رواية سراب الفصل الثالث3بقلم يارا علاء الدين
مين كان بيديكي الدوا ده، الدواء ده بيمسح الذاكرة الدواء ده خطير!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
خرجت من العيادة، الشارع كان دوشة أوي بس الأًصوات مكنتش بتوصلني عشان كلام الدكتور كان بيرن زي الجرس في وداني:
"الدوا ده بيمسح الذاكرة.. الدوا ده خطير!"
وصلت الشقة.. فتحت الباب ورفعت رجلي بالعافية ودخلت.
قفلت الباب ورايا ببطء شديد، ووقفت في نص الصالة أتلفت حواليا.
كل حاجة في البيت زي ما هي:
لعب سليم الصغيرة مرمية على الكنبة.
مج القهوة بتاع كريم على الترابيزة.
بيت عادي.. دافي.. متناسق.. بس أنا مبقيتش حاسة إنه بيتي، بقيت حاسة إنه مصيدة! طلعت الشريط من الشنطة، وحطيته على الترابيزة في نص الصالة.
إيدي كانت بتترعش وأنا ببص عليه.. مين كان بيديني الدوا ده؟
إزاي كان بيدخله جسمي؟ في العصير؟ في القهوة؟ في المية اللي جنب السرير؟
ولو أنا باخده بقالي شهور.. إزاي ولا مرة شكيت؟ أول اسم جه في دماغي.. كان كريم.
لكن أول ما الاسم جه في بالي.. قلبي صرخ ورفض يصدق.
كريم؟!
كريم اللي بيموت فيا؟ كريم اللي عمره ما زعلني؟ لا.. مستحيل! أكيد فيه تفسير تاني.. أكيد فيه حد تاني!
فضلت قاعدة مكاني، ساكتة زي التمثال، بتابع عقارب الساعة وهي بتتحرك.لحد ما سمعت صوت المفتاح في الباب.
الباب اتفتح.. ودخل كريم.
قلع جزمته، وحط مفاتيحه، وقالي بنبرته الحنونة الدافية:
"ندى يا حبيبتي.. عاملة إيه النهارده؟"
رفعت عيني وبصيتله.
لأول مرة في 8 سنين جواز.. أحس إني مش عارفة الراجل اللي واقف قدامي ده خالص!
كريم مشي خطوات ناحيتي.. ولما عينه وقعت على الشريط المحطوط في نص الترابيزة، وقف مكانه فجأة.
وشه ما اتغيرش أوي.. بس عيونه اتوترت.. لمحت حركة صغيرة أوي في حدقة عينه, كانت واضحة ليا جدًا, سألته بصوت هادي أوي.. هادي بشكل يخوف:
"تعرف إيه عن الدوا ده يا كريم؟" سكت كريم.
ثانية..
اتنين..
ثلاثة..
وسكوته ده بالذات.. كان السكينة اللي دبحت كل أمل فاضل في قلبي. قرب مني خطوة، وحاول بنبرته الهادية يقول:
"إيه ده؟ جبتيه منين يا ندى؟"
ضحكت. ضحكة قصيرة، باهتة وميتة، أنا نفسي اتخضيت من صوتها. وقولت:
"من درج المطبخ يا كريم.. درج الكراكيب اللي تحت خالص."
وش كريم اتغير ولأول مرة من سنين.. كريم معرفش يرد بسرعة.
قومت وقفت ، ومسكت الشريط ورفعته في وشه وصرخت بكل القهر اللي في قلبي:
"الدكتور قال إن ده سبب كل النسيان والجنون اللي بيحصلي!
قال إني باخده باستمرار وبجرعات كبيرة! فأنا عايزة أفهم حالا.. الدوا ده بيعمل إيه في بيتنا ومين بيديهولي؟!"
كريم بصلي وقت طويل أوي.. نظرة تقيلة ومظلمة. وبعدين وقع على الكرسي كأن رجله مبقتش شايلاه. حط إيديه الاثنين على وشه، وفضل ساكت.
صرخت فيه وأنا بهزه من كتفه:
"رد علياااا! اتكلم!"
رفع عينه ليا.. وكانت أول مرة في حياتي أشوف فيها كريم بالشكل ده.
مش كريم الهادي.. الراجل الواثق اللي عارف بيعمل إيه.
كان مكسور.. وخايف.. وميت من الرعب. قال بصوت واطي ومبحوح:
"أنا.."
الكلمة نزلت على دماغي زي القنبلة زلزلتني. فضلت باصاله وأنا مستنية يقول بعدها:
"بهزر طبعاً! إنتِ مجنونة؟"
لكنه كمل بصوت واطي:
"أنا اللي كنت بحطهولك في العصير أوالماية كل يوم.."
رجعت لورا خطوة، وقولتله:
"إنت؟ إزاي؟! إنت تعمل فيا كده يا كريم؟ ليه؟! لييييه؟!"
دموعي كانت بتنزل زي المطر وأنا بزعق وبضرب على صدري:
"أنا كنت بموت كل يوم من الخوف! أنت عارف يعني إيه كنت فاكرة إني بتجنن وبفقد عقلي وبضيع؟! مصعبتش عليك ولا مرة وأنا ببكي وبترجاك تساعدني؟!"
كريم انهار هو كمان وبكى، لأول مرة في حياتي أشوف راجل بيبكي بالانهيار ده، قال وهو بيشهق:
"مكنتش عايز أأذيكي يا ندى! والله العظيم ما كنت عايز أأذيكي!"
ضحكت بصدمة ومرارة:
"ماكنتش عايز تأذيني؟! أومال اللي عملته ده إيه؟! وطالما إنت اللي بتديني الزفت ده.. ليه خدتني للدكتور يا كريم؟ ما خفتش يكشفك؟!
كريم قالي:
"كنت عارف إن التحاليل العادية مش هتبين حاجة يا ندى.. وكنت خايف لو رفضت تروحي تشكي فيا.. بس والله العظيم كان عندي أمل الدكتور يشوفلك حل، وأستغل الفرصة دي وأبطل أديهولك وأخلص من الكابوس اللي أنا عايش فيه ده!
بصيتله بذهول ودموعي بتنزل، وسألته بصوت مكتوم:
ولما هو كابوس بالنسبة لك.. عملت فيا كده ليه يا كريم؟
قالي:
"أنا كنت خايف.. كنت خايف أوي.."
خايف من إيه؟!
بصلي وقال الجملة اللي كسرت أخر حتة سليمة جوه روحي:
"خايف تفتكري.."
قولتله بصوت مخنوق ومهزوز:
"أفتكر إيه يا كريم؟ أفتكر إيه؟"
بص بعيد عني، مكنش قادر يرفع عينه في عيني وهوبيقول الحقيقة المرة:
"تفتكري اللي حصل لسليم.."
اتجمدت مكاني. قلتله بصوت مرعوب:
"إيه اللي حصل لسليم؟ سليم كويس
كريم قال بصوت مهزوز:
سليم مات يا ندى.. سليم مات من سنة في حادثة العربية..
"سليم مات؟! إزاي؟! أنت مجنون؟ سليم ابننا عايش!"
مكملتش كلامي، وجريت زي المجنونة على أوضة سليم. فتحت الباب بقوة..
الأوضة كانت باردة.. مترتبة بشكل مزعج. الألعاب مرصوصة على الرف بانتظام، الملايات نضيفة ومفرودة ومفيش أي أثر لطفل عايش فيها!
جريت على الدولاب، فتحته وأنا قلبي بيدق. لقيت الهدوم.. هدوم سليم الصغيرة، الهدوم اللي اشتريتهاله بنفسي!
كريم جه ورايا، وقف عند الباب وأتنهد بوجع وقال:
"يوم الحادثة كنا راجعين بالليل.. وأنا كنت سايق العربية، وانتِ قاعدة جنبي وسليم ورا في الكرسي بتاعه. غصب عني بصيت لورا عشان أعدله ، وفي ثانية.. حصل اللي حصل والعربية اتقلبت بينا.. سليم مات في ساعتها.."
كمل وهو بيمسح دموعه:
"من يومها وانتِ مش قادرة تتقبلي الواقع.. ولا قادرة تستوعبي إن سليم خلاص مبقاش موجود. حطيت إيدي على ودني وصرخت بكل قوتي:
"اسكت! اسكتتتت! متكملش! متقولش كده"
لكنه كمل:
"خدتك لأكتر من دكتور نفسي.. كلهم قالوا إن الصدمة عندك كانت عنيفة جداً وإن عقلك دخل في حالة إنكار كامل عشان يحميكي.
قالوا لازم علاج وجلسات ودواء.. بس إنتِ كنتِ بترفضي كل ده.
وكل ما تفتكري دقيقة من الحادثة.. تنهاري وتدخلي في نوبة هيستيرية. أكتر من مرة حاولتي تأذي نفسك وترمي نفسك من البلكونة.. ومرة جريتي في الشارع الساعة 4 الفجر تدوري على سليم وتصرخي باسمه.
في اللحظة دي.. افتكرت!افتكرت أم هدى لما قالتلي:
"إنتِ كنتي خارجة من العمارة الساعة 4 الفجر وبتبصي حواليكي كأنك بتدوري على حاجة.."
بصيت لكريم ببطء شديد.. الصورة بدأت تتركب في دماغي.. حتة حتة.. ببطء مرعب ومؤلم. كمل كريم وهو بينزل على ركبه قدامي:
"أنا غلطت.. عارف إني غلطت.. بس كنت بموت وأنا شايفك بتموتي كل يوم وتتقطعي قدامي.
الدكتور الأولاني كتبلك الدوا ده بجرعة بسيطة خالص عشان يهدي الهلاوس والهيستيريا.. بس مكنش بيعمل حاجة مع نوباتك. فبدأت أزودلك الجرعة وأحطهولك في الأكل والعصير من غير ما تعرفي.. كنت فاكر إني بحميكي.. فاكر إن لو ذاكرتك اتشوشت شوية ونسيتي سليم، وجعك هيخف.. فاكر إن النسيان أرحم مليون مرة من إنك تفتكري ابنك وهو بيموت قدام عينك.."
كان بيتكلم وأنا حاسة إن كل حاجة جوايا بتتفجر. مش بس ثقتي فيه.. حياتي كلها، ذكرياتي، وعقلي.
قومت وقفت بالعافية، وقلت بصوت مبحوح وبارد:
"يعني إنت كنت بتديني سم يبوظ عقلي عشان تخلص من الدوشة والصداع اللي عاملاها ليك؟ عشان تريح نفسك من نوباتي؟ بتسرق مني ذاكرتي؟ بتقرر بدالي أنا أفتكر إيه وأنسى إيه؟"
قرب مني وهو بيمد إيده: "ندى.. والله العظيم كنت بحاول أنقذك!" صرخت فيه بكل صوتي:
"بس إنت دمرتني!! إنت دمرت حياتي يا كريم!"
سكت كريم، وهو عارف إن مفيش أي كلام في الدنيا يقدر يبرر الجـ.ــريمة دي.
قضيت الليلة دي كلها في أوضة سليم، قاعدة على الأرض وحاضنة هدومه الصغيره. مكنتش قادرة أبص في وش كريم.. ولا قادرة أبص لنفسي في المراية. و في اليوم اللي بعده، طلبت من كريم يجبلي كل التقارير الطبية القديمة، الروشتات، والأشعة.
جابهم وهو ساكت من غير نقاش, قعدت أقرا وأراجع كل ورقة وأنا دموعي مش بتقف, بحاول أستوعب الحقيقة اللي هربت منها سنة كاملة. قررت أرجع للدكتور، وحكيتله كل حاجة ، بس المرادي من غير ما أهرب من الوجع.
بعدها بدأت رحلة علاج طويلة أوي وصعبة.. أطول وأقسى مما كنت أتخيل.
جلسات علاج نفسي، أدوية حقيقية ومظبوطة المرادي للتعافي من صدمة الفقد.
الموضوع مكنش سهل, كان مليان بحاجات صعبة أوي:
نوبات بكاء هستيري، نوبات غضب أكسر فيها كل حاجة تقابلني، وأيام تانية أصحى فيها حاسة إن قلبي ميت ومتخيط بخيط رفيع أوي هيتقطع مع أول نفس.
كريم حاول يرجع البيت أكتر من مرة. كان بيبعتلي رسايل، يتصل، ويقف تحت العمارة بالساعات .
كل مرة كان بيكلمني فيها، كان بيبكي ويقول نفس الجملة:
"أنا أذيتك وأنا بحبك يا ندى.. أنا غلطت بس والله من حبي فيكي، لازم تسامحيني ونبدأ من جديد!"
بس فيه نوع من الأذى.. مينفعش يتغفر بسهولة، حتى لو كان باسم الحب! بعد شهور طويلة من العلاج ، رفعت قضية طلاق.
مش عشان مبقتش بحب كريم.. أنا كنت لسه بحبه وبحن للأيام القديمة..
لكن عشان بقيت بخاف من الحب لما يتحول لسلطة من حد تاني عليا! لما يبقى فيه كذب وتدليس بالشكل المرعب ده! لما حد شايف إن من حقه يقرر بدالي أنا أفتكر إيه وأنسى إيه، وأعيش إزاي، وأواجه وجعي إمتى! لما يكون أقرب حد ليك مش واقف جمبك في أهم وأقسى فترة في حياتك، لا ده واقف في الجبهة الثانية ضدك!
اتطلقت أخيرًا. وخرجت من الجوازة دي وأنا حاسة إني طالعة من حريق كبير. متبهدلة، ومحروقة.. لكن حية.
بدأت مرحلة جديدة في حياتي وفي العلاج النفسي.
كنت بروح الجلسات الأسبوعية وأنا بحاول أجمع نفسي حتة حتة.
مرة أعيط طول الجلسة، مرة أزعق وأصرخ، ومرة أفضل ساعة كاملة ساكتة تماماً أبص للدكتور من غير ما أقول كلمة واحدة.
بس كنت بتحسن.. ببطء شديد.. لكن بتحسن.
وفي يوم من الأيام، وأنا برتب الدولاب وقعت إيدي على كيس أبيض كبير في أخر رف فوق. سحبته باستغراب.. ولما فتحته، لقيت فستان فرحي! اتجمدت مكاني, فضلت باصاله ثواني طويلة.
أنا متأكدة إن كريم خد كل حاجته بعد الطلاق، وأنا أكدت عليه ياخد الفستان ده بالذات لإني ماكنتش عايزة أي حاجة تفكرني بيه أو باليوم ده! فستان الفرح ده جه هنا إزاي؟ مين جابه وحطه هنا تاني؟
مسكت الفستان بغضب، وقررت أطلعه وأرميه في الزبالة فوراً!
أيوة لازم أتخلص منه ومن أي رابط يربطني بيه! بس.. وأنا برفعه، لقيتني غصب عني باخده في حضني.. ودموعي بتنزل سريعة.
مررت إيدي على القماش والتطريز، كل جزء فيه كان بيرجعلي ذكريات قديمة كنت نسيتها!
وفجأة.. وأنا بمرر إيدي على البطانة الداخلية للفستان, حسيت بحاجة ناشفة ومستطيلة مستخبية جوه البطانة!
فتحت السوستة ومديت إيدي.. وطلعت ظرف صغير متطبق بعناية كان مكتوب على الظرف من بره بخط كريم الواضح:
"أنا مش عارف هتشوفي الورقة دي في يوم من الأيام ولا لأ, بس لو لقيتيها.. اوعديني متقريهاش إلا وانتِ مستعدة تماماً لمواجهة كل حاجة."
