رواية سراب الفصل الاول1بقلم يارا علاء الدين


رواية سراب الفصل الاول1بقلم يارا علاء الدين

اصعب خدعة ممكن يعيشها إنسان، مش إن الناس تكدب عليه.. الخدعة الحقيقية هي لما تكتشف إنك مبقتش قادر تفرق بين الحقيقة والسراب.

لما تلاقي نفسك واقف في نص المسافة بين اللي حصل فعلاً وبين اللي أنت متخيل إنه حصل..

 ومطلوب منك إنك  تمشي في الضباب ده لوحدك عشان تدور على الحقيقة، وإنت مش عارف لو وصلت لها.. هتستحملها ولا لأ؟"
ـــــــــــــــــــــــــــ
اسمي ندى، عندي 33 سنة، ومتجوزة من كريم بقالنا 8 سنين.  
 لو سألت أي حد يعرف كريم، سواء من أهلي أو صحابنا أو جيراننا، هيقولك: 
"كريم ده راجل ميتعوضش.. يا بختك بيه يا ندى."

كلهم كانوا بيحسدوني عليه. وفي الحقيقة، أنا كمان كنت بشوفه كده. 

كريم مش بس جوزي، كريم كان الأمان اللي اتسندت عليه من يوم ما اتجوزنا. راجل حنين، هادي، عمره ما رفع صوته عليا، ولا اتأخر عن البيت دقيقة واحدة ، ولا خلاني أحتاج حاجة وأطلبها مرتين.

وحتى بعد ما عدت سنين على جوازنا والدنيا خلت الروتين يتسرب لحياتنا، كان لسه بيفتكر يجيبلي ورد، أو الشوكولاتة اللي بحبها، أو هدية بسيطة من غير أي مناسبة.

أوقات كتير، كنت ببصله وهو نايم ، وأقول لنفسي بصوت واطي:
أنا عملت إيه حلو في حياتي عشان ربنا يرزقني بواحد زيه؟

يمكن عشان كده... كان صعبان عليا أوي لما الموضوع ده بدأ يحصل، لإنه بكل بساطة ميستاهلش  كل القلق والتعب اللي أنا كنت السبب فيه ده !

الموضوع بدأ من حوالي سنة.

في الأول كانت حاجات بسيطة أوي، أنسى أنا حطيت المفاتيح فين، وأقعد ألف في الشقة ساعة وأكتشف إنها في جيب الجاكيت اللي لابساه. أنسى هو أنا دفعت الحساب في السوبر ماركت وخدت الباقي ولالا ؟ انسى قفلت البوتاجاز ولا لا؟

 كنت بضحك وبقول لكريم وأنا بحضر العشا:
"واضح إني كبرت بدري يا كريم، وبقى عندي زهايمر!"

كان بيبتسم وياخد الأطباق من إيدي ويقولي:
زهايمر مين بس, ده مجرد إرهاق من شغل البيت وتفكيرك الزايد.

لكن مع الوقت... النسيان بدأ يغير شكله. مبقاش مجرد شيء عابر... بقى غريب، ومخيف أوي. 

 في يوم ، نزلت السوبر ماركت الكبير اللي في أول الشارع أجيب شوية طلبات للبيت. جبت الجبنة واللبن والشكولاته اللي بحبها، ووقفت في الطابور. لما جه دوري عند الكاشير، شاب صغير شغال هناك بقاله فترة، أول ما شافني ابتسم ابتسامة هادية وقال:
"أهلاً يا مدام ندى.. ازي حضرتك .. وابتدى يشوفلي الحساب وقبل ما أمشي شاور على حاجة ورايا وقالي:

حضرتك نسيتي الشنطة بتاعتك كالعادة!

لفيت وشي وهو كمل:
 ديه تالت مرة تنسيها عندنا الأسبوع ده !

ابتسمتله مجاملة بالعافية، وحسيت بريقي بينشف. خدت الشنطة والطلبات وخرجت أجر رجلي.

نسيتي الشنطة كالعادة؟ تالت مرة؟
الكلمات بدات تترد في ودني من غير ماتقف!

رجعت البيت، الشقة كانت هادية. حطيت الشنط على الرخامة، وقعدت على الكرسي في الصالة وأنا بفرك إيدي ببعضها.
 لما كريم رجع من الشغل قعدت جنبه وحكيتله اللي حصل في السوبر ماركت بقلق.كريم مضحكش المرادي. ولا هزر.

بصلي باهتمام غريب، وشه كان فيه ملامح شفقة وقلق عميق. قرب مني، مسك إيدي الاثنين بين إيديه ، وقال بصوت هادي أوي وموزون:

"أنا كمان ملاحظ إنك بقيتي بتنسي كتير يا ندى.. حاجات كتير بتحصل وتنسيها , يمكن ده من لغبطة النوم يا حبيبتي، إنتِ مبتناميش كويس بقالك فترة، حاول تظبطي نومك والموضوع هيفرق معاكي جداً."

الجملة دي بالذات فضلت ترن في ودني طول الليل:
أنا كمان ملاحظ.. أنا كمان ملاحظ..  

يعني أنا فعلاً بنسى؟ الموضوع مش مجرد تهيؤات في دماغي أنا بس، ده الناس وكريم شايفينه وعايشينه معايا! 

بس بصراحة، أنا اقتنعت بكلامه جداً وقتها. أصل الأم اللي عندها طفل في سن سليم الله يكون في عونها، السهر والتربية والمسؤولية بتهد أي حد.

 من اليوم ده، قررت إن لازم أسيطر على حياتي. الخوف كان بدأ يتسرب لقلبي بشكل مش طبيعي. بقيت أركز في كل تفصيلة أعملها.

اشتريت نوتة صغيرة لونها أزرق، وحطيت فيها قلم جاف، وبقيت أكتب كل حاجة بتحصل في يومي بالتفصيل الملل عشان أبقى فاكرة، وعشان أحاول أنقذ نفسي: 
 صحيت الساعة 8 الصبح، عملت شاي بلبن وكيك، كريم نزل الشغل الساعة 9،
 غسلت الغسيل الأبيض الساعة 11.نزلت اشتريت طماطم وخيار من المحل اللي على الناحية التانية.
  هعمل غدا مكرونة وبشاميل النهارده.

 كل حاجة.. كل تفصيلة صغيرة كنت بسجلها . 

كنت فاكرة إن النوتة دي هتبقى طوق النجاة اللي هيطمني ويثبتلي إن عقلي سليم... لكن اللي حصل كان العكس تماماً، النوتة دي كانت البداية للجحيم اللي بدأ يظهر واحدة واحدة!

 بعد أسبوع تقريباً، كنت قاعدة في الصالة ، وفتحت النوتة عشان أشوف يوم الجمعة اللي فاتت. كنت اشتريت بلوزة جديدة من محل في المول، وكنت عايزة أفتكر سعرها كام بالظبط عشان أشتري واحدة تانية لصاحبتي في عيد ميلادها.

وأنا بقلب الصفحات، صوابعي اتجمدت على صفحة يوم الخميس.لقيت مكتوب في نص الصفحة، بخط إيدي... خطي أنا بالظبط:

"الساعة 8 بالليل يوم الخميس... نزلت مع كريم واتعشينا برا في المطعم اللي بحبه"   فضلت باصة للجملة دقيقة.. اتنين،  قرأتها عشر مرات.

أنا بحاول أفتكر.. أسترجع ريحة الأكل، العشاء، الطريق، لبسي، أي حاجة!
مفيش. أبيض تماماً.

أنا متأكدة إني يوم الخميس ده كنت تعبانة ومش فاكرة إني خرجت من باب الشقة ده أصلًا! 

إيدي بدأت تترعش. جريت على أوضة النوم، مسكت الموبايل. أنا من النوع اللي مابيروحش مكان من غير ما يتصور فيه. فتحت معرض الصور، ونزلت لتاريخ يوم الخميس اللي فات.  

لقيت ألبوم كامل.. أزيد من 15 صورة ليا أنا وكريم في مطعم شيك، الأضواء بتاعته هادية.

فضلت أكبّر الصورة دقيقة ورا الثانية.

أنا لابسة الفستان الزيتي اللي بحبه، ببتسم، وواخدة كريم في حضني، وهو مبتسم ومسك إيدي. فيه صورة وأنا باكل كيك بالشوكولاتة، وصورة ثانية بنضحك إحنا الاثنين.

كل حاجة في الصورة طبيعية جداً.. إلا حاجة واحدة بس كانت مرعبة بجد:

إني مش فاكرة إن اليوم ده حصل أصلًا! طب إزاي؟ إزاي إنسان يعيش ليلة كاملة، يضحك ويتصور وياكل، ويمسحها عقله تماماً كأنها متسجلتش من الأساس؟

  قفلت الاستوديو بسرعة واتصلت بكريم.

أول ما رد وقال:

"أيوه يا ندى يا حبيبتي.."

قلتله بصوت طالع بالعافية:
"كريم.. هو إحنا خرجنا يوم الخميس اللي فات؟"  

 سمعت ضحكته الخفيفة  وقال بهزار :
"قولي إنك عايزة تخرجي تاني على طول وبلاش الطريقة دي، أنا حافظك وفاهم حركاتك دي كويس!"

  صرخت فيه بعصبية ودموعي بدأت تتجمع:
"رد عليا يا كريم لو سمحت! بلاش هزار.. رد عليا بجد!"

   نبرته اتغيرت للدهشة والاستغراب:
"في إيه يا ندى؟ مالك؟ اه يا حبيبتي خرجنا، وإنتِ اللي اخترتي المطعم ده بالذات عشان بتحبيه.." 

  سكت. الدنيا كلها سكتت حواليا.

لقيته سألني بصوت مليان قلق:
"ندى.. إنتِ كويسة؟"  

 لأول مرة في حياتي، ألاقي نفسي بخاف من السؤال أكتر من الإجابة.

هو أنا بيحصلي إيه؟ هو أنا ممكن أكون عندي فصام؟ ممكن أكون بمر بمرض نفسي خطير وبيجيلي هلاوس وشخصية ثانية بتتحرك وأنا معرفش؟

ده السؤال اللي قعد يتردد في دماغي لما كريم سألني وقال: "إنتِ كويسة؟" 

  بلعت ريقي وخدت نفس عميق وقولتله:
"اااه يا كريم.. اه كويسة، متقلقش.."

 قفلت الموبايل، وإيدي كانت بتترعش بدرجة مش قادرة أمسك بيها الموبايل اترميت على الكنبة في الصالة، وحطيت راسي بين إيديا. مبقتش عارفة أفرق بين الحقيقة والخيال، بين اللي أنا فاكراه واللي بيحصل فعلاً.

 هو أنا عايشة في عالم حقيقي ولا جوه هلاوس دماغي؟
 
ملحقتش أستوعب الصدمة، لحد ما فجأة.. سمعت صوت جرس الباب بيرن رنات متقطعة وقريبة. 

 قومت ببطء، وحاولت أجمع شتات نفسي وأطرد الأفكار دي من دماغي، ومسحت وشي بإيدي.

فتحت الباب.. كانت جارتنا اللي ساكنة في الشقة اللي قدامنا، أم هدى.

ست كبيرة في السن، طيبة وبتحبني جداً، دايمًا بتسأل عليا وعلى سليم، وكانت بتفكرني بأمي الله يرحمها. بس النهاردة.. ملامح أم هدى مكنتش هادية ولا فيها الابتسامة المعتادة.

كانت واقفة، بتبصلي بعيون مليانة قلق وقالت بصوت واطي ومتردد:
"إنتِ كويسة يا بنتي؟"  

ابتسمت ابتسامة باهتة وقولتلها:
"آه الحمد لله يا طنط.. اتفضلي يا حبيبتي، ادخلي اشربي شاي معايا."  

 سكتت أم هدى ثانيتين، كانت بتبص في وشي بتركيز مرعب، وبعدين قالت الجملة اللي حسيت بعديها إن الدم اتجمد في عروقي:
"طب.. إنتِ كنتِ فين امبارح بالليل؟"

  استغربت وقولتلها تلقائياً:

"في البيت يا طنط، هكون فين يعني؟" 

  هزت راسها بسرعة، وقالتلي:
"لأ يا حبيبتي.. أنا شوفتك بعيني .

كملت وهي بتبص يمين وشمال كأنها خايفة حد يسمعنا:
"إنتِ كنتي خارجة من بوابة العمارة الساعة 4 الفجر بالظبط.. كان شكلك متوتر أوي وقلقانة، وبتبصي حواليكي كأنك بتدوري على حاجة ضايعة منك في الشارع!

 سكت. حسيت الأرض بتميل بيا،. قلبي ضرباته بدأت تزيد بعنف. قولتلها بصوت مبحوح :
"أنتِ أكيد غلطانة يا طنط.. يمكن حد شبهي أنا مانزلتش! وبعدين إزاي هنزل في الشارع وقت الفجر وليه أصلًا؟ وهنزل لوحدي كده أعمل إيه؟"

   بس أم هدى قاطعتني بثبات وإصرار يرعب:
"أنا حتى ناديت عليكِ من الشباك ..  بس إنتِ بصلتيني بنظرة غريبة أوي ومردتيش عليا، ومشيتي بسرعة.

  رجعت خطوة لورا، مكنتش قادرة أستوعب ولا كلمة. أنا بنزل الشارع الفجر ومش فاكرة؟ وفي اللحظة دي بالذات، سمعت خطوات لحد طالع على السلم. 

كان كريم، دخل من الباب وبصلنا واحنا واقفين، وقال بابتسامته المعتادة:

"خير يا جماعة؟ واقفين على الباب كده ليه؟ فيه حاجة حصلت؟" 

  أم هدى بصتله، وبعدين بصتلي بنظرة فيها أسف ، وقالت بسرعة:
"لا يا بني، مفيش حاجة.. أنا بس كنت جاية أتطمن على ندى وأشوفها لو محتاجة حاجة. يلا عن إذنكم بقى."

ومشيت علطول دخلت شقتها.

 كريم دخل وقفل الباب وراه قربت منه وقلبي بيدق بطريقة غريبة بصيت له، ودموعي خلاص محبوسة في عيني، وقولت له بصوت مكسور وطالع بالعافية:

"كريم.. أم هدى بتقول أني نزلت من البيت لوحدي امبارح الفجر.... وكانت بتناديني وأنا مردتش عليها." 
كريم قال:.................

                  الفصل الثاني من هنا

تعليقات



<>