رواية الي ان نتفرق الفصل التاسع عشر19بقلم رقية الانصاري

          


رواية الي ان نتفرق الفصل التاسع عشر19بقلم رقية الانصاري

سمعت صوت المفتاح في الباب وأنا قاعدة على الكنبة، وفي ثانية واحدة كل الكلام اللي بقالي أيام بحضره اختفى من دماغي كأنه ماكانش موجود أصلًا. 

كنت من الصبح بجرب الجملة في دماغي، مرة أقولها بسرعة ومرة أتخيل إني هقولهاله وأنا مدياله التحليل، ومرة أقرر إني مش هحضّر حاجة أصلًا وإن أول ما أشوفه الكلام هيطلع لوحده، لكن دلوقتي وأنا سامعة صوت المفتاح بيتحرك فعلًا حسيت إني مش فاكرة حتى كنت ناوية أبدأ بإيه. 

قمت من مكاني من غير ما أحس، وعيني فضلت معلقة على الباب لحد ما اتفتح وظهر خالد قدامي وهو ماسك شنطته الصغيرة في إيده والجاكيت على دراعه.

أول ما رفع عينه وشافني وقف مكانه للحظة، وأنا كمان ما اتحركتش. يمكن إحنا الاتنين كنا محتاجين الثانيتين دول عشان نستوعب إن مفيش شاشة بينا المرة دي، وإنه مش هيقفل المكالمة بعد ساعة ويرجع كل واحد فينا لأوضته في بلد مختلفة. 

خالد ابتسم ببطء، وحط الشنطة على الأرض من غير حتى ما يدخلها أكتر وقال:

_ السلام عليكم.

ضحكت غصب عني وأنا حاسة عيني بدأت تلمع.

= وعليكم السلام.

ما استنيتش أكتر، ومشيت ناحيته بسرعة، وأول ما شافني جاية فتح دراعه…دخلت في حضنه بقوة لدرجة إنه رجع نص خطوة لورا وهو بيضحك، وبعدها لف إيديه حواليا وشدني عليه، وفي اللحظة دي بس حسيت إنه رجع فعلًا…ريحته، إيده على ضهري، وشه المدفون عند شعري، وكل التفاصيل الصغيرة اللي مهما الفيديو كول كان طويل ماكانش بيعوضها.

فضلنا وقت طويل من غير كلام، وأنا ماسكة فيه وهو كل شوية يشدني أكتر كأنه بيحاول يعوض التلات أسابيع مرة واحدة. وبعد شوية صوته طلع واطي قريب من ودني:

_ وحشتيني.

غمضت عيني.

= أوي؟

_ أوي دي قليلة.

ابتسمت وأنا لسه في حضنه.

= وإنت كمان وحشتني.

_ قد إيه؟

= مش هقول.

_ ليه؟

= عشان هتتغر.

ضحك.

_ أنا أصلًا مغرور.

= ما أنا عارفة.

حاولت أبعد شوية عشان أشوفه، لكنه شدني تاني.

= خالد.

_ نعم؟

= سيبني أبصلك.

_ ما انتي كنتي بتبصيلي كل يوم.

= كان من الموبايل يا رخم.

بعد أخيرًا، بس إيده فضلت حواليا، وأنا وقفت أتفرج عليه كأني فعلًا نسيت شكله بالحجم الطبيعي…كان واضح عليه تعب السفر، وشعره أطول سنة، بس نفس خالد…نفس العيون اللي بقيت أعرف منها كل حاجة.

هو لاحظ إني مركزة معاه وقال:

_ بتبصيلي كده ليه؟

= بتأكد إنك حقيقي.

مد إيده قرص خدي بخفة.

_ كده اتأكدتي؟

ضربت إيده.

= آه يا رخم.

ضحكنا، وبعدها من غير أي مقدمات عيني بدأت تتملي دموع…خالد ابتسامته راحت فورًا وقرب مني.

_ إيه ده؟ مالك؟

مسحت دمعة بسرعة وأنا بضحك من نفسي.

= مفيش، وحشتني بس.

ملامحه هديت ومسح دمعة تانية بإبهامه.

_ انتي عيطتي من يوم ما سافرت بما فيه الكفاية على فكرة.

= ما أنا بكمل.

_ طب استني لما أمشي تاني.

بصيتله بسرعة.

= بس بقى.

_ خلاص خلاص.

قرب باس راسي، وبعدها بص للشنطة عند الباب.

_ أنا بقالي خمس دقايق واقف على الباب.

= ما تدخل.

_ ده بيتي على فكرة.

= ياشيخ؟ فعلًا؟ ماكنتش أعرف.

مسك الشنطة ومشى لجوه، وأنا مشيت وراه، ولما وصل نص الصالة وقف وبص حواليه كأنه بيرجع يتعرف على المكان.

_ وحشني البيت.

= البيت كان زعلان منك.

لفلي.

_ واللي في البيت؟

هزيت كتفي.

= لا كان عادي.

بصلي بنظرة طويلة.

_ آه طبعًا ماهو واضح.

ضحكت، وهو ساب الشنطة تاني وقرب مني.

_ تعالي.

= تاني؟

_ عندك اعتراض؟

= ما أنا لسه حاضني من نص دقيقه!

_ وانا قولتلك اني شبعت؟

دخلت في حضنه تاني، والمرة دي كان أهدى…سندت راسي على صدره وأنا سامعة دقات قلبه، وفجأة إيدي اتحركت تلقائيًا ناحية بطني، لكني وقفت نفسي قبل ما الحركة تبقى واضحة…خالد مايعرفش…هو واقف حاضني وفرحان إنه رجعلي، ومش عارف إن في حد تاني رجعله هو كمان.

الفكرة خلتني أتوتر، فبعدت سنة…خالد لاحظ فورًا.

_ مالك؟

= مفيش.

_ نفسي تصدقي ان مفيش دي بتقلقني اكتر.

= لا متقلقش مفيش حاجه.

دخل غير هدومه، وأنا استغليت الدقايق دي وروحت ناحية درج الترابيزة... فتحته وبصيت للظرف الأبيض اللي فيه التحليل، ومديت إيدي ناحيته، وبعدها تراجعت وقفلت الدرج تاني…لأ…مش دلوقتي. خالد لسه داخل البيت، وأنا مش عايزة أول ساعة بينا تبقى كلها صدمات وتحاليل وأسئلة.

لما خرج لقيته غير هدوم السفر وقعد على الكنبة، وأول ما شافني مد إيده ناحيتي.

_ تعالي اقعدي.

قعدت جنبه، وهو بدل ما يسيب بينا مسافة، قرب لحد ما كتفه لمس كتفي ومسك إيدي.

_ عاملة إيه بجد؟

= كويسة.

_ طب و التعب؟

= أحسن دلوقتي.

_ والدكتورة؟

قلبي دق أسرع.

= قالت كله تمام.

بصلي من جنب عينه.

_ على فكره أنا مش ناسي إنك قولتيلي لما ترجع أقولك التفاصيل.

ابتسمت بتوتر.

= انت لسه فاكر؟

_ أنا جيت برشلونة نص عشانك ونص عشان أعرف السر اللي مطلع عيني.

= نص بس عشاني؟

_ ستين في المية.

ضربته بخفة.

= والله رخم.

ضحك، وبعدها ملامحه هديت.

_ بس مش هضغط عليكي دلوقتي...أنا عايز أقعد معاكي الأول.

والجملة ريحتني، ففضلنا فعلًا فترة بنتكلم في حاجات عادية…حكالي عن الرحلة وعن واحد كان قاعد جنبه في الطيارة نام طول الطريق تقريبًا، وعن الاجتماع اللي خلصه قبل ما يسافر، وأنا حكيتله عن يومي وعن منة والشغل…دخلنا المطبخ وأكل، وهو كان كل شوية يبصلي كأنه لسه فرحان لمجرد إني قدامه.

مرة وأنا بحط قدامه طبق قال:

_ ليليا.

= نعم؟

_ وحشتيني.

ضحكت.

= وانت كمان والله اوي.

ابتسم وكمّل أكل كأنه خد اللي كان عايزه، وأنا وقفت أتفرج عليه وأنا بفكر إن بعد شوية ملامحه دي كلها هتتغير.

بعد الأكل رجعنا الصالة، وخالد قعد جنبي ومد دراعه حواليا…فضلت ساكتة شوية، لكن كل ما الوقت يعدي كنت بتوتر أكتر بدل ما أهدى…أنا بقالي أسبوع تقريبًا مستنية اللحظة دي، ودلوقتي لما وصلت مش عارفة أبدأ.

خالد لاحظ سكوتي، ولف وشي ناحيته.

_ ليليا.

= نعم؟

_ في ايه.

= مفيش.

_ لأ، في.

= خالد…

_ من ساعة ما جيت وانتي مبسوطة وبتضحكي، بس في نص كل شوية بتسرحي وتبصيلي كأنك عايزة تقولي حاجة.

بلعت ريقي.

= ما أنا فعلًا عايزة أقولك حاجة.

اتعدل في قعدته.

_ طب قولي.

فتحت بوقي.

= أنا…

ولا كلمة بعدها طلعت.

خالد انتظر، وأنا حسيت عيني بتلمع من التوتر، فبصلي بقلق فورًا.

_ انتي بتعيطي ليه؟

ضحكت وأنا بمسح دمعة.

= معرفش.

_ ليليا متقلقينيش في إيه؟

= والله حاجة حلوة.

_ طب ما تقوليها.

= مش عارفة أقولها.

_ يعني إيه مش عارفة؟

بصيت ناحية الدرج، وبعدها رجعتله.

= استنى.

قمت وفتحت الدرج وطلعت الظرف، ولما رجعت قعدت قدامه ومديتهوله…خالد بص للظرف، وبعدين ليا، والقلق رجع لوشه مرة واحدة.

_ إيه ده؟

= افتحه.

بدأ يفتحه وهو بيقول.

_ ايه ده؟ ده تحليل؟

هزيت راسي.

= آه.

_ عندك إيه؟

مديت إيدي مسكت إيده بسرعة.

= مش حاجة وحشة والله متقلقش.

_ ليليا انتي من ساعة ما جيت بتعيطي وتقوليلي مفيش وبعدين تديني تحليل، ما طبيعي اقلق.

= افتحه بس.

فضل باصلي ثانيتين، وبعدها فتح الظرف وطلع الورقة…عينه نزلت عليها، وأنا كنت حرفيًا مركزة في كل حركة في وشه…قرأ أول سطر، وبعدها اللي تحته، وبعدين قرب الورقة منه شوية.

رجع بصلي.

_ ايه ده؟ أنا مش فاهم حاجة.

ضحكت وسط دموعي.

= بص كويس.

_ ما أنا باصص، أرقام واختصارات وحاجات إنجليزي مش فاهم…في إيه؟

خدت نفس، وحسيت قلبي بيدق اسرع، وبعدها خرجت الكلمة أخيرًا بصوت مرتعش:

= أنا حامل.

خالد سكت.

تمامًا.

بصلي، وبعدين بص للورقة، وبعدها رجع بصلي كأنه مش متأكد إنه سمع صح.

_ إيه؟

دموعي نزلت وأنا بضحك.

= أنا حامل يا خالد.

فضل ساكت.

قربت منه سنة وأنا مبتسمة.

= إنت هتبقى بابا.

وهنا بس حسيت إن الكلمة وصلتله فعلًا.

••••••••••••••••••••••••••

أنا مش فاكر في حياتي كلها كلمة خلت دماغي تقف بالطريقة دي.

“إنت هتبقى بابا.”

سمعتها، وفهمت كل كلمة لوحدها، بس الجملة كاملة كانت أكبر من إني أستوعبها في اللحظة دي…بصيت لليليا، وللدموع اللي في عينيها وهي بتبتسم، وبعدين رجعت بصيت للورقة اللي في إيدي وانا مش عارف استوعب.

_ بابا؟

هزت راسها وهي بتضحك وسط دموعها.

= ايوه.

_ أنا؟

فتحت عينيها.

= اومال جارنا يا خالد؟

الضحكة خرجت مني غصب عني، لكن حتى وأنا بضحك كنت حاسس إن نفسي مش منتظم.

_ ليليا…انتي بتتكلمي بجد؟

= ايوه والله.

_ احلفي بالله.

= والله العظيم.

_ انتي حامل؟

= يا خالد والله آه.

مش عارف أنا سألتها نفس السؤال كام مرة…كل مرة كانت تقول آه، وجزء جديد من دماغي يستوعب.

ليليا حامل…مراتي حامل، في طفل مننا إحنا الاتنين موجود دلوقتي وأنا كنت في بلد تانية ولا أعرف عنه حاجة.

قربت منها، ومديت إيدي مسكت وشها بين إيديا وأنا ببص في عيونها.

_ بجد؟

ضحكت وهي دموعها بتنزل.

= والله بجد.

في اللحظة دي معرفتش أعمل حاجة غير إني شدّيتها عليا.

حضنتها بقوة يمكن خوفتها، بس ماقدرتش أخف…كنت حاسس إن الفرحة أكبر من جسمي، وإن كل حاجة حصلت بينا من أول يوم في الشركة لحد اللحظة دي بتعدي في دماغي مرة واحدة…نفس البنت اللي كنت واقف جنبها من شهور قدام موظف البرنامج وبقول بمنتهى الغباء “أيوه دي مراتي”، دلوقتي فعلًا مراتي وحامل في ابني.

دفنت وشي عند شعرها، وسمعت نفسي بقول من غير ما أفكر:

_ الحمد لله.

ليليا كانت بتعيط في حضني، وأنا حسيت عيني سخنت أنا كمان…بعد ثواني بعدتها عني، مش عشان عايز أبعد، بس لأن حاجة واحدة كانت في دماغي وقتها.

وقفت، ونزلت على الارض سجدت.

ماكنتش مرتبها، ولا فكرت هتعمل إيه أو ليليا هتشوفني إزاي….كل اللي كنت حاسه إن مفيش كلمة أنا قادر أقولها تكفي، وإن أول حاجة لازم أعملها إني أشكر ربنا على حاجة أنا أصلًا ماكنتش أعرف إني مستنيها بالشكل ده.

فضلت ثواني وأنا بحمد ربنا، ولما قمت لقيت ليليا واقفة قدامي ووشها كله دموع.

هي اللي جت حضنتني المرة دي.

لفيت إيديا حواليها، وأنا حسيت دمعة مني نزلت فعلًا…حاولت أتجاهلها، لكن ليليا طبعًا مستحيل تسيب حاجة زي دي تعدي.

بعدت وشها عن صدري وبصتلي.

= هو انت كل مره هتعيط؟

_ مش بعيط ولا حاجة.

رفعت حاجبها.

= اومال الدموع دي ايه.

_ والله إنتي الوحيدة اللي كل شوية تطلعي مني دموع…مرة تخضيني، مرة تيجي تقوليلي إنك بتحبيني بعد ما طلعتي عيني، ومرة وأنا مسافر، ودلوقتي تقوليلي حامل.

ضحكت.

= عادي طبعا فدايا.

_ فداكي إيه؟ ده أنا هرفع عليكي قضية تعويض نفسي.

= وأنا حامل منك، عيب.

وقفت.

بمجرد ما قالت “حامل منك” حسيت عيني سخنت تاني فعلًا.

هي شافتني ورفعت صباعها بسرعة.

= لأ بقى!

ضحكت وأنا بشدها ناحيتي…حطيت جبهتي على جبهتها.

_ أنا هبقى بابا.

= آه.

_ بجد؟

= بجد.

_ أنا؟

ضحكت.

= أيوه إنت يا خالد، مفيش حد غيرك في الموضوع.

ضحكت معاها، وبعدها بصيت لتحت تلقائيًا ناحية بطنها، وفجأة حسيت إني مش عارف حتى أتصرف... هل لسه بدري؟ هل في حاجة أصلًا ممكن تتحس؟

رجعت بصيت لها.

_ هو…موجود دلوقتي؟

ضحكت أكتر.

= لأ خرج يتمشى.

_ يا بنتي بتكلم بجد.

= أيوه موجود يا خالد.

بصيت لبطنها تاني، لكن ماحركتش إيدي…هي لاحظت، وابتسامتها هديت… وانا قولت.

_ ينفع؟

فتحت عينيها.

= إنت بتستأذنني تحط إيدك على بطني؟

_ أصل…مش عارف.

ضحكت، ومسكت إيدي بنفسها وحطتها على بطنها.

في اللحظة دي عرفت إن مفيش حاجة هحسها، بس برضو فضلت إيدي مكانها…مجرد معرفتي إن في حياة صغيرة بدأت مننا إحنا الاتنين تحت إيدي كانت كفاية.

_ أنا بابا؟

قالتها ليليا وهي بتضحك:

= يا حبيبي والله آه.

بصيت ناحية بطنها.

_ بص يا ابني…

= ابني؟!

رفعت عيني لها.

_ أو بنتي.

= لسه بدري.

رجعت لبطنها.

_ بص يا ابني أو يا بنتي، أنا بابا.

ليليا انفجرت ضحك.

= هو لسه مش سامعك أصلًا.

_ خليكي انتي بره علاقتي بابني.

= أو بنتك.

_ أو بنتي.

قربت أكتر ناحية بطنها وقلت:

_ ومعلومة مهمة جدًا من دلوقتي، ماما دي عنيدة جدا.

ضربتني على كتفي.

= خالد!

ضحكت وأنا بمسك إيدها قبل ما تضربني تاني.

_ لازم يعرف الحقيقة.

= هيطلع شبهك ويقرفني.

_ لو طلع شبهي يبقى ربنا كرمه.

= مغرور.

_ بس بتحبيني.

بصتلي وهي بتحاول تخبي ابتسامتها.

= ماهو للأسف.

قربت منها، وبوست راسها.

_ وأنا بموت فيكي.

•••••••••••••••••••••••••••

من وقت ما قولتله وأنا حامل وأنا تقريبًا ما بطلتش أتفرج عليه... كنت مستنية رد فعله من أسبوع، لكن حتى كل السيناريوهات اللي عملتها في دماغي ماكانش فيها خالد بالشكل ده؛ يقعد، يقوم، يبصلي، يبص للتحليل، يرجع يحط إيده على بطني، وبعد خمس دقايق يسألني من جديد كأنه محتاج يسمع الإجابة عشان يتأكد.

قعد أخيرًا جنبي على الكنبة، لكن بعد أقل من دقيقة أخد التحليل من على الترابيزة.

_ هو فين بالظبط اللي بيقول إنك حامل؟

ضحكت وشاورتله على السطر.

= اهو.

_ الرقم ده؟

= آه.

_ يعني الرقم ده بيقول إن عندي عيل؟

= بطريقة ما…آه.

بص للورقة بتركيز.

_ ماكانوا يكتبوا مبروك يا خالد ونخلص.

= التحليل باسمي أنا.

_ ما الموضوع يخصني برضو.

حط الورقة على الترابيزة، وبعد ثواني بصلي فجأة.

_ استني.

= إيه؟

_ انتي عرفتي إمتى؟

توترت.

= من حوالي أسبوع.

ثبت مكانه.

_ أسبوع؟

= آه.

_ أسبوع كامل وانتي عارفة؟

= ايوه.

_ وإحنا بنتكلم كل يوم؟

ضحكت.

= آه.

بصلي بصدمة.

_ إزاي قدرتي تسكتي؟

= بالعافية والله.

_ وأنا كنت كل يوم أسألك مالك وتعبانة ليه وأكلتي ولا لأ وانتي حامل ومش قيلالي؟

= كنت عايزة أقولك وانت قدامي.

سكت، وملامحه هديت.

_ عشان كده؟

= آه…ماكنتش عايزة أول مرة تعرف فيها إنك هتبقى بابا تكون واقف لوحدك في أوضة بعيد عني وأنا هنا، وكل اللي بينا شاشة…كنت عايزة أبقى قدامك وأشوفك.

بصلي ثواني، وبعدها مسك إيدي.

_ أنا مبسوط إنك استنيتي.

ابتسمت.

= بجد؟

_ آه…مع إني مصدوم إنك قدرتي تخبي عليا أسبوع.

= أنا ممثلة شاطرة.

_ لأ، أنا كنت عارف إن في حاجة.

= بس ماعرفتش إيه.

_ كنت شاكك في كل حاجة إلا دي.

ضحكت.

= كنت عارفة.

سكت لحظة، وبعدين نظرته نزلت ناحية الورقة تاني.

_ طب استني صحيح…موضوع التحاليل اللي اتلخبطت ده، كان إيه؟

كنت عارفة إن السؤال جاي، ومع ذلك أخدت نفس قبل ما أرد.

= قبل ما أحكيلك، افتكر إن أنا كويسة وإن كل الموضوع خلص.

ملامحه اتشدت.

_ ايه؟ قولي.

حكيتله كل حاجة. النتيجة الأولى، كلام الدكتورة عن المؤشر اللي كان عالي، وإنها قالت في حاجات لازم تتستبعد ومن ضمنها احتمال وجود ورم، وإني سألتها وقتها إذا كان قصدها كانسر وهي أكدت إن تحليل واحد مايشخصش حاجة... حكيتله إني خرجت مع منة وأنا مرعوبة، وإن دي كانت نفس الساعات اللي هو كان بيتصل فيها بيا ومش برد، وبعدها مكالمة المعمل، واكتشاف إن في احتمال لخبطة، وإعادة العينة، وأخيرًا النتيجة الصحيحة والحمل.

خالد فضل ساكت لحد ما خلصت.

_ انتي كنتي فاكرة إن ممكن يكون عندك كده…ومقولتيليش؟

= يا خالد ده كان احتمال.

_ مش دي النقطة.

= عشان كنت عارفة إنك لو سمعت الكلمة بس مش بعيد تسيب كل حاجة وتنزل.

رد فورًا:

_ ما طبعًا كنت هنزل.

ابتسمت بحزن صغير.

= ما أنا عارفة.

_ يعني أنا كنت هناك بفكر انتي ليه مش بتردي، وانتي هنا مرعوبة من حاجة بالحجم ده؟

= منة كانت معايا.

_ الحمد لله إنها كانت معاكي، بس أنا جوزك يا ليليا.

سكت.

هو قرب مني وصوته هدي.

_ أنا مش ألومك، وفاهم إنك كنتي مستنية تتأكدي قبل ما تخضيني…بس لو في يوم، لا قدر الله، خفتي خوف بالحجم ده تاني، قوليلي.

= حتى لو بعيد عني؟

_ حتى لو أنا في آخر الدنيا.

= وهتسيب شغلك؟

_ لو انتي محتاجاني، آه.

= خالد…

_ إحنا ناقشنا الشغل قبل كده، وأنا روحت لندن بإرادتي وإنتي شجعتيني…بس إنك تكوني قاعدة فاكرة إن ممكن يكون عندها حاجة خطيرة زي دي وأنا قاعد عادي بشتغل وبكمل اجتماع عشان محدش قالي؟ يبقى لا.

مديت إيدي مسكت إيده.

= حقك عليا.

ملامحه هديت فورًا، وقرب باس جبهتي.

_أنا مش زعلان منك، بس ما تعمليهاش تاني.

= حاضر.

_ وعد؟

= وعد.

بصلي شوية، وبعدها رجع ابتسم.

_ وعلى فكرة انتي اليوم ده عرفتي خبرين متناقضين جدًا.

ضحكت.

= أنا الصبح كنت فاكرة إن عندي ده، وبالليل اكتشفت إني حامل.

_ أنا لو مكانك كنت فصلت.

= ما أنا فصلت اوردي.

_ وأنا قاعد أقول ليه مبتسمة.

ضحكت وأنا فاكرة المكالمة.

= كنت بالعافية مخبية عليك.

_ “أنا كويسة أوي.”

قلدني بنفس طريقتي فضحكت.

= ما أنا فعلًا كنت كويسة أوي.

_ وأنتي مخبيه ابني وسايباني على عمايا.

= معلش.

فضلنا باقي اليوم قريبين من بعض بطريقة مختلفه... خالد كل شوية يسألني أكلت إيه والدكتورة قالت إيه وأعمل إيه لو تعبت، وأنا في الآخر قلتله:

= يا خالد أنا حامل عادي، مش مريضة.

_ ما أنا عارف.

= طب ما تبطل تعاملني كأني مكسوره ولا حاجه.

_ انا عندي مسؤولية دلوقتي.

= ده من ساعة بس.

_ الخبرة ملهاش دعوة بالمدة.

ضحكت، وبعدها موبايلّي اتهز برسالة من منة:

عرف؟

ولقيت بعدها سلمى كانت باعتة اوردي من شويه:

قوليلي ايه اللي حصل؟

بصيت للشاشة وضحكت، وخالد حاول يشوف.

_ مين؟

= منة وسلمى.

_ هما عارفين قبلي؟

= اه عشان منة كانت معايا وسلمى طبعا قولتلها.

فتح عينه.

_ يعني أنا أبو العيل وآخر واحد يعرف؟

= كنت مسافر يا حبيبي.

_ برضو ظلم.

ضحكت.

= معلش.

_ سلمى قالت إيه؟

افتكرت مكالمتي معاها وسؤالها المحرج وضحكت أكتر.

= مش هقولك.

ضيق عينه.

_ ليه؟

= كلام بنات.

_ له علاقة بابني؟

= أو بنتك.

_ ماشي، له علاقة بابني أو بنتي؟

= برضو مش هقول.

هز راسه.

_ أنا هفتح تحقيق منفصل على فكره.

= اعمل اللي إنت عايزه.

بالليل وإحنا قاعدين على السرير، خالد كان أهدى أخيرًا…أنا سندت عليه، وهو فضل يمسح على شعري وبعد فترة قال:

_ ليليا.

= همم؟

_ انتي أول ما عرفتي…فرحتي؟

فتحت عيني وبصيتله.

= هو ده سؤال؟ أنا مكنتش مصدقة نفسي.

_ ماخوفتيش؟

= اتخضيت طبعًا، بس أول حاجة جت في دماغي إنت.

ابتسم.

_ أنا؟

= كنت بفكر هتعمل إيه لما أقولك.

_ وطلعت زي ما تخيلتي؟

ابتسمت.

= لأ.

_ وحش؟

= أحلى بكتير.

سكت لحظة، وبعدها إيده شدتني عليه سنة.

_ أنا عمري ما كنت متخيل إن خبر زي ده يأثر فيا بالشكل ده.

= اه ماهو بان بصراحة.

_ ما تتريقيش على عياطي.

ضحكت.

= أنا ما قلتش حاجة.

_ ما أنا عارفك.

سكتنا شوية، وبعدها افتكرت.

= على فكرة، بكرة عندي متابعة.

اتعدل فورًا.

_ الساعة كام؟

= العصر.

_ ماشي نروح سوا.

ابتسمت.

= ماشي.

_ أصل الموضوع مش بتاعك لوحدك بقى.

رفعت حاجبي.

= يا سلام؟

حط إيده على بطني بابتسامة.

_ ايوه دخلنا شراكة.

= الله يعينني.

•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••

تاني يوم صحيت قبله، وفضلت شوية باصة له وأنا مستمتعة بفكرة إنه نايم جنبي بجد بدل ما أصحى ألاقي شاشة الموبايل مطفية بعد ما نكون نمنا بُعاد عن بعض ، بعد كام دقيقة عينه فتحت، وأول ما شافني ابتسم ومد إيده.

_ تعالي.

قربت منه، فحضني وهو لسه مغمض نص عينه.

_ صباح الخير.

= صباح النور.

_ عاملة إيه؟

= كويسة.

_ والبيبي؟

ضحكت.

= إنت متوقع مني أقولك عامل إيه؟

فتح عينه.

_ آه.

= كويس.

_ الحمد لله.

= مقتنع؟

_ طبعا.

طول اليوم خالد كان مراقبني زيادة عن اللزوم، ولما قرب معاد المتابعة نزلنا سوا.

لما دخلنا عند الدكتورة، رحبت بيا وبعدها بصت لخالد.

{ حوار مترجم } :-

_ زوج حضرتك؟

قبل ما أرد هو قال فورًا:

_ آيوه.

بصيتله، لقيته مبتسم بمنتهى الرضا عن نفسه.

الدكتورة بدأت تسأل عن الأعراض، وبعدها فتحت ملفي وبصت للتحاليل والمتابعة السابقة وقالت:

_ تمام، وبحسب النتائج والتوقيت إحنا بنتكلم دلوقتي عن حمل تقريبًا في الأسبوع السادس.

أنا بصيتلها باستغراب.

= السادس؟

هزت راسها.

_ تقريبًا، آه.

= طيب ازاي أنا أصلًا عرفت إني حامل من حوالي أسبوع بس.

الدكتورة ابتسمت.

_ ده طبيعي جدًا، لأن حساب عمر الحمل الطبي مش معناه إن الجنين نفسه موجود من ست أسابيع…الحساب بيبدأ قبل حدوث الحمل الفعلي بحوالي أسبوعين تقريبًا، عشان كده عمر الحمل اللي بنقوله بيكون أكبر من عمر الجنين نفسه.

خالد، اللي كان مركز معاها زيادة عني، قال:

_ يعني لما حضرتك تقولي ست أسابيع، الحمل الفعلي نفسه ممكن يكون حوالي أربع أسابيع تقريبًا؟

_ بالظبط ، مع اختلاف بسيط من حالة للتانية، والسونار بيساعدنا نحدد العمر بصورة أدق.

بصيت لخالد، وهو رفع حاجبه كأنه بيقوللي “فهمتي؟”، فضربت إيده بخفة.

= ما تبصليش كده.

ضحك.

_  أنا متكلمتش.

الدكتورة كملت:

_ والتوقيت والحجم لحد دلوقتي مناسبين جدًا للمرحلة دي، فـ هنتطمن دلوقتي بالسونار ونشوف الوضع بصورة أوضح.

خالد سكت تمامًا أول ما بدأ الفحص…كان واقف جنبي ومسك إيدي، وعينه معلقة بالشاشة رغم إني متأكدة إنه مش فاهم أي حاجة فيها أكتر مني…الدكتورة فضلت تحرك الجهاز وتبص للشاشة، وبعد ثواني سكوتها طال سنة زيادة.

خالد قرب فورًا.

_ هو في حاجة؟

الدكتورة ما ردتش لحظتها، لكنها ابتسمت وهي لسه مركزة.

بصيت لها.

= خير؟

رفعت عينها لنا.

_ واضح إن عندكم مفاجأة صغيرة.

بصيت لخالد، وهو بصلي.

= مفاجأة إيه؟

الدكتورة رجعت للشاشة وقالت بهدوء:

_ إحنا مش بنتكلم عن بيبي واحد.

عقدت حواجبي.

= يعني إيه؟

خالد قرب أكتر.

_ استني…يعني إيه مش واحد؟

الدكتورة ابتسمت.

_ في اتنين.

إيدي شدت على إيد خالد من غير ما أحس.

= اتنين؟!

خالد ثبت عينه على الشاشة، وبعدها لف للدكتورة ببطء.

_ توأم؟

هزت راسها.

_ أيوه…توأم.

لفيت لخالد في نفس اللحظة اللي هو لفلي فيها.

وامبارح كنت فاكرة إني شوفت أقصى درجة ممكنة من الصدمة على وشه لما قولتله إنه هيبقى بابا.

طلع لسه عنده صدمة أكبر.

                    الفصل العشرون من هنا
تعليقات



<>