رواية سراب الفصل الثاني2بقلم يارا علاء الدين


رواية سراب الفصل الثاني2بقلم يارا علاء الدين

أنا بنزل من البيت الفجر لوحدي ؟ طب إزاي؟ وبروح فين؟

ــــــــــــــــــــــــــــ

"كريم.. أم هدى بتقول أني نزلت من البيت لوحدي امبارح الفجر.... وكانت بتناديني وأنا مردتش عليها."   

كريم سكت.
سكت لحظة أطول من الطبيعي.. ثواني كانت كفيلة إنها تحرق أعصابي. وبعدين بصلي بهدوء شديد وقال:
"إيه ده؟ حصل إمتى الكلام ده؟ بس أنا صحيت الصبح وكنتي نايمة جنبي في السرير عادي يا ندى!"

   دموعي نزلت غصب عني وانفجرت. اترميت على الأرض وقولتله وأنا بصرخ:
"أنا مبقتش فاهمة حاجة يا كريم! أنا بقيت بعيش حاجات من غير ما أعرفها ولا أفتكرها! أنا بضيع!" 

 كريم قرب مني ، قعد على ركبه قدامي، وخدني في حضنه وطبطب على ضهري وقال بنبرة مليانة حنية:
"اهدي يا حبيبتي.. اهدي مفيش حاجة. إحنا هنروح لدكتور مخ وأعصاب كبير، ونطمن، وبإذن الله كل حاجة ليها حل.. أنا جنبك ومش هسيبك." 

  رفعت راسي وبصيت في عينيه وقولتله بصوت مرعوب:
"أنا مريضة فصام يا كريم! أنا مريضة نفسياً!"

   مسح دموعي بإيده وقال بثبات:
"اوعي تقولي على نفسك كده تاني! إنتِ زي الفل وعقلك يوزن بلد.. بكرة بإذن الله نروح للدكتور وهتتأكدي بنفسك إن كل ده مجرد إرهاق وبس."

  بعدها، كريم دخل ياخد شاور، وأنا قعدت على حرف السرير في الأوضة الضلمة. الجملة الوحيدة اللي كانت بتتعاد في دماغي زي الأسطوانة المكسورة:

أنا مريضة.. أنا مقتنعة بكده.. بس يا ترى كريم هيستحملني لحد إمتى؟

هيستحمل يعيش مع واحدة بتفقد عقلها؟ ولا هيجي يوم ويزهق ويسيبني ويشوف واحدة تانية طبيعية؟

   تاني يوم الصبح،. ركبت مع كريم العربية وكنت ساكتة طول الطريق.

كلام أم هدى كان بيتكرر في دماغي:
 "إنتي كنتي خارجة من العمارة لوحدك الفجر..."

  كريم كان بيحاول يفتح معايا مواضيع طول السكة، يشغل الراديو، يمسك إيدي، ويحاول يهديني. بس أنا مكنتش سامعة حاجة من الصوت اللي جوه راسي.  

وصلنا للعيادة. عيادة دكتور مخ وأعصاب مشهور جداً في وسط البلد، اسم كبير والناس كلها بتشكر في تشخيصه.

قعدنا في الصالة المليانة مرضى. كل دقيقة بتعدي كانت بتعدي عليا كأنها سنة. صراع رهيب جوايا: أقوم وأجري من هنا واستخبى من الحقيقة، ولا أدخل وأواجه المصير اللي مستنيني؟ 

 لما نادى الممرض باسمي، دخلنا. الدكتور كان راجل في الخمسينات من عمره، بنضارة طبية وملامح هادية بتوحي بالخبرة. قعدنا قدامه، وبصلي وقال بهدوء:

"خير يا مدام ندى.. حضرتك بتشتكي من إيه؟" 

  بلعت ريقي بصعوبة وقولتله وأنا بفرك صوابعي:

"بنسى حاجات كتير يا دكتور.. حاجات أعملها وأكتبها وأنسى إني عملتها، وبشوف صور ليا في أماكن مع جوزي أنا مش فاكرة إني روحتها أصلاً.. وجيراني بيشوفوني بخرج بالليل وأنا فاكرة إني نايمة.

  كريم اتكلم بعدها، وحكى للدكتور بأسلوب هادي عن المواقف اللي حصلت معايا، وعن النوتة، وعن كلام الكاشير وأم هدى.

  الدكتور قعد يسمع بتركيز، ويكتب ملاحظات في ملف قدامه. وبعدين وجهلي أسئلة مباشرة:

"في أي حاجة ضغطاكي الفترة دي؟ في أي حادثة أو خبر وحش سمعتيه قريب؟ في أي مشاكل في النوم؟"

ابتديت أجاوبه وبعدها ابتسم ابتسامة خفيفة ومسك القلم وكتب روشتة وقال:

طب إحنا في الأول هنعمل شوية تحاليل بسيطة.. صورة دم كاملة، ونسبة حديد، عشان نستبعد أنيميا أو نقص فيتامينات أو أي سبب عضوي ممكن يسبب تشوش للذاكرة."

  كريم كان قاعد جنبي، طبطب على إيدي وقال للدكتور:
"يعني يا دكتور ده ممكن يكون مجرد إرهاق زي ما قولتلها؟"

الدكتور رد:
"كل حاجة واردة، التحاليل هتوضح كل حاجة."

  خرجنا من العيادة. اليومين دول كانوا أصعب يومين عدوا عليا في حياتي. كنت خايفة التحاليل تطلع سليمة! متخيلين الرعب؟

 خايفة أطلع جسدياً سليمة عشان ده معناه إني مريضة نفسيًا!  

 اليوم الثالث، استلمنا النتيجة ورجعنا للدكتور. الدكتور فتح الظرف، بص في الأوراق بهدوء، ورجع ضهره لورا وقال:
"التحاليل طبيعية تقريباً يا مدام ندى.. مفيش حاجة خطيرة، فيه أنيميا بسيطة.. بس ده مش كافي إطلاقاً يفسر حالة النسيان  والتشوش دي.

 على العموم، أنا هكتبلك الدوا ده، تمشي عليه أسبوعين وتجيلي تاني.. لو مفيش تحسن، يبقى التشخيص هينحصر في الشق النفسي ولازم نحولك لمعالج نفسي سلوكي."

  خرجنا وأنا مش شايفه الشارع قدامي. كريم كان عمال يطمني ويقولي في العربية:
"هتاخدي الدوا وهتبقي كويسة، كل اللي في دماغك ده أوهام وخوف زيادة، الدوا ده بإذن الله هيظبط كل حاجة."

وأنا ساكتة. مش عايزة حد يطمني بكلام فارغ.. أنا عايزة أعرف الحقيقة وخلاص! مش هقدر أتحمل العذاب والشك ده أسبوعين كمان!

  عدت الليلة ببطء قاتل. الصبح، كريم صحي بدري، وقرب مني وأنا في السرير وقال بنبرته الحنونة المعتادة:

"متقلقيش يا حبيبتي، كل حاجة هتبقى كويسة.. قومي يالا افطري، واشربي قهوتك الجميلة، ومتفكريش كتير في أي حاجة."

ابتسمتله مجاملة وقولتله:
 "حاضر."   نزل كريم للشركة، وقررت أقوم أتحرك في الشقة عشان أهرب من أفكاري.

قلت أروق المطبخ تنضيف عميق قبل ما سليم يصحى من النوم.  

 وقفت في المطبخ، وبدأت أفرز الأدراج. لحد ما وصلت للدرج اللي تحت خالص.. الدرج اللي دايمًا مابنرضاش نرتبه، وبنحط فيه الأكياس والكراكيب والعلب الفاضية ونخليه لأوقات الترويق العميق.

  نزلت على ركبتي وبدأت أطلع الأكياس القديمة. وأنا بمد إيدي في أخر الدرج جوه أوي، صوابعي لمست حاجة غريبة.. علبة مسطحة ومستخبية تحت أكياس بلاستيك مطبقة.   شديتها ببطء.

كانت علبة فيها شرايط أدوية. مسكت شريط منهم.. كان متاكل من الأطراف، والاسم التجاري اللي عليه ممسوح,  استغربت جداً.

 إيه اللي جاب شريط دوا هنا في درج المطبخ تحت الكراكيب؟

قلت في نفسي: 
أكيد دوا قديم وأنا حطيته هنا ونسيت كالعادة.

وجيت أرجعه مكانه.. بس صوابعي خبطت في حاجة تانية ورا العلبة.   مديت إيدي.. وطلعت كيس أسود.

فتحت الكيس.. والمنظر خضني وجمد الدم في عروقي!   الكيس كان مليان! شرايط أدوية كتير أوي! أكتر من 10 أو 12 شريط من نفس النوع الممسوح اسمه!

خدت شريط واحد من الكيس، وقفلته، وجريت على الأوضة. لبست هدومي بسرعة , وخدت سليم وجريت بيه على أم هدى، سبته عندها وقولتلها عندي مشوار ضروري ، ونزلت أجر رجلي في الشارع كنت رايحة  لعيادة الدكتور ! 

الممرض وافق يدخلني بالعافية لما شاف منظري ووشي الأصفر وإيدي اللي بتترعش.

لما جه دوري ودخلت, حطيت الشريط الممسوح اسمه قدام الدكتور على المكتب ، وكنت بنهج وإيدي بتترعش. 

  الدكتور بص على الشريط ثانيتين بفضول.. وبعدين مسكه بإيده، ورفعه للإضاءة، وبص في الرمز المحفور البارز الصغير على ضهر الشريط.

وفجأة.. ملامح الدكتور اتغيرت تماماً! عينيه ضاقت، وبصلي بنظرة صارمة وقال بهدوء مخيف:

"إيه ده؟"  

 بلعت ريقي بصعوبة وقولتله:
"لقيت شرايط كتير من ده في درج كراكيب المطبخ يا دكتور.. وأنا طبعاً مش فاكرة أنا حطيتهم إمتى ولا بتوع إيه! هو الدوا ده بتاع إيه يا دكتور؟"

 سكت الدكتور. سكت فترة طويلة أطول من اللازم، كان بيقلب الشريط في إيده. وبعدين بصلي مباشرة في عيني وقال:
"إنتي بتاخدي الدوا ده من إمتى يا مدام ندى؟ وبجرعة قد إيه؟"  

 هزيت راسي بسرعة ونفيت بإيدي:
"أنا مباخدش الدوا ده! أنا مباخدش أدوية أصلًا يا دكتور! أنا معرفش ده بتاع إيه أصلاً عشان كده جيت لحضرتك!" 

  الدكتور خد نفس عميق، وحط الشريط على المكتب، وقال الكلمة اللي هزت أركاني:
"إحنا كده عرفنا سبب الحالة والنسيان اللي إنتِ فيه!" 

  اتجمدت في مكتبي. الدكتور كمل وهو بيشرح بلهجة طبية جادة جداً:

"الدوا ده يا مدام ندى مركب ثقيل جداً ، كان بيستخدم زمان في المصحات لمصابي الحالات الهستيرية الصعبة، ومحذور تداوله حالياً إلا بروشتات خاصة جداً ومراقبة. الدوا ده مع الاستخدام المستمر وبجرعات متزايدة، بيمسح الذاكرة القريبة تماماً! بيعمل تشوش كامل، هلاوس نوم، عدم ثبات، وبيخلي الإنسان يتعامل ويتكلم ويتحرك كأنه في حلم وينسى  تمامًا ًكل اللي قاله أو عمله!

محدش بيكتب الدوا ده دلوقتي من كتر آثاره الجانبية المدمرة على العقل إلا لو حالة صعبة جدًا وبجرعات معينة !"
   كنت قاعدة أسمع.. ودموعي نازلة على وشي في صمت تام. مش عارفة أفرح إني مش مريضة بمرض عقلي زي ما كنت خايفة، ولا أصرخ وأتجنن من الرعب لإني مش عارفة إيه اللي بيحصلي ومين بيعمل فيا كده؟
   الدكتور اتكلم بثبات:
"الموضوع ده خطير جداً ولازم يتوقف فوراً.. ولازم نعرف الدوا ده بيوصلك إزاي وبتاخديه إزاي؟ أنا محتاج أتكلم مع أستاذ كريم زوجك ضروري!
   هزيت راسي وقلت بصوت مش طالع: 
"هخليه يجي لحضرتك.."

   قومت من الكرسي، ومحستش برجلي وهي بتلمس الأرض.
خرجت من العيادة، الشارع كان دوشة أوي بس الأًصوات مكنتش بتوصلني عشان كلام الدكتور كان بيرن زي الجرس في وداني:
"الدوا ده بيمسح الذاكرة.. الدوا ده خطير!"

                  الفصل الثالث من هنا
تعليقات



<>