رواية راكان زيدان واصحابه الفصل الثلاثون30بقلم داليا السيد محمد

رواية راكان زيدان واصحابه الفصل الثلاثون30بقلم داليا السيد محمد 

الفصل الثلاثون
لماذا تهتم؟ أنت أناني
كلمات وافي ظلت عالقة بأذنها طوال اليوم، هل حقا كانت خائفة وغير واثقة بنفسها؟ 
أغمضت عيونها وأمسكت الآلة وتنفست بعمق ثم بدأت العزف، صمت حل حولها ورأت نفسها وسط دخان كثيف وهي تسبح، كأنه الفضاء الشاسع من حولها ولا وجود لأحد سوى هي وابتسامتها تحلق على وجهها وأنوار تتلألأ من بعيد وهي كفراشة تتنقل من وردة لأخرى حتى انتهت 
الغريب أنها فجأة رأت عيون وافي بوجهه المبتسم لها مما منحها الطمأنينة بشكل غريب وهو يصفق لها لتفتح عيونها على صوت التصفيقات المتعالية من الجمهور ودون أن ترى أحد، رأت وافي يجلس بالخلف ويبتسم نفس الابتسامة التي رأتها وأيضا يصفق لها وكأن ما رأته كان واقع وحقيقة
ابتسمت وهي تنحني لتحية الجمهور وعادت لمكانها وسط الفرقة لتكمل الفقرات بينهم وما زال يجلس بالخلف يتابعها بنفس الابتسامة التي منحتها تشجيع كما فعلت كلماته التي دفعتها لتحدي نفسها بأنها ليست خائفة ولا مذبذبة
ما أن عادوا لخلف المسرح حتى تلقت تهنئة المايسترو وهو يبتسم ويقول "أحسنتِ مليكة، لقد تفوقت على نفسك واختلفتِ تماما عن الأمس"
ضحكت برقة وسعادة وقالت "تشجيعك لازمني وكلماتك دفعتني للأمام سيدي"
ابتسم بفخر وقال "اجهزي للحفل السنوي، بالتأكيد سيتم اختيارك بالفريق الذي سيعزف برئاسة الجمهورية"
هتفت "حقا!؟"
قال "هذا توقعي لكن دعي الأمر للوقت"
وتحرك وتركها وهي تعود للآلة ولم تهتم أن لا أحد من الزملاء هنئها، كانت تعلم أنهم يستكثرون عليها ما حققته بوقت قصير ولكنها عاهدت نفسها ألا تهتم
"كنتِ رائعة"
التفتت لوافي وقد انتظرته بالفعل وهو يقف ويضم يداه لصدره وابتسامته ترافقه فشعرت بشيء غريب تجاهه، رؤيتها له أسعدتها رغما عنها وقد كانت بالأمس غاضبة منه وظنت أنه لن يبالي بالحفل لكنه لم يخلف وعده 
عندما لم ترد تحرك تجاهها وقال "ماذا بك؟"
عادت للعلبة الثمينة وأغلقتها وقالت "لا شيء، لم أظن أنك ستأتي"
قال بهدوء "لأنكِ كنتِ غاضبة مني بالأمس؟"
رفعت العلبة لكتفها وواجهته وهي تقول "ربما، هل حقا أعجبك العزف؟"
أفسح لها لتتحرك أمامه وقال "بالطبع، عادت لكِ ثقتك بنفسك وكأنك لم تكوني على المسرح"
لفت وجهها له وهما يتحركان للخارج وهي تندهش لأنها كانت كذلك بالفعل، الهواء لفحها ليعيدها للظلام بالخارج وهو يقول "لو طلبت نقلك للبيت سترفضين كالأمس؟ لن أغضب"
لم تعرف ماذا تفعل فسألته "لماذا تهتم وافي؟ ما الذي جعلك فجأة تهتم بما يخصني؟"
ابتسم وقال "أحب مساندة كل من هم ينتمون لدائرتي، أصحابي وإخوتهم، كلنا دائرة واحدة مليكة"
تفهمت كلماته وقالت "نعم ولكني كنت كذلك منذ عرفت ظافر فلماذا الآن؟"
أبعد وجهه قليلا ثم عاد لها وقال "هل تظنين أن هذا مكان مناسب للحديث؟"
ظلت صامتة لحظة ثم قالت "حسنا لتعيدني للبيت تلك المرة فقط"
هز رأسه وقادها لسيارته حيث دخلت وهو بجوارها وقاد وهي تقول "كيف هي ليان مع رائد؟"
ابتسم وقال "لم أراها مشرقة كما هي الآن، رغم رحيله بالفجر إلا أنها تهاتفه طوال اليوم تقريبا"
ابتسمت وقالت "كانت السعادة واضحة بعيونهم يوم زفاف سفيان عندما أعلن خطوبتهم"
أبعدت شعرها بأصابعها وهو يلف وجهه لها وقال "الحب يضرب كل الصعوبات وينسفها بلا هوادة، لماذا تركتِ يحيى؟"
لم تفر من الرد وقالت "أرادني دون الموسيقى"
نظر لها فواجهته فقال "ألم يقدر ماذا تعني لكِ الموسيقى؟"
أبعدت وجهها وقالت "هو يظن أن الزواج والأمومة هم كل ما على المرأة الاهتمام به، أن أكون زوجته وألبي طلباته واحتياجاته واحتياجات الأولاد فقط لكن ما أرغب به أنا لا يهم، يسقط أمام رغباته"
الطريق كان مزدحم فلم ينظر لها وقال "ألم تشرحي له وجهة نظرك؟"
قالت بهدوء "هو لم يقبل النقاش وافي، أرادني أن أتنازل، إنه حتى رفض أن أتم دراستي"
احتار بإمر ذلك الرجل وقال "بدا أنه كان يحبك"
أجابت بلا تعابير على وجهها "الرجال لا تتنازل أمام الحب وافي "
ابتسم وقال "لو كان حب حقيقي لن يهم رجل أو امرأة مليكة، القلوب واحدة لدى الجنسين"
هزت رأسها وقالت "ومتى عرفت الحب؟"
ضحك وقال "ليس بالضرورة تجربتها لأعرفه، قرأت عنه، رأيته بظافر ومي، سفيان وتمارا؟"
ضحكت مثله وقالت "رهف والعمدة؟"
قال "تلك العلاقة الوحيدة التي لا يعرف أحد مسمى لها، العمدة لا يتحدث عن دواخله والدكتورة عنيدة وقوية لذا أن نجد الحب بينهم هو انجاز يفوق الخيال"
ضحكت مرة أخرى وقالت "معك حق، هل تعلم أني بيوم ما كنت منبهرة جدا براكان؟"
لف وجهه لها فلم تكف عن الضحك وكأنها تضحك من نفسها وأكملت "ولكن ما حدث بين ماما وبابا جعلني فجأة أنضج وأرى الحياة بنظرة مختلفة، حتى يحيى لم أفكر كثيرا يوم أنهيت علاقتي به وكأن وجوده بحياتي لم يؤثر بي"
توقف فجأة ولاحظت أنهم بمكان هادئ وبعيد عن الزحام فنظرت له فقال قبل أن تسأل "أحببت أن أسمعك"
ظلت تنظر له وتجولت على ملامحه الوسيمة وكأنها تراه لأول مرة وبدا وسيما جدا فشعرت بشيء غريب يدغدغ مشاعرها فأبعدت وجهها وقالت "ولماذا تهتم؟"
قال بجدية "تفكيرك يعجبني"
نظرت له وقالت "لا تتمادى وافي، تعرف القواعد"
أبعد وجهه وقال "لا تخلطي الأمور مليكة أنا لا أطالب بعلاقة، ربما صداقة"
ظلت تنظر له دون أن ترد فنظر لها وعاد يقول "هل ترفضين؟"
ظلت تواجه نظراته ثم قالت "لا أعلم، لم أظن أن هناك صداقة بين رجل وامرأة أنا ليس لي أصدقاء، لا أجذب أحد تقريبا"
ولكنها تجذبه، أراد أن يسمعها، يتحدث معها، أعجبه تفكيرها ورزانة عقلها فقال "ربما نجرب ولو لم ننجح ليرحل كلا منا لطريقه"
قالت بدهشة "لديك أصدقاء كثيرة وافي"
ابتسم وقال "نساء؟ لا لم تكن لي واحدة بأي يوم، لن أنكر علاقاتي بالنساء ولكنها لم تتعدى ليلة وتنتهي لكن غير ذلك فلا"
لا تعلم لماذا سألت "وسارة؟ كنت معها منذ وقع لها الحادث؟"
تبدلت ملامحه وهي تخترق منطقة كانت خفية ولا أحد يراها ولكنها رأتها فأبعد عيونه عنها وقال "تعلمين أني أتواجد حيث يحتاجني أحدهم"
لم تقتنع وهي تقول "ولكن نظراتك لها كانت غريبة يوم التقيتم بحفل جدي"
قال بهدوء "هي اختارت حاتم وقتها مليكة"
ابتسمت وقالت "لذا تراجعت عنها ومع ذلك كنت بجوارها وقت الحادث ويبدو أنها لم تدرك ما تكنه لها لذا ابتعدت"
لف وجهه لها وقال "سارة كانت بالنسبة لي مثل راكان بالنسبة لك ولكن قربي منها جعلني أدرك أنها ليست المرأة التي أرغب بها"
ظلت عيونهم متواجهة لحظة حتى أبعدت هي وجهها وقالت "وأخرجتها من قلبك؟"
هز رأسه وقال "نعم فهي اختارت طريقها دون اهتمام بأحد حتى أخيها"
هزت رأسها وقالت "هي متهورة قليلا ولكن الوقت كفيل بجعلها تتعلم وافي وربما وقتها تعود لها"
ابتسم وقال "لا شيء يبقى على حاله مليكة حتى القلوب"
التقوا بنظرة طويلة حتى قال "اتفقنا على الصداقة؟"
هزت رأسها فابتسم كما فعلت ثم أدار السيارة وتحرك عائدا بها لبيتها وقد شعر براحة غريبة لأن هناك من تحدث معه عن سارة والخطأ الذي سقط به بيوم ما ولكنه استدرك نفسه وارتد دون خسائر
****
نزلت سارة بالصباح وهي ترى حركة غريبة بالقصر والخادمة تخرج من مكتب راكان فقالت "هل حدث شيء؟"
التفتت لها المرأة وقالت "شيء؟ أي شيء آنسة؟"
توقفت أمام المرأة وقالت "الحراسة كثيرة وأنت تسرعين خارجة"
قالت المرأة "السيد راكان غاضب ويطلب قهوة وحضرتك تدركين غضبه"
وتحركت المرأة وظلت جامدة مكانها حتى خرج سيف من مكتبه والتقى بها فتحرك تجاها وقال "صباح الخير آنسة سارة"
اعتدلت وقالت "صباح الخير سيف، ألا تنزع الألقاب أبدا؟"
تجهم وجهه لحظة فابتسمت وقالت "أريد رؤية راكان"
قال بجدية "لا أنصحك بذلك فالأجواء اليوم غير جيدة"
تراجعت وقالت "ماذا؟ هل اختلف مع الدكتورة؟"
قال بنفس الجدية "بل أفكر جديا بطلبها فهي الوحيدة التي توقف غضبه"
تراجعت وهي تحدق به وقالت "حقا!؟ حب هذا أم ماذا؟"
أجاب "لا أحد يعرف دواخل العمدة، اسمحي لي"
ولكنها قالت "متى يمكنني رؤيته؟"
قال "بخصوص السفر لليونان؟"
ضاقت عيونها وهي مندهشة وسألته "هل هذا يعني أنه يعلم؟"
هز رأسه وقال "بالتأكيد"
صمتت قليلا ثم قالت "وهل يمانع؟"
رنين الجرس جعله يقول "لا أعلم اسمحي لي"
وتحرك عائدا له ودخل فوجده ينظر للرجل الذي يجلس أمامه وقال "سيف، العقيد مصطفى وافق على استلام وظيفته بالمجموعة، امنح تعليماتي لهم هناك بما يخصه"
أومأ سيف برأسه ونظر للرجل وقال "تمام يا عمدة، تفضل سيادة العقيد"
نهض الرجل وأغلق جاكته وقال "شكرا لك يا عمدة"
هز رأسه ولم يرد والرجل يتحرك للخارج وسيف يتبعه، أخرج هاتفه وعبث به ليهاتفها ولكن هاتفها مغلق مما زاد غضبه
منذ الأمس وهاتفها مغلق ولا يعرف السبب وسيف أخبره أنها لم تذهب الشركة
نهض واتخذ قراره عندما رأى سيف يدخل وتوقف وهو يراه يتحرك له فقال "السيد مرتضى بالخارج، موعده الآن!"
توقف بمنتصف الغرفة، هو لا يخلف مواعيده إلا بالأزمات لذا توقف وقال "أحتاج قهوة، دعه يدخل واجعل أحد حراس الدكتورة يخبرها أن تهاتفني"
هز سيف رأسه وخرج فتحرك للنافذة عندما دق الباب ودخل مرتضى وهو يقول "صباح الخير يا عمدة"
لم ينظر له وهو يقول "أهلا مرتضى، طلبت رؤيتي"
لم يجلس مرتضى وهو يقول "نعم بخصوص سيناء"
قال "ماذا بخصوص سيناء؟"
أجاب الرجل "هناك من يضع عيونه على الأرض يا عمدة، راغب عبد الله وهو هاتفني بالأمس وطلب مني تسهيل الأمر وأنا طبعا ماطلت حتى أبلغك"
التفت له والباب يدق لتدخل الخادمة بالقهوة فقال "هل ترغب بقهوة؟"
ارتبك الرجل وقال "كما تشاء يا عمدة"
قال "أخبرها كيف ترغب بها"
وتحرك لمكتبه وقال "ماذا طلب منك بالضبط؟"
تناقش الرجل معه وهو يستمع له بهدوء حتى رن هاتفه باسمها فقال "حسنا مرتضى سأهاتفك لأخبرك الرد"
نهض الرجل على الفور واستأذن فجذب الهاتف وأجاب بنبرة حادة "هاتفك مغلق؟"
صوتها كان نائم وهي تجيبه "الطفل كان متعب بالليل راكان ولم ينم سوى بالصباح ونمت بجواره والهاتف فقد الشحن ولم أشعر بذلك"
هدأ غضبه وقلقه وقال "حسنا عودي للنوم"
كانت قد أفاقت وقالت "لا لابد أن أذهب الشركة هم أيضا هاتفوني"
قال بضيق "سأحاول العثور على مربية"
كانت قد اغتسلت وقالت وهي تنتقي ملابسها "لا يهم، حبيبة تتعامل جيدا، لقد حجزنا موعد لدى طبيب وستأخذه هي له، أنا أحببته حقا"
ظل صامتا لحظة ثم أجاب "حسنا سأدعك لتستعدي فقط لا تغلقي الهاتف مرة أخرى"
توقفت وشعرت بنبرته فقالت "ماذا بك؟"
رفع رأسه لحظة ثم قال "لا شيء، سأهاتفك مرة أخرى"
كان سيف يدخل وهو يغلق ويترك الهاتف وسيف يصل له ويقول "الآنسة سارة رغبت بلقائك بسبب اليونان"
أغمض عيونه وأسند رأسه على يده والصداع يفتك به وكلماتها أعادته لأفكاره المدمرة، تحرك له سيف وقال "أنت تحتاج للراحة"
لم يتحرك وقال "أخبرها أن تسافر لا مانع لدي"
صمت سيف ثم قال "ماذا بك؟"
لا أحد سيفهم ما به، موضوع ندى وطفلها يغضبه، كذلك أن يحرم رهف من الأطفال يؤرقه، زواجه منها قد ينهار بسبب ذلك وهو وقتها لن يعرف بأي طريق سيسير
سيف عاد يقول "راكان"
قال "هل هناك مواعيد أخرى؟"
أجاب سيف "بعد ساعة مع مدير المزرعة الأخيرة، هل أنت بخير؟"
لم يفتح عيونه وهو يقول بحزم "اتركني وحدي"
بقلق وتردد تحرك سيف خارجا ونظراته عليه، تراجع بالمقعد وأسند رأسه عليه وهو يراها أمامه والغضب بعيونها عندما تحدثت عن الطفل، كما تذكر وقت سألته ولد أم بنت؟ 
والآن، أنا أحببته حقا..
ماذا سيقول لها؟ أنا لا أرغب بأولاد لأن العمدة حياته بخطر ولن يعرض أولاده للخطر؟
هل سترغب به بعدها؟ 
بالتأكيد لن تقبل به، كل امرأة ترغب بأن تكون أم، كما وأنها ستحمي أطفالها بروحها لذا لن تختار رجل حياته تعني البقاء على فوهة بركان خامد قد يشتعل بأي لحظة ويقضي على كل شيء
هاتفه رن مرة أخرى ولم يرد ولم يفتح عيونه والصداع يدق بشدة، هل يمكنه أن يتقبل عدم وجودها بحياته؟ 
كاد يجن لأن هاتفها كان مغلق ولم يسمع صوتها منذ الأمس فماذا لو رفضته ورفضت الزواج؟ هل يتزوجها وبعدها يخبرها بعدم رغبته بأولاد؟
رنين الهاتف مرة أخرى ففتح عيونه ونظر له ليرى اسم رائد فأجاب ورائد يسأله "أين أنت؟"
رفع يده لشعره وقال "موجود ماذا لديك؟"
صمت رائد قليلا ثم قال "هل أنت بخير؟"
جذب سيجار وهو يقول "نعم، هل لديك جديد؟"
أجاب "ظافر أخبرني بموضوع سفيان"
أشعل السيجار وقال "نعم"
ظل رائد صامت ثم قال "راك أنت لست بخير"
حاول أن يظل هادئ وهو ينفخ الدخان وقال "لا شيء رائد، الطفل مع رهف وحبيبة وهو رحل مع تمارا وعندما يعود سنجد حل"
هدأ قلق رائد ثم قال "رهف رائعة بكل شيء، ستكون أم رائعة"
عاد غضبه وهو يقول "هل انتهيت رائد؟"
صمت رائد قليلا قبل أن يقول "نعم راكان عندما ترغب بالحديث هاتفني"
وأغلق فأدرك ما فعل ومع ذلك قذف الهاتف على المكتب ودخن السيجار وما زال الصداع يزداد فأسند رأسه على يده وأغمض عيونه مرة أخرى دون التوقف عن التفكير وبلا وصول لأي حل
****
وقفت خلف الموظف المختص وأشارت للمشاكل الموجودة بالنظام وتبعها آخر يعرض عليها حل آخر وهي تحاول شرح الأمر له حتى قال الموظف الجالس "تمام دكتورة لقد دخلت"
مالت على الأزرار وعبثت عليها بثقة وعيونها على الشاشة ثم قالت "هذا هو الموقع، لا تخرج مرة أخرى"
وعادت للرجل الآخر الذي منحها أوراق تأملتها ثم قالت "ليان يمكنها متابعة ذلك وعماد هذا"
تراجع الرجل وقال "تمام دكتورة"
خلعت منظارها الطبي لتعود مكتبها عندما رن هاتفها ورأت رقم غريب فأجابت لتسمع سيف يقول "مساء الخير دكتورة"
دخلت مكتبها وأجابت "أهلا سيف"
جلست فقال "آسف دكتور ولكن هل هاتفت العمدة اليوم؟"
رفعت وجهها وقالت "نعم بالصباح لماذا؟ هل حدث شيء؟"
صمت قليلا ثم قال "ربما ولكنه لا يتحدث، يبدو متعب وغاضب جدا ولم ينجو من غضبه أحد اليوم"
نهضت وقالت "هل سيخرج اليوم؟"
قال "لا دكتور كل مواعيده هنا"
قالت "حسنا سيف أنا قادمة فقط لا تخبره"
هز رأسه وقال "ولن تخبريه باتصالي"
كانت تغلق جهازها وقالت "بالطبع، شكرا سيف"
أغلقت الجهاز وجذبت حقيبتها وتحركت للخارج 
****
صوته الغاضب جعل الرجل الجالس أمامه ينتفض وهو يرى أن الأمر لا يستحق وقبل أن يجيب الرجل دق الباب ودخل سيف وتحرك له وانحنى وهو يهمس بأذنه "الدكتورة بالخارج"
لف وجهه له والمفاجأة تحاول الظهور على وجهه الجامد بلا فائدة ثم عاد للرجل وقال "أعد حساباتك وبلغني بها أمامك يومان"
نهض الرجل وهو يقول "أوامرك يا عمدة"
ونهض هو الآخر وقال "أين هي؟"
قبل أن يتحرك كانت تتحرك للداخل بعد خروج الرجل بابتسامة رائعة وهي تقول "هنا، هل لديك وقت لي؟ لم أستطع الحصول على موعد مسبق"
تركها تتحرك تجاهه وسيف يخرج مغلقا الباب خلفه حتى توقفت أمامه وعيونه تسقط على وجهها وقال "تعلمين أنكِ لستِ بحاجة لأي مواعيد، هل حدث شيء؟"
ظلت تنظر له وهي ترى تعبه بعيونه دون أن يظهره على وجهه وقالت "لدي مشكلة صغيرة أردت أن أعرضها على العمدة"
ظل ثابتا ووجودها سمره بمكانه وهي كانت تبتعد وهو يقول "التي هي؟"
تحركت للنافذة وقالت "أحب هذا المشهد"
صوت ولاعته جعلها تلتفت له وهي ترى الدخان يحيطه وقد عاد لمقعده فقالت "وقع عطل اليوم بالنظام الأولي"
كان يتابعها فسأل "هل له سبب؟"
عادت له وهي تأكدت أن سيف كان على حق هناك شيء يؤرقه فقالت وهي تقف أمام مكتبه "نعم ولكن السبب لدينا لذا يمكنني التغاضي عنه"
نفخ الدخان وأبعد وجهه، لا ينكر سعادته لوجودها ومع ذلك لا يريدها كي لا يصب غضبه عليها، أبعد وجهه لحظة ثم قال "أين المشكلة رهف؟"
تحركت حتى وقفت بجواره واستندت على المكتب وقالت "أخبرني أنت، صوتك لم يعجبني بالهاتف فأنهيت المشكلة وأتيت لرؤيتك"
ظل ينظر لها وهو يذكر سؤالها له بالهاتف، أبعد وجهه وقال "أخبرتك أن لا شيء، مجرد ضغط العمل"
نهض مبتعدا وهو لا يرغب بمواجهة عيونها وهي أدركت ذلك فقالت "هل يمكن أن أطلب شيء؟"
جذب عصير من الثلاجة وعاد لها وهي تتحرك له وقال "بالطبع"
أخذت العصير ورفعت وجهها له وقالت "قد يبدو بلا أهمية لك ولكن هو هوايتي منذ كنت صغيرة"
كان يتأمل ملامحها وشياطينه تخبره أنها ستهجره يوم يخبرها برغبته فقال "غير الالكترونيات؟"
ابتسمت وقالت "نعم، أرغب بزجاجة عطر من عطرك الذي تستخدمه، أحب تجميع العطور المميزة وأنت عطرك مميز"
رفع حاجبه وقال "حقا؟ أنت تمزحين؟"
وابتعد من أمامها مرة أخرى فأدركت أنها لن تخترقه أبدا مهما حاولت ومع ذلك قالت "لا، هل ستدعوني على الغداء أم مشغول؟"
كان يقف أمام النافذة وينفخ الدخان وقال "مشغول، يمكننا تأجيله للغد"
سمعها بجواره تقول "لو اعتدت على إخفاء ما بداخلك عن الجميع فلن تفعل ذلك معي راكان"
لف وجهه لها وتنحى الدخان من بينهم حتى التقت النظرات وكاد يتراجع ولكنها أمسكت ذراعه لتوقفه وهي تواجه وتكمل "ماذا بك؟"
مال تجاها وقال "أخبرتك من قبل أن تتعلمي متى تتراجعين"
وابتعد من أمامها وهي شعرت بمدى غضبه وكل ما عليها فعله هو الخروج من هنا كي لا تثار الأمور أكثر وهو يطفأ السيجار ولكنها قالت "هذا أمر يا عمدة"
لم ينظر لها وقال "كما تشائين فقط اتركيني"
تحركت لتقف خلفه وقالت "تعلم أني أرفض الأوامر"
التفت لها ولكنها أكملت "توقف راكان، أعلم أنك غاضب ولكني أرغب بمعرفة السبب"
انحنى عليها وقال بقوة "لا تخبريني ماذا أفعل، ليس الآن ولا أبدا"
وتحرك ليبتعد ولكنها وضعت يداها على صدره فعاد لوجهها وهي تقول "عندما أشعر أنك لست على ما يرام فلابد أن أفعل أي شيء من أجلك فأنت كل من يهمني"
للحظة كلماتها تنفد له لكنه يقاوم وعاد ليتحرك ولكنها لم تتركه وهي تضغط على صدره الصلب وتقول "لا تفر مني لأني لن أتركك، حسنا راكان اغضب وافعل ما تشاء فلن أفر منك"
رفع يداه وقبض على يداها وقال "لا تقدمي شيء لن يمكنك الوفاء به، لن تحبي غضبي بأي لحظة ووقتها ستدركين أني لا أستحقك"
وأبعد يداها ليذهب ومع ذلك أسرعت وأمسكت يده لتوقفه وهي تقول "الزوج والزوجة بينهم ميثاق راكان، ميثاق بالسراء والضراء"
التف له وقال "أنتِ أخبرتني أنكِ لم تصبحي زوجتي بعد"
لم تتركه وهي تقول "وأنت أخبرتني أن خاتمك جعلني كذلك والعمدة لا يسحب كلماته"
هتف بغضب لم يعد يمكنه إيقافه "كفى رهف، اذهبي لم أعد أرغب برؤيتك"
وجذب يده منها وتحرك خارجا من الغرفة ولم تتركه وهي تتحرك خلفه وتبعته وهو يتحرك للأعلى وسيف أشار لها لمكانه فتحركت خلفه وهو يتحرك لغرفته وصفع الباب خلفه وهو يقاوم الجنون الذي يعصف به 
الأمر لا يستحق، فقط أخبرها وستذهب ولن تعود، ستختار الأمومة ولن تبقى معك، أنت وحش فلماذا تختار الوحش؟ 
ستذهب وتتركك
"لا يمكنني الذهاب وتركك"
التفت لصوتها، هل تقرأ أفكاره؟ 
ظلت واقفة على الباب وهو يواجها وعيونها جامدة وعادت تقول "لم تكن لتتركني لو كنت أتألم"
تنفس بقوة، هو حقا يتألم، هذا الألم لم يعرفه من قبل، هو أصلا لم يعرف الألم، لكن أن تخرج من حياته فهو ألم لا يعرف كيف يوقفه
تحركت للداخل حتى وقفت أمامه وقالت "ماذا بك؟"
سقطت عيونه عليها ولاحظت أنفاسه المتسارعة وهي تدرك غضبه فرفعت يدها لوجنته ولمستها وقالت "امنحني فرصة لأكون معك وأشاركك همك كما كنت تفعل معي"
قال بصعوبة "لن يمكنك التحمل"
لم تبعد يدها عن وجنته وهو تخدر من لمستها فقالت "جربني"
لمس يدها بيده واتخذ قراره وقال "متى يمكنك رفض زواجنا رهف؟"
رمشت عيونها من الدهشة للسؤال وهي لم تتوقعه وعندما لم ترد أخفض يدها والتفت فاستوعبت ما قال فقالت "هل ترغب بفسخ خطوبتنا؟"
التفت لها وقال "أنا أرغب بالزواج بك الآن وبكل لحظة تكونين فيها معي ولا يمكنك تخيل كيف أوقف نفسي عنك"
أشاحت بيدها وأخفضت وجهها وهي تقول بلا فهم "إذن أين المشكلة؟"
قذف ما بداخله بلا وعي "الأولاد، الأولاد مشكلتي رهف"
رفعت رأسها له وشحب وجهها بلا فهم وجف حلقها وهي استوعبت وهو يبتعد وظل كلاهم صامتين حتى تداركت هي كلماته فقالت "هل تشرح معنى كلماتك لأني لم أفهم؟"
لم ينظر لها وهو يقول "لا يمكنني منحك أولاد"
شعرت بأن مطرقة سقطت عليها جعلتها ترغب بالصراخ ولكنها أصيبت بالبكم فجأة وسقطت نظراتها على الأرض وهي تستوعب وكأنها أصيبت بالغباء
التفت لها ورأى وجهها الشاحب وعيونها الزائغة فأدرك الصراع الذي يمزقها، لم يستطع أن يتحدث وربما لأول مرة بحياته يندم
رفعت وجهها الشاحب له بلا دموع وقالت "السبب؟"
قوتها أذهلته وهو يقول "مكانتي، أعدائي، حياتي التي عشتها، الكثير من الأسباب"
بللت شفتيها بلسانها وهي لا تفر منه وقالت "لكن ليس لديك سبب عضوي"
حدق بها وهو يقول "لا"
هزت رأسها وقالت "ومن منحك الحق بسلب حياة أحد؟"
تفاجأ من سؤالها ولكنه أجاب "لن أسمح بتكوين تلك الحياة من الأساس، سنتبع طرق الحماية كي لا يحدث حمل"
قاومت الدموع وقالت "لا ترغب بطفل مني؟"
اقترب منها وقال "لا أرغب بطفل من الأساس، لا أرغب بأن ينال حياة مثل التي عشتها ولا مصير مهدد بالخطر بكل لحظة أو ذهن مثقل بالمسؤوليات، لا أريده أن ينال مصيري"
هتفت بقوة "إذن لا تفعل به ما فعله بك زيدان"
تراجع وقال "لا يمكنني جلبه للحياة وتركه ليكون ضعيف أو مهدد بالخطر من أعدائي"
ابتعدت وقالت "كنت بنفس مكانه ولم يخشى عليك من الخطر وهو ماضيه كان أسوأ منك بمراحل فلماذا تفر من مواجهة مصيرك؟"
قبض على ذراعها ليعيدها أمامه وغضب اشتعل بعيونه "العمدة لا يفر من شيء رهف، احذري بكلماتك"
نفضت ذراعها منه وقالت "وماذا تسمي ما تريده راكان؟ أنت لست فقط تفر بل أنت خائف، تخاف من خوض التجربة"
قبض أصابعه بقوة بجواره وجز على أسنانه وهو يقول بنبرة مخيفة "انتهى الحديث رهف"
لكنها لم تتوقف ولم تخف وهتفت "لا، الأمر لا يخصك وحدك لتنهيه، هو مصيري معك راكان، هذا لو رغبت حقا بإتمام زواجنا لأني لن أتنازل عن حقي بما شرعه الله لي، المال والبنون، لا يهم المال فهو آخر اهتماماتي لكن أن أتخلى عن حقي بطفل من أجل خوفك من أوهام تسكن رأسك فلن أقبل بذلك راكان"
وتحركت خارجة دون أن تنتظر أي كلمات أخرى وتركته والغضب يعصف به وهو الآخر يرفض إنهاء النقاش بطريقتها 
تحرك خلفها وقد وصلت لباب القصر وسيف يحاول إيقافها ولكنها كانت على وشك الخروج ودموعها تتساقط وهو يلحق بها ويمسكها من معصمها ويقول "لم ننتهي بعد"
حاولت تخليص يدها منه وهي تهتف "أنا انتهيت، اتركني"
لم يفعل وهو يجذبها لمكتبه وهي تحاول أن تقاومه وسيف يتبعهم حتى دخل المكتب وتركها بالداخل ودفع الباب خلفه وهو يقول "لن أسمح لكِ بالتجاوز معي مرة أخرى"
هتفت بلا خوف "وأنا لن أسمح لك بسلبي حقوقي"
تحرك ووقف أمامها وقال "لم لا تفهمي؟"
هتفت بألم "لأن الأمر غير مقبول، ربما لو كان بنا إعاقة لتقبلنا مشيئة الله لكن أن نواجه نعم الله بالجحود فهو ما لم أفهمه ولن أقبل به"
صمت ونظراته تتوقف عليها وهي رفعت وجهها له ومسحت دموعها وقالت "كلانا يخير الآخر راكان أليس كذلك؟ بين الأطفال وإتمام الزواج"
ظل صامتا وهي تفهمت موقفه فقالت "اسمح لي أن أخبرك أنك أناني ولم تفكر سوى بما يتناسب معك دون مراعاة لي ولرغباتي"
ابتعد وقال "لا رهف أنا أفكر بمصيره هو، لا أرغب بمنحه حياة لم أكن لأرغب بها بأي يوم"
هتفت "كاذب"
التفت لها بغضب جديد ولكنها أكملت "نعم أنت كاذب لأنه كان بإمكانك رفضها بأي يوم بحياتك، كان يمكنك الفرار منه، كان يمكنك فرض رغبتك عليه، كان هناك ألف حل لكنك أردت تلك الحياة، كنت تريد العمدية"
هتف "لأنه الشيء الوحيد الذي علمني إياه"
رفضت كلماته وقالت "بل تعلمت ودرست ونجحت فلماذا اتبعت مساره لو لم تكن تريده؟"
تحرك لها وقال بحزم "كل ذلك كان بعد العمودية"
هزت رأسها وقالت وهي تدفع إصبعها بصدره "وهي كل ما أردته أنت، أنت من اختار راكان كما تفعل الآن، أنت تريد أن تختار بلا اهتمام بي وبرغبتي"
أمسك يدها وقال "بل لأني أعرف أن هذا هو الصواب"
جذبت يدها من يده وقالت بلا غضب "ليس صواب يا عمدة، أعد حساباتك مرة أخرى وعد لنفسك، ما زال هناك وقت قبل زفافنا، هذا لو أردت إتمامه"
وتخطته للخارج دون النظر خلفها وسيف يفتح لها فقالت "لا تتركه سيف من فضلك"
لم تنتظر رده وهو يقول "السيارة ستأخذك"
قالت بحزم "لا"
وتحركت خارجة كما أتت وهو يتابعها من نافذة مكتبه وكلماتها تدق برأسه
لم تفر من مواجهة مصيرك؟ 
أنت خائف..
أنت كاذب..
لم يملك أحد القوة على مواجهته هكذا وقذف الحقائق بوجهه الواحدة تلو الأخرى
اختفت من أمامه فتحرك للأريكة وسقط عليها وأحنى رأسه وأسقطها بين يداه والصداع يزداد والصراع هو الآخر يزداد
ما فعله هو الجنون، جنون سيهدم كل السعادة التي كان يعيشها  ولا يعرف لماذا فعل بها وبنفسه ذلك وهل يمكنه إكمال ما بدأه أم سيتراجع أمام خروجها من حياته؟
وهي..
لم تعد للبيت ولم تذهب الشركة وطلبت من السائق أن يأخذها لبيتهم القديم وهي تمنع دموعها من التساقط وما أن فتحت البيت حتى واجها الظلام ورائحة التراب.. 
أضاءت الأنوار الضعيفة، شقة صغيرة جدا وأثاث قديم تم تغطيته بالأقمشة التي تناثر التراب عليها
أزاحت القماش من على الأريكة وجلست وتركت الدموع تتهاوى من عيونها حتى اندفعت بالبكاء بقوة ودفنت وجهها بيداها وهي تتمزق من داخلها ولا تعرف ماذا تفعل؟ 
هل سيتركها لو أصرت على رفض طلبه؟ 
لقد أصبحت سجينة حبه وقلبها أضعف من أن يتحمل فراقه لكنها أضعف أيضا من أن تتحمل عدم وجود طفل منه
ماذا تفعل؟
هتفت بألم "ماما، أحتاج لك، أحتاج لك بشدة، أنا لا أعرف ماذا أفعل، أنا أحبه ماما، أحبه جدا لكن لا أستطيع الموافقة على ما يريد، لا أستطيع"
وعادت للبكاء بقوة دون أن تصل لأي حل للأزمة التي سقطت بها

تعليقات



<>