رواية الملاكم الفصل الاول1بقلم سهر احمد
: الضربة اللي غيّرت عمره
في إسكندرية، وتحديدًا في حارة قديمة كانت بيوتها قريبة من بعضها لدرجة إن الجيران كانوا يعرفوا أسرار بعض من غير ما حد يتكلم، عاش سيف مراد الجوهري طفولة ماكانتش شبه طفولة باقي العيال.
ماكانش عنده أوضة مليانة لعب، ولا أب بيرجع من شغله شايل له هدية كل يوم، ولا حتى رفاهية إنه يزعل من حاجة ويطلب غيرها.
بس كان عنده أم بتخاف عليه من الهوا، وأب شايل هم بكرة قبل ما النهارده يخلص، وحلم صغير بيكبر جواه كل يوم من غير ما يعرف له اسم.
كان عنده 15 سنه لما وقف أول مرة قدام باب مركز الملاكمة القديم، ماسك إيد أبوه، وباصص من بين قضبان الحديد لعيال أكبر منه بيتحركوا جوه الحلبة.
ساعتها، ماكانش فاهم يعني إيه بطولة، ولا يعني إيه خسارة، ولا ليه الراجل اللي واقف في نص الحلبة بيزعق في ولد صغير كل ما ينزل إيده.
كل اللي شاغل باله كان سؤال واحد:
هو إزاي الناس دي بتقدر تفضل واقفة رغم إنها تعبانة؟
شد إيد أبوه وقال ببراءة:
— بابا، هما بيتخانقوا ليه؟
مراد بص للحلبة، وبعدين نزل بعينه لابنه.
— مش بيتخانقوا يا سيف، دول بيتعلموا.
— بيتعلموا يضربوا؟
— بيتعلموا يتحكموا في نفسهم قبل ما يتحكموا في إيديهم.
سيف فضل باصص، وبعدين رفع إيده الصغيرة قدام وشه وضم صوابعه.
— طب وأنا ممكن أبقى زيهم؟
مراد ابتسم، وشد على إيده.
— ممكن تبقى أحسن منهم كمان، بس لو عرفت إن القوة مش في إيدك لوحدها.
الكلام عدى على سيف وقتها من غير ما يفهم معناه، لكنه فضل محفور جواه سنين طويلة.
---
رجع مراد البيت في اليوم ده متأخر، وكان سيف ماشي جنبه وهو بيحكي عن الحلبة، وعن الولد اللي كان لابس جوانتيات حمرا، وعن الكابتن اللي صوته كان واصل لآخر الشارع.
أمينة، أمه، كانت واقفة في المطبخ بتحضّر العشا، وأول ما شافتهم قالت:
— أخيرًا! أنا كنت هبعت أدور عليكم.
سيف جري عليها وحضنها من وسطها.
— ماما، أنا عايز أبقى ملاكم!
أمينة بصت لمراد، وبعدها رجعت بصت لابنها.
— ملاكم؟ وإنت لسه مش عارف تربط الجزمة لوحدك!
— هتعلم!
— طب اتعلم الأول تلم هدومك من على الأرض يا بطل.
سيف ضحك، وجرى ناحية أوضته.
مراد قعد على الكرسي، وفضل ساكت.
أمينة لاحظت شروده.
— مالك يا مراد؟
— الواد عينه متعلقة بالمكان.
— وهو المكان ده هياكله؟ ده لسه صغير.
مراد حرك راسه ببطء.
— أنا مش خايف عليه من الملاكمة يا أمينة، أنا خايف عليه من الدنيا اللي بره. عايزه يتعلم يدافع عن نفسه، بس مش عايزه يفتكر إن كل مشكلة تتحل بإيده.
أمينة سابت اللي في إيدها وقعدت قصاده.
— وإنت هتفضل جنبه وتعلمه، مش كده؟
مراد ابتسم ابتسامة صغيرة.
— طول ما ربنا مديني عمر.
لكن الحياة عمرها ما بتستأذن حد قبل ما تغيّر خططه.
وفي الشهور اللي بعدها، شغل مراد قل، والديون زادت، والبيت اللي كان بسيط بقى محتاج حساب لكل حاجة. أمينة بدأت توفر من مصروفها علشان تكفي مصاريف المدرسة، ومراد بقى يخرج قبل الفجر ويرجع بعد ما سيف ينام.
ومع كل يوم كان بيعدي، حلم الملاكمة يبعد خطوة.
لحد ما جه اليوم اللي سيف اكتشف فيه إن فيه أحلام ممكن تتأجل، لكن صعب تموت.
---
كان سيف عنده عشر سنين لما حصلت أول خناقة حقيقية في حياته.
راجع من المدرسة، شنطته على ضهره، وهدومه متربة من اللعب في الفسحة، لما سمع صوت عياط من آخر الحارة.
وقف، وبص ناحية الصوت.
كان ولد أصغر منه واقف جنب الحيطة، وقدامه تلاتة عيال أكبر منه. واحد منهم ماسك كيس السندوتشات بتاعه، والتاني بيضحك، والتالت بيقوله يرجع البيت من غير ما ياكل.
سيف كان يعرف الولد. اسمه كريم، وكان هادي ومابيحبش المشاكل.
قرب منهم وقال:
— إنتوا بتعملوا إيه؟
أكبرهم لف ناحيته.
— وإنت مالك؟
— رجّعوا أكله.
الولد ضحك.
— وإنت هتعمل إيه يعني؟
سيف حس بالخوف، وده كان طبيعي. هو عارف إنهم أكبر منه، وعارف إنه ممكن يتضرب، لكن منظر كريم وهو بيعيط كان أصعب عليه من إنه يمشي ويسيب الموضوع.
قال تاني:
— بقول لك رجّع الأكل.
الولد زقه في صدره.
سيف رجع خطوتين، لكنه ما وقعش.
— إنت مش فاهم؟ امشي من هنا!
سيف بص لكريم، وشافه بيحاول يمسح دموعه بكم قميصه.
في اللحظة دي، اندفع سيف ناحية الولد علشان ياخد الكيس، فحصلت خناقة قصيرة انتهت بيه قاعد على الأرض، وركبته بتوجعه، والعيال التلاتة بيجروا بعيد.
كريم جري عليه.
— إنت كويس يا سيف؟
سيف قام وهو بينفض التراب عن هدومه.
— أيوه.
— طب إنت دخلت نفسك في المشكلة ليه؟
سيف بص له باستغراب.
— علشان إنت كنت لوحدك.
كريم سكت، وسيف أخد الكيس من الأرض ومده له.
— يلا روح قبل ما الأكل يبرد.
ومشي من غير ما يستنى شكر.
لكن لما وصل البيت، كانت أمينة مستنياه على الباب، ووشها كله قلق.
— إيه اللي حصل لك؟
— وقعت.
— وقعت فين؟ في الشارع ولا في خناقة؟
سيف سكت.
أمينة حطت إيديها على كتفه.
— يا ابني، أنا مش عايزاك تبقى جبان، بس مش عايزاك كمان تفتكر إنك لازم تواجه الدنيا كلها لوحدك.
سيف بص لها، ولأول مرة ماعرفش يرد.
بالليل، مراد رجع وعرف اللي حصل. قعد مع ابنه على طرف السرير، وفضل يسمعه لحد ما خلص حكايته.
وبعدين سأله:
— كنت خايف؟
سيف هز راسه.
— أيوه.
— ومع ذلك وقفت؟
— أيوه.
مراد حط إيده على راسه.
— الشجاعة مش إنك ماتخافش يا سيف. الشجاعة إنك تعرف إنك خايف، وتفكر صح رغم خوفك.
سيف قرب منه وقال:
— طب علمني الملاكمة يا بابا.
مراد بص له طويلًا، وبعدها ابتسم.
— من بكرة، هنروح للكابتن فؤاد.
سيف نط من مكانه.
— بجد؟
— بجد. بس عندي شرط.
— أي حاجة!
— عمرك ما تستخدم اللي هتتعلمه علشان تظلم حد أضعف منك.
سيف مد إيده الصغيرة.
— وعد يا بابا.
ومراد صافحه.
ماكانش يعرف إن الوعد ده هيبقى من أصعب الوعود اللي ابنه هيحاول يحافظ عليها طول عمره.
---
مرت السنين، وكبر سيف.
الولد اللي كان بيجري في الحارة بشنطة المدرسة، بقى شاب عنده سبعتاشر سنة، كتفه أعرض، ونظرته أهدى، لكن العناد اللي في عينه ما اتغيرش.
بقى يروح المدرسة الصبح، ويشتغل بعد الضهر في محل قطع غيار، وبالليل يقضي ساعات في مركز النصر للملاكمة.
ماكانش عنده وقت يضيعه، ولا رفاهية إنه يستسلم للتعب.
كان عارف إن أبوه مبقاش يقدر يشتغل زي زمان، وإن أمه بتخبي عنه قلقها كل ما مصاريف البيت تزيد.
وفي كل مرة كان يحس إنه مش قادر يكمل، يفتكر أول يوم دخل فيه المركز، وإيد أبوه وهي ماسكة إيده الصغيرة.
كان الكابتن فؤاد واقف عند الحلبة لما دخل سيف، وشاور له يقرب.
— اتأخرت ليه؟
سيف حط شنطته على الأرض.
— كنت في الشغل يا كابتن.
— والشغل أهم من التمرين؟
— لو ما اشتغلتش، مش هعرف أدفع مصاريف التمرين أصلًا.
فؤاد سكت لحظة، وبعدها قال:
— جهز نفسك. عندنا تصفيات الأسبوع الجاي، وأنا رشحتك.
سيف رفع راسه بسرعة.
— أنا؟
— لأ، الحيطة اللي وراك.
سيف ابتسم.
— يعني هشارك بجد؟
— المشاركة مش جايزة يا سيف. إنت هتدخل تواجه واحد اتدرب أكتر منك، وعنده خبرة أكبر منك، ومش هيفرق معاه إنك تعبان أو ظروفك صعبة.
سيف شد رباط إيده.
— وأنا مش هطلب منه يراعي ظروفي.
فؤاد قرب منه.
— أنا مش عايزك تدخل علشان تنتقم من الدنيا. إنت داخل علشان تثبت لنفسك إنك تقدر تتعلم وتتحسن. فيه فرق كبير بين الاتنين.
سيف هز راسه، وطلع الحلبة.
بدأ التمرين، والضربات بقت تتوالى على الكيس، وصوت الجوانتيات وهو بيخبط فيه بيملى المكان.
لكن وسط كل الضربات دي، كان فيه سؤال واحد بيلح عليه:
هل التعب اللي عاشه طول السنين دي هيكون كفاية علشان يوصله للحلم اللي بيجري وراه؟
ولا الحلبة ليها حسابات تانية؟
---
في الناحية التانية من إسكندرية، كانت روح ناصر بتقف قدام باب بيتها، بتحاول توازن بين شنطتها وموبايلها، وصوت أمها جاي من المطبخ.
— يا روح، الفطار!
— مش هلحق يا ماما!
— كل يوم مش هلحقي! إنتِ رايحة جامعة ولا هاربة من البلد؟
روح ضحكت وهي بتدخل المطبخ بسرعة.
— هاتي لقمة بس، والله ما هتأخر.
أبوها ناصر كان قاعد على السفرة، بيشرب الشاي وبيتابع الأخبار.
بص لها وقال:
— عندك محاضرات لحد إمتى النهارده؟
— مش عارفة، حسب الدكتور هيطول قد إيه.
— خلي بالك من نفسك.
روح قعدت وخدت لقمة، وبعدين بصت له.
— يا بابا، أنا مش طفلة.
— وأنا ما قلتش إنك طفلة.
— أومال ليه كل يوم نفس الوصايا؟
ناصر ابتسم.
— علشان كل يوم إنتِ بنتي.
روح سكتت، وابتسامتها هديت شوية. كانت بتحب أبوها، حتى لو طريقته في الخوف عليها ساعات بتخنقها.
بعد الفطار، خرجت وهي بتودع أمها، ونزلت الشارع.
ماكانتش تعرف إن مشوارها العادي للجامعة هيكون بداية تقاطع طريقها مع طريق شاب مشغول بحلمه أكتر من أي حاجة تانية.
---
في نفس اليوم، سيف كان واقف قدام محل قطع الغيار، بيقفل الحساب مع عم جلال، لما سمع صوت بنت بتتكلم بعصبية عند أول الشارع.
— حضرتك مش من حقك تحكم عليا بالطريقة دي!
كان فيه راجل بيحاول يفرض رأيه عليها، وهي واقفة قدامه ثابتة، مش بتصرخ، لكن مش بتتراجع.
سيف خرج من المحل خطوتين، وبص ناحية الموقف.
البنت كانت ماسكة شنطتها، وعينيها مليانة ضيق.
الراجل قال لها:
— أنا أكبر منك، ولما أتكلم تسمعي الكلام!
ردت عليه:
— الاحترام مش بالسن، الاحترام بالطريقة اللي بنتعامل بيها مع بعض.
سيف وقف يراقب من بعيد، مستغرب ثباتها.
الراجل تمتم بكلمتين ومشي، وروح فضلت مكانها لحظة، بتاخد نفسها، وبعدها كملت طريقها.
قبل ما تختفي وسط الناس، التفتت بالصدفة، وعينيها قابلت عيني سيف.
نظرة واحدة.
لا هي ابتسمت، ولا هو اتكلم.
لكن سيف فضل واقف مكانه ثواني، لحد ما عم جلال ناداه من جوه المحل:
— يا سيف! هتفضل واقف تتفرج على الشارع ولا هتيجي تخلص شغلك؟
سيف رجع لجوه بسرعة.
— جاي يا عم جلال!
حاول يرجع لطبيعته، لكن صورة البنت وهي واقفة بثبات فضلت في دماغه.
ماكانش يعرف اسمها، ولا هي تعرف اسمه.
وماكانش فيه أي سبب يخليهم يفتكروا النظرة دي بعد كده.
لكن بعض الحكايات بتبدأ من غير ميعاد، ومن غير مقدمات، ومن غير ما أصحابها يعرفوا إن أول صفحة اتكتبت فعلًا.
---
في آخر الليل، رجع سيف البيت بعد تمرين طويل.
لقى أبوه قاعد في الصالة، قدامه ورقة قديمة وصورة ليه وهو طفل، واقف جنب مراد قدام مركز النصر.
سيف قعد جنبه.
— بتبص على إيه يا بابا؟
مراد رفع الصورة.
— فاكر اليوم ده؟
سيف ضحك.
— ده أنا كنت صغير أوي.
— وكنت مصمم تبقى ملاكم.
— ولسه مصمم.
مراد بص له، وابتسامته اختفت بالتدريج.
— يا سيف، فيه حاجة لازم تفهمها. أنا فخور بيك، سواء كسبت البطولة أو خسرتها. بس مش عايزك تربط قيمتك باللي الناس هتقوله عنك.
سيف عقد حاجبيه.
— ليه بتقول الكلام ده دلوقتي؟
مراد طوى الصورة وحطها على الترابيزة.
— علشان كل ما الواحد يقرب من حلمه، بيبدأ يخاف يخسره. وأنا مش عايز خوفك من الخسارة يخليك تنسى إنت بدأت ليه.
سيف بص للصورة، وبعدها لأبوه.
— أنا بدأت علشان أبقى قوي.
مراد هز راسه.
— لأ يا ابني. إنت بدأت علشان كنت عايز تساعد حد ماكانش قادر يساعد نفسه. خليك فاكر ده.
سيف سكت طويلًا.
وبعدين قام، أخد الصورة، وحطها في درج مكتبه.
قبل ما ينام، فتح ورقة التصفيات، وكتب تحت اسمه جملة واحدة:
«مش لازم أكسب كل معركة... بس لازم أعرف أنا بحارب علشان إيه.»
قفل الكشكول، وطفى النور.
وفي مكان تاني من المدينة، كانت روح بتراجع محاضراتها، غير مدركة إن الأيام الجاية هتحطها في طريق سيف مرة تانية، وإن كل واحد فيهم هيكتشف في التاني حاجات ماكانش متوقع يقابلها.
أما سيف، فكان فاكر إن أكبر اختبار مستنيه هو النزال الأول.
وماكانش يعرف إن الحلبة مش دايمًا بتكون المكان اللي بنواجه فيه أصعب خصومنا.
أحيانًا، أصعب مواجهة بتبدأ وإنت فاكر إنك مستعد لكل حاجة... لحد ما الحياة تفاجئك بحاجة عمرك ما اتدربت عليها.
