رواية ما تبقي من رؤي(رؤي وياسين)الفصل الثاني2بقلم سلسبيل احمد
بعد ما رُؤى رجعت..
حسيت كأني اتنفست من جديد.
الشارع اللي كان مضلم بقاله سنيين، أنواره أنارت مرة واحدة..
والروح اللي كانت مفارقة صدري، رجعت تسكن بين ضلوعي.
فتحت مركز صغير للأطفال ذوي الهمم على أطراف المهندسين، قريب من الكورنيش.
المكان كان بسيط بس دافي، زيه زي روحها تماماً.
وأنا؟
أنا بقيت مهندس لعين بيكره المواعيد، لكنه بيبص في ساعته كل خمس دقائق من الساعة أربعة العصر عشان يسبق الوقت!
كنت بسيب الموقع، أرمي كل اللي ف ايدي ، وأطلع على المهندسين وسط زحمة القاهرة المفترسة..
مش فارق معايا المرور، ولا اي حاجه ولا المطر، كل اللي كان شاغل تفكيري هو إن الساعة لما تيجى خمسة بالضبط، أكون واقف قدام باب المركز بتاعها.
كنت بقف أستناها، ساند ظهري على العربية، والمطر ينزل خفيف يتساقط على كتفي.
وفجأة..
يفتح الباب الخشبي الكبير، وتطلع هي.
كانت بتطلع وشها متأثر بتعب النهار، طرحتها متلغبطة شوية من لعب الأطفال معاها طول اليوم، بس أول ما عينيها تقع عليا واقف في البرد، ملامحها تتبدل تماماً.. يتفرّد وشها بابتسامة ناعمة تشيل كل هموم الأرض من على قلبي.
تقرب بخطواتها الرقيقة، وشالها الصوف الملفوف حوالين رقبتها يتطاير مع الهواء البارد، وتقولي بصوتها البحت الدافية:
— "ياسين.. أنت واقف في الشارع من إمتى؟ المطر نيغرقك يا مجنون، بطل جنان وروّح!"
أبتسم وأنا بلف عشان أفتح لها باب العربية:
— "أنا واقف مستني السنين اللي غبتيهم في دبي يا رُؤى..
يلا بينا، مش هتروحي إلا لما نمشي على النيل لأول."
تركب جنبي، والدفا يملا العربية.
نسوق لحد ما نوصل لكورنيش النيل.
الهواء الشتوي هناك كان عامل زي إبر ثلج بتخبط في الشباك، والنيل لونه غامق وساحر..
والشارع تقريباً فاضي من الناس بسبب البرد.
*لــــ سلسبيل احمد*
نزلنا..
كانت لافة إيديها حوالين نفسها من الساقعة، وأنا ماشي جنبها بحاول أكون الساتر اللي بيمنع عنها الهواء.
وفجأة، تقف قدام عربية آيس كريم صغيرة واقفة على الكورنيش، عيونها تلمع زي العيال الصغار في العيد!
تبصلي وتقول بصوت كله انبهار:
— "ياسين!
آيس كريم في البرد ده.. ده كنز!
تعالى نجيب!"
أبص لها بذهول وأقولها:
— "آيس كريم إيه يا رُؤى في عز الثلج ده؟
أنتِ عايزة يجيلك أنفلونزا وتنامي أسبوع؟"
تمسك في أكمام معطفي وترجوني بطفولة مش ممكن أرفضها:
— "عشان خاطري يا ياسين!
الآيس كريم في الشتا له طعم تاني خالص، بيبقى دافي من كتر ما الجو برة ساقع..
يرضيك تكسر خاطري؟"
تنهدت بقلة حيلة وأنا ببتسم من قلبي..
تقف قدام الراجل بنشاط وتطلب بثقة:
"لو سمحت..
عايزة بولتين فراولة كبيرة في بسكوته!"
ويرجع الراجل يبصلي، فأقوله وأنا بضحك:
"وهاتلي أنا بولتين كريمة سادة لو سمحت."
ناخد الآيس كريم ونمشي على سور الكورنيش..
وأيدينا الاتنين متلجين زي الثلج، بس المشاعر اللي بينا كانت بتغلي بالدفا.
تبص للفنجان بتاعي، وتبص لبسكوتها، وتقولي بنبرة مليانة ضحك وشقاوة:
— "يا جاف يا ياسين!
حد يأكل آيس كريم كريمة سادة؟
بجد معندكش أي خيال أدبي في الآيس كريم! الفراولة دي فيها روح، فيها لون، فيها حياة!"
أوقفت مشي.. وألتفت لها.
كانت واقفة بتاكل من الآيس كريم وبتمسح النقطة اللي جت على طرف شفيفها بطفولة، وعيونها الشفافة بتلمع تحت إضاءة أعمدة الشارع الصفراء المبلولة بالمطر.
أبص في عينيها أطول مما ينبغي، وأقولها بصوت واطي طلع من أعمق نقطة في صدري:
— "أنا ماليش في الفراولة يا رُؤى..
بس أنتِ الفراولة، وأنتِ الروح والحياة اللي ردت فييا من يوم ما رجعتِ."
الضحكة اختفت من على وشها فجأة..
إيدها اتجمدت وهي ماسكة الآيس كريم، وخدودها احمرّت جداً مش بس من البرد، لكن من الخجل اللي غمرها مرة واحدة.
سكتت..
ونزلت عينيها في الأرض وهي بتبتسم وقالت بصوت همس كأنه نسيم:
— "أنت بتبالغ يا ياسين.."
أقرب منها خطوة وأقولها:
— "أنا عمري ما بالغت في حاجة تخصك..
أنا السنين اللي فاتوا كنت جثة بتتحرك ومحدش رد فييا النبض غير لما شفتك واقفة قدام العمارة.."
مشينا بقية الليل في صمت..
بس ما كانش صمت غريب، كان صمت مليان كلام، مليان اعترفات مشحونة في الهواء.
كان إيدها جنب إيدي، وكل ما أطراف صوابعنا تتلمس بالغطاء الشتوي، قلبي ينتفض كأني عيل عنده 18 سنة واقف في البلكونة وبيشوفها لأول مرة.
وصلتها لحد باب العمارة، وقفت تبصلي قبل ما تدخل، وقالتلي:
— "شكراً يا ياسين على الآيس كريم.... وعلى كل حاجة."
رديت عليها وأنا حاسس إن قلبي خلاص مش قادر يكتم أكتر من كدة:
— "تصبحي على خير يا رُؤى..
واستعدي، لأن كل يوم من هنا وجاي هنروح نتنشي ع النيل ."
طلعت شقتي ليلتها..
قعدت في البلكونة، مسكت كشكول الرسم اللي كان مقفول بقاله سنين، ورسمت وشها وهي بتاكل الآيس كريم والريح بيكسر شالها.. وكتبت تحته:
"كانت تأكل الفراولة لتشعر بالحياة..
ولم تكن تعلم أنها هي الحياة التي يتنفسها قلبي."
عدّت أسابيع على رجوعها من دبي..
أنا بحاول أجمع شتات نفسي.
كل يوم بنزل أستناها قدام المركز، نمشي على النيل ، ناكل الآيس كريم، ومره دره ،ونرجع نضحك على نفس الحاجات البسيطة..
بس جوايا كان فيه نار بتغلي
4 سنين بحالهم ضاعوا في الغربة والبعد..
4 سنين وأنا حاسس إني كنت جثة عايش على الذكريات.
ما كانش ينفع أصبر ليلة واحدة كمان من غير ما أقولها.
في ليلة جمعة هادية من ليالي ديسمبر، طلب منها تنزل تقف معايا في البلكونة عندنا..
نفس البلكونة اللي شهدت أول مرة خطفت قلبي ليها، ونفس البلكونة اللي سيبتها تمشي منها لدبي وأنا ساكت زي الأبلة.
الجو كان بارد، والشارع تحتنا هادي تماماً ومفيش غير صوت الهواء وهو بيحرك أوراق الشجر الناشفة.
كانت واقفة جنبي، لافة حولين جسمها شال صوف كحلي، ومسكة فنجان شاي دافي بين إيديها الاتنين عشان تدفيهم.
أنا ما كنتش بصص على الشارع..
كنت بصص عليها هي.
ملامحها تحت إضاءة البلكونة الصفراء الخافتة كانت ساحرة، هادية كأنها لوحة مرسومة بروقان.
— "ياسين..
أنت ساكت ليه من ساعة ما طلعنا؟
سرحان في إيه؟"
بصيت لعينها المباشرة.
قلبي كان بيدق في صدري بصوت عالي جداً لدرجة إني كنت خايف تكون سامعاه.
مسكت إيدها ببطء.. إيدها الصغار كانت متلجة، اتفاجأت في الأول بس ما سحبتهاش مني.
*لــــ سلسبيل احمد*
نزلت فنجان الشاي من إيدها على السور، وركزت عينها معايا وهي بتتنفس بسرعة خفيفة.
—"سرحان في الـ 4 سنين اللي ضاعوا مننا يا رُؤى.."
عينها اتسعت ببطء، وقالت بصوت واطي:
— "أربعة سنين يا ياسين؟"
— "أه.. 4 سنين عاشهم قلبي في جهنم الندم.
4 سنين وأنا بدخل البلكونة دي كل يوم بالليل، أضرب السور بإيدي وأشتم نفسي وأقول يا جبان!
خفت من إيه؟
خفت ترفضك فتخسرها، فسبتها تمشي وتخسرها بجد!"
الدموع بدأت تجمع في عينيها البنيه ، بس ما قطعتنيش..
سابتني أفرغ كل اللي كنت كاتمو جوايا من سنين.
— "أنا مش بحبك من سنة ولا من أربعة يا رُؤى.. أنا بحبك من يوم ما شفتك من البلكونة دي ونزلتِ على ركبتك في الشارع عشان تداوي ولد تعور من العجلة.
من يومها وأنتِ سكنتِ روحي.
كتبت عنك آلاف السطور في النوت بوك اللي شفتيه زمان وكذبت عليكِ وقلتلك تخيلات..
صممت كل شقة وكل بيت في شغلي وأنا بتخيلك قاعدة معايا فيه..
أنا بحبك بدرجة مرعبة يا رُؤى، ومش عايز حاجة من الدنيا دي غير إنك تكوني معايا."
سكتّ..
والنَفَس كان مقطوع في صدري.
كنت مستني حكم الإعدام أو النجاة.
رُؤى سكتت لثواني كانت أطول من الأربعة سنين اللي غابتهم..
الدموع نزلت من عينها ببطء على خدها ، وابتسمت ابتسامة دافية أوي...رفعت إيدها الثانية ولفتها حولين إيدي الممسكة بإيدها، وقالت :
— "وأنت فاكرني سافرت دبي ليه وأنا عيني بتبكي يا ياسين؟
أنا كنت مستنياك تقولي الكلمة دي من 4 سنين في نفس البلكونة دي!
كنت مستنية إيدك تشدني وتقولي ما تسافريش..
بس أنت سكتّ، وسيبتني أمشي وأنا فاكرة إني مش حاجه بالنسبالك "
أنا اتسمرت مكاني.. الكلمات نزلت عليا زي الصدمة:
— "يعني أنتِ.."
قاطعتني وهي بتمسح دموعها بابتسامة بتنور ضلمة الشارع كله:
— "أنا بحبك يا ياسين.. بحبك من زمان أوي، وأجمل حاجة في الأربعة سنين ادول.. إنها خلتنا نعرف إننا مش بنعرف نعيش من غير بعض."
في الليلة دي..
السماء مطرت.
بس ما كانش مطر يضايق، كان مطر دافي بيغسل كل سنين البعد والندم اللي عاشها قلبي.
من اليوم ده، وكل حاجة في حياتي بقت بتتحرك بسرعة الصاروخ، كأن السنين اللي ضاعت مننا كانت بتجري ورانا بتعوضنا.
ما استنيتش أسبوع على بعضه.
ثاني يوم الصبح، نزلت اشتريت أكبر بوكيه ورد بلدي أحمر ودخلت على بيت عمي.
ضربت الجرس وقلبي كان بيدق جاامد، أول ما عمي فتح لي وبص لي باستغراب، قلت له وأنا واقف بثبات أول مرة أحس بيه في حياتي:
أنا جاي أطلب إيد رُؤى يا عمي
