رواية خادمتي الصامته الفصل السابع والثلاثون37 بقلم اسماعيل موسي

رواية خادمتي الصامته بقلم اسماعيل موسي
رواية خادمتي الصامته الفصل السابع والثلاثون37 بقلم اسماعيل موسي

كانت الأيام التي مرت على تقى ثقيلة إلى حد أنها كانت تشعر بأن النهار يطول أكثر مما ينبغي، وأن الساعات التي كانت تمر في وجود نوح أصبحت الآن تمتد أمامها بلا نهاية، فقد اعتادت أن تسمع خطواته في أروقة القصر، وأن تعرف من نبرة صوته إن كان راضيًا أو مشغولًا أو يحمل في صدره شيئًا من الضيق، واعتادت أن تراه يخرج في الصباح إلى أرضه ثم يعود في المساء، فتشعر أن كل شيء في مكانه، أما الآن فقد أصبح القصر واسعًا أكثر مما تحتمل، وأصبح كل ركن فيه يذكرها به، حتى الشرفة التي كان يجلس فيها، والمقعد الذي اعتاد أن يضع عليه أوراقه، والكتب التي تركها في مكتبته، وكلما مرت بجوارها شعرت باشتياق يضغط على قلبها دون أن تجد له دواءً
كانت تخرج إلى الحقول في بعض الأيام، تركب فرسها السوداء وتسير بين الأراضي التي أصبحت تعرف تفاصيلها كما تعرف ملامح وجهها، فتراقب الفلاحين وهم يعملون، وتستمع إلى شكاواهم، وتسأل عن أحوال الري والمحصول، ثم تعود إلى القصر مع غروب الشمس، لكنها مهما انشغلت لم تستطع أن تطرد ذلك الفراغ الذي تركه نوح خلفه، فقد كان وجوده قد أصبح جزءًا من حياتها دون أن تشعر، وحين غاب أدركت أن الوحدة ليست أن تكون وحيدة بين الناس، وإنما أن يعيش الإنسان يومه كاملًا وهو ينتظر شخصًا لا يعرف متى سيعود
ومع مرور الوقت بدأت تقى تجد في العمل ملجأً من اشتياقها، فكانت تجلس في مكتب نوح لساعات طويلة، تفتح دفاتره القديمة، وتراجع الأوراق التي تركها لها، ثم تعيد قراءة ما كتبته بيدها في الأيام السابقة، وكانت الكتابة بالنسبة إليها قد تحولت من درس تتعلمه إلى مسؤولية تحملها، فلم تعد تكتب الكلمات ببطء كما كانت في بدايتها، ولم تعد تتوقف طويلًا عند كل حرف، وإنما أصبحت تقرأ الصفحات العربية قراءة متصلة، وتفهم العقود والحسابات والرسائل، وتستخرج منها ما يخص الأرض والعمال والتجارة، ثم تدون ملاحظاتها بدقة تجعل من يقرأها يعرف أنها لم تعد تلك الفتاة التي كانت تخشى أن تخطئ في حرف
أما الفرنسية التي بدأت رحلتها معها من الحروف والكلمات القليلة، فقد أصبحت الآن لغة ثانية تستطيع أن تقرأ بها الرسائل والكتب، وتفهم ما يكتبها التجار الذين يتعاملون مع الأسواق الأجنبية، بل وترد على بعض المكاتبات البسيطة بنفسها، وكانت كتب نوح التي تركها في مكتبته قد فتحت أمامها عالمًا لم تكن تتخيل يومًا أنها ستدخل إليه، حتى أصبحت قادرة على فهم العبارات السياسية والتجارية التي كانت تسمعها في مجالس الرجال، ولم تعد الفرنسية بالنسبة إليها مجرد لغة تعلمتها لتسلي نفسها، وإنما أصبحت أداة جديدة من أدوات عملها
ومع اتقانها للقراءة والكتابة، تغيرت طبيعة الأوراق التي تمر بين يديها، فقد كانت في البداية تكتفي بتسجيل تعليمات نوح وما يخص الأرض والحسابات، ثم بدأت تراجع العقود والمكاتبات الخاصة بالمحصول، حتى جاء اليوم الذي وضعت فيه أمامها أوراق تحتاج إلى توقيع صاحب الأرض، فظلت تنظر إليها لحظات، ثم تذكرت ما قاله لها نوح ذات يوم عن ثقته بها وعن كونها تمثله أمام الناس، فجلست وراجعت البنود مرة أخرى، ثم وقعت باسمها في الموضع الذي فوضها فيه، وأصبحت بعد ذلك توقع بعض الأوراق نيابة عنه في حدود ما أذن لها به، دون أن تشعر أن يدها ترتجف كما كانت تفعل في الماضي
ولم يمض وقت طويل حتى أصبحت تقى تضطر إلى مغادرة العزبة بنفسها، فكانت تذهب إلى البندر لإنهاء أمور التجارة التي كانت تتعلق بمحصول القطن، ولم تعد الرحلة بالنسبة إليها مجرد انتقال من مكان إلى آخر، فقد كانت تدخل الأسواق والمخازن ومكاتب التجار وهي تعرف جيدًا ما تريد، تحمل معها حسابات المحصول والعقود والأوراق التي تخص نوح، وتجلس أمام الرجال الذين اعتادوا أن يروا أصحاب الأراضي أو وكلاءهم من الرجال، فيجدون أمامهم امرأة شابة تتحدث بثقة، وتعرف كمية القطن وجودته وسعره، وتناقش شروط البيع دون أن تسمح لأحد بأن يتعامل معها باعتبارها مجرد خادمة جاءت تحمل أوراق سيدها
وفي إحدى الصفقات جلست تقى طويلًا مع أحد كبار التجار، وكان يحاول أن يدفع بالسعر إلى ما يراه مناسبًا له، لكنها لم تتعجل الموافقة، وأخرجت دفاتر الحساب التي أعدتها بنفسها، ووضعت أمامه الأرقام التي تثبت قيمة المحصول، ثم ناقشته في الكمية والسعر وموعد التسليم، حتى انتهى المجلس إلى اتفاق لم يكن التاجر يتوقع أن يصل إليه معها، وعندما خرجت من عنده كانت تشعر بشيء جديد يتشكل داخلها، شيء يشبه الرضا عن نفسها، فقد أدركت أنها لم تعد تذهب إلى البندر لتنفيذ أوامر نوح فحسب، وإنما أصبحت قادرة على إدارة جانب من مصالحه بنفسها
ومع تكرار زياراتها إلى البندر اتسعت دائرة معارفها، وأصبحت تدخل بعض المجالس التي تجمع رجال الإدارة وأصحاب الأراضي والتجار، وجلست في مناسبات محدودة مع بعض المسؤولين في الشرطة المحلية، وكان حضورها في البداية يثير الاستغراب، إذ لم يكن مألوفًا أن تتولى امرأة مثلها الحديث في شؤون تخص أرضًا واسعة ومصالح تجارية، لكنها كانت تعرف كيف تتحدث دون مبالغة، وكيف تستمع دون أن تتنازل عن موقفها، حتى بدأ بعض هؤلاء الرجال ينظرون إليها باعتبارها ممثلة فعلية لصاحب العزبة
ثم تعرفت في تلك الزيارات إلى بعض أعضاء مجلس النواب الذين كانت تجمعهم مصالح دوائرهم وأحوال القرى والتجارة والزراعة، وكانت تستمع إلى أحاديثهم عن أحوال البلاد والضرائب والأسواق والطرق والري وما يدور في القاهرة من صراعات سياسية، وكانت كل كلمة جديدة تسمعها تزيد إحساسها بأن العالم الذي عرفته في السابق لم يكن سوى جزء صغير جدًا من عالم أكبر بكثير، عالم كان نوح قد غادر العزبة من أجله
وفي كل مرة كانت تعود فيها من البندر إلى العزبة، كانت تضع الأوراق على مكتب نوح، ثم تجلس وحدها تراجع ما أنجزته، وفي تلك اللحظات تحديدًا كانت تشعر بالاشتياق إليه أكثر من أي وقت مضى، لأنها كانت تتمنى لو أنه كان موجودًا ليرى ما أصبحت قادرة على فعله، ولتسمعه وهو يخبرها إن كانت أحسنت التصرف أم أخطأت، لكنها كانت تعرف في أعماقها أن هذه المسؤولية لم تأتِ إليها من فراغ، وأن الرجل الذي غاب عنها هو نفسه الذي فتح أمامها هذا الباب منذ البداية
وهكذا أصبحت تقى، شيئًا فشيئًا، امرأة تستطيع أن تقرأ وتكتب بالعربية والفرنسية، وتفهم الحسابات والعقود، وتوقع بعض الأوراق نيابة عن نوح، وتذهب إلى البندر لعقد صفقات القطن، وتجالس رجالًا لم تكن تجرؤ في الماضي حتى على رفع عينيها أمامهم، ومع ذلك كله بقي في داخلها شيء لم يتغير، فقد كانت كل خطوة تخطوها إلى الأمام تجعلها تتمنى وجود نوح إلى جوارها أكثر، وكأن النجاح الذي وصلت إليه لم يكن كاملًا في غيابه، وكأن قلبها كان يرفض أن يحتفل بكل ما تعلمته وهي لا تعرف متى سيعود صاحب المكان الذي علمها أن لها مكانًا في هذا العالم

لم يكن اهتمام تقى بأرض العزبة وعمالها هو الشيء الوحيد الذي تغير فيها، فقد بدأت مع الوقت تلتفت إلى النساء اللواتي يعشن داخل بيوت الفلاحين، وتسمع ما يخفى عن الرجال في مجالسهم، وكانت تعرف أن كثيرًا من النساء يتحملن فوق طاقتهن خوفًا من أزواجهن أو آبائهن أو إخوتهم، لذلك لم تكن تمر عليها شكوى تخص امرأة تتعرض للعنف أو الإهانة دون أن تتدخل بما تستطيع، وكانت في كل مرة تحاول أن تفهم الأمر قبل أن تحكم، فتستمع إلى المرأة وحدها، ثم تستدعي الرجل إن احتاج الأمر إلى ذلك، وتضع أمامه حدودًا واضحة لما يمكن أن يفعله داخل بيته وما لا يحق له أن يفعله
وكانت تقى تعرف أن سلطتها ليست مطلقة، وأنها لا تستطيع أن تغير حياة الناس كلها، لكنها كانت تملك شيئًا لم يكن متاحًا لكثير من هؤلاء النساء، وهو أن صوتها أصبح مسموعًا، وأن كلامها صار يصل إلى الرجال قبل أن تتفاقم الأمور، فإذا عرفت أن رجلًا يضرب زوجته أو يهينها باستمرار، استدعته وتحدثت إليه دون خوف، وإن كان الأمر يحتاج إلى تدخل أكبر استعانت برجال العزبة ممن تثق بهم، ولم تكن تسمح بأن تتحول حماية النساء إلى فوضى أو انتقام، بل كانت تحاول أن تجعل لكل مشكلة طريقًا ينتهي بها إلى حل
ثم خصصت يومًا من كل أسبوع لسماع شكاوى العاملين في العزبة، وأعلنت أن ذلك اليوم لا يكون للعمل ولا للحسابات ولا لطلبات التجار، وإنما لمن لديه شكوى أو مظلمة أو أمر لا يستطيع حله بنفسه، وفي البداية جاءها عدد قليل من الناس، ثم بدأت الأعداد تزداد شيئًا فشيئًا، حتى صار الرجال والنساء ينتظرون دورهم أمام المكان الذي تجلس فيه، وكل واحد منهم يحمل قصة يظن أنها أثقل من أن يفهمها أحد
كانت تستمع إلى الجميع حتى النهاية، لا تقاطع أحدًا ولا تتعجل إصدار الحكم، ثم تسأل عن التفاصيل التي تراها ناقصة، وتطلب من الطرف الآخر أن يأتي إذا كانت المشكلة بين شخصين، وبعد أن تجمع ما يكفي من المعلومات كانت تقول رأيها بوضوح، ولم تكن كلماتها كثيرة، لكنها كانت تصل إلى الناس لأنها لم تكن تتحدث من برج بعيد عن حياتهم، بل كانت تعرف الفقر والجوع والخوف والظلم، وتعرف كيف يمكن لمشكلة صغيرة في بيت فقير أن تتحول إلى مصيبة إذا تركت دون حل
ولم يمض وقت طويل حتى أخذت تقى مكان نوح باشا في قلوب أهل العزبة، بل أخذت مكان العمدة نفسه في بعض الأمور التي لم تكن تتعلق بالأرض أو الضرائب أو شؤون الإدارة، فقد أصبح الناس يأتون إليها في خلافاتهم الأسرية، ويطلبون منها أن تفصل بينهم، وكان الرجل الذي يختلف مع أخيه يأتي إليها، والمرأة التي تعجز عن حل مشكلة مع زوجها تقصدها، والأب الذي لا يعرف كيف يتعامل مع ابنه يأتي إليها، حتى أصبح مكتبها يعرف قصصًا كثيرة لم يكن نوح نفسه يعرفها من قبل
ولم تكن تقى تتعامل مع تلك المكانة على أنها حق مكتسب لها، بل كانت تشعر بثقلها كلما جلس أمامها شخص ينتظر منها كلمة قد تغير شيئًا في حياته، ولهذا كانت تتأنى في الحكم، وتفكر في عواقب ما تقوله، ثم تعطي رأيها دون خوف أو مجاملة، وقد اعتاد الناس مع الوقت أن يأخذوا بكلامها وينفذوه بلا جدال، لأنهم رأوا بأنفسهم أن أحكامها لم تكن تميل إلى الغني على حساب الفقير، ولا إلى الرجل على حساب المرأة، ولا إلى القوي لأنه صاحب نفوذ، وإنما كانت تحاول أن تعطي كل إنسان حقه كما تراه
وأصبحت تقى بالنسبة إلى أهل العزبة شيئًا إعجازيًا في نظرهم، الفتاة التي كانت في يوم من الأيام خادمة صامتة لا يعرف أحد عنها شيئًا، ثم صارت تقرأ وتكتب، وتحسب وتراجع العقود، وتذهب إلى البندر لعقد صفقات القطن، وتتحدث بالفرنسية التي كانوا يسمعونها من أفواه أصحاب المكانة فيحسبونها لغة بعيدة لا يستطيع أحد من أبناء قريتهم الاقتراب منها، فإذا جلست تقى بينهم وراحت تبرطم ببضع كلمات فرنسية، اتسعت عيونهم بدهشة ممزوجة بالإعجاب، ثم سرعان ما يعودون إلى مشكلاتهم، لأنهم اكتشفوا أن ما يهمهم فيها ليس أنها تعرف الفرنسية، وإنما أنها تستطيع أن تسمعهم وتفهمهم وتجد لمشكلاتهم مخرجًا
حتى أصبح بعضهم يقول للآخر إن تقى تستطيع حل أي مشكلة، وكانت العبارة تنتشر بينهم من بيت إلى آخر، وكلما نجحت في حل خلاف جديد ازدادت ثقتهم بها، ولم تعد تحتاج إلى أن تثبت لهم أنها جديرة بالمكان الذي جلست فيه، فقد أثبتت الأيام ذلك بدلًا منها، وصارت المرأة التي لجأت إليها نساء العزبة حين خفن من الرجال، والرجل الذي يطلب منها الرأي حين يعجز عن حل خلاف مع أخيه، والعامل الذي يريد أن يسمع أحد شكواه دون أن يخشى أن يخسر عمله
وهكذا لم تعد تقى مجرد امرأة تدير عزبة نوح باشا في غيابه، وإنما أصبحت شيئًا أكبر في حياة أهلها، فقد وجدت لنفسها مكانًا بينهم لم يمنحه لها المال ولا الاسم ولا النسب، وإنما صنعته سنوات التعب التي مرت بها، والعقل الذي تعلم أن يفكر، والقلب الذي لم ينسَ يومًا كيف يكون الإنسان ضعيفًا في حاجة إلى من يسمعه، ولهذا وثقوا بها، وحين كانت تقول كلمتها كانوا ينفذونها بلا جدال، لأنهم لم يعودوا يرون فيها خادمة نوح باشا ولا حتى وكيلته، بل رأوا فيها تقى نفسها، المرأة التي أثبتت لهم أن الإنسان يستطيع أن يبدأ من أسوأ مكان ثم يصنع لنفسه مكانًا لا يستطيع أحد أن ينتزعه منه

كان خبر نفوذ تقى قد تجاوز حدود العزبة دون أن تشعر، ووصل إلى البندر ثم إلى رجال الدائرة الذين اعتادوا متابعة أحوال القرى وأهلها، ولم يكن الأمر بالنسبة إلى رجال السياسة مجرد حديث عابر، فقد كانوا يعرفون جيدًا أن الانتخابات التشريعية لا تحسمها الأوراق وحدها، وأن الرجل الذي يستطيع أن يكسب ثقة الناس ويؤثر فيهم يستطيع أن يغير حسابات كثيرة في يوم واحد
وكان نائب الدائرة رجلًا اعتاد أن يتعاون مع الشرطة والعمدة في كل موسم انتخابي، يعرف كيف تُدار الأمور في القرى، وكيف تُجمع الأصوات، وكيف يمكن لكلمة من العمدة أو وعد من أحد رجال الإدارة أن يميل كفة الانتخابات ناحية رجل دون آخر، لكنه بدأ يسمع عن تقى شيئًا مختلفًا، فتاة لم تحمل لقبًا سياسيًا، ولم تسعَ إلى منصب، ومع ذلك أصبح الناس يقصدونها في مشاكلهم، ويأخذون برأيها، ويثقون في حكمها، حتى إن كلمة واحدة منها كان يمكن أن تقلب حسابات كثيرة إذا رأت أن ذلك في صالح أهل العزبة
ولهذا طلب النائب مقابلة تقى، فقد أدرك أن تجاهل نفوذها قد يكون خطأً لا يريد أن يرتكبه، وكان يريد أن يعرف بنفسه من تكون تلك الفتاة التي يتحدث عنها الناس وكأنها أصبحت صاحبة كلمة مسموعة بينهم، ولم يكن يخفي عن نفسه أن لقاءها قد يكون مفيدًا له في الانتخابات المقبلة، فصوت واحد قد لا يعني الكثير، أما امرأة يلتف حولها هذا العدد من الأهالي فقد تكون وراء أصوات كثيرة
وفي صباح اليوم الذي حدد للزيارة، بدأت الحركة أمام قصر نوح باشا قبل وصوله بوقت غير قصير، فقد تجمع عدد من الأهالي عند البوابة، ثم أخذ العدد يزداد شيئًا فشيئًا، رجال من العمال، وفلاحون من الأراضي القريبة، ونساء جئن يحملن شكاوى تخص بيوتهن وأزواجهن وأبناءهن، وكل واحد منهم يعرف أن تقى موجودة في الداخل، وأن وجودها بينهم يعني أن هناك من يستطيع أن يسمعه
وحين وصلت عربة النائب إلى القصر، وجد أمامه مشهدًا لم يكن يتوقعه، فقد كان الأهالي متجمعين حول تقى بصورة جعلته يدرك منذ اللحظة الأولى أن ما سمعه عنها لم يكن مبالغة، كانت تقف بينهم تستمع إلى هذا وترد على ذاك، والنساء يقتربن منها دون خوف، والرجال ينتظرون حتى تنتهي من حديثها، وكأن القصر لم يعد مجرد قصر نوح باشا، وإنما أصبح مكانًا يلجأ إليه الناس حين تضيق بهم السبل
ترجل النائب من عربته، وتقدم نحوها، فاستقبلته تقى دون ارتباك، وعرفت من هيئته ومن الرجال الذين جاءوا معه أنه نائب الدائرة، ثم قالت له إن الناس هنا لديهم أمور يريدون أن يسمعوها منه، وإنه إذا كان قد جاء طالبًا أصواتهم فعليه أولًا أن يسمعهم
قال النائب وهو يحاول أن يحافظ على ابتسامته السياسية إن هذا بالضبط ما جاء من أجله، لكن تقى لم تترك له فرصة لأن يحول الأمر إلى كلمات عامة، فأشارت إلى الأهالي من حولها وقالت إن هؤلاء لا يريدون وعودًا كبيرة، وإنما يريدون أن يعرفوا أن من يصل إلى مجلس النواب يستطيع أن يفعل شيئًا من أجلهم
ثم طلبت منه أن يسمع شكواهم واحدًا واحدًا، وأن يعمل على حل ما يستطيع حله إذا كان راغبًا في كسب أصواتهم، لأن الناس لا يمكن أن تعطي ثقتها لرجل لا يعرف ما الذي يؤلمها، ولا يمكن أن تطلب منهم أن يقفوا خلفه لمجرد أنه جاء وقت الانتخابات
كانت كلماتها واضحة، ولم يكن فيها تحدٍ أو رغبة في إحراجه، لكنها كانت تحمل من الصراحة ما جعل النائب يدرك أنه أمام امرأة لا يمكن التعامل معها بالطريقة التي اعتاد أن يتعامل بها مع أهل القرى، فلا وعد سريع سيكفيها، ولا مجاملة ستجعلها تغير رأيها، فقد أصبحت تعرف أن وراءها أناسًا ينتظرون منها أن تكون صوتهم، وهي لم تكن مستعدة لأن تخذلهم
جلس النائب بين الأهالي وبدأ يستمع إلى شكاواهم، وكانت تقى تقف قريبة منهم، لا تتدخل إلا حين تحتاج إلى توضيح أمر أو تذكير بمشكلة سبق أن عالجتها، وكلما تحدث رجل أو امرأة كان النائب يرى في وجوههم شيئًا لم يعتده في مواسم الانتخابات، فقد جاءوا هذه المرة وهم يشعرون أن لديهم من يستطيع أن يقف بينهم وبين صاحب النفوذ إذا حاول أن يتجاهلهم
وفي تلك اللحظة فهم النائب أن نفوذ تقى لم يعد مجرد نفوذ امرأة تدير عزبة رجل غائب، وإنما أصبح نفوذ ثقة، والثقة في القرى أثقل من كثير من المناصب، لأنها إذا استقرت في قلوب الناس أصبح من الصعب انتزاعها بكلمة أو وعد
أما تقى فلم تكن تفكر في الانتخابات ولا في عدد الأصوات التي يمكن أن تمنحها أو تمنعها، كانت تفكر فقط في الوجوه الواقفة حولها، وفي الشكاوى التي سمعتها طوال الأشهر الماضية، وكانت ترى أن هذا الرجل جاء طالبًا شيئًا منهم، ومن حقهم قبل أن يعطوه ما يريد أن يسمع ما يحتاجون إليه، ولهذا بقيت إلى جواره حتى انتهى من سماعهم، ثم تركته يعرف بنفسه أن أهل العزبة لم يعودوا بلا صوت كما كانوا من قبل
تعليقات



<>