رواية خادمتي الصامته الفصل السادس والثلاثون36 بقلم اسماعيل موسي

رواية خادمتي الصامته بقلم اسماعيل موسي
رواية خادمتي الصامته الفصل السادس والثلاثون36 بقلم اسماعيل موسي

جاء صباح الرحيل أسرع مما تمنته تقى، فمنذ أن فتحت عينيها في ذلك اليوم وهي تشعر بانقباض لا تستطيع التخلص منه، وكانت حركة الخدم في القصر مختلفة، والأمتعة تُجهز، والعربة تنتظر في الخارج، بينما كانت ضيفتا نوح تستعدان لمغادرة العزبة والعودة إلى القاهرة، ولم تكن تقى تعرف أين تضع نفسها وسط كل ذلك، فكانت تنتقل من مكان إلى آخر دون حاجة حقيقية، وكأن الحركة تشغلها عن اللحظة التي تعرف أنها قادمة
وقف نوح مع ضيفتيه عند مدخل القصر، وتبادل معهما كلمات الوداع، ثم صعد الجميع إلى العربة، وبقيت تقى واقفة بعيدًا تراقب المشهد، ولم تعرف لماذا شعرت بأن المسافة بينهما اتسعت فجأة، رغم أنها لم تكن سوى خطوات قليلة، وحين تحركت العربة وبدأت تبتعد عن القصر، ظلت عيناها معلقتين بها حتى اختفت خلف الطريق
عادت إلى الداخل، وهناك أدركت لأول مرة معنى أن يكون القصر كبيرًا إلى هذا الحد
كانت الغرف كما هي، والممرات كما هي، والمكتبة في مكانها، والأثاث لم يتحرك من موضعه، ومع ذلك بدا كل شيء مختلفًا، كأن روح المكان خرجت مع نوح في تلك العربة، مشت تقى بين الغرف بلا هدف، ثم توقفت عند المائدة التي جلسوا حولها في الليلة الماضية، فتذكرت صوت المرأة، وضحكة الفتاة، وحديث نوح، ثم تذكرت اللحظة التي خرجت فيها إلى الحديقة والدموع على وجهها
جلست وحدها، ولم تجد ما تفعله
كانت الوحدة تقتلها ببطء، لا لأنها لم تعرف الوحدة من قبل، وإنما لأن الوحدة هذه المرة جاءت بعد أن عرفت معنى الرفقة، وبعد أن امتلأت أيامها بصوت نوح ووجوده وحديثه وكتبه وتعليمه لها، ثم عاد كل شيء فجأة إلى الصمت
حاولت أن تشغل نفسها بأعمال العزبة، ففتحت دفاترها وراجعت بعض الحسابات، ثم أغلقتها، وخرجت إلى الحديقة، ثم عادت إلى المكتبة، ووقفت أمام الكتب دون أن تقرأ سطرًا واحدًا، حتى إنها لم تستطع أن تركب فرسها كما اعتادت، فقد شعرت أن الطريق كله سيذكرها به
وفي تلك الساعات الطويلة، باغتها شعور أقسى من مجرد الاشتياق، فقد بدأت فكرة واحدة تتسلل إلى عقلها وتكبر رغمًا عنها، ماذا لو لم تر نوح مرة أخرى؟
حاولت أن تدفع الفكرة بعيدًا، لكنها عادت إليها كلما نظرت إلى باب القصر، حتى شعرت بأن قلبها ينكمش من الخوف، وكأن رحيله هذه المرة لم يكن أيامًا عابرة، بل بداية غياب قد يطول إلى الحد الذي تنساه فيه الأيام، أو يعتاد هو حياة القاهرة وينسى هذه العزبة ومن فيها
جلست تقى على طرف السرير في غرفتها، وأسندت يديها إلى حجرها، وشعرت أن الدموع تملأ عينيها دون أن تستأذنها، ولم تفهم لماذا كان الأمر يؤلمها إلى هذا الحد، فقد كانت حياتها قبل نوح قاسية وفارغة، لكنها اعتادت عليها، أما الآن فقد بنت لنفسها حياة حقيقية، تعلمت فيها، وقرأت، وتحدثت، وأصبحت مسؤولة عن أرض وناس، وعرفت للمرة الأولى شعور أن يكون لها مكان في هذا العالم
والآن، لمجرد أن شخصًا واحدًا ابتعد عنها، بدا لها كل ما بنته مهددًا بأن يفقد معناه
شعرت في أعماقها أن الحياة التي بنتها بجد، وبكل ما تحملته من خوف وفقر وصمت، ربما تستكثر عليها السعادة، وكأنها كلما مدت يدها إلى شيء تحبه جاءها الخوف ليذكرها بأن الأشياء الجميلة لا تبقى لها طويلًا
رفعت رأسها ومسحت دموعها بعناد، لكنها لم تستطع أن تقنع قلبها بأن نوح سيعود
فقد كان غيابه للمرة الأولى بهذا الثقل، وكانت تقى تكتشف أن خوفها الحقيقي لم يكن من القاهرة ولا من اتساع العالم الذي لم تعرفه، وإنما من أن تجد نفسها فيه من جديد، ولكن هذه المرة بعد أن عرفت كيف يكون للحياة معنى، ثم تفقد الشخص الذي جعلها تراه.

خرجت تقى من القصر دون أن تخبر أحدًا إلى أين تذهب، ومضت في الطريق الترابي الممتد بين الحقول، بينما كانت السماء ملبدة بغيوم ثقيلة حجبت ضوء الشمس، فبدا النهار نفسه باهتًا كأنه فقد رغبته في الظهور، وكانت الأرض رطبة من أثر المطر القديم، تتجمع في بعض المواضع برك صغيرة تعكس لون السماء الرمادي، في حين تحركت سيقان الزرع تحت الريح الباردة بحركة متتابعة تشبه الهمس، لكنها لم تسمع فيها اليوم سوى نبرة حزينة لم تعتدها من قبل
كانت تمشي ببطء، وثوبها يلامس أطراف الحشائش المبتلة، وعيناها معلقتان بالطريق دون أن تنتبه إلى أين تقودها قدماها، وكلما ابتعدت عن القصر شعرت أن شيئًا منها يظل خلفها، لا تعرف إن كان ذلك الشيء هو صوت نوح، أم حضوره، أم تلك الطمأنينة التي كانت تشعر بها لمجرد معرفتها أنه موجود في المكان نفسه
توقفت تحت شجرة كبيرة على حافة الحقل، وجلست عند جذعها، وأسندت ظهرها إليه، وبقيت تحدق في المسافة الممتدة أمامها، حيث كانت الأرض تتدرج حتى تصل إلى النهر، وكان صوته يصلها خافتًا مع الريح، لكن الصوت الذي كانت تبحث عنه لم يكن صوت الماء
كان صوت نوح
أغمضت عينيها، وكأنها تحاول أن تستعيده من ذاكرتها، تتذكر طريقته في الكلام، نبرته حين يشرح لها شيئًا من الكتاب، ضحكته الخفيفة حين تخطئ في نطق كلمة فرنسية، وحتى طريقته في مناداتها باسمها، ثم فتحت عينيها سريعًا، كأن تذكر تلك التفاصيل جعل الغياب أكثر قسوة
مر وقت طويل وهي تحت الشجرة، ثم نهضت واتجهت إلى الإسطبل، وأخرجت مهرتها السوداء وامتطتها، وانطلقت بها بين الحقول دون أن تحدد لها طريقًا، فكان الحصان يشق الأرض الرطبة بخطوات ثابتة، بينما بقيت تقى ساكنة فوق ظهره، وشعرها وثوبها يتحركان مع الريح
كانت الأرض من حولها واسعة إلى حد جعلها تشعر بصغرها، فالحقول تمتد بلا نهاية، والقنوات تتلوى بين الزرع، والنخيل يقف بعيدًا كظلال طويلة تحت السماء الثقيلة، وكل شيء كان حيًا ويتحرك، إلا أنها شعرت من الداخل بأنها متوقفة في مكانها
مرّت بجانب مجموعة من الفلاحين، فألقوا عليها السلام، وردت عليهم بصوت خافت، ثم مضت، ولم يتغير شيء في الأرض من حولها، فقد استمرت الساقية في الدوران، والماء في مجراه، والناس في أعمالهم، والشمس في رحلتها خلف الغيوم، وكأن العالم كله يستطيع أن يستمر طبيعيًا بينما كانت هي عاجزة عن العثور على مكان تقف فيه دون أن تشعر بغيابه
توقفت مهرتها عند طرف الحقل، فترجلت تقى وجلست على صخرة منخفضة، وتركت اللجام يتدلى من يدها، ثم رفعت عينيها إلى السماء، وشعرت أن الحزن الذي في صدرها أكبر من أن تحمله وحدها
لم تكن تخشى أن يطول غياب نوح فقط، وإنما كانت تخشى شيئًا أعمق، أن يتغير هو في القاهرة، وأن تبتلعه الحياة التي لم تعرفها، وأن يعود إليها يومًا رجلًا مختلفًا لا يرى في هذه العزبة ما كانت تراه هي، ولا يرى فيها تلك الأيام التي غيرت حياتها
كانت تعرف أن هذا الخوف ربما لا أساس له، ومع ذلك لم تستطع طرده
وضعت يدها على عنق مهرتها السوداء، وأراحت جبينها عليه للحظة، ثم قالت بصوت خافت لا يكاد يسمع «لماذا أشعر أنني فقدتك، وأنت لم تذهب إلا منذ ساعات؟»
لم يجبها سوى صوت الريح وهي تمر فوق الحقول، فتحركت السنابل دفعة واحدة، وانحنت تحتها ثم عادت إلى مكانها، وبدا المشهد كله أمامها كلوحة قاتمة، واسعة وصامتة، لا لون فيها إلا سواد مهرتها، وخضرة الأرض التي أطفأها الغيم، وماء النهر البعيد وهو يشق المشهد ببطء
وبقيت تقى هناك، بين الأرض التي تعلمت أن تحبها والرجل الذي جعلها ترى العالم من خلالها، تشعر لأول مرة أن المكان الذي كان يمنحها الأمان يمكنه أيضًا أن يصبح مؤلمًا حين يغيب عنه من ارتبط به قلبها، وأن الحقول نفسها التي كانت تبدو لها واسعة ومبهجة صارت اليوم واسعة أكثر مما ينبغي، كأنها لا تعرف كيف تحتضن امرأة تخشى أن يكون أعز ما فيها قد ابتعد عنها إلى الأبد.

ما إن وصل نوح إلى القاهرة حتى ابتلعته المدينة من جديد، ولم تمنحه الأيام الأولى فيها فرصة لالتقاط أنفاسه، فقد وجد نفسه وسط دوامة من الاجتماعات والزيارات واللقاءات التي تبدأ منذ الصباح ولا تنتهي إلا بعد أن تكون شوارع العاصمة قد هدأت قليلًا، وكانت الأحاديث السياسية تدور في كل مجلس، في مقار الأحزاب، وفي البيوت الكبيرة، وفي المجالس التي يجتمع فيها أصحاب النفوذ، حتى إن تبدل الوزارة أو بقاءها لم يعد أمرًا عابرًا، بل أصبح حديث الناس في كل مكان
كانت الحياة النيابية في تلك الأيام مشدودة إلى حد كبير، فالوفد يملك ثقلًا شعبيًا وسياسيًا واسعًا، والقصر يراقب المشهد ويحاول الحفاظ على نفوذه، بينما ظلت القضية البريطانية حاضرة في كل نقاش تقريبًا، من الوجود العسكري في منطقة القناة إلى مستقبل السودان ومعاهدة 1936، وكانت المواقف تتبدل، والتحالفات تتشكل ثم تتفكك، والوزارات تأتي وتذهب قبل أن تتمكن من الاستقرار طويلًا، وفي الخلفية كان الشارع المصري يغلي بالمظاهرات والاحتجاجات كلما شعر الناس أن قضية الاستقلال والجلاء لا تتحرك بالسرعة التي يريدونها
وجد نوح نفسه يدخل تلك الدائرة شيئًا فشيئًا، فجلس في اجتماعات مغلقة مع رجال يعرفون دهاليز السياسة أكثر مما يعرفون وجوه بعضهم، واستمع إلى مناقشات طويلة حول تشكيل الوزارة، ومن يستطيع أن يجمع حوله الأغلبية داخل البرلمان، ومن يمكن الوثوق به، ومن يملك القدرة على تمرير اتفاق أو تعطيل آخر، وكانت الكلمات في تلك المجالس محسوبة، والنظرات أحيانًا تقول أكثر مما تقوله الخطب، وكل رجل يدخل الغرفة وهو يعرف أن ما سيقوله قد يصل إلى مكان آخر قبل أن يغادر مقعده
وفي إحدى الأمسيات امتد اجتماع طويل حول الموقف من البريطانيين، فكان بعض الحاضرين يرى أن التفاوض هو الطريق الأقرب إلى تحقيق مكاسب جديدة، بينما كان آخرون يصرون على أن أي اتفاق لا يبدأ بالجلاء الكامل لن يكون إلا استمرارًا للأزمة، وكان الحديث عن القناة والسودان يجر وراءه حديثًا عن البرلمان والقصر والشارع، ثم يعود كل طرف إلى حساباته الخاصة، وكأن السياسة لم تعد قضية موقف واحد، وإنما شبكة واسعة من المصالح والضغوط لا يستطيع رجل أن يتحرك فيها دون أن يترك خلفه أثرًا
وكان نوح يستمع أكثر مما يتحدث في البداية، ثم بدأ يدخل النقاش تدريجيًا، فقد كان اسم والده يسبقه إلى تلك الغرف، وكان كثير من الرجال يعرفون الأسرة وتاريخها، وبعضهم كان يرى في عودة نوح إلى الحياة السياسية استمرارًا طبيعيًا لذلك الطريق الذي قطعه والده من قبله، ولذلك وجد نفسه مطالبًا بأن يكون حاضرًا، وأن يحدد موقفه، وأن يختار مع من يقف ومتى يتكلم ومتى يصمت
لم تكن القاهرة تشبه العزبة في شيء
هناك لم يكن يستطيع أن يخرج من اجتماع دون أن ينتظره اجتماع آخر، ولم يكن الحديث ينتهي عند قرار واحد، فالاتفاق يحتاج إلى موافقة، والموافقة تحتاج إلى تفاهم، والتفاهم قد يتعطل بسبب كلمة قيلت في مجلس آخر، وقد يجد الرجل نفسه في صباح اليوم التالي أمام موقف مختلف لأن الوزارة تغيرت أو لأن القصر اتخذ اتجاهًا جديدًا أو لأن رجال البرلمان أعادوا ترتيب صفوفهم
وفي تلك الأجواء بدأت الأيام تجر نوح إليها أكثر مما كان يتوقع، حتى وجد نفسه ذات ليلة عائدًا إلى منزله بعد منتصف الليل، يخلع معطفه ويضع أوراقه فوق الطاولة، ثم يبقى واقفًا للحظات ينظر إليها دون أن يفتحها
كان قد هرب من القاهرة لأنه أراد حياة يستطيع أن يسمع فيها أفكاره، لكنه اكتشف أن المدينة التي حاول الابتعاد عنها كانت تنتظره بكل صخبها، وأن اسم أبيه لم يسمح له بأن يختفي طويلًا
ومع كل اجتماع كان يدخله، وكل اتفاق يناقشه، وكل رجل سياسي يجلس أمامه، كانت الكلمات التي سمعها من الباشا تعود إليه، بأن إرث والده ليس شيئًا يستطيع أن يتركه خلفه إلى الأبد
وبدأت تقى، من بعيد، ترى آثار تلك الحياة عليه حين كانت تصلها أخباره القليلة، فقد أصبح وقته أكثر ازدحامًا، واتصالاته أكثر، وأيامه تمر بين مجلس وآخر، بينما كانت هي في العزبة تنظر إلى الطريق وتنتظر عودته، دون أن تعرف أن القاهرة كانت تستعيد نوح إليها قطعة بعد أخرى، وأن الرجل الذي خرج منها مترددًا في العودة بدأ يجد نفسه مرة أخرى داخل الحياة التي ظن أنه دفنها مع أبيه.


تعليقات



<>