رواية انت عمري الفصل الثالث3بقلم الين روز


رواية انت عمري الفصل الثالث3بقلم الين روز

_ وأنتِ يا ليل خريجة إيه؟
_ لأ ليل مش متعلمة.

​مامت صهيب كانت هي اللي سألت وهي بتبصلي أوي، حسيت بريقي ناشف ومش عارفة أرد أقول إيه، بس صهيب رد بسرعة قبل ما ألحق أتنفس حتى:

​_ ليل معاها الشهادة الابتدائية يا أمي.

​أمه بصتله بصدمة، عينها اتسعت وهي مش قادرة تصدق، وبقت تبصلي وتبصلة بتوتر غريب، والصالة كلها سكتت مرة واحدة ومحدش كان ناطق.

​ساعتها حسيت بوجع في قلبي... افتكرت أهلي وكرهتهم، كرهت أنانيتهم اللي خلتني أقف الموقف ده، خرجوني من المدرسة بدري علشان أختي، وجوزوني علشان إبراهيم، وفي الآخر بقيت أنا اللي شكلها وحش قدام الناس وكأني ولا حاجة، كأن ماليش قيمة عندهم ولا استاهل أعيش زي باقي البنات. 

​بس صهيب مأخدش باله من نظرات أمه، أو يمكن طنش، وحط إيده على كتفي ومسك إيدي وقال بثبات:

_ ليل خرجت من التعليم بظروف غصب عنها يا أمي، بس هي أذكى من متعلمين كتير، وإن شاء الله هتكمل معايا إعدادي وثانوي ونعدي كل ده سوا.

​أمه بلعت ريقها بالعافية وابتسمت ابتسامة باهتة وقالت وهي متضايقة:
_ اه... ربنا يوفقكم، الشهادات مش كل حاجة.

​فضلنا قاعدين والجلسة كلها توتر، ونظراتها ليا كانت تقيلة ومش مريحة خالص، وفجأة بصتلي وقالت ببرود:

_ قومي اعمليلي فنجان قهوة يا ليل... مظبوطة.

​هزيت رأسي وقمت بسرعة للمطبخ، إيدي كانت بتترعش وأنا بمسك الكنكة من كتر الخوف والتوتر، عملت القهوة وأنا بحاول أركز عشان ما تطلعش وحشة، ورحت قدمتها ليها وقعدت جنب صهيب وأنا خايفة.. 

​أمه مسكت الفنجان وبصتلي بطرف عينها، وأول ما شربت بق واحد، وشها اتغير بقرف، وفي ثانية تفّت القهوة في المنديل وحطت الفنجان على الترابيزة بصوت عالٍ:

​_ إيه القرف ده يا ليل؟! دي قهوة دي ولا إيه؟! أنتِ حتى فنجان القهوة مش عارفة تعمليه؟!

​حسيت بدموعي هتنزل ورجعت لورا بخوف، بس صهيب مسك إيدي بسرعة وضغط عليها بدفا، وبص لأمه بهدوء وقال:

​_ معلش يا أمي، ليل لسه متوترة ومش أخدة على المطبخ، وبكره تعملها أحسن من كده.

​أمه اتنفست بضيق وهزت رأسها بقلة صبر وقالت:

_ ماشي يا صهيب... ربنا يهدي.

أول ما الباب اتقفل وصوت خطوات أمه اختفى، الشقة بقت ساكتة خالص والتوتر مالي المكان.

​صهيب لفلي وابتسم بهدوء، وقرب مني وهو بيمسك إيدي وقال بنبرة دافية:

_ خلاص يا ليل، القعدة عدت على خير.. أنتِ زي القمر النهاردة وما تزعليش نفسك من أي كلمة.

​سحبت إيدي منه بسرعة ورجعت خطوة لورا، كنت ببص له بضيق والدموع محبوسة في عيني.

​_ أنت ليه قولت لأمك كده؟

​بصلي باستغراب وعقد حواجبه وهو مش فاهم حاجة:
_ قولت إيه يا ليل؟

​_ قولت إن معايا ابتدائي وإنك هتقعدني أدرس إعدادي وثانوي! أنت ليه تحطني في الموقف ده أصلاً وليه تفتح الموضوع؟

​وقف مكانه مبهول ومش فاهم سر العصبية دي، وقال ببساطة:

_ يا بنتي أنا قولت كده عادي عشان أرد عليها وما أسيبهاش تضايقك، وبقول الحقيقة إننا هنكمل سوا.. هو أنا قولت حاجة تزعل؟

​_ أيوه تزعل!

​دموعي نزلت وجسمي بدأ يترعش، وقلت بصوت مخنوق:

_ أنت مفكر إنك كده بتعمل معايا جميل؟ أنا مطلبتش منك تدرسني ولا تغير صورتي قدام أمك! أنت كأنك طالع بتقولها إني ناقصة وأنت اللي هتكملني، طلعتني محتاجة لك عشان أكون حاجة!

​صهيب فضل باصصلي بذهول تام، مش قادر يربط بين الكلمة اللطيفة اللي قالها وبين الخناقة اللي فتحتها فجأة، وقال وهو بيحاول يستوعب

_ ليل.. أنتِ بتفكري كده ليه؟ أنا والله ما قصدي أي حاجة من اللي في دماغك دي خالص! إيه اللي جاب الكلام ده في دماغي أصلاً؟!

​_ علشان أنت مش حاسس!

​رديت عليه بوجع وأنا بمسح دموعي

_ أنت مش فاهم يعني إيه تحس إنك أقل واحد، مش فاهم الشعور اللي جالي وأنا واقفة قدامها ومستنية حكمها عليا! أهلي حرموني من التعليم وكبروا أخويا وأختي عليّا، فمتحسسنيش أنت كمان إنك أملي الوحيد وإني من غيرك ولا حاجة!

​أخد نفس طويل وهو بيحاول يمسك أعصابه ويهدى، وبصلي بجمود ونبرة صوت بقى فيها زعل حقيقي وهو بيهز رأسه:
​_ لما تشوفي نفسك أقل مني يا ليل... ده غلطك أنتِ، مش غلطي أنا.

​سكت ثانية وهو بيبص في عيني ومكمل بصوت أهدى بس قاسي من كتر الوجع اللي فيه:

_ أنا عمري ما بصيت لك بالنظرة دي ولا اتعاملت معاكي على إنك ناقصة، أنا لما اتكلمت مع أمي كنت بتباهى بيكي وبحط حدود لأي حد يفكر يقلل منك، لكن أنتِ من كتر الوجع اللي جواكي بقيتي تشوفي حتى المحاولة مني إنها إهانة!

​وسابني ودخل الأوضة وقفل الباب وراه بهدوء،
 وسابني واقفة لوحدي في الصالة.

​فضلت قاعِدة على طرف السرير في الضلمة في أوضتي، حاضنة نفسي وركبي لصدري، وصوت عياطي اللي كاتماه في المخدة هو الحاجة الوحيدة اللي مسموعة. تفكيري مكنش يقف؛ كل كلمة قالها صهيب كانت بتتعاد في دماغي ألف مرة.

​اكتشفت إن الوجع الحقيقي مكنش في كلامه، الوجع كان في إني حسيت إنه شاف الحقيقة اللي أنا بهرب منها من زمان... أنا فعلاً كنت خايفة أكون قُليّلة، وكنت بشوف أي إيد تتمد لي عشان ترفعني كأنها إيد بتفكرني بإني واقعة في القاع! أهلي نجحوا يزرعوا الخوف ده جوايا، وصهيب هو اللي دفع ثمن العقدة دي.

​من كتر التعب والتفكير والدموع اللي أخدت كل طاقتي، جسمي تقل وراسي تقلّت على المخدة، ونمت بهدومي من غير ما أحس بالوقت ولا بالليل وهو بيمر.

​صحيت على صوت خبط هادي ومتواصل على باب الأوضة... فتحت عيني بالعافية وأنا حاسة بزغللة، وراسي بتقيد نار من كتر العياط. قعدت على السرير وظبطت طرحتي وطبطبت على وشي بحاول أفوق.

​_ ليل؟ أنتِ صاحية؟

​صوته كان هادي ودافي من ورا الباب، ردّيت بنبرة مبحوخة وطالعة بالعافية:

_ أيوه... صاحية.

​فتح الباب بشويش وبصلي، كان لابس هدوم خروج خفيفة وشكله صاحي من بدري. أول ما عينه جت على وشي والورم اللي تحت عيني من العياط، ملامحه اتغيرت وشفت في عينه حزن واضح، بس حاول يداريه بسرعة بابتسامة صغيرة.

​_ طب يلا تعالي... أنا بره ومستنيكي.

​ساب الباب مفتوح ومشي، قمت بخطوات بطيئة وخرجت وراه وأنا مستغربة ومترددة، مش عارفة هتعامل معاه إزاي بعد كل اللي حصل إمبارح. بس أول ما طلعت الصالة، وقفت مكاني من الصدمة.

​الترابيزة كانت مليانة أكياس كتير، شكولاتة من كل الأنواع اللي بحبها، وحاجات حلوة وعصاير، وجنبهم علبة صغيرة فيها حليات وجبة فطار سخنة ريحتها مالية المكان.

​صهيب كان واقف مستنيني، مربع إيده وباصصلي بنظرة هادية فيها حنية غريبة، ولما شافني باصة للترابيزة بذهول وما بنطقش، قرب مني خطوتين ونزل إيده.

​_ بصي يا ليل... أنا مش بعرف ألف وأدور في الكلام. أنا نزلت من الصبح وجبت كل الحاجات دي عشان أقولك كلمتين.

​سكت ثانية وهو بيبص في عيني بثبات، وبعدين اتنهد وقال بنبرة صادقة جداً:

_ أنا آسف... آسف إني قولتلك إنك شايفه نفسك أقل مني إمبارح، الكلمة طلعت مني وأنا متضايق ومحروق، بس مكنش ينفع أقولها، حتى لو كنتِ زعلتيني.

​بصيت له بذهول، قلبي اتنفض في صدري ومكنتش مصدقة إنه بيتأسف لي على كلمة قالها في لحظة غضب، وفي نفس الوقت هو اللي كان مظلوم في الخناقة كلها!

​ابتسم بخفة لما شاف نظرة الاستغراب في عيني، وقرب أكتر ومسك كيس شكولاتة ورماه في إيدي وهو بينكشني بضحكة هادية:

_ وبعدين يعني حطي في بطنك بطيخة صيفي واستغلي اللحظة دي كويس... عشان تبقي عارفة بس، مفيش مهندس في الدنيا كلها بيعتذر بسهولة كده! فدلوقتي الموقف ده مش هيتكرر كتير، تعالي بقى ناكل عشان أنا واقع من الجوع.

فضلِت باصة للكيس اللي في إيدي، ومشاعر كتير اتخلطت ببعض جوايا... ذنب، خجل، وامتنان عمري ما حسيت بيه قبل كده.

رفعِت عيني فيه، وكانت لسه علامات النوم والعياط باينة على وشي، وبصيت له بنفس النظرة التائهة وقبل ما ألحق أرد، لقيته بيسحب الكرسي وبيشاورلي أقعد.

_ اتقلي براحتك، بس مش وأنا جعان على الصبح! يلا، الفطار هيبرد.

قعدت بشويش على طرف الكرسي، وأنا شايفاه بيفتح الأكياس وبيحط العصير والعلب قدامي بعفوية، وكأن الخناقة الشديدة بتاعت إمبارح مكنتش موجودة أصلاً... أو بالأحرى، هو اختار بذكاء وحنية إنه يمسحها عشان أقدر أتنفس.
نزلت رأسي وأنا بقلب كيس الشكولاتة بين إيديا، وبصوت واطي ومبخوق بالدموع، قلت:

_ أنا اللي المفروض أتأسف يا صهيب... مش أنت.
إيده اتعطّلت وهي بتفتح العلبة، وبصلي بهدوء وتركيز من غير ما يقاطعني.

بلعت ريقي بالعافية وكملت وأنا بحاول أجمع الكلام اللي فضل يلف في دماغي طول الليل:

_ أنت كان عندك حق في كل كلمة قيلتها... أنا فعلاً كنت بشوف نفسي أقل، وأي حاجة حلوة كانت بتيجي منك كنت بفسرها غصب عني إنها شفقة أو تقليل مني. أهلي كبروا جوايا فكرة إني أقل واحدة فيهم، وإني ماستاهلش... فلما جيت أنت وحاولت تديني حق، طريقتي في الدفاع عن نفسي كانت غلط وجرحتك.

صهيب اتنهد تنهيدة طويلة، وساب العلبة من إيده، ومال بجسمه لقدام على الترابيزة، وقرّب مني شوية وهو بيتكلم بصوت هادي جداً وراسي:

_ ليل... أنا مش مستني منك اعتذار، ولا عاوزك تحسي إنك مديونة لي بحاجة. أنا بس عاوزك تفهمي إنك في بيتي، ومعايا... يعني الماضي ده كله يفضل بره الباب. أنا لما اخترتك، اخترتك بظروفك وبحقيقتك، ومش محتاج أغيرك عشان تملي عيني، أنا بس كنت عاوز أفتحلك سكة تفرحي بيها لو أنتِ عاوزة.

بصيت في عينه، وشفت فيها أمان حقيقي كنت محرومة منه، كمل وهو بيبتسم ابتسامة خفيفة ومطمنة:

_ والتعليم مش سباق ولا تقييم للبني آدم... لو حابة تكملي في يوم من الأيام، إيدي في إيدك، ولو مش حابة، أنتِ عندي ست البنات برضه. اتفهمنا؟

هزيت رأسي ببطء، وابتسامة صغيرة وصادقة اترسمت على وشي لأول مرة من إمبارح:

_ اتفهمنا.

مسح على الترابيزة بإيده وقال وهو بيرجع يفك أكياس الفطار بنشاط:

_ زي الفل... كده الحساب اتصفى، وناكل بقى قبل ما أجوع أكتر والمهندس اللي جوايا يزعل تاني!

ابتسمت ومسحت طرف عيني بالراحة، وقعدت جنبه ناكل.
​أول ما خلصنا، صهيب قام ومسح إيده وقالي:

_ هقوم  أجيب شاحن التليفون ونعمل شاي نتفرج على حاجة سوي.

​ساب التليفون على الترابيزة وقام دخل الأوضة. وأنا قاعدة بلم في الأكل، الشاشة نورت والتليفون رن..

​بصيت بالصدفة، ولمحت اسم بنت مكتوب على الشاشة، وكان مكتوب بوضوح: "سمسم".

​مسكت الطبق في إيدي ببطء، وقمت من على الترابيزة عشان أروح المطبخ، وأنا عاملة نفسي مش واخدة بالي خالص من الموبايل ولا من الاسم اللي لمحته.

​وأنا ماشية ورايحة ناحية الحوض، سمعت صوت خطواته طالعة من الأوضة.

​صهيب قرب من الترابيزة، مسك التليفون وبص في الشاشة بهدوء ومن غير أي ارتباك. قفل الصوت وحط الموبايل في جيبه، وبعدين دخل ورايا المطبخ ووقف على الباب، وبصلي بابتسامة هادية وقال:

​_ عقبال ما تغسلي الأطباق، أكون عملت أنا الشاي.

_ عقبال ما تغسلي الأطباق، أكون عملت أنا الشاي.

هزيت رأسي بهدوء، وفتحت الحنفية وبدأت أغسل الأطباق.
صهيب صب الشاي، ومسك الكوبايتين وخرج راح الصالة.
أول ما خرج، وقفت إيدي وبصيت على أثره بتوهة.. مين دي؟ وأنا أصلاً معرفش حاجة عن حياته ولا علاقاته تقريباً. وليه كاتب اسم بنت بدلع كده على تليفونه؟!

قفلت الحنفية بشويش ومسحت إيدي، وأنا واقفة مش عارفة أجمع أفكاري. 

خرجت بعد ما خلصت وقعدت فناولي الشاي وشوية والتليفون رن تاني فقام بعد ما قالي 

_ هقوم أعمل مكالمة. 

هزيت راسي بهدوء وقام وأنا باصه عليه ومش فاهمة لو كان مثلا بيحب البنت دي ليه بيتعامل معاها حلو؟ ومين دي أصلا. 

عملت نفسي مش واخده بالي لنا قرب وقال 

_ قومي يلا البسي علشان نازلين. 
_ فين؟ 
_ قومي بس. 

قمت بالفعل وبدأت أجهز وسمعت بيتكلم في التليفون فخرجت بعدما خلصت وسمعته بيقول وهو مش واخد بالي من وجودي 

_ خلاص بقي يا سارة لما نتقابل هعرفك كل حاجة!

                       الفصل الرابع من هنا
تعليقات



<>