رواية نعيم الجهل الفصل الرابع عشر14بقلم حور طه
كانت يمنى في غرفتها حين سمعت..
صوت غريب يأتي من غرفه المعيشه..
خرجت بحذر وما إن وقعت عيناهــــا..
على رجل لا تعرفه حتى تراجعت للخلف..
وقد ارتسم الخوف على ملامحهــــا:
ــ إنت مين؟
لم يجبها!
بدأ يقترب منها بخطوات بطيئة وثابتة..
تراجعت يمنى أكثر.. حتى اصطدمت..
بترابيزة صغيـــــرة.. فسقطت الفــــازة..
الموضوعة فوقها وتحطمت على الأرض..
رفعت يديها أمامها وهي ترتجف:
ــ ماتقربش.. إنت عايز مني إيه؟
ظل الرجل يتقدم دون أن ينطق بكلمة..
استدارت يمنى محاولة الهرب..
لكنه أمسك بها قبل أن تصل إلى الباب..
وكتـــــم صـــ ـــرختها بيـــده..
قاومته بكل قوتها..لكنه كان أقوى منها..
ودفعها إلى داخل غرفة النوم..
سقطت على السرير..
ثم تراجعت إلى آخره..
تحاول أن تلتقط أنفاسها:
ــ أرجوك.. سبني في حالي..
إنت عايز مني إيه؟
اقترب الرجل منها ببطء..
ثم أخرج شيئا من جيبه..
ووضعه أمام عينيها..
تجمدت يمنى مكانها..
واتسعت عيناها في صدمة:
ــ إنت.. إزاي معاك ده؟
لم يجبها..
فقط ابتسم ابتسامة غامضة..
وأغلق باب الغرفة خلفه.. ثم اقترب منها أكثر...
فأغمضت يمنى عينيها.. وضمت ذراعيها..
إلى صدرها.. وهي تظن أن ما تخشاه..
على وشك الحدوث..
اقتربت أنفاسه منها.. فشهقت يمنى..
وانكمش جسدها إلى الخلف حتى..
التصق ظهرها برأس السرير.. كانت..
ترتجف بعـــ ـنف.. وأصابعها متشبثه..
بملاءة السرير حتى ابيضت مفاصلها..
تسارعت أنفاسها بشكل متقطع..
وصدرها يعلو ويهبط من شدة الخوف..
وراحت عيناها تتحركان بجنــ ــون بحثا..
عن أي طريق للهروب.. حاولت أن تتكلم..
لكن صوتها خرج ضعيف ومختنق:
ــ أ.. أرجوك..
ارتعشت شفتاها.. وانهمرت دموعها..
دون توقف.. وبدت عاجزة حتى عن إبعاد..
نفسها عنه أكثر.. ثم أغمضت عينيها بقوة..
ورفعت ذراعيها أمام وجهها.. منتظرة..
مـــــا سيحدث وهـــــي تــــرتجف..
مـــــن رأسهـــــا حتى قدميهــــــا..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في أحد المصانع القديمة المهجورة..
وقف كايا يراقب المكان من بعيد..
حتى لمح سيارة كاهان تقترب..
ما إن ترجل كاهان حتى اتجه إليه سريع..
أشار كايا إلى المبنى المهجور:
ــ تليد أخد الطفل ودخل بيه جوه..
أنا مش فاهم حاجة..
ظل كاهان يراقب المكان بحذر..
وعيناه تتفحصان النوافذ والفتحات:
ــ خليك هنا وراقب أي حد يخرج..
وقبل أن يكمل جملته.. تسلل رجل..
من خلفهما.. ورفع سـ ــلاحه باتجاه كاهان..
لكـــــن قبــــــل أن يضغط الزنـــ ــــاد..
انطلقت رصــــ ــاصة مكتومـــــة...
سقط الرجل على الأرض بلا صوت تقريبا..
استدار كاهان وكايا في اللحظة نفسها..
لتظهر قدر وهي تخفض ســ ـــلاحها..
المــــــزود بكــــــــاتم للصــــــوت..
تقدمت نحوهما بثبات.. وقالت ببرود:
ــ كده بقينــــــا متعــــــادلين..
أنقذت حيـــــــاتي مـــــــرة..
وأنا أنقذت حياتك المره دي..
ظل كاهان ينظر إليها لثواني..
ثم قال بصوت منخفض:
ــ قدر.. انتي بتعملي إيه هنا؟
قدر اقتربت منه ورفعت حاجبها:
ــ ماتجرب تغير السؤال ده..
كل ما تشوف وشي تقوله..
كاهان يشد علي اسنانه:
ــ قدر...
قدر أخرجت هاتفها.. وفتحت رسالة..
ثم مدت الهاتف إليه:
ــ اتفضل..
أخذ كاهان الهاتف..
وقرأ الرسالة.. فتغيرت ملامحه:
ــ يعني إيه؟
لـــــــم تجبــــــه قـــــدر مباشــــــرة..
كانت تتفحص المكان بعينيها.. ثم قالت:
ــ اطمن على عمـــــــار الأول..
بعدين نشوف إجابات أسئلتك..
اللــــــي مـــــش بتخلص..
نظر كايا إليها باستغراب:
ــ قصدك الطفل اللي مع تليد؟
دخل بيه جوه... الولد شكله متــ ـخدر..
تبادلت قدر وكاهان نظرة سريعة..
ثم عادت عينا قدر إلى باب المصنع:
ــ يبقى لازم ندخل..
اندفع كاهان وقدر إلى داخل..
المصنع.. يتبعهم كايا بحذر..
لكن ما إن خطوا عدة خطوات..
حتى دوى إطــ ـلاق النــ ــار من كل اتجاه..
انخفض الثلاثة في اللحظة نفسها..
ثم بدأوا بالرد.. رصــ ــاصة من كاهان..
وأخرى من قدر.. وكايا يتحرك بين الأعمدة..
يـــرد علــــى المهــ ــاجمين بدقـــة..
لم تكن أي رصـ ــاصة عشوائية..
كل طلــ ـقة كانت تسقط واحدا منهم..
حتى خفتت أصوات إطـــ ـلاق النـ ــار تدريجيا..
ثم عم المكان صمت ثقيل..
وفجأة..
ظهر تليد من بين الظلال..
وهـــــو يحمــــــل عمــــــار..
كان يضع مســ ـدسه فوق رأسه..
بدأ عمار يستعيد وعيه..
وما إن فتح عينيه ورأى قدر حتى صـ ـرخ:
ــ قدر!
تقدمت قدر خطوة..
وقد ظهر الخوف في عينيها:
ــ ماتخفش يا عمار.. أنا هنا..
ثبت كــــــــاهان ســ ــلاحه..
باتجـــــــاه تليد.. وقــــــال بحذر:
ــ تمــــام... سيب الـــــولد..
ومحــــــدش.. هيلمسك..
ابتسم تليد بسخـــــرية:
ــ نزلـــــوا ســــ ـــلاحكم...
تبادل كاهان وقدر نظرة سريعة..
وببطء شديد.. بدأ الاثنان يخفضان...
ســــ ـــلاحهما.. راقبهما تليد بحذر..
ثم بدأ هو الآخر ينزل عمار إلى الأرض..
لحظة واحدة.. كانت كافية..
رفع كاهان ســـ ــلاحه وأطلــ ـــق..
رصــ ــــاصة واحدة.. أصــ ـابت الرصــ ــاصة..
كتف تليد.. فصـ ــرخ من الألم وسقط مســ ـدسه..
من يده.. قبل أن يترنح ويسقط على الأرض..
اندفعت قدر فورا نحو عمار..
واحتضنته بقوة.. ثم أخفت وجهه عن تليد:
ــ خلاص.. اهـــــدي يــــــا حبيبي..
إنت معــــايا.. ماتخـــــافش..
كان عمار يرتجف بين ذراعيها..
ظل كاهان مصوبا ســ ـــلاحه نحو تليد..
يتأكد أنه لم يعد قادرا على تهــ ـديدهما..
رفع تليد يده المصابة وهو يضغط..
على كتفه وملامحه ممتلئة بالألم والغضب..
أما كاهان فقال بصرامة:
ــ لو كنت سيبت مســ ــدسك..
مـــــــاكنش ده حصـــــــل..
وبعد مرور بضع ساعات..
كان تليد جالس على الأرض..
ووقف كاهان وقدر وكايا..
أمامه يراقبونه بحذر.
رفع تليد عينيه إلى ساعة يده...
ثم ابتسم.. وبدون مقدمات..
انفجــ ــر في ضحكة هستيرية..
تبادل الثلاثة النظرات باستغراب..
اقترب كايا منه وضـ ـربه بخفة على رأسه:
ــ إنت اتجننت؟
استمر تليد في الضحك لثواني..
قبل أن يتوقف فجأة..
نظر إليه كاهان بحدة:
ــ شغال لحساب مين؟ اتكلم.
رفع تليد عينيه بين كاهان وقدر..
وقال بهدوء غريب:
ــ إنتوا بلعتوا الطعم..
عقدت قدر حاجبيها:
ــ يعني إيه؟
ابتسم تليد:
ــ يعني إن المفاجأة.. مستنياكم..
وفي اللحظة نفسها..
رنت هواتفهم الأثنان في وقت واحد..
نظر كل منهم إلى هاتفه.. كان الصمت..
كافيا ليكشف أن الرسائل لم تكن عادية..
قرأ كاهان رسالته.. فتجمدت ملامحه..
وقدرت اتسعت عيناها بصدمة..
وتغير وجهها وهي تقرأ رسالتها..
لم يسأل أحدهم الآخر عما قرأه..
اندفع الإثنان نحو سياراتهم في اللحظة نفسها..
وقبل أن يركب كاهان..
التفت إلى كايا وقال بصرامة:
ــ كايا.. الكلب ده مايمــ ــوتش..
لحد ما أرجع.. فاهم؟
نظر كايا إليه بحيرة:
ــ في إيه يا كاهان؟
لكن كاهان كان قد أغلق باب..
السيارة وانطلق بأقصى سرعة..
ظل كايا واقف للحظات...
ثم التفت ببطء إلى تليد...
فوجد ابتسامته قد عادت من جديد..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
« فــــي المستشفـــــى »
كـــان الخبـــــر قد وصــــل إلى إلهام..
ومريم ورباب.. فوقفوا في حالة صدمة..
عاجزين عن استيعـــــاب مـــــا حدث..
وقف ضياء إلى جـــوارهم صــامت..
وفجأة...
ظهر كاهان في آخر الممــــر..
يركض كأن المســـافة بينه وبين..
الحقيقة لا تنتهي.. توقف أمامهم..
وأنفاســــــه متقطعـــــة:
ــ يمنى فين؟
لم تجبه إحداهم..
كانت إلهام تبكي بصمت..
وقفت مريم منهارة.. عاجزة حتى عن الكلام..
اقترب كاهان منها.. وصوته بدأ يختنق:
ــ مراتي فين يا مريم؟
لم تجبه..
اتجه كاهان إلى إلهام بخطوات متعثرة..
وقد بدأ القلق يتحول إلى ذعــ ـر في عينيه:
ــ يمنى فين يا ماما؟! اتكلمي!
ظلت إلهام تبكي.. وعجزت الكلمات..
عن الخروج من بين شفتيها..
اقترب منها أكثر.. وأمسك كتفيها:
ــ ماما.. ردي عليا!
ارتجفت إلهام.. ثم رفعت عينيها إليه..
وانهمرت دموعها بغزارة:
ــ كاهان..
كاهان:
ــ فين يمنى؟!
ارتعش صوتها وهي تقول:
ــ البقاء لله يا ابني...
تراجع كاهان خطوة..
وكأنها دفعته بعيدا عنها:
ــ لأ..
هــــز رأسه بعـ ــنف.. وعيناه تبحثان..
في وجوههم عن أي شيء ينفي ما سمعه:
ــ لأ.. انتي غلطانة.. يمنى.. مستحيــــل..
وقبل أن يكمل.. اتفتح باب الغرفة خلفه..
وخرج منه عدد من الممرضين يدفعون ترولي..
مغطى بالكامل.. تراجع كاهان خطوة..
ثم وقعت عيناه على يد تدلت من جانب الترولي..
توقف الزمن من حوله.. عرفها.. تقدم بخطوات..
مرتجفة.. ثم أمسك يدها بين يديه..
كانت تلك اليد التي طالما تشبثت به..
اليد التي غابت عنه طويلا.. ثم عادت..
إليه في أسوأ صورة يمكن لعقله أن يتخيلها..
جلس عند قدميها.. وانهمرت دموعه بلا توقف:
ــ يمنى..
مد يده ببطء.. ثم سحب الغطاء عن وجهها..
تجمدت ملامحه.. لم يستطع عقله استيعاب..
ما رأته عيناه.. ظل ينظر إليها في ذهول..
وكأن كل ما حوله اختفى.. كانت يمنى..
ممددة بلا حراك.. وملامحها ساكنة بشكل..
مـ ـرعب.. ثم وقعت عيناه على موضع الإصابة..
جــ ـرح عميق عند رقبتها.. بدا واضحا أنه..
السبب في وفـــ ــاتها.. شهق كـــــاهان..
وتراجعت أنفاسه كأن أحدهم انتزعها..
من صدره.. ثم خرج صوته مكســ ـورا:
ــ يمني.. لأ.. لأ.. مستحيل..
بدأ جسده كله يرتعش..
وانخفض صوته إلى همسة مكسـ ـورة:
ــ مين عمل فيكي كده؟
لم يجبه أحد..
فجأة انفجــ ـر صوته في الممر:
ــ مين عمل فيها كده؟!
حاول ضياء الإمساك به..
لكن كاهان أبعد يده بعـــ ـنف..
وعاد إلى يمنى.. جلس بجوارها..
وأمســــك يدهــــا بكلتا يديه..
وبدأت دموعه تتساقط عليها:
ــ أنا جيتلك.. والله جيتلك..
انحنى فوق يدها.. وصوته ينــ ـهار:
ــ كان فاضل خطوة واحدة وأوصلك..
بس اتأخرت...
ضغط على يدها أكثر.. وكأنه ينتظر..
منها أن تجيبه أو تضغط على يده كما اعتادت:
ــ كنتي مستنياني.. وأنا اتأخرت عليكي..
ارتجفت شفتاه.. وانخفض..
صوته إلى همسة موجوعة:
ــ لو كنت وصلت بدري شوية..
كان زمانك دلوقتي في حضني.. مش هنا..
أغمض عينيه.. وانهمرت دموعه أكثر:
ــ سامحيني يا يمنى..
سامحيني إني ما لحقتكيش..
ظل ممسكا بيدها.. كأنه يرفض..
أن يصدق أنها لن تضغط على يده هذه المرة..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وصلت قـــدر إلى المنزل بلهفة..
وقلبها يسبق خطواتها..
توقفت أمام الباب المكســ ـور..
واتسعت عيناها بــ ــرعب.. وضعت يدها..
فوق قلبها.. تخشى أن يتحول ما يدور..
في رأسها إلى حقيقة.. دفعت الباب بحذر..
ودخلت.. فتجمدت في مكانها..
كل شيء كان محطما..
الأثاث مقلوب.. الــ ـزجاج متناثر..
وأغراض المنزل ملقاة في كل مكان..
وكأن حــ ــرب قامت داخل المنزل..
راحت عيناها تتجولان بجنـ ـــون..
تبحث عن أي شيء.. عن أي شخص..
حتى وقعت عيناها عليها..
جلنار ملقاة على الأرض.. شهقت قدر..
واندفعت نحوها وهي تصـــ ــرخ:
ــ عمتــــوووو!
