم واخدين تدابيرهم؛ لأن في حالات بتفكر تنتحر.

قال الراجل: كل شيء تمام ياستاذه ديما؟

أومأت ديما له وقالت: شكرًا، أنا هقعد هنا.

قال جاسر: فترة مؤقتة.

أومأت ديما ليه وقالت: مفيش مشكلة، هستنى الفترة دي تخلص بسرعة.

قال الراجل: أستاذ جاسر، نتكلم في المكتب؟

مشي الراجل، وجاسر قرب من ديما وقال: أي حاجة هتكوني محتاجاها هتتوفر هنا.

أومأت له، كانت مطيعة ومسالمه، وقالت: وإنت هترجع الفيلا؟

بصلها جاسر من سؤالها، وكأنها بتقوله: هترجع الفيلا من غيري وتسيبني هنا لوحدي؟

قالت ديما: هتيجي بكرة، صح؟

فهم كلامها، وكأنها بتسأله: إنت مش هتسيبني وتبعد عني؟

قرب جاسر إيده من وشها بحنان وحضنها. ديما حضنته، وكأنها كانت محتاجة الحضن ده.

جت بنت وشافتهم وهما بيحضنوا بعض، فاتصدمت وبصيت لجاسر بصدمه. ديما شافتها اتوترت وكانت هتبعد عن جاسر فورًا، بس جاسر قبض عليها عشان متبعدش عنه.

مشيت البنت وهي مصدومة.

قالت ديما: في حد شافنا؟

قال جاسر: خليهم يشوفوا، مبقتش مهتم.

سكتت ديما من اللي قاله، أما البنت فكانت مصدومة؛ لأنه مكنش عناق هادي، ده كان عناق عشاق، من جاسر الهاشمي اللي بيديه لديما بس، وكأنه مش شايف حد في المكان غيرها.

بعد عنها جاسر بهدوء، وقال: هخلص شغل هنا وهجيلك، مش همشي النهارده، هكون معاكي.

أومأت له ديما.

قال جاسر: كلي ونامي، اليوم النهارده كان طويل عليكي.

قالت ديما: دفعت كتير عشان تجيبني هنا.

قال جاسر: الفلوس دي آخر حاجة ممكن تسألي فيها.

قرب منها وقال بنبرة هادية: لأن فلوسي فلوسك، ليكي حرية فيها يا ديما، زي ما تملكي صاحبها.

ابتسمت ديما من اللي قاله، وبصلها جاسر بابتسامة هادية، وبعدها مشي وسابها.
بيخرج ويشوف الراجل مستنيه قال: متقلقش عليها
قال جاسر: عايز يبقا ف متابعه مستدامه معاعا اى اذى فيها هعتبره مسؤوليه ف رقبتكو

.....
ديما بقت لوحدها في الليل، قاعدة على السرير وباصّة للباب، وكأنها مستنية ظهور جاسر زي ما قالها إنه هيفضل معاها. كانت كل شوية ترفع عينيها ناحية الباب، مستنية تسمع خطواته أو تشوفه داخل عليها، لكن الوقت كان بيعدي وهو مبيجيش.

فضلت مستنياه لحد ما بدأت تفهم إنه مشي، وإنها هتقضي الليلة لوحدها.

افتكرت كلامه، وإنه وعدها إنه مش هيسيبها النهارده، فضمت إيديها لبعض وهي بتحاول تطرد إحساس الوحدة اللي بدأ يتسلل لقلبها.

وفي الآخر، نامت زي ما قالها، وهي بتحاول تغمض عينيها وتستسلم للنوم، رغم إن جزء منها كان لسه مستني إنه يفتح الباب ويدخل.

في الليل، في الأوضة اللي كانت ديما موجودة فيها، فضلت تتقلب في نومها مرة ورا التانية. كانت بتضيق حاجبيها، وكأنها شايفة حاجة بتطاردها حتى وهي مغمضة عينيها.

فتحت عينيها وبصت للساعة، كانت لسه نص الليل. حاولت تنام تاني، لكن الأرق كان بيزيد، والتوتر بيزيد معاه، وحركتها بقت أكتر، وكأن جسمها مش مستقر في أي وضع. حتى إنها بدأت تعرق.

ضغطت ديما على عينيها وهي بتحاول تتجاهل الإحساس، لكنها في الآخر اعتدلت في قعدتها، ومسحت وشها وقعدت ساكتة وهي بتبص للحيطة.

قلعت الجاكت اللي كانت لبساه، وضمت دراعَيها لجسمها، وبدأت تلمس رقبتها وهي بتحكها بتوتر.

قالت: في إيه... إيه الشعور ده؟

قامت من مكانها وهي بتمسك دراعَيها، حاسة بوخز في جسمها، وبتحك جلدها وكأنها عايزة توصل لحاجة جواها ومش قادرة.

كان إحساس غريب بيجتاحها، والاحتياج جواها بيزيد. شعور بالتعطش، بس مش التعطش للمية... ده كان تعطش لحاجة تانية.

وجع خفي بدأ بوخز بسيط، لكنه كان بيزيد تدريجيًا، لحد ما بقى إحساس يخليها عايزة تخبط دماغها في الحيطة من كتر ما هي مش قادرة تستحمله.

كانت ديما بتتوجع، بتتوجع من الوجع نفسه، وهي ضامة جسمها بقوة، وبتعتصر نفسها بين دراعاتها، بتحاول تتحمل الإحساس اللي مش فاهمة سببه، ومش عارفة إزاي توقفه.

بدأت تدور على تليفونها، وهي بتقلب كل حاجة على الأرض. كان كل همها إنها تلاقيه، وأول ما لقت تليفونها، مسكته وهي بتمسح عرقها، وعملت مكالمة.

قالت: رد... أرجوك.

كانت خايفة يكون نايم، لكن الرد جه على طول.

قال جاسر: ديما؟

قالت ديما: تعالى.

سمع جاسر صوتها الغريب، فقال بقلق: إنتِ كويسة؟

قالت ديما: مش كويسة، تعالى، محتاجاك.

قفل جاسر معاها، وديما فضلت باصة لتليفونها، لأنها مكنتش متوقعة إنه يقفل من غير ما يرد عليها. قعدت لوحدها، بتحاول تستحمل الإحساس اللي جواها
بعد دقايق، الباب بدأ يتفتح.

لفت ديما بعينيها ناحية الباب، وشافت جاسر وهو بيدخل.

قال: ديما.

شافها قاعدة بالقميص وجسمها مكشوف، فقفل الباب وراه وراح ناحيتها.

قال: مالك؟

قالت ديما: كنت فين؟ ليه سيبتني؟

قال جاسر: مسبتكيش، أنا كنت بره المستشفى. مالك؟

قالت ديما بتردد: م... معرفش.

بص جاسر لشكلها وهي ضامة جسمها، ولاحظ توترها وعرقها.

قالت ديما: في حاجة بتمشي جوايا.

سكت جاسر وهو بيبصلها، وافتكر كلمة واحدة من كلام الدكتور، لما كان معاه.

قال جاسؤ: «ديما اللي حصلها مكنتش على علم بيه، هي مختارتش تكون كده.»

قال الدكتور<< متفهم ده، لأني مش شايف على وشها ندم ولا تأنيب، ولا حتى خوف إنك عرفت. بالعكس، شفت في عينيها الصدمة، بس عايز أفهمك حاجة، ممكن هي هادية دلوقتي، لكن مع علاجها ممكن تبدأ مراحل الإدمان تظهر عليها.>>

قال جاسر<< زي إيه؟>>

قال الدكتور: <<هتشوفها بنفسك وقتها.>>

رجع جاسر بذاكرته للحظة الحالية، وهو باصص لديما، وبيفتكر تحذير الدكتور، وإن ديما محتاجة علاجها، ومحتاجة الدوا اللي هيهديها.

قالت ديما: جاسر، أنا...

قرب جاسر منها وقال: اهدي.

قالت ديما: تقدر توقف الشعور ده؟

بصلها جاسر بصمت، فبصتله ديما وقالت: تقدر توقفه، صح؟

قال جاسر: ديما...

قالت ديما بصوت أعلى: تقدررر توقفه يا جاسررر!

قال جاسر: هيبقى علاجك دلوقتي، لكنه هيكون سم بيدخلك ليكي. هيبقى علاجك دلوقتي، لكن مش هتقدري توقفيه، هتوصلي لمرحلة إنتِ مش عايزاها، وأنا مش عايزك كده.

قالت ديما: المرة دي بس!

قربت منه وقالت: وقفه يا جاسر.

قال جاسر: مش هقدر أعملك كده.

قالت ديما بغضب: لييييه؟! أنا اتصلت بيك تساعدني، إنت... إنت معندكش فكرة أنا بتوجع إزاي!

دمعت عينها، وشاف جاسر ألمها، اللي كان واضح في ملامحها ونبرة صوتها.

قال جاسر: آسف يا ديما.

بصتله وهي بتبعد عنه، وحطت راسها بين إيديها، وبدأ جسمها يرتجف وهي بتضغط على دماغها، وكأنها عايزة تتخلص من الوجع بأي طريقة.

كانت ديما بتعافر الألم، وإيديها بتترعش قدام عينيه، وجاسر واقف مضايق من منظرها، عاجز عن إنه يريحها بالطريقة اللي هي عايزاها.

فجأة، قامت ديما بانفعال وراحت ناحية الباب.

وقف جاسر وقال: رايحة فين؟

قالت ديما: ابعد!

مسكها جاسر وقال: رايحة فين يا ديما؟

قالت ديما وهي بتحاول تفلت منه: سيبني، مش هقدر أستحمل أكتر من كده، مش قاااادرة!

قال جاسر: رايحة فين؟

قالت ديما بوجع: هلاقي حد يساعدني غيرك، هلاقي اللي ينقذني من الوجع اللي أنا فيه!

زقها جاسر بعيد عن الباب وقفله، بصتله ديما وهي بتحاول تمنعه، وقالت: بتعمل إيه؟!

قال جاسر: هوقفك.

قالت ديما: اببببعد يا جاااسر، اببببعد!

مردش عليها، وكانت بتحاول تفتح الباب، لكنها مش عارفة.

قال جاسر: هدخّلك مخدرات تاني جسمك.

سكتت وهي بتدمع، ولفت بانفعال وقالت: افتح الباااب! أنا مش قادرة، ليه مش قادر تفففهم؟! إنت معندكش فكككرة أنا بحس بإيه... أرجوك، ساعدني!

صعبت عليه، وحس بحرقة في قلبه.

قال جاسر: مش هكون بعمل حاجة غير إني بقتلك.

قالت ديما: أساسًا أنا بمووووت!

مردش جاسر عليها.

بدأت تمشي وهي ماسكة راسها، وجسمها بيرتعش. وفي الآخر، قعدت على الأرض وهي قابضة على جسمها بدراعاتها، وبتحك جلدها بعصبية، زي المدمنين اللي بيحتاجوا علاجهم، والمخدرات بتجري في جسمهم بعد سنين من الإدمان.

أما هي، فمن مدة قصيرة، كان كل ده بيحصلها.

كانت إرادتها أقوى من الأول، لكنها بدأت تحس بالشعور اللي بيدفع الإنسان إنه ينهي حياته. حست بالألم اللي بيمر بيه المدمنين، لكنها مكنش ليها ذنب إنها تتألم وتتوجع، ومتعرفش إيه الذنب أو الجريمة اللي عملتها عشان يحصلها كده.

كان جاسر شايفها وساكت. كانت صعبانة عليه، وكل حركة منها كانت بتوجعه، لكنه كان عارف إنه لازم يبقى قاسي ومَيضعفش، عشان يحميها ويساعدها، حتى لو هي شايفاه دلوقتي أكتر شخص بيوجعها.

مكنتش ديما تعرف إنه كان بيتوجع معاها من شكلها واللي وصلتله. قرب منها جاسر وانحنى على ركبتيه قدامها، وسمع صوت نشيجها وبكاها، وشاف دموعها وهي بتتساقط على الأرض.

قالت ديما: وقفني.

نظر لها جاسر من اللي بتقوله.

قالت ديما: ديما وقفني، أرجوك، امنعني أعمل اللي أنا عايزاه... مش عايزة أبقى كده.

مسك جاسر إيدها، فمسكت فيه ديما، ومن بين وجعها قالت: متسبنيش لنفسي، امنعني دايمًا، حتى لو كنت بتعذب قدامك.

حضنها جاسر جامد، وبكت ديما في حضنه وهي متمسكة بيه.

قالت: ليه حصل فيا كده؟

قال جاسر: أنا آسف ليكي يا ديما.

حضنها جاسر بقوة، وهو بيمنع دموعه تنزل، وحاسس بكل وجعها.

قال: أنا آسف.

قالت ديما: جاسر، ليه أنا كده؟

قال جاسر: أنا آسف يا ديما.

قالت ديما: متسبنيش، خليك جنبي.

كانت بتبكي من الألم، وعو حاضنها قافل عليها بدراعه وكانه حاضن حته منه، ميعرف امتى وازاى بقيت ديما كده عنده بس كأنه مش شايف حبيبته هو شايف نفسه، بيحضنها وهو بيتألم معاها بيحضنها بحنان بس قلبه كان بيشتعل بنار الغضب، نار وحريق محدش هيبقى قده.

.................
فتحت ديما عينيها من التعب، ولقت نور الصبح طلع عليها. مكنتش تعرف إمتى وإزاي عدت ليلة الرعب بتاعة امبارح.

بصت جنبها، ملقتش جاسر، فحست إنه مشي وسابها تاني.

اتفتح الباب، ودخلت بنت وقالت: الفطار.

اعتدلت ديما في قعدتها، وبصت حواليها في المستشفى، وبعدها سألتها: جاسر فين؟

قالت البنت: أستاذ جاسر؟! مشي من امبارح.

لكن ديما كانت بتفتكر اللي حصل بالليل، وإنه كان معاها، ففضلت قاعدة ساكتة، وهي بتفتكر شكلها كان عامل إزاي قدامه، وهي بتتألم وبتترعش زي المدمنين، وبتترجاه يساعدها.

مكنتش عارفة هو شافها إزاي في اللحظة دي، ولا إذا كانت صورته عنها اتغيرت بعد اللي حصل، لكن أكتر حاجة وجعتها إنها لما صحيت ملقتهوش جنبها.

خبط الباب، وديما بصت ناحيته، لقت مي دخلت.

قالت مي: عاملة إيه؟

قالت ديما: إزيك يا مي؟ كنت بحسبك جاسر.

قالت مي: جاسر عنده شغله هيخلصه وييجي هنا.

قالت ديما: شغل؟ وإنتِ ليه هنا؟ ما تروحيش معاه؟ مش هكون أنا وإنتِ...

سكتت مي قليلًا، وبعدها قالت: متقلقيش عليه، هيخلص الموضوع وييجي.

بصتلها ديما وقالت: هو فين؟

قالت مي: معرفش.

بصتلها ديما، وكأنها حاسة إنها مخبية عنها حاجة.

قالت ديما: في حاجة يا مي؟

قالت مي: إنتِ عاملة إيه دلوقتي؟

قالت ديما بقلق: مي، في إيه؟ كل حاجة تمام، صح؟

قالت مي: جاسر عرف مين اللي عمل فيكي كده.

بصتلها ديما وقالت: اللي أنا فيه حد كان وراه؟

أومأت مي وقالت: آه، جاسر مقالكيش؟

قالت ديما: مين... مين اللي عمل فيا كده وليه؟

قالت مي: الإجابة مش هتكون كويسة ليكي.

قالت ديما بقلق: قولي يا مي، ميييين؟

قالت مي: أحمد...

اتوقفت عيون ديما للحظة، وكأنها مش قادرة تستوعب الاسم.

قالت مي: أحمد السيوفي.

فلاش 

كان جاسر في جراج العربيات، وأسامة معاه.

قال جاسر: عملت إيه؟

قال أسامة: كان معاك حق، طلع في حد ورا اللي حصل.

قال جاسر: عرفت هما مين؟

قال أسامة: اللي حصل لديما في الحفلة كان بسبب جرسون حط لها حاجة في العصير، لكن من البداية، اللي بدّل لها الدوا كانت واحدة من الخدم.

قال جاسر: هما فين؟

بصله أسامة بتردد، وقال: هجيبهملك، بس إنت تمام؟ عشان متعملش حاجة تندم عليها.

قال جاسر بغضب: هاتهم يا أسااامة!

كان جاسر في قمة غضبه، ومن ساعة ما جه مع بزوغ الفجر، وهو مصمم إنه مش هيمشي غير لما يعرف مين اللي وصل ديما للي شافه امبارح.

جه الحراس ومعاهم الجرسون، اللي كان متعور ومضروب، والخدامة اللي كانت مرعوبة وهي بتبص لجاسر.

قال أسامة: الكاميرات جابتها من الباب، وهي بتدخل جناحك كتير.

قالت الخدامة برعب: أنا معملتش حاجة، سبوني أمشي!

قرب منها جاسر، فبصله أسامة بريبة وقال: مستر جاسر دي واحدة ست.

لكن جاسر وقف قدامها وبصلها، وكانت نظرته خالية من الرحمة.

قال: إنتِ اللي حطتلها الحبوب؟

قالت الخدامة: محطتش حاجة، أنا بريئة! سيبوني، عايزين مني إيه؟!

نزل جاسر بقلم على وشها، فاتسعت عيون أسامة من الصدمة. دي كانت أول مرة يشوف جاسر بيمد إيده على ست.

قال جاسر: الحالة اللي بقيت فيها بسببك، مش كونك ست هتخليني أرأف بيكي!

نزلت الخدامة عند رجله وهي بتبكي، وقربت من إيده عشان تبوسها، وقالت: أنا آسفة، أبوس إيدك سبني، أنا معملتش غير اللي قالولي عليه، هما اللي قالولي أعمل كده!

قال جاسر: مين اللي قالك؟

سكتت بخوف، فمسكها جاسر بقوة وقال: مييييين؟!

قالت الخدامة: سامح باشا، اداني الحبوب دي، وقالي أحطها بدل أي دوا هي بتاخده.

اتوقفت عيون جاسر، وقرب أسامة منه وقال: الجرسون برده اعترف إن حد تبع أحمد السيوفي هو اللي خلاه يحطلها البودرة دي في العصير.

قال جاسر بشر: أحمد!

جمع جاسر قبضته وقال: ليه يعمل كده؟ وفي ديما بالذات؟

قال أسامة: ممكن كان قاصد يأذيك.

قال جاسر: كان ممكن يأذيني أنا، مش يأذي مساعدتي! أو لو عايز يأذي حد قريب مني، كان ممكن إنت أو مي. ليه اختار ديما؟

سكت أسامة وبص لجاسر بتردد، وقال: مم... ممكن عرف إنها هي اللي خدت العقد.

زق جاسر الخدامة بعيد عنه ومشي، فقال أسامة: مستر جاسر!

مشي أسامة وراه، وجاسر عيونه بتطلق شرار، وملامحه مفيهاش غير الغضب.

قال جاسر بصوت مليان حقد: أحمد...

سمع أسامة صوت فحيح جاسر وهو بيكمل بنبرة مرعبة:

هقتله!

تعليقات



<>