
غيرة
استيقظت ليان على رنين هاتفها فتحركت وجذبته من جوارها عندما رأت اسم رائد فأفاقت بالحال واعتدلت وقلبها يعصف بها وهي تجيبه "صباح الخير"
كان ينزل من غرفته بقصر راكان وهو يبتسم لسماع صوتها وقال "صباح الورد والفل والياسمين على أجمل امرأة رأتها عيوني"
ارتجف قلبها وضحكت فعاد يقول "تلك الضحكة خطر على رجل مثلي"
قالت بخجل "رجل مثلك؟"
تحرك بالصالة الكبرى وقال "رجل مثلي يهيم بصاحبة الضحكة"
هتفت برقة "كفى رائد أنت تخجلني"
ابتسم بسعادة وقال "أعشق الخجل وأغار منه لأنه يلمس قلبك ووجنتيك وأنا لا"
احتضنت وسادتها وقالت "أنت مبكر؟"
قال "لدي بعض العمل مع راكان وبعدها كلي لكِ، أين ترغبين قضاء اليوم؟"
انتفضت بسعادة رحلت بتذكر وافي وقالت "وافي رائد"
عبث قليلا ثم قال "سأهاتفه، أنا راحل غدا حبيبتي وأرغب بوجودك معي قبل الرحيل"
قالت بحزن "لا أرغب بتذكر رحيلك فلا أتخيل أنه ليس أمامي سوى اليوم لأقضيه معك"
ابتسم وقال "أعلم حبيبتي، فقط لابد أن أعود غدا لإنهاء أمور عالقة وسأكون هنا بأقرب وقت لتخبريني متى ستنتهي مهلة اختباري حتى يمكننا الاتفاق بعدها على الزواج"
صمتت قليلا فقال "سامحيني ليان فأنا حلمت بوجودك بحياتي كثيرا ولم أعد أتحمل الانتظار"
هي الأخرى حلمت بذلك ومع هذا قالت "الأمر بيدك رائد اثبت لي إخلاصك وسأكون لك لنهاية العمر"
ابتسم وقال "سأفعل، استعدي وسأهاتف وافي وأعود لكِ"
أغلق وهاتف وافي الذي أجاب "أهلا رائد، أنت مبكر"
تحرك لمكتب راكان ودق الباب ودخل فرفع راكان وجهه عن الشاشة ورائد يقول "ليس لدي سوى اليوم هنا، أرغب بأخذ ليان بجولة هل تمانع؟"
صمت وافي قليلا ثم قال "أعلم أنك ستحافظ عليها جيدا رائد"
أجاب رائد "أفديها بروحي وافي، شكرا لك صديقي"
تراجع راكان بمقعده ورائد يقول "ألا تنام؟"
نهض راكان وتحرك لرائد الذي جلس وراكان جلس أمامه وقال "متى ستذهب؟"
ابتسم وقال "عندما تنتهي مني ولكن ليس ككل مرة، ستحمل الأمور عني اليوم، أرغب بقضاء كل لحظة معها راكان"
هز راكان رأسه وقال "لا أحتاجك بالفعل، اذهب وقتما تشاء واستمتع"
ضحك رائد بسعادة وقال "أنا لا أصدق راك، أخيرا ستكون لي"
ابتسم راكان وقال "سعيد من أجلك حقا رائد، فقط لا تجعلها تندم"
هز رأسه وقال "ليس بعد كل ما عانيته بفراقها راك، يكفي أنها قبلت بفارق العمر وتغاضت عن الماضي كله"
قال بهدوء "ليان لديها عقل راجح وتدرك ماذا تفعل"
ابتسم رائد وقال "والدكتورة، هي لا تخطو خطوة دون نصائحها، اشكرها نيابة عني"
أبعد وجهه وقال "الدكتورة لا تتحدث عما يخص ليان معي، تفعل المثل"
ضحك رائد بقوة ثم قال "لا أصدق أن هناك امرأة تفعل معك ذلك ولكن بعد حديثنا بالأمس عرفت أنها شخصية رائعة حقا راك، هذا بخلاف ثقافتها ومكانتها العلمية، أنت حقا أصبت الاختيار"
هز رأسه ثم قال "لكن هي ترفض كل شيء يجعلها زوجة العمدة، ملابس، مجوهرات، كل ما أقدمه لها ترفضه"
اعتدل رائد وقال "هذا يجعلك تحترمها أكثر راكان، وتتأكد أنها لم ترغب بأموالك ومكانتك بل هي تريدك أنت"
حدق به ثم قال "أعلم ولكن.."
قاطعه رائد "لا تهتم بمن حولك راك، أنت لم تفعل من قبل فلماذا تفعل الآن؟ لا مظهرها ولا حليها هو ما سيقلل منها أمام الجميع بل وجودها معك، ابتسامتها، مشاعرها، هذا هو ما يهمك"
كان صديقه على حق ومع ذلك قال "تعني أن أتوقف عن منحها ما أرغب به؟"
أمال رأسه تجاه وقال "أعني أن تمنحها ما يناسبها"
ظل صامتا لحظة قبل أن يرن هاتف رائد باسم حبيبته فابتسم وقال "سأمنحك نصف ساعة قبل أن أكون عندك"
كانت بالفعل قد انتقت ملابسها وهتفت "وأنا بانتظارك، لا تتأخر"
نهض واقفا وقال "لن أفعل"
أغلق ونظر لراكان الذي أشار له ليذهب وقال "افعلها قبل أن أحبسك هنا"
ابتسم لصديقه وتحرك للباب فأخرج راكان هاتفه وعبث حتى أخرج رقمها وهاتفها فأجابت على الفور وهي تتحرك لخارج شقتها وقالت "صباح الخير، ظننتك نائما"
نهض وتحرك للنافذة وقال "لا، أين أنت؟"
كانت قد نزلت وتحركت للسيارة الأجرة التي طلبتها وقالت "أدخل السيارة الأجرة"
أغمض عيونه محاولا ألا يغضب وقال "وحبيبة؟"
قالت "نائمة، تعلم أنها بإجازة"
وضع يده بجيبه وقال "ومتى تحصلين على أجازه؟"
ابتسمت وقالت "عندما ينتهي العمل"
قال "والعمل لا ينتهي"
ردت "أنت الرئيس"
قال "والرئيس يرغب بإجازة لكن معك"
شعرت برغبة مماثلة فقالت "لا رغبة فوق رغبة الرئيس"
ابتسم وقال "ما رأيك بالغد؟ لدي يخت بميناء الاسكندرية سنمضي اليوم كله على متنه، ماذا عن حبيبة؟"
أبعدت شعرها المتطاير عن عيونها وقالت "هي تعرف كيف تمتع نفسها بدوني"
قال "سأمر عليكِ بالخامسة فجرا لنصل الميناء مبكرا"
هتفت "متى تنام؟"
صمت قليلا ثم قال "بأوقات الفراغ"
سألته "لن أراك اليوم؟"
قال والباب يدق ويدرك أنه سيف "لا، لن أذهب للمجموعة، لدي الكثير هنا بالقصر"
لم تشعره بالضيق الذي تولاها وقالت "حسنا أراك بالفجر"
أنهى الاتصال والتفت لسيف الذي قال "المهندس الذي أرسلته سيناء بالخارج يرغب برؤيتك"
لم ينظر له وهو يقول "ألا يوجد موعد مسبق سيف؟"
أجاب سيف "هو اعتذر كثيرا يا عمدة و.."
التفت له وهو يتحرك للمكتب وقال "ولكن يبدو أن قلبك أصبح ضعيفا مؤخرا"
جلس وسيف يقول "مشروع سيناء يستحق الاهتمام"
رفع نظراته له فارتبك سيف وقال "لم أقصد التدخل يا عمدة"
عاد راكان لجهازه وقال "ليدخل ولا تكررها سيف"
****
تراجعت تمارا للخلف بلا وعي حتى التصقت بالباب والذهول يسقط عليها كعمارة تهاوت فوقها وقبل أن تستوعب ما قيل سمعت سفيان يهتف بغضب "من أنتِ ومن أين عرفتِ بأمر ندى؟"
التفتت تمارا له وهو لا ينكر معرفته بندى، هي تعرف ماضيه جيدا لكن زواج وابن؟
لا، لا يمكنها استيعاب ما يحدث حولها
التفتت المرأة لسفيان الذي لف جسده بروب على بنطلون رياضي والمرأة ترمقه بنظرات غاضبة وهتفت "ندى ابنتي، ابنتي التي ضحكت عليها وتزوجتها عرفي وجعلتها تظن أنك تحبها وعندما نلت مرادك منها ألقيت بها ولم تسأل عنها يوما"
تحرك حتى وقف أمام المرأة وقال بغضب "أنا لم أتلاعب بأحد، كانت تعي كل شيء وتوافق على كل ما تم، أنا لم أخدعها ولم ألقيها كما تقولين، بل منحتها شقة وأموال وأخبرتها أن كل شيء انتهى"
دموع تمارا تحجرت ولم تسقط وهي تشعر كأنها تقف أمام شاشة التلفاز وتشاهد فيلم أمامها والمرأة تقول "ولم تسأل يوما ماذا فعلت بحياتها أو تفكر بأن هناك طفل نتيجة زواجكم؟"
تراجع سفيان من كلماتها وشعر بصاعقة تضربه بقوة بقلبه
طفل؟
كان قد فكر بذلك وقتها لكن بمضي الوقت نسى الأمر، ونسى ندى وكل ما تعلق بها وبدأت علاقته بتمارا فملأت حياته ولم يجد وقت للتفكير بالماضي القريب
أنين ضعيف صدر من الطفل الذي بيد المرأة فسقطت نظراته عليه وخديجة تربت على الجسد الصغير وتقول "هذا نتيجة ما فعلته بابنتي، طفل تيتم بعد ميلاده ولا ذنب له سوى أن له أب مثلك"
ارتج جسده من المفاجأة وهو يردد "تيتم؟"
شهقت المرأة بالبكاء وهي تقول "ندى حبيبتي رحمها الله نزفت كثيرا أثناء الولادة ولأني لا أملك أموال كافية لمشفى خاص لم تلقى عناية كافية بالمشفى الحكومي، أموالك لم تكن تكفيها وظلت تعاني لشهر كامل حتى رحلت منذ يومان، واليوم أتيت لأمنحك ابنك، أنا لن يمكنني رعايته، لقد رحلت من كانت ترعاني وتنفق علي فمن سينفق على ذلك الطفل؟ يمكنك التأكد من أنه ابنك بأي طريقة ترغب بها وسأترك لك عنواني لو ثبت أني كاذبة"
ومدت له بالغطاء الذي يضم الجسد الصغير، وتجمد جسده ولا يعرف ماذا يفعل وكيف يمكنه استيعاب أن له ابن؟
وريث، وريث الحلواني أمامه وهو لا يقوى على أخذه بين ذراعيه
بكى الطفل فجأة ونفض الغطاء بيد صغيرة جدا فبدا وجه ملائكي مستدير ويا الله! بدا وكأنه نسخة مصغرة منه
نفس الشعر
نفس العيون
الملامح كلها تعلن أنه ابنه، جزء منه
بلحظة نسى أين هو ومن حوله وما قالته خديجة ولم يشعر سوى بالطفل وهو ينتقل بين ذراعيه والغريب أن الطفل صمت وتوقف عن البكاء وعيونه التي بنفس لون عيون سفيان تتجول هنا وهناك بين الدموع
انتفض قلبه بقوة مؤلما إياه وحرارة الطفل تتحرك له ولا يعرف ماذا أصابه؟
لم يعود للواقع إلا عندما قالت خديجة "هذه الورقة بها اسمي وعنواني بالسويس، لم أستخرج له شهادة ميلاد، الورقة العرفي لا يعترف بها وهو أمر أنت يمكنك التعامل معه بنفوذك، هذه ورقة زواجكم العرفي، أنا لا أخدعكم، فقط اسمح لي ان أراه عندما أستطيع"
لم يرد والمرأة تتحرك لتواجه تمارا التي ما زالت بحالة الذهول التي أصابتها وتوقفت خديجة أمامها فأعادتها للواقع لتبتعد وتتركها تخرج دون أي كلمات وسفيان ما زال يحدق بالطفل وقد أخذ عقله وانتباهه بالكامل حتى سمع تمارا تقول
"طلقني سفيان"
****
أسرعت ليان لخارج الفيلا عندما سمعت سيارة رائد ورأته ينزل ليتلقاها بابتسامته وأمسك يدها ورفعها لفمه وقبلها وعيونه تحيط عيانها بنظرة اشتياق وقال "اشتقت لكِ"
ابتسمت وقالت "كنت معك منذ ساعات"
تحرك بها للسيارة وفتح بابها وقال "كانت أعوام بغيابك عني"
دخلت السيارة فأغلق وتحرك لمكانه وقاد وهي تلتف لتنظر له وهتفت "إلى أين؟"
نظر لها وقال "لأي مكان ترغبين به، الأهرامات، القلعة، النيل، كل ما ترغبين به سيكون لك"
قالت "فقط أرغب بأن تكون معي"
نظر لها وقال بصدق "نفس رغبتي ليان، أنا حقا أشعر وكأني ولدت بالأمس فقط، كل عمري الماضي لا أذكره وكل لحظة قادمة أرغب بها معك أنت"
حرك يده ليدها وأمسكها ليقبلها مرة أخرى وهي تقول "أخبرني أني لا أحلم رائد وأنك معي وأننا نفعلها والجميع يتمنى لنا السعادة، أخبرني أنك.."
قاطعها "أحبك ولم تسمعها مني امرأة سواكِ ولن تسمعها أخرى غيرك"
ابتسمت بسعادة وهو أيضا وهو يقود للأهرامات حيث أمضيا وقتا رائعا، شاهدت معه كل جمال بالمكان وركبت الجمل والحصان وأخذا الصور سويا واحتضنها بحنان ثم رحلا للقلعة وزارا كل مكان بها ودخلوا المسجد ونالوا العديد من الصور ثم انتهوا لمطعم لتناول الغداء حيث ضحكت من كلماته المازحة وقالت
"كف عن ذلك رائد قلبي سيتوقف من الضحك"
توقف وقال "سلامة قلبك حبيبتي، فداك قلبي وروحي"
التقت بعيونه وظلا متصلين حتى قالت "كيف كانت حياتك بالماضي رائد؟"
اعتدل وقال "بدون راكان والأصحاب عمل وعمل ثم لهو وعبث، لن أخفي ما تعرفيه، لم أعرف أي قيود على تصرفاتي، والداي كانا يدللاني كثيرا لأني وحيدهم وحتي جداي كانوا بالمثل حتى أصبحت شاب فاسد واصطدمت فجأة بالحياة لأول مرة عند وفاة والدي ووالدتي معا بحادث بالجبل، كانا يمضيان أجازة رأس السنة بين الثلوج عندما حدث انهيار ثلج ودفنا معا تحته، كان بينهما قصة حب ورحلا سويا وكنت وقتها بالتاسعة عشر وقتها كانت صدمتي الاولى بامرأة ظننت أننا متحابان حتى عرفت بخيانتها وهي كانت سبب عبثي بالنساء"
كانت تسمعه جيدا وعندما لم تعلق أكمل "بعد وفاة والداي كان لابد من إعدادي كوريث لوالدي وانتبهت لذلك ولم أمانع، توفت جدتي بعد موت والدتي بعامان وتولى جدي لوالدتي الأمر حتى رحل منذ أعوام قريبة وقتها أتى جدي لوالدي من مصر ليبقى معي، كان يحبني ويرعاني كثيرا، جدي لوالدي كان صديق لجدي لوالدتي وكثيرا ما كانوا يجتمعون ومعهم زيدان الكبير جد راكان لذا نحن أصدقاء منذ الميلاد تقريبا رغم اختلاف البلاد"
قالت بحنان "حظيت برعاية جيدة"
تراجع بالمقعد وقال "ربما، لكن لا شيء يضاهي حنان الوالدين"
هزت رأسها فاستوعب نفسه وعاد يقول "آسف ليان لم أقصد تقليب الأحزان"
هزت رأسها وقالت "الأحزان ليست بحاجة لشيء كي ترتد لنا رائد فهي موجودة داخلنا، نحن فقط من نضعها بركن خفي داخل قلوبنا ونحتفظ بها داخلنا لوقت نسترجعها فيه"
وضع يده على يدها وهي أخفضت عيونها فقال "علمت أنك أحببت والد وافي كثيرا"
هزت رأسه وقالت "منحني حنان الأب الذي لم أعرفه، والدي الحقيقي لم أعرفه فقد تركني لأمي التي لم تهتم أيضا لأمري، دادة صفية منحتني رعايتها وحبها وبابا شريف كان الأب والأم وكل من لي لذا رحيله كان مؤلم بالنسبة لي"
هز رأسه وتذكر وقت حدادها وقال "أعلم رؤيتك وقتها كانت تعلن عن كمية حزنك، امنحيني الفرصة ليان وسأكون لك كل شيء، الأب والأخ والزوج والأم لو رغبت بذلك"
ضحكت رغم دموعها ومسحتها وهو يبتسم لها وقال "أعشق ضحكت ليان، تجعل العالم يضحك من حولي"
قالت بصدق "وجودك يعني الحياة بالنسبة لي رائد، تلك السعادة لم أعرفها من قبل"
أغمض عيونه وتنهد وعاد لها وقال "تلك الكلمات سأعيش عليها حتى أعود لكِ وأخطفك بفستان الزفاف لتعودي معي، لن يمكنني الحياة وأنتِ لست معي ليان"
ابتسمت والرجل يقف ليأخذ الطلبات وبالفعل اختاروا الطعام وعادوا لليوم الذي جمعهم معا بلا أحزان
****
انتهت مليكة من المعهد وأسرعت للمركز الجديد الذي تتدرب به والمايسترو يتلقاها بتدريبات قاسية ولم تهتم بنظرات الغيرة ممن حولها بل ركزت على تعليماته وكلماته حتى انتهت والرجل يقول
"مليكة لابد من التدريب طوال اليوم جيدا، لا أعلم لماذا تبدين غير مستعدة، العرض غدا سيحسم الأمر"
هزت رأسها وتحركت لتعيد الكمان بعلبته عندما سمعت وافي يقول "لم أظن أن الأمر صعب هكذا"
تراجعت بدهشة وهي لا تصدق أنه أتى حقا لرؤيتها وهو يتقدم ليقف أمامها وقد خرج من البدلة لجينز قاتم وقميص أسود مفتوح الصدر وبدا غريبا جدا وكأنها تراه لأول مرة فقالت "ليس صعب ولكنه بحاجة للتركيز، لم أظن أنك ستأتي حقا"
ابتسم وقال "لا عمل اليوم، العمدة يتولى كل شيء وأردت رؤيتك وأنتِ تعزفين"
ابتسمت وهي تغلق علبتها وقالت "هل أعجبك عزفي؟"
هز رأسه وقال "نعم ولكن شعرت أنكِ مهزوزة وكأنك لا تثقين بنفسك"
اعتدلت ونظرت له قليلا، هل حقا أدرك ما كانت تشعر به؟
قال "ماذا حدث؟ أغضبتك كلماتي؟"
نفت برأسها وقالت "لا ولكن أندهش أنك تقول ذلك وهي أول مرة تراني بالتدريب؟"
قال وهما يتحركان للخارج "لأني رأيتك تعزفين بحفل جدك، كنتِ أكثر ثقة وتمكن، أما اليوم بدوت خائفة"
خرجوا لترى سيارته فتوقفت وقالت "أخبرتك أن الحفل هام، هناك مصنفين أجانب تحضر ذلك الحفل وينتقون المميزين"
قال بجدية "جيد ولكن لو عزفت بتلك الطريقة غدا فلن يلمحوك حتى، هل نذهب؟"
لم تتحرك فتوقف هو الآخر بدهشة وهي تقول "لن أذهب معك"
ضاقت عيونه من كلماتها وسألها "لماذا؟"
قالت بجدية "لا يمكنني أن أفعل، سآخذ سيارة أجرة"
وتحركت مبتعدة وهو يتابعها بدهشة، هل حقا ترفض الذهاب معه وهو صديق أخاها؟
تحرك خلفها وقبض على ذراعها ليوقفها وهو يقول "انتظري مليكة وأخبريني لماذا لا تأتين معي؟ أنا صديق ظافر وسفيان أيضا"
أبعدت يده بلطف وقالت "صديقهم هم وافي، لكن لا شيء بيننا كي أركب سيارتك، أنت رفضت علاقة ليان برائد فهل تمنح نفسك ذلك الحق؟"
وتحركت تاركة إياه يستوعب كلماتها التي ضربته بالصميم، أعادته لوعيه
هي أخت صديقه وهو هنا ليساعدها لا ليتجاوز معها، بوقت ما ظن أنها فتاة لعوب، مراهقة، نظراتها تهيم براكان لكن سرعان ما نضجت فجأة واختلفت تماما
هو ليس صغير كي يسقط بالخطأ، بينهم سنوات كثيرة، حوالي اثنى عشر عاما أو أقل ولكنها تتصرف بطريقة لا يفهمها..
عاد للسيارة وتحرك مبتعدا ولا يهتم بالأفكار التي تصاعدت داخله بل أخمدها بلا تردد
****
استعاد سفيان نفسه عندما ألقت تمارا كلماتها بوجهه بلا تفكير والتفت لها متذكرا وجودها والواقع الذي كان يعيشه وسعادته معها والآن عندما التفت لوجهها الشاحب وعيونها التي تحبس الدموع، أدرك المصيبة التي أصابته وتدمر حياته الجديدة
ظل يحدق بها بلا إجابة حتى تحركت له وهتفت "طلقني سفيان، طلقني"
فزع الطفل بين ذراعيه واستوعب هو كل ما يحدث فقال "تمارا اهدئي من فضلك، هذا الطفل لا ذنب له"
هتفت بألم "وهو ذنبي أنا، ذنبي لأني تزوجت رجل النساء هي كل حياته"
تمنى لو ضمها له ولكن الطفل بذراعيه فقال "كان تمارا، كل ذلك كان ماضي وأنتِ تعرفين ذلك"
أشارت للطفل وانتصرت دموعها وتساقطت وهي تقول بنفس الألم "ولكن ذلك الطفل ليس ماضي سفيان، هو حاضر ومستقبل وأنا لم يعد لي مكان بهم"
تحركت ولكنه حرر يد من حول الطفل وأمسكها بها ليوقفها ويهتف "بل أنتِ حاضري ومستقبلي تمارا، ذلك الطفل نتيجة الماضي ولا ذنب له بأي شيء"
نظرت له بعيون متألمة وحزينة وقالت "وماذا سفيان؟ أين سيكون بحياتنا؟ هو ابنك ومن نظراتك أنت لن تتخلى عنه وأنا لن أبقى سفيان، لن أبقى وابن امرأة أخرى بحياتك"
لم يفلتها وهو يقول "اهدئي تمارا أولا ويمكننا التفكير جيدا بحل، لابد أن يكون هناك حل"
عادت له بعيونها وقالت "لن يمكنك تركه من أجلي سفيان لذا سأتركك أنا له"
ضغط على ذراعها وقال برجاء صادق "ولا يمكنني تركك من أجله تمارا، أنتّ زوجتي، نصفي الآخر، بعد كل ما عانيناه سويا لا يمكنك الرحيل هكذا بسهولة وكأن ما بيننا لم يكن بأي يوم"
هتفت بدموع غزيرة "وكيف يمكنني تحمل وجود طفل بحياتك من امرأة أخرى سفيان؟ كيف يمكنني ذلك؟"
جذبها له وضمها بذراعه بجوار طفله وهي تبكي بقوة وهو يتمزق من دموعها وهتف بألم "سنجد حل تمارا فقط لا تتركيني، لم أعد أستطيع البقاء بالحياة بدون وجودك معي، أنتِ الهواء الذي أصبحت أتنفسه بدونه أموت"
****
استمع راكان للمهندس بصمت حتى انتهى ثم قال بهدوء "هذا رأيك العملي أم الشخصي؟"
لاحت الحيرة بعيون الرجل الذي قال "لا أفهم يا عمدة"
نهض راكان فنهض الرجل وراكان يتحرك تجاهه حتى وقف أمامه وقال "أنت لم تلاحظ أن كل ما تحدثت عنه هو مخاطر المكان وصعوبات توصيل الأدوات وخلافه، لكنك لم تمنح رأيك كمهندس عن صلاحية المكان لإقامة منتجع ومدى صعوبة البناء على الأرض، ولا حتى نسبة الأجانب الذين سيعمل عليهم المنتجع، أنت فقط تعبت من الرحلة وخمنت أن كل شيء سيكون مجهد"
شحب وجه الرجل وهو يبتلع ريقه وحاول التحدث بصوت مبحوح "أنا، أنا ظننت أن ما أخبرت حضرتك به سيكون كافي"
مال راكان على الرجل وقال "كافي لوقف الفكرة من أساسها؟ من طلب منك ذلك؟"
ارتجف الرجل من سؤال راكان رغم أنه سأل بهدوء والرجل يتراجع ويرد بتلعثم "لا، لا أحد، لم يطلب أحد مني شيء"
ظل راكان جامدا ونظراته ثابتة على الرجل حتى اعتدل وقال "تعلم أني لا أحب الكذب، لدي طرق خاصة لاستخلاص الحقيقة فهل ترغب بتجربة واحدة؟"
ارتجف الرجل أمام راكان الذي كان يقرأ كل حركة من جسد الرجل وملامحه وقد تدرب على معرفة الكاذب من الصادق ممن يقف أمامه
هتف الرجل "يا عمدة أنا لا أكذب"
تحرك راكان لسيف ووقف أمامه وقال "أحتاج لسماع الحقيقة منه"
هز سيف رأسه وتحرك للرجل وهاتف راكان يرن فأخرجه ليرن اسم سفيان فاندهش؛ تقريبا كان بطريقه للمطار
أجاب "أهلا بالعريس"
صوت سفيان جعله ينتبه والآخر يقول "أحتاج وجودك بالفندق راكان"
رد بلا تفكير "سأكون عندك بمجرد مسافة الطريق"
أغلق والتفت لسيف وقال "لا يخرج قبل أن أعود"
ناداه سيف ولكنه تحرك للخارج ولم ينتظر السائق وهو يقود السيارة بقوة ولا يفكر سوى بصديقه الذي يحتاج لوجوده
****
الفيلم كان حالما ورومانسيا ولم يترك يدها طوال الوقت ومال تجاها وقال "تلك الرومانسية لم أعرفها من قبل"
نظرت له وقالت "رغم أنك عرفت نساء كثيرة؟"
هز رأسه وقال "مع ذلك ولا واحدة عرفت تلك المشاعر، كان كل اهتمامهم يسقط على ما سيحصلون عليه مني من مال وهدايا ثمينة"
التفت لها بوجه قريب من وجهها وقال "أنا غني ليان، غني جدا لدرجة لن يمكنك تخيلها، لذا تلك النساء تدق أبوابي بلا خجل"
سألته "حتى ميرندا؟"
أبعد وجهه وقال "ميرندا كانت مختلفة، كانت تلتصق بي بشكل لا أعرف سببه ولم أكن أهتم، فهي كانت تقبل بكل شروطي، لا تدخل بما يخصني، لا زواج، لا قيود، كانت تعلم بعلاقاتي الأخرى ولم تعترض يوما"
قالت بفضول "لكنها اعترضت على وجودي بحياتك؟"
لف وجهه لها وقال "لأني أخبرتها أن وجودها بحياتي انتهى، بتلك الليلة بقصر راكان أنهيت ما كان بيننا، لكنها لم تقبل وتحدثت عن مشاعرها تجاهي ولكني أعلم كذب كلماتها، كل ما كان يهمها هو ما تناله مني ومعنى انتهاء العلاقة أن نهر المال والهدايا جف ولن يعود"
عادت تسأله "ولم تشك أنها صادقة بمشاعرها؟"
ضحك بصوت منخفض وقال "من هم مثلها لا مشاعر لديهم حبيبتي وحتى لو، لم أكن لأقبلها زوجة ليان، امرأة مثلها كانت لكل الرجال التي تدفع كيف تكون زوجة؟"
لم ترد فقبل يدها وقال "أنا لم أفكر بالزواج إلا يوم عرفتك، لأن فتاة مثلك بنقائها وحسن أخلاقها هي من يمكن أن تأخذ قلب وعقل رجل مثلي يعرف النساء جيدا"
ظلت تواجه نظراته وقالت "ولكني لا أعرف الرجال جيدا رائد ولن أتحمل صدمة"
أجاب "لن يكون ليان، أعدك ألا أكون يوما سبب بأي ألم لك، سأعيش كي أهبك السعادة التي تستحقينها"
ابتسمت وقالت "لقد ضاع الفيلم"
ابتسم وعادا للفيلم الذي أخذ السعادة بعد الحزن فقالت "حقا لولا طفلهم ما لانت مشاعرهم، هل ترغب بولد أم بنت رائد؟"
رحلت ابتسامته فجأة وكأنه كان فاقد للذاكرة واستعادها الآن، كيف لم يفكر بذلك؟
كل امرأة تتمنى أن تكون أم وهي امرأة فكيف أخفى عنها الحقيقة؟
انتهى الفيلم وأضيئت الأنوار فرحل السؤال بلا إجابة واستعاد نفسه وأفكاره، لقد عاهدها للتو ولابد أن يفي بوعده
خرجوا والظلام نزل فقالت "أنا جائعة رائد اليوم كان مثير وفتح شهيتي"
ابتسم وهو يفتح لها باب السيارة وقال "لأفضل مطعم حبيبتي"
****
وصل راكان وترك السيارة للحاجب بلا اهتمام واستوعب الرجال وجوده المفاجئ وهو يتحرك للمصعد حتى وصل لجناح سفيان ورن الجرس
لحظة وفتح سفيان وقد استبدل ملابسه بجينز وتي شيرت قطني وراكان يقول "ماذا حدث؟ هل أنت بخير؟"
هز رأسه وقال "نعم، ادخل"
دخل راكان ليصطدم بفتاة عاملة تضم طفل بين ذراعيها وتمنحه زجاجة حليب فنظر لسفيان الذي فهم نظراته وأشار لغرفة جانبية
تحرك لها راكان وسفيان خلفه والتفت راكان له وقال "هل تشرح لي ماذا يحدث هنا ولماذا لست بالطائرة؟"
مرر يده بشعره وقال "ندى ماتت"
قبل أن يردد راكان اسمها تذكرها كعادته، لا ينسى أحد فقال "وما سبب ذكرها الآن؟"
ابتعد سفيان وقال "والدتها كانت هنا بالصباح راكان وهي من أخبرتني بذلك ومنحتني.."
وصمت فتحرك له راكان ونبض بعروقه ينبض بقوة وهو يسأله "منحتك ماذا؟ ليس شهادة وفاتها، تحدث سفيان"
نظر له وقال "طفل، ابني راكان، ندى كانت حامل وبعد ولادتها ماتت"
تراجع راكان من المفاجأة رغم أنهم توقعوا ذلك ولكنهم تغاضوا عن الأمر عندما رحلت ندى ولم تتواصل مع سفيان ولكن اليوم ما مات يعود للحياة ويسمم الأجواء بلا رحمة
ردد "طفل؟ هل تأكدت أنه ابنك؟"
ابتعد سفيان وقال "انظر له راكان لتعرف الإجابة"
صمت هبط عليهم حتى قطعه راكان "وتمارا!؟"
لم ينظر له سفيان وهو يقول "منهارة وتطلب الطلاق"
ظل صامتا فالتفت له سفيان ولكن راكان ابتعد فسأله سفيان "لم أستدعيك لتصمت راكان أحتاج لحل، لا يمكنني الاستغناء عنها ولا يمكنني التخلي عن ابني"
التفت له راكان ونظرات الضعف بعيون صديقه تغضبه ومع ذلك هو يحاول أن يفهم تخبطه فقال "تمارا لن تتقبل الأمر بسهولة"
هتف سفيان "أعلم، أخبرتك أنها تطلب الطلاق لكني لن أفعل راكان، لن أترك زوجتي"
أكمل راكان "ولن تترك ابنك؟"
لم ينظر له فعاد راكان يقول "وميرفت؟ يمكنها رعايته؟"
التفت سفيان له وابتسامة ساخرة على شفتيه وهو يقول "كما تفانت برعايتي أنا وحاتم"
تحرك له راكان وقال "الحفيد مختلف سفيان، كما وأنك لا تملك بديل، ربما تمارا تلين مع الوقت ولكن الطفل بحاجة لرعاية حتى تلين هي ولن يفعل أحد سوى ميرفت"
عاد للصمت ثم قال "ولو رفضت واختارت حياتها وجمالها فما البديل؟"
قال راكان "مربية، بفيلا جدك تقوم برعايته وتتفرغ له واجزل لها العطاء وقسم وقتك بينه وبين زوجتك"
رفع سفيان وجهه له وقال "لن ينشأ سوي راكان"
تحرك ليقف أمامه وقال "ومن منا نشأ سوي سفيان؟ كلنا عانينا الكثير بحياتنا وضربتنا الدنيا بلا رحمة حتى نحتنا أسامينا على جدرانها وهو سيفعل المثل"
قلب الأب داخله كان ينبض بالخوف، لا يرغب بأن يعاني طفله ما عاناه بحياته لكنه لا يستطيع التخلي عن المرأة التي يعرف من داخله أنه يحبها
لمح راكان دموع بعيون سفيان فربت على كتفه وقال "تمارا امرأة سفيان ولديها قلب أم وربما مع الوقت تتقبل الطفل وتقبل به بينكم، فقط ضعها الآن بالمقدمة كي تتراجع عن الطلاق وبعد أن تمر العاصفة تحدث معها بلين وربما يحدث المستحيل"
هز سفيان رأسه ومسح دموعه وقال "أحتاج لمربية أو لمن يرعاه حتى أعود من السفر فهي بحاجة لذلك وميرفت لا تؤتمن بغيابي، هو اسبوع واحد حتى أعود"
هز رأسه وأخرج هاتفه وهاتف سيف الذي أخبره بصعوبة العثور على واحدة بتلك السرعة فطالبه بالبحث ثم هاتفها فتأخرت حتى أجابت
"هذا كثير يا عمدة، مرتان بيوم واحد"
ابتعد وقال "أحتاج خدمة رهف"
لاحظت جديته فقالت "ماذا؟"
قال "مولود حديث توفت والدته وبحاجة للرعاية حتى نحصل على مربية"
صدمها حديثه وهي لا تجد رد فعاد وقال "لقد فكرت بحبيبة، أخبرتني أنها باجازة وظننت"
قاطعته "حسنا يمكنني رعايته راكان"
اعتدل ورفع رأسه وقال "أنا لم أتحدث عنك رهف، أعلم انشغالك أنا أتحدث عن حبيبة"
قالت "حبيبة بالسادسة عشر راكان فماذا تظنها ستفعل مع مولود صغير وحدها؟"
ظل صامتا فقالت "أحضره وأنا سأساعدها وأشرح لها كيفية الاهتمام به حتى تجد له مربية، هل أسأل عن والده!؟"
تردد قليلا ولكن بالنهاية الكل سيعرف فقال "سفيان"
كادت تصرخ من المفاجأة ولكنها كتمت فمها بيدها فقال "سأشرح الأمور فيما بعد، عندما أنتهي سأهاتفك"
وأغلق وهي تنظر للهاتف ولا تصدق ما سمعته
ترى كيف هي تمارا الآن؟
شعرت بالحزن من أجلها وتمنت لو كانت معها تؤازرها على حزنها والألم الذي يراودها الآن فلا أكثر من ألم امرأة تدرك بوجود امرأة أخرى وطفل بحياة الرجل الذي أحبته وأصبح زوجها
****
دخل سفيان غرفتهم ورأى زوجته جالسة على طرف الفراش رأسها منخفض وتحدق بالأرض والدموع على وجنتيها فشعر بالألم من أجلها، هي لا ذنب لها بما يحدث له لكن لا يستطيع أن يفصلها عن واقعه فهي الأخرى جزء منه
تحرك تجاها حتى ركع أمامها فشعرت به وتحركت عيونها لوجهه وهو يمسك يدها الباردة وقال "أنا آسف تمارا، حقا لم أكن أعلم شيء عن كل ذلك"
قالت بضعف "لماذا لم تخبرني عنها؟"
قال بصدق "لأني كنت قد نسيتها حقا كأي امرأة مرت بحياتي، وهي لم تتواصل معي منذ قطعت علاقتي بها"
سقطت دموعها فترك يدها وأحاط وجهها بيداه وقال "كفى تمارا، تلك الدموع تؤلمني جدا"
قالت بألم "أنت لن تتركه أليس كذلك؟"
قال بحنان "لن أخدعك تمارا، لو تأكدت أنه ابني فلن أتركه لكن لن أفرضه عليك، راكان أخذه وسوف يتصرف بالأمر ونحن علينا أن ننسى ما حدث ونستمتع بزواجنا واجازتنا، علينا أن نتخطى الصعوبات معا"
هزت رأسها وقالت "قد تتركني لأجله سفيان"
ابتسم دون أن يترك وجهها وقال "لن يمكنني أن أفعل أبدا تمارا فأنا أحبك"
زادت دموعها وهو جذبها له وضمها لأحضانه وقال "أنا أحبك تمارا ولا يمكنني التفكير بحياتي وأنتِ لستِ بها، أنتِ كل شيء، كل شيء"
أحاطته هي الأخرى بذراعيها وهي تشعر ببعض الراحة من كلماته ويكفيها أنه ظل معها ومنح الطفل لراكان وعاد لها، ربما يمكنها الآن أن تتناسى ما كان وعندما تنتهي اجازة الزواج عندها تعود للواقع الذي سقطوا فيه
*****
ما أن انتصف النهار حتى دق مكتبها ورأت رجل من الحراسة يقول "العمدة بالطريق دكتورة هل يمكنك النزول؟"
هزت رأسها فخرج وجمعت أشيائها وتحركت خارجة، استوقفها عماد الذي كان يبدي إعجابه بليان وقال "دكتورة هل تسمحي؟"
حدقت به وقالت "ليس الآن عماد"
كادت تذهب لولا أنه قال "أرغب بالتحدث معك عن ليان"
انتبهت له فقالت لتنهي الأمر "نعم هي اجازة اليوم بسبب خطيبها"
شحب وجهه وهو لا يصدق ما سمع وردد "خطيبها؟"
قالت بجدية "السيد رائد شريك العمدة وأخيها وافي"
سمعت الحارس يقول "دكتورة العمدة وصل"
هزت رأسها وأسرعت بالنزول لترى سيارته الكبيرة وهو ينزل للقائها فابتسمت وقالت "هل تأخرت عليك؟"
ضم يدها بين يده وبدا جامدا أكثر وهو يقول "لا، ادخلي"
دخلت وهو بجوارها وانطلق السائق بهما والسيارة الأخرى تتبعه فقالت "أين الطفل راكان؟"
نظر لها وقال "بالخلف مع سيف"
سألته بجدية "ماذا حدث أنا لا أفهم شيء؟"
لا يمكنه تجاهل السؤال تلك المرة فهي معه بالأمر لذا لم ينظر لها وهو يقول "بالعام الماضي تعرف سفيان على فتاة وتزوجها عرفي ولم يتبع وسيلة حماية، وكالعادة مل منها وأخبرها بذلك ومنحها أموال وشقة، لكن الفتاة اختفت ونساها ودخل بقصة تمارا، اليوم ظهرت والدة الفتاة لتخبره أن ابنتها ماتت وهي تلد ابنه وهي لن تستطيع تولي أمره"
فتحت فمها من الذهول الذي أصابها وهتفت "عرفي؟ وكيف تركها ترحل؟"
أيضا لم ينظر لها وهو يجيب وربما بعض العصبية بنبرة صوته "غرض سفيان لم يكن الزواج رهف"
للحظة لم تفهم لكن سرعان ما فهمت وقالت "تلك طريق وعرة راكان"
نظر لها وقال "هو ورائد لم يكن شيء يوقفهم"
هزت رأسها بتفهم وقالت "وتمارا؟"
عاد للنافذة وذهنه مشغول حتى قال "منهارة وتطالبه بالطلاق، لكن بعد أن أخذت الطفل هدأت قليلا ووافقت على السفر وعندما يعود سنجد حل للطفل"
تأنت قبل أن تقول "حل!؟ أي حل؟ هل سيتخلى سفيان عن طفله؟"
التفت لها وعيونه تلمع وشعرت بغضب داخله لم تفهم سببه وهو يقول "هل تدركين من هو سفيان الحلواني رهف؟ ما معنى أن يكون له ابن من امرأة مجهولة الهوية وافقت على زواج عرفي لتنال ما أرادت؟"
صدمها حديثه وشعرت بإهانة رغم أن الكلمات لا تمسها ولكنها تراجعت عن المفهوم الذي قد يثير جدالهم وقالت "أنت تريده أن يترك الطفل ولا يهتم به؟"
لم يفهم غرضها من السؤال وهو يجيب "لا، أنا أخبرته أن ميرفت يمكنها رعايته أو بوجود مربية وهو لا يرغب بترك الاثنين؛ تمارا وابنه"
قالت "إذن هو اعترف به، كلماتك أوحت لي أنه لا يرغب به"
ثبت بنظراته عليها وقال "وهذا يغضبك؟"
أبعدت وجهها وقالت "لا أريد الشجار معك راكان"
هز رأسه وهو الآخر لا يرغب بذلك فقال "لن نجازف بإخبار ميرفت بالأمر بغياب سفيان، لذا كان الحل مربية أو حبيبة حتى نجد مربية"
عادت له وقالت "حبيبة ما زالت صغيرة سأتعاون معها حتى تلم بالأمر"
قال بجدية "أعلم انشغالك لذا يمكنني.."
قاطعته بنفس الجدية "وأنا أيضا يمكنني راكان، أستطيع تدبر أموري دون الإخلال بالعمل"
قال بجدية "أنا لا يهمني العمل رهف، أنا أقصدك أنت، ربما يجهدك الأمر"
ابتسمت وقالت "سأخبرك لو كان"
هز رأسه وأبعد وجهه والقلق لا يخرج منه لكنها تشعر به..
لن تمنحها ملامحه أي شيء، لكن قلبها يشعر بما داخله لذا حركت يدها ليده الساكنة على ساقة ولمستها فنظر ليدها ثم لعيونها التي تلقته بحنان فأطبق على يدها
ابتسمت وهو أدرك أنه فشل بإخفاء عدم ارتياحه عنها أو ربما هي من نفدت لدواخله دون أن يشعر ويدها تمنحه الراحة
توقفت السيارات أمام بيتها وفتح لها أحدهم ونزلت لتلحق به وهي ترى سيف يحمل الطفل حتى وصل لهم فشعرت بيده تلمس ظهرها وعيونها على الطفل ولكنها استجابت لراكان وتحركت معه للشقة
كانت تتغاضى عن نظرات الجيران من حولها عندما تأتي سيارات راكان وحبيبة أخبرتها أنها أجابت تساؤلات البعض منهم بمرة فكفوا عن السؤال
فتحت باب الشقة وقد هاتفت حبيبة بالطريق فكانت بانتظارهم وراكان يرحب بها وهي تنتظر الطفل بلهفة عندما حملته رهف برفق من سيف
نظرت له وهو نائم بهدوء وراكان يقول "سفيان طلب له ملابس ستصل بعد قليل، فقط امنحي الرجال طلباتك بما يخص طعامه"
نظرت له وحبيبة تحمل الطفل بسعادة وقالت "لبن راكان، طعامه لبن صناعي، فقط لابد أن يخبرنا الطبيب بالنوع المناسب له لذا سأرى طبيب جيد وأصحبه له"
نظر لسيف الذي تحرك خارجا والرجال خلفه ثم عاد لها وقال "رهف أنتِ لستٌ والدته"
حدقت به بينما قالت حبيبة "ليس بالضرورة أن تكون والدته أبيه لكي تفعل الصواب"
لف وجهه لحبيبة التي عادت تداعب الطفل بينما قالت رهف "حبيبة ضعيه بالفراش لينام واصنعي قهوة لراكان"
هزت رأسها بينما عادت هي له وهو يبتعد للمقاعد وجلس وذهنه غير صافي فتحركت وجلست أمامه وقالت "ما الذي يغضبك بكل ما يحدث يا عمدة؟"
أظلمت عيونه وهو يقول "عمدة؟"
أجابت "من معي اليوم هو العمدة، الذي يتواجد بالمواقف الصعبة والذي لا يتهاون بالخطأ وأنت ترى أن كل ما يحدث خطأ، تصرف سفيان مع ندى كان خطأ وذلك الطفل خطأ وربما وجوده هنا أيضا خطأ"
كيف تفهمه بتلك الطريقة بوقت لم يدرك أحد أبدا ما يدور داخله؟
أبعد وجهه وقال "وهل هذا يغضبك؟"
ابتسمت وقالت "من العمدة نعم لأن غروره لا يعجبني، راكان أنت لم تخطب امرأة من عائلة وتنتقد صديقك؟"
ظل بمكانه وقال "أخبرتك أنك تِقللين من نفسك، أنتِ دكتورة ولديك شهادات تقدير من وزير واثنان وتم تكريمك على أعلى مستوى فأين وجه المقارنة رهف؟ أنتِ ارهقتني بشكل لا يمكن تخيله لتوافقي على الزواج ولم تجعلي الأمر سهل ولم توافقي على زواج عرفي، أنتِ ترفضين بعض المجوهرات التي لا تعني لي أي شيء حتى لا أظن أنكِ تطمعين بأموالي فلا تضعي نفسك بمقارنة معها، أنا العمدة رهف مغرور بنظرك ربما لكن هناك أمور لا يمكن الإغفال عنها أو التفاوض بأمرها بنظري، هي كانت تدرك جيدا ما فعلت فلا تحاسبيني على موقفي منها"
ظلت صامتة تحدق به وعيونه لا تفارق عيونها وقد كان هادئ بدرجة لا تدري كيف، وما أن اختفت حبيبة حتى أخفضت عيونها وقالت "ربما لأنها كانت تحبه وضحت من أجل ذلك"
لم يتحرك من جلسته الملكية وهو يرد "لا تغفري الأخطاء باسم الحب رهف، ليان أحبت رائد لكنها عرفت متى تتوقف"
أجابت "توقفت وقت رأته مع ميرندا يا عمدة لكن قبل ذلك لم يكن شيء سيوقفها عن التعبير عن مشاعرها"
حرب الكلمات كانت قوية بينهم ومع ذلك لم يستسلم كلاهم وهو يقول "هذا يعني موافقتك على الزواج العرفي؟"
ظلت تواجه وهي ترد "هذا يعني أن الضعف يدفع لطرق وعرة ولا ينتبه لها صاحبها إلا عندما يسقط بها"
ضاقت عيونه وقال "العمدة لا يعرف الضعف دكتورة"
نهضت وابتعدت من أمامه وقالت "لذا هو لا يعرف كيف يسامح الضعيف"
نهض وتحرك تجاها حتى وقف خلفها وقال "ليس أي ضعيف رهف"
التفتت لتواجهه وقالت "وكيف تميز؟"
لم تتبدل ملامحه وقال "يمكنني أن أفعل، هناك ضعف يؤذي صاحبه فيتحمل ما فعل وهناك ضعف يؤذي من حوله وهذا لا يمكن أن يغفر له، وندى ضعفها أصابها وأصاب سفيان وطفل لا ذنب له وتمارا، لقد انكسر قلبها وانطفأت فرحتها"
الغيظ أصابها بلا سبب وهي تقول بعصبية واضحة "وأنت حزين من أجلها؟"
وتحركت فابتسم وأوقفها وهو يسد طريقها وأحنى رأسه وهو يقول "ولم لا!؟ كنا نلعب سويا"
هتفت دون وعي "حقا؟ وربما بادلتها مشاعرها بيوم ما"
لمس وجنتها بأصابعه وهو سعيد للغضب بعيونها وظل قريبا منها وهو يقول "العمدة لا مشاعر عنده"
أبعدت وجهها وقالت "ومن المتألم لأجلها؟ راكان؟"
أخفض وجهه أكثر وقال بنبرة لا تمت له بصلة "راكان لا يهتم سوى بامرأة واحدة تثير جنونه"
عادت بوجهها الغاضب له وعيونه المبتسمة تحاصرها كما هي أنفاسه وعاد يقول "هل أستحق هذه الغيرة؟ أنا رجل لا يعرف سوى القسوة وكثيرا ما أظن أنكِ كثيرة علي"
لانت ملامحها واعترف قلبها بالضعف تجاه ذلك العمدة الذي سلبها قوتها وأصبحت واهنة بلا حول ولا قوة أمامه ونعم تغار عليه من نسمة الهواء التي تشاركها به وليتها تملك القوة على مواجهته بمشاعرها
رحل الغضب وقالت "تستحق راكان، تستحق كل شيء، لست بتلك القسوة التي تتحدث عنها، من أعرفه وقبلت بمشاركته حياتي، رجل لم أحلم بمثله"
الكلمات تخترق جدرانه التي بناها زيدان حوله وتكسرها بلا رحمة وتجعله يتعلم معنى السعادة التي لم يعرفها سوى مع أصحابه، لكن تلك السعادة مختلفة
عاد يلمس وجنتها وهو يقترب منها راغبا بقبلتها عندما سعلت حبيبة ففزعت وتراجع هو وحبيبة تضع القهوة دون النظر لهم وقالت
"آسفة، القهوة"
تراجع بلا اهتمام لما رأته وكأن لا شيء يخجل منه، وقف أمام حبيبة وقال "هل يمكنك رعاية الطفل حتى نعثر على مربية؟"
ابتسمت وقالت "بالطبع فقط أحضر لي ملابسه وكل ما يلزمه والنت خير مساعد، سيشغل وقتي بالإجازة لكن هذا لا يمنع أنك مدين لي بزيارة ورشتك"
ابتسم وقال "أعلم ربما عندما يرحل هو يمكننا أن نفعل"
قالت "حسنا، أرغب أيضا بتعلم القيادة حتى يمكنني قيادة واحدة من سياراتك أم لن تتركها لي؟"
تحرك وجلس وهو يأخذ القهوة وقال "هذا سيحتاج لنقاش حبيبة، ما زلتِ صغيرة"
تحركت له وجلست بجواره وكأنها تعرفه من أعوام ولا تعلم رهف لماذا شعرت لوهلة بأن الفتاة تشبهه وهما يجلسان متجاورين، الفتاة تستأثر على اهتمامه بشكل واضح وهو لا يمل من الرد عليها بصبر واضح حتى هتفت حبيبة
"حسنا أوافق، بالصيف نفعل هذا حل جيد"
جلست وهو يتأمل الفتاة وقال "وكأنك تشبهيني بالصغر، لم أكن أتنازل عما أرغب به"
نهض وأغلق جاكته فنهضت حبيبة وقالت بسعادة "رهف تقول أني عنيدة وماما لم تكن كذلك إذن أنا أشبه والدي"
نظر لرهف ثم عاد لحبيبة وقال "هو كان رجل رائع لأنه أنجب فتاة رائعة مثلك"
ابتسمت حبيبة رغما عنها وقالت "لا يهم فأنا لم أعرفه، أنا أحبك أكثر أبيه"
ابتسم وقال "سعيد بذلك صغيرتي، اسمحوا لي"
تحرك ولكنه تفاجأ بحبيبة تشب على أطراف أصابعها لتصل له وتضع قبلة على وجنته وتتحرك للداخل فتابعها بلا تعابير وتحركت لغرفتها ورهف تتابعهم حتى ذهبت له وقالت
"هي لم تفعل ذلك مع أحد من قبل"
عاد لها وقال "ولا يجب أن تفعل رهف، بالنهاية أنا غريب عنها"
قالت "أنت بالنسبة لها زوج أختها وربما أخيها الكبير، لذا لا تخجل منك وأنت تمنحها اهتمام وتتعامل معها كفتاة كبيرة وهذا يعجبها أكثر"
هز رأسه وقال "حسنا، لابد أن أذهب ألن تعودي الشركة"
لم تتحرك من أمامه وقالت "لو العمدة سيخصم لي اليوم سأعود"
أحنى رأسه لها وقال "لا يمكنه أن يفعل لأني سأقف له بالمرصاد، العمدة وكل ما يملكه تحت أقدام الدكتورة"
رفعت يداها لربطة عنقه وكأنها تثبتها له دون النظر لعيونه وقالت "لم لا تبقى وتتناول معي الغداء سأصنع لك الطعام؟"
كان عطر الورد يتصاعد له ونبرة الدلال بصوتها يضعفه، العمدة لا يقوى على مواجهة أسلحتها الفتاكة لديه رغبة قوية بالبقاء وقضاء اليوم كله معها وقذف كل شيء خلفه لكن رنين هاتفه أبعده وهي تراجعت وأدركت أنها لن تنال ما تمنت وهو يرى اسم سيف
أغلق الرنين ونظر لها وقال "انا مدين لك بيوم هنا و.."
هزت رأسها وقالت وهي تنظر له وتبتسم لتمنحه راحة أنها ليست غاضبة "ويوم على اليخت أعلم"
قال "أخبرتك أنكِ كثيرة علي"
انحنى وقبلها برقة ثم قال "لا تغلقي هاتفك"
وابتعد للخارج وهي تلمس شفاها وتسمع الباب يغلق وكأنه أخذ روحها معه وأغلق خلفه تاركا إياها فارغة بلا شيء يبعث بها الحياة
****
أوقف رائد السيارة أمام فيلا ليان وظل كلاهم ينظر للأمام محدقا بالظلام وهما يستوعبان أن اليوم انتهى ولم يعد هناك وقت آخر لهما معا وتبخرت السعادة التي عاشاها طوال اليوم ورحل النهار جاذبا معه الابتسامات والضحكات ومشاعر الحب المتشاركة بينهما
لمس يدها فنظرت له ورأت لمعان عيونه وقال "لا أصدق أن اليوم انتهى"
يده الدافئة منحتها دفء بجسدها رغم أن الجو ليس ببارد داخل السيارة ووجدت نفسها تبحث عن كلمات لتقول "ألا يمكن أن تبقى؟"
كانت نظراتهم تعني الكثير، الحب فعلا كما قالت رهف، يظهر بالعيون ورغم أنها لم تنطق بكلمة حب واحدة لكنه يعرف أنها تحبه كما يحبها، ليس بحاجة ليسمعها منها، يكفيه أنها قبلت به بكل مساوئه
أجاب "للأسف لا أستطيع ليان، هناك أمور لا يمكن تأجيلها وأنا لم أكن أحلم بأنك ستكونين لي"
أخفضت وجهها لكنه رفعه بيده الأخرى وقال "لا تخفي عيونك عني ليان، احتاج لطبع كل نظرة منك بقلبي أثناء غيابك لتعينني على فراقك"
سقطت دموعها غصبا وقالت "متى ستعود؟"
هو من أبعد وجهه فلا قوة له على رؤية دموعها وقال "لا أعرف، أحتاج لترتيب أموري هناك قبل أن أعود لنتفق على حياتنا، وقتها ستخبرينني إن كنتِ ستكملين معي أم لا، لكن قبل أن أرحل هناك ما يجب أن أخبرك به أولا"
انتبهت له وشعرت بالخوف مما سيقول، ترى ماذا يخفي لها؟
قالت وهي تمسح دموعها "ماذا حدث؟"
واجها بنظراته وقال "منذ عشر سنوات وقعت لي.."
ضوء سيارة ضربهم من الخلف وهي تدخل الممر وتقف خلف سيارته فجذبت يدها من يده وقالت "إنه وافي"
فتحت الباب ونزلت كما فعل هو ووافي ينزل ويتحرك له وهو يقول "مساء الخير"
رحب رائد به وقال "كنت على وشك الرحيل"
هز وافي رأسه وقال "هل هاتفك راكان؟ لم أسمع عنه طوال اليوم"
أجاب "لا، لا هو ولا أحد منكم، أنا عائد للقصر أحتاج لرؤيته قبل رحيلي"
نظر وافي لها وهي تقف بمكانها فعاد له وقال "متى سترحل؟"
أجاب رائد "ليس بعد السادسة صباحا، أراك على خير"
احتضنه وابتعد ثم نظر لها وقال مدرك أن وافي يتابعهم "أراكِ على خير ليان"
حبست دموعها بصعوبة وهي تقول "تصل بالسلامة رائد"
غمز لها وهو يدرك الحزن بعيونها ولكنه حاول أن يبدو طبيعيا وهو يتحرك مبتعدا بسيارته وتحرك وافي لها وقال "هل أنتِ بخير؟"
مسحت دموعها وقالت "نعم"
ظل ينظر لها ثم قال "هل يحبك مثلما تحبيه ليان؟"
رفعت عيونها الباكية له وقالت "هو واجه كل شيء من أجلي وافي"
هز رأسه بتفهم وقال "معك حق، ادخلي لقد تأخر الوقت، طابت ليلتك"
وتحرك راحلا فقد أتى فقط ليطمئن عليها وها هو يرى ويدرك مشاعر الاثنان تجاه بعضهم البعض وربما شكوكه لا تكون بمحلها
****
عندما وصل رائد القصر كانت سارة تدخل خلفه بسيارتها فنزل وابتسم لها وهي تنزل وقال "مرحبا بالفنانة الصاعدة"
ضحكت وقالت "كنت مع عصفورتك؟"
هز رأسه وهما يتحركان للداخل وقال "بالتأكيد، خشيت أن تطير مني، متى سينتهي الفيلم؟"
دخلا وقالت "لا أعلم رائد، هناك مشاهد كثيرة مؤجلة، ما زال هناك وقت كثير"
نظرت للخادمة وقالت "العمدة هنا؟"
أجابت "نعم، لديه أشخاص كثيرة بالمكتب"
ابتسم رائد وقال "تقريبا لا يعرف كم الساعة، سأراه"
هزت رأسها وقالت "وأنا سأراه بالصباح"
دق رائد مكتب راكان وفتح ليدخل فرآه يجلس خلف مكتبه ونظراته على الرجال الكثيرة التي تملأ الغرفة ومن نظرات راكان عرف رائد أنه غاضب وسيف يقف بجواره ونظراته هو الآخر غير عادية
وضع رائد يده بجيوبه وقال "مساء الخير"
همهمات وصلت له وراكان يقول "هل هناك شيء رائد؟"
توقف رائد مكانه وسؤال راكان يعني أن لا مكان له وهي مرته الأولى ليفعل ذلك فقال "أحتاجك قبل أن أرحل"
قال بنفس الجدية "طائرتك بالسادسة، سأكون معك قبلها"
هز رائد رأسه وتحرك خارجا وعادت نظراته للرجال وهو يقول "أنا لا أتراجع عن قراراتي يا سادة والعقوبة بتلك الحالة معروفة"
هتف أحدهم "يا عمدة نحن لم نكن ندرك خطورة الأمر و.."
قاطعه بنبرته الحازمة والمخيفة "كان لديكم أوامر مشددة من قبل رجلي الأول وكلكم خالفتم الأوامر وتقدير خطورة الأمور من عدمها ليست مشكلتي"
أخفض الرجل رأسه وقال آخر "نطمع بفرصة أخرى يا عمدة، كرمك"
تحركت عيونه للرجل وقال "تعلم أني أمنح فرصة واحدة ولقد حصلتم عليها ونتائج تصرفاتكم لن أتحملها أنا"
لم يجادل الرجل والصمت لفهم فقال "سيف، سيتكفلون بكل الخسائر ودفع التعويضات اللازمة، مرسي، محمد زين، زكريا القاضي يتم سحب مشروعات الإنشاء منهم وتضم للمجموعة، يتم تسليم مزرعة العامرية ومرغم للمجموعة أيضا"
شحبت وجوه الرجال وأحدهم يقول "يا عمدة هذا كثير"
صمت حل على المكان حتى نهض راكان فنهض الرجال جميعا وتحرك حتى وقف أمام الرجل المعترض وقال "أنت تناقشني بقراري زكريا؟"
شحب وجه الرجل مرة أخرى وهو يقول "لا أقصد يا عمدة، لكن المزرعة تعني الكثير لي"
أحنى راكان وجهه تجاه زكريا وقال بزئير الأسد "هل تظن أني لا أعلم ماذا تعني لك المزرعة زكريا؟ المخدرات التي تخزن بها سيتم التخلص منها بمعرفتك قبل تسليمها لمجموعة العمدة ولو جادلتني مرة أخرى سألقي بها بمياه البحر أمام عيونك، أمامك فرصة لنهاية الاسبوع لتسليمها وتنفيذ أوامري هل لديك اعتراض؟"
ارتجف صوت الرجل وهو يرد "لا يا عمدة"
ظل كما هو وهو يسأل "هل لدى أحدكم اعتراض؟"
طال الصمت فتحرك لمكتبه وقال "تمام، سيف سيباشر التنفيذ"
جلس فتحرك أول رجل له فمد يده والرجل يقبل يده ويقول "نعيد العهد يا عمدة"
تبعه باقي الرجال حتى خرجوا جميعا فاعتدل وسيف يلتفت له ويقول "إنها الثانية صباحا"
عبث بأصابعه على عيونه ثم فتحهم وقال "هل تابعت أخبار سفيان؟"
أجاب سيف "لقد وصل فرنسا منذ ساعات قليلة، لم نحصل على مربية حتى الآن، ألن تنام؟"
نهض وأغلق جاكته وقال "هل وصلت لوازم الطفل للدكتورة؟"
تحرك سيف خلفه خارج المكتب وقال "نعم"
رد "إذن اذهب لتنام لا أحتاجك"
صعد السلم وتحرك لغرفة رائد ودق الباب ودخل فلم يجده ولكن سمع صوت المياه بالحمام فتوقف أمام النافذة وشرد بالظلام بالخارج، ما زالت مشكلة سفيان تشغل ذهنه، كلمات رهف تجعله غاضب وهو لا يفهم وجهة نظرها بأن امرأة مثل ندى انتهازية يمكن أن يغفر لها ما فعلته؟
"بدوت كالوحش بالأسفل"
التفت لرائد الذي لف خصره بالمنشفة وصدره الصلب مبلل وخصلات شعره تتهدل على وجهه فقال راكان "أنت تختار أوقات رائعة للدخول"
جذب ملابس مريحة وقال "وأنت أول مرة تطردني من مكتبك"
تحرك وجلس على المقعد وقال "وأنت لن تغضب مني بالطبع"
انتهى من ملابسه وجلس أمامه وقال "فقط لو أخبرتني سبب تحولك بالأسفل"
أسند رأسه على أصابعه وقال "تمرد وتم احتوائه، كيف كان يومك مع ليان؟"
ابتسم ملئ وجهه وقال "رائع، لأول مرة أشعر بأني على قيد الحياة، أنا لا أعرف كيف انتظرت كل ذلك الوقت قبل أن أخبرها بمشاعري"
قال بهدوء "لا شيء يحدث قبل أوانه رائد"
هز رأسه وقال "معك حق، أردت إخبارها عن موضوع الإنجاب"
ظل صامتا والأمر يؤرقه هو الآخر فالتفت له رائد وقال "وافي قاطعنا، من حقها أن تعرف أنها قد لا تحصل على أطفال ولكن يمكننا تبني أي أطفال هي ترغب بها"
قال بهدوء "هل فكرت أنها قد لا تقبل؟"
حدق بصديقه وقال "نعم"
عاد وسأله "وماذا؟"
انحنى رائد للأمام وقال "لا أعلم راكان، لا يمكنني تخيل الحياة بدون ليان، لكن لو أرادت أن تكون أم حقيقية فلا أعلم ماذا سأفعل وقتها؟"
نهض راكان للنافذة وقال "أظن أن حبها لك سيكون بصفك"
نهض رائد ووقف أمامه وقال "لن أعتمد على ذلك راكان، قد تدفع قلبها جانبا بجوار غريزة الأمومة راك، المرأة أضعف من الرجل أمام تلك العاطفة"
لف رأسه له وقال "وليان امرأة أيضا"
لم يعارض "أعلم ولن يمكنني سلبها حقها بأن تعرف قبل الزواج، لست أناني راكان"
قال بلا تفكير "ولم تكن أناني وقت أخبرتها أنك تحبها وخطبتها وعلق قلبها بك قبل أن تخبرها بالأمر"
تجمد رائد من قسوة صديقه ولكن هذا هو راكان، نادرا ما يجعل الحقيقة جميلة، هو يلقيها كما هي، ولكنه لم يدري أنه كان يلقي بالأمر لنفسه أيضا
أخيرا أبعد رائد وجهه وقال "بلى كنت ولكن وقتها كنت مشغول بألا أخسرها ولم أفكر أني قد أخسرها بسبب الأطفال"
ظل راكان ينظر له وهو يمرر الكلمات على عقله مرة أخرى..
هو الآخر يرغب بحرمان رهف من الأطفال لكن برغبته وليس كرائد فهل ستقبل وقتها؟
هل سيكون نفس الأناني الذي تحدث عنه من قليل؟
لا إجابات للأسئلة وعندما تعبا من النقاش بلا فائدة حولوا الحديث للعمل حتى أصبحت الرابعة فجرا فقال رائد
"هكذا لابد أن أستعد للذهاب وأنت تذهب لتنام"
نهض وقال "سأراك قبل أن تذهب فقط أستبدل ملابسي"
وتحرك خارجا ورائد يعود لتجهيز نفسه للذهاب وكلاهم يعيد الكلمات بذهنه فيما يخص الإنجاب وهل ستقبل كل امرأة منهم بما يفرض عليها أم لا