رواية خادمتي الصامته الفصل الثامن والثلاثون38 بقلم اسماعيل موسي

رواية خادمتي الصامته بقلم اسماعيل موسي
رواية خادمتي الصامته الفصل الثامن والثلاثون38 بقلم اسماعيل موسي
انقضى الشتاء عن العزبة رويدًا رويدًا، وكأن الأرض التي قضت شهورًا طويلة تحت وطأة البرد والمطر بدأت تستعيد أنفاسها بعد سبات ثقيل، فلم يعد الصباح يستقبل الناس بذلك الهواء القارس الذي كان يتسلل إلى ثيابهم ويجعلهم يسرعون الخطى طلبًا للدفء، بل أخذت الشمس تطل كل يوم بوجه أكثر إشراقًا، وتمكث في السماء وقتًا أطول، حتى صار النهار يمتد على الحقول ويمنح الفلاحين ساعات إضافية للعمل، بينما راحت البرودة تنسحب من الليل شيئًا فشيئًا، تاركة وراءها نسمات معتدلة تحمل رائحة الطين الرطب وبقايا المطر العالق في شقوق الأرض
ومع انحسار الشتاء تبدلت ملامح العزبة تبدلًا لم يكن يخفى على عين تقى التي اعتادت أن تراقب كل ما يدور حولها، فالأشجار التي وقفت عارية طوال الأشهر الماضية أخذت تكسو أغصانها براعم خضراء صغيرة، ثم راحت الأوراق تتفتح واحدة تلو الأخرى، وامتلأت الحواف المحيطة بالحقول بأعشاب نضرة نبتت من تلقاء نفسها، فيما تفتحت أزهار البرسيم بين المساحات المزروعة، وازدادت حركة الطيور في الصباح، تتنقل بين الأشجار والأسوار الطينية، وتملأ الفضاء بأصواتها المتداخلة، أما الترع التي بدت مياهها ثقيلة وراكدة في الأيام الباردة، فقد عادت تعكس زرقة السماء وصفاء الضوء، وصار الفلاحون يتجمعون على ضفافها منذ الصباح الباكر، يتبادلون الأخبار ويتفقدون أحوال الأرض قبل أن يبدأ موسم العمل الجديد
لم يكن قدوم الصيف يعني الراحة لأهل العزبة، بل كان إيذانًا ببدء واحدة من أكثر فترات العام مشقة، إذ لم يعد أمامهم متسع طويل للتأجيل، فالأرض تحتاج إلى إعداد دقيق قبل أن تستقبل بذور القطن والقصب، وكل يوم يمر دون عمل قد ينعكس على المحصول في نهاية الموسم، ولذلك بدأت الحركة تدب في الحقول مع أول خيوط الفجر، وراحت أصوات الرجال تتعالى وهم يوجهون الدواب، فيما كانت المحاريث تشق التربة وتفتح باطنها بعد أن ظلت ساكنة طوال الشتاء، تتقلب كتل الطين الداكنة تحت أسنان المحراث، وتنكشف طبقاتها الرطبة التي سرعان ما تجف أطرافها تحت أشعة الشمس، بينما تتصاعد رائحة الأرض المقلوبة في الهواء، رائحة تعرفها أقدام الفلاحين وأيديهم أكثر مما تعرفها الكلمات
وفي الأيام الأولى من ذلك التحول، أخذت تقى تقضي ساعات طويلة بين الحقول، تتابع سير العمل وتستمع إلى الرجال الذين يعرفون من طباع الأرض ما لا تستطيع الكتب أن تعلمه، فقد أدركت أن إدارة العزبة لا تعني أن تصدر الأوامر من مكتبها ثم تنتظر تنفيذها، وإنما أن تعرف ما يجري في كل ناحية، وأن تفهم أسباب التأخير حين يحدث، وأن تميز بين العامل الذي يحتاج إلى مساعدة والرجل الذي يتذرع بالأعذار ليتنصل من مسؤوليته، فكانت تسأل عن عدد الدواب المتاحة للحرث، وعن الأراضي التي تحتاج إلى قلب التربة مرة ثانية، وعن العمال الذين يمكن توزيعهم على القنايا، وعن مخزون البذور وما يلزم إصلاحه من أدوات الزراعة قبل أن تتراكم الأعمال ويصبح الوقت أضيق من أن يسمح بالتدارك
وكانت حراثة الأرض أولى المراحل التي استأثرت باهتمامها، إذ خرجت المحاريث إلى الحقول منذ الصباح، تتبعها الدواب بخطوات ثقيلة منتظمة، بينما يسير الفلاح وراء المحراث ممسكًا بمقبضه، يوجهه بيد خبيرة حتى لا ينحرف عن المسار المرسوم، وكانت الأرض تنفتح أمامه في خطوط متتابعة، تتراكم على جانبيها كتل التراب التي ستحتاج بعد ذلك إلى التكسير والتسوية، ولم تكن كل قطعة من الأرض تستجيب بالطريقة نفسها، فهناك مواضع احتفظت برطوبتها أكثر من غيرها، وأخرى جفت سريعًا وصارت أصلب في بعض أجزائها، ولذلك كان على الفلاحين أن يختاروا الوقت المناسب للحرث، فلا يعملون في تربة شديدة البلل تلتصق بالمحراث وتفسد بنيتها، ولا ينتظرون حتى تقسو الأرض ويصبح تقليبها أشد مشقة
وبعد الحرث جاء دور العزيق، فانتشر العمال بين الخطوط يحملون الفؤوس والمعاول، يكسرون الكتل الكبيرة ويزيلون الحشائش التي تنافس المحاصيل على الماء والغذاء، ويهيئون سطح التربة حتى يصبح أكثر ملاءمة للزراعة، وكانت حركة العازق تتكرر في انتظام بين صفوف الأرض، ينحني الرجل ثم يعتدل، ويتقدم خطوات قليلة قبل أن يعاود العمل، فيما راحت الشمس ترتفع فوق الرؤوس شيئًا فشيئًا، وتشتد حرارتها حتى بدأت العرقات تظهر على جباه الرجال وظهورهم، فخلع بعضهم جلابيبه الثقيلة واكتفوا بثياب أخف، وربط آخرون أطراف عمائمهم حول رؤوسهم ليحموا أعينهم من الضوء، ومع ذلك لم يتوقف العمل إلا قليلًا عند الحاجة إلى شرب الماء أو التقاط الأنفاس، فقد كانوا يعرفون أن الموسم لا ينتظر المتعبين طويلًا، وأن ما يؤجلونه في الصباح قد يضطرون إلى إنجازه تحت شمس أشد قسوة في الأيام التالية
أما القنايا، فقد كانت تحتاج إلى عناية لا تقل عن عناية الأرض نفسها، لأن الماء إذا لم يصل إلى كل جزء من الحقول في الوقت المناسب ضاع جهد الحرث والعزيق، ولهذا بدأ الرجال في تحديد مساراتها وشق المجاري الصغيرة التي ستنقل مياه الري من الترع الرئيسية إلى الأراضي المزروعة، وكان بعضهم يستخدم الفؤوس والمعاول لفتح القنوات، بينما يتولى آخرون إزالة الطمي المتراكم وتسوية جوانبها حتى لا تتسرب المياه إلى مواضع لا حاجة إليها، وكانت تقى تتوقف عند كل مجموعة لتسأل عن اتجاه الماء ومدى انحدار الأرض، وقد تعلمت من الفلاحين أن القناة التي تبدو مستقيمة للعين قد تكون سيئة التوزيع إذا لم يُحسب مسارها بعناية، وأن خطأ صغيرًا في شقها قد يجعل الماء يتجمع في طرف ويحرم طرفًا آخر من نصيبه
وفي بعض المواضع كانت التربة تتشقق تحت حرارة النهار، فتحتاج القنايا إلى تدعيم جوانبها بالطين المتماسك، بينما كان الرجال ينقلون التراب الزائد في سلال كبيرة، ويعيدون فتح المجاري التي انسدت بفعل بقايا النباتات أو ما حملته مياه الشتاء من طمي وحشائش، ومع اقتراب الظهيرة صار صوت الماء وهو ينساب في القنوات الجديدة من أكثر الأصوات التي تبعث الطمأنينة في نفوس الفلاحين، إذ كان وصوله إلى الأرض علامة على أن العمل يسير في الاتجاه الصحيح، وأن الحقول التي بدت منذ أسابيع ساكنة وخالية بدأت تستعد لاستقبال موسم جديد من الزراعة
وكان القطن يحتل مكانة خاصة في حسابات العزبة، لما يحتاج إليه من عناية منذ لحظة بذر بذوره وحتى جني محصوله، فضلًا عما يمثله من دخل تنتظره العزبة في نهاية الموسم، ولذلك لم تكن تقى تسمح بالتعامل مع زراعته على أنها مجرد خطوة تضاف إلى بقية الأعمال، بل كانت تتابع تجهيز القطع المخصصة له، وتتحقق من تهيئة الأرض وتسويتها، وتسأل عن البذور المخزونة وما إذا كانت كمياتها تكفي المساحات المقررة، كما كانت تستمع إلى نصائح الفلاحين الأكبر سنًا، أولئك الذين خبروا مواسم القطن وعرفوا كيف تؤثر حرارة الجو ورطوبة التربة وانتظام الري في نموه، ولم تكن تخجل من الاعتراف بما تجهله، بل راحت تجمع ما تتعلمه منهم وتربطه بما قرأته في دفاتر العزبة، حتى لا تبقى معرفتها بالأرض مجرد أرقام مسجلة في الحسابات
وحين اقترب موعد البذر، بدأ الرجال يرسمون الخطوط التي ستنتظم فيها النباتات، ويتأكدون من أن المسافات بينها تسمح بنموها وتيسير العناية بها بعد ظهورها، ثم شرعوا في وضع البذور في المواضع المعدة لها، يتبع كل عامل خطًا محددًا حتى لا تتفاوت المسافات أو تضيع البذور في التربة، وكان بعضهم ينحني ليضع البذور بيده في دقة، فيما يتولى آخرون تغطيتها بطبقة مناسبة من التراب، فلا تكون عميقة أكثر مما ينبغي ولا تبقى مكشوفة أمام الشمس والطيور، وبعد انتهاء العمل لم تعد المهمة قد اكتملت، بل صار على الجميع انتظار الإنبات ومراقبة الأرض، ثم الاستعداد لإزالة الحشائش وعزيق المساحات المزروعة وتخفيف النباتات حين تستدعي الحاجة ذلك
أما القصب، فقد كانت له حساباته المختلفة، إذ لم يكن محصولًا يمكن التعامل معه بالطريقة نفسها التي يُبذر بها القطن، بل يحتاج إلى تجهيز الأرض واختيار العيدان السليمة التي ستُستخدم في الزراعة، ثم تقطيعها إلى أجزاء تحمل العيون القادرة على الإنبات، ووضعها في الخطوط أو الأخاديد المعدة لها، قبل تغطيتها بالتراب وريها بما يكفي لبدء نموها، ولذلك انشغل عدد من العمال بتجهيز عقل القصب وفرز العيدان الصالحة، بينما تولت مجموعة أخرى فتح الأخاديد وتسوية قاعها، وكان العمل يتطلب جهدًا متواصلًا، فسيقان القصب ثقيلة، ونقلها من موضع إلى آخر يحتاج إلى أيدٍ قوية وتنظيم يمنع ضياع الوقت أو إتلاف ما أُعد للزراعة
وكانت تقى تتابع العمل بين هذه المساحات المتجاورة، تنتقل من أرض القطن إلى مواضع القصب، ومن القنايا الجديدة إلى الحقول التي اكتمل حرثها ولم تبدأ زراعتها بعد، وقد أخذت تدرك أن لكل محصول طبعه الخاص، وأن نجاح الموسم لا يعتمد على وفرة العمال وحدها، بل على حسن توزيعهم ومعرفة الوقت الذي تحتاج إليه كل مرحلة، فالرجال الذين يفرغون من تجهيز أرض لا ينبغي أن يظلوا منتظرين حتى يبدأ العمل في أرض أخرى، والدواب التي تنتهي من الحرث يمكن أن تُستخدم في نقل ما يحتاج إليه العمال، أما الأدوات التي تتعطل في منتصف النهار فلا بد من إصلاحها سريعًا حتى لا يتوقف العمل كله بسبب فأس مكسورة أو محراث يحتاج إلى قطعة صغيرة
ومع مرور الأيام، بدأت حرارة الصيف تفرض إيقاعها على العزبة، فصار الفجر موعدًا لا يكاد أحد يتجاوزه، إذ يخرج الرجال إلى الحقول قبل أن تشتد الشمس، وتتحرك النساء في البيوت منذ الساعات الأولى لإعداد الطعام وحمل الماء إلى من يعملون بعيدًا عن المساكن، بينما تتراجع الحركة في منتصف النهار حين تصبح الأرض مكشوفة للحرارة ويصعب على المرء أن يظل تحت أشعتها طويلًا، ثم تعود الحياة إلى الحقول مع انكسار حدة الشمس، فيستأنف العمال ما بقي من أعمالهم حتى يميل الضوء إلى الصفرة وتبدأ الظلال في الامتداد فوق التراب
ولم تكن التغيرات التي شهدتها العزبة مقتصرة على الجو والنبات، فقد تغيرت وجوه الناس أيضًا مع عودة الموسم، إذ صار لكل بيت من البيوت حديث عن الأرض التي يزرعها، وعن البذور التي اشتراها، وعن الماء الذي يحتاج إليه، وعن محصول يأمل أن يكون أفضل من محصول العام السابق، وعادت المجالس الصغيرة عند أبواب البيوت تمتلئ بالأحاديث عن الحرث والري والأسعار وأجور العمال، بينما أخذ الفلاحون يتبادلون الخبرة كما لو أنهم يضعون معًا خريطة الموسم قبل أن تكتمل ملامحه، وكانت تقى تسمع كل ذلك باهتمام، مدركة أن أخبار العزبة الحقيقية لا تأتيها من دفاتر الحسابات وحدها، بل من تلك الأحاديث العابرة التي تكشف أحيانًا عن مشكلة لم تصل إليها في صورة شكوى رسمية
ومع اتساع مسؤولياتها، أصبحت أيام تقى أكثر امتلاءً مما كانت عليه في الشتاء، فلم تعد تقضي ساعات طويلة في المكتبة كما اعتادت، وإن ظلت تخصص وقتًا للقراءة ومراجعة الحسابات كلما سمحت لها الأعمال بذلك، بل صار عليها أن تخرج إلى الحقول في الصباح، وتعود إلى المكتب لتراجع ما أُنجز وما تبقى، ثم تستقبل بعض العمال أو الفلاحين ممن يحتاجون إلى عرض أمر يتعلق بأرضهم أو بأجورهم أو بمياه الري، وقد تعلمت ألا تتخذ قرارًا سريعًا لمجرد أن أحدهم رفع صوته أو ألح في طلبه، فكانت تستمع إلى الطرفين حين يختلفان، وتعود إلى السجلات إذا تعلق الأمر بحساب أو اتفاق سابق، ثم تصدر قرارها بما تراه أقرب إلى العدل ومصلحة العزبة
وكانت حرارة الصيف تترك أثرها عليها هي الأخرى، فتعود في بعض الأيام وقد التصق غبار الحقول بثيابها، وشعرت بثقل التعب في ساقيها وكتفيها، لكنها لم تعد تنظر إلى ذلك التعب بوصفه عبئًا مفروضًا عليها، فقد أصبحت ترى في الأرض التي تشقها المحاريث، وفي القنايا التي تمتلئ بالماء، وفي البذور التي تختفي تحت التراب انتظارًا للحياة، شيئًا من عملها هي أيضًا، شيئًا لا يظهر دفعة واحدة ولا يمنح صاحبه ثماره في اليوم التالي، وإنما يحتاج إلى صبر ومتابعة وقدرة على تحمل الأيام التي لا يبدو فيها أن شيئًا يتغير
وفي إحدى الأمسيات، حين بدأت الشمس تميل نحو المغيب، وقفت تقى عند طرف حقل أُعد لزراعة القطن، تتأمل الخطوط الممتدة في الأرض وقد غطتها طبقة رقيقة من الغبار، بينما كانت أصوات العمال تتباعد شيئًا فشيئًا مع عودتهم إلى بيوتهم، وعلى مسافة منها كانت مياه إحدى القنايا تسير ببطء نحو أرض أخرى، تحمل معها انعكاس السماء المتغيرة، وفي الحقول المجاورة بدت عقل القصب التي وُضعت في الأخاديد كأنها أسرار صغيرة أودعتها الأرض في جوفها، تنتظر أن تمنحها الشمس والماء فرصة للظهور
تذكرت عندها كيف كانت تنظر إلى العزبة في الأيام الأولى، حين كانت مهمتها تنحصر في خدمة القصر والاستيقاظ قبل الجميع، ثم كيف وجدت نفسها بعد ذلك مسؤولة عن الحسابات والعمال والأراضي، وكيف أصبحت القرارات التي تتخذها تمس حياة أسر كاملة، ولم يكن هذا التحول قد جعل الطريق أمامها أسهل، بل زادها إدراكًا لما يمكن أن تخطئ فيه، ولما قد يترتب على قرار واحد لا تحسن تقديره، ومع ذلك لم تشعر بالرغبة في التراجع، فقد تعلمت أن الثقة لا تأتي من معرفة كل شيء، وإنما من الاستعداد للتعلم ومواجهة ما لا تعرفه دون أن تتظاهر بخلاف ذلك
كان الصيف قد استقر أخيرًا فوق العزبة، بحرارته المتصاعدة وأيامه الطويلة وحركته التي لا تهدأ، وبدأت الأرض تستقبل بذور القطن وعقل القصب بعد أن فرغ الفلاحون من حرثها وعزيقها وشق قناياها، لكن الموسم لم يكن قد كشف عن وجهه الحقيقي بعد، فما زالت أمامهم أسابيع من الري والعناية ومقاومة الحشائش ومراقبة نمو النباتات، وما زالت تقى تعرف أن العمل الذي أنجزته حتى الآن ليس سوى البداية، وأن الأرض التي تبدو هادئة تحت شمس المساء تخفي في جوفها امتحانًا جديدًا لكل من وضع فيها جهده وانتظر منها الثمر

مع انقضاء موسم زراعة القطن، بدأت العزبة تستعيد شيئًا من هدوئها، بعدما انشغل أهلها أسابيع طويلة بحرث الأرض وعزيقها وشق القنايا وبذر البذور، ولم يعد أمام الفلاحين سوى متابعة ما زرعوه وانتظار الأيام التي تكشف لهم عما ستجود به الأرض، فقد كان كل واحد منهم يعلق آماله على المحصول، ويحسب ما أنفقه وما ينتظره من ربح، وما يمكن أن يشتريه لأسرته إذا جاءت الغلة على قدر تعبه، ولذلك كان انتهاء الزراعة مناسبة يتنفس فيها الناس الصعداء، ويمنحون أنفسهم فسحة قصيرة من الفرح قبل أن تعود إليهم مشاغل الحياة وأعباؤها
وفي تلك الأيام، أخذت الأفراح تتوالى في العزبة، فبعد فترة من العمل الشاق والانتظار، تزوج أحمد رفاعي من هنادي بخيت، وأقيم الفرح وسط أجواء امتلأت بالبهجة، ولم تمضِ أيام حتى احتفل وجيه الأبيض بزواجه من الفت النصرى، ثم جاء دور صالح السباعي الذي تزوج خديجة العلاف، فصارت أخبار الأعراس تتردد بين البيوت، وانشغلت النساء بإعداد ما يلزم من طعام وحلوى، وتجمعت الفتيات لمساعدة العرائس في تجهيز ثيابهن، بينما تولى الرجال إعداد الساحات وتعليق المصابيح والفوانيس وترتيب المقاعد التي ستستقبل المدعوين
وكانت تلك الأفراح تعني لأهل العزبة أكثر من مجرد زواج شاب بفتاة، فقد كانت فرصة ينسون فيها همومهم لبعض الوقت، ويلتقون بأقاربهم وجيرانهم، ويتبادلون الأحاديث والضحكات بعد موسم طويل من التعب، وكانت أصوات الطبول والمزمار تتعالى مع حلول الليل، تتخللها الزغاريد وأصوات النساء، فيما تتنقل الفتيات بين مجموعات المدعوين، وتنتشر رائحة الطعام والحلوى في الساحات، ويجد الأطفال في تلك الليالي فرصة للعب والمرح بعيدًا عن مشاغل الكبار
ولم يكن غريبًا أن تصل الدعوات إلى تقى، فقد أصبحت صاحبة مكانة بين أهل العزبة، بعدما تولت إدارة شؤونها وأثبتت قدرتها على تحمل المسؤولية، وكان العمدة نفسه حريصًا على دعوتها إلى الأفراح، إلى جانب العرسان وأسرهم الذين كانوا يرون في حضورها تقديرًا لهم، لكن تقى كانت ترفض في كل مرة، فتعتذر بكلمات مهذبة، وترسل تهانيها إلى العروسين، ثم تعود إلى القصر وتبقى فيه، بعيدة عن الأجواء التي كان يعيشها أهل العزبة في تلك الليالي
لم يكن رفضها نابعًا من احتقار أفراحهم أو شعورها بأنها أعلى من أهل العزبة، وإنما كان الحزن الذي يسكنها يجعلها عاجزة عن مشاركة الآخرين فرحتهم، فكلما سمعت أصوات المزمار والطبول تتعالى من بعيد، شعرت أن هناك حياة تدور خارج القصر لا تستطيع أن تكون جزءًا منها، حياة بسيطة لا تحتاج إلى الكثير كي تمنح أصحابها السعادة، بينما تقف هي في مكانها، تحيط بها المسؤوليات من كل جانب، ولا تجد من تشاركه ما يثقل قلبها أو يخفف عنها وحشة الأيام
وكان القصر في ليالي الأفراح يبدو أكثر اتساعًا ووحشة، فالأصوات التي اعتادت أن تسمعها خلال النهار تخفت مع انصراف العاملين إلى بيوتهم، ولا يبقى سوى السكون الذي تقطعه أحيانًا أصوات الاحتفال القادمة من بعيد، وكانت تقى تحاول أن تشغل نفسها بالقراءة أو مراجعة الحسابات، لكنها كثيرًا ما كانت تجد أفكارها تعود إلى أهل العزبة وهم يجتمعون في ساحات الأفراح، وإلى النساء اللواتي يتبادلن التهاني، والفتيات اللواتي يرقصن على أنغام المزمار، والأطفال الذين يركضون بين المدعوين في سعادة لا يشغلهم معها شيء سوى ما يرونه أمامهم
وكانت أحيانًا تدعو أخواتها إلى البقاء معها داخل القصر في تلك الليالي، لعل وجودهن يخفف عنها شيئًا من وحدتها، ولعلها تجد في أحاديثهن وضحكاتهن ما يعوضها عن البقاء وحدها بينما تحتفل العزبة كلها، لكن الفتيات الصغيرات لم يكنّ يشاركنها رغبتها، فهن يردن الذهاب إلى الأعراس مثل بقية الفتيات، ورؤية العرائس بثيابهن الجميلة، والاستماع إلى المزمار، وتناول الحلوى التي توزع في تلك المناسبات، ولذلك كن يعترضن حين تطلب منهن البقاء، ويخبرنها بإصرار أنهن لا يردن تفويت الفرح، وأنهن يرغبن في الذهاب مثل سائر أطفال العزبة
وكانت تقى تكتفي بالابتسام أمام تمردهن الصغير، فهي لا تريد أن تحرمهن من فرحة بسيطة لا ذنب لهن في غيابها عنها، ولم تكن تجد في نفسها رغبة في إجبارهن على البقاء من أجلها، ولذلك كانت تمنح كل واحدة منهن خمسة صاغ لتشتري بها الحلوى، فتتبدل ملامحهن وتغمرهن السعادة، وتنسين للحظات محاولات إقناعها لهن بالبقاء، ثم يذهبن إلى الفرح، بينما تعود تقى إلى وحدتها، وقد بقيت ابتسامتها على وجهها رغم ما يعتمل في داخلها من حزن وأسًى
وكانت تلك اللحظات تترك في نفسها شعورًا متناقضًا، فهي سعيدة لأن أخواتها يستطعن الاستمتاع بأشياء بسيطة حرمت نفسها منها، لكنها في الوقت نفسه كانت تشعر بمرارة لا تستطيع تفسيرها، وكأنها تقف على مسافة بعيدة من الحياة التي تراها أمامها، فلا هي قادرة على الانضمام إلى أهل العزبة في أفراحهم، ولا هي قادرة على التخلص من ذلك الحزن الذي يجعل البقاء في القصر أيسر عليها من مواجهة سعادة الآخرين، وكانت تتمنى أحيانًا لو استطاعت أن تنسى كل ما يشغل قلبها، وأن تخرج كما تخرج النساء والفتيات، فتشاركهن الضحكات والأحاديث دون أن تشعر بأنها غريبة عن المكان
ومع توالي الأفراح، اعتاد أهل العزبة اعتذارها، وإن ظلوا يرسلون إليها الدعوات، فقد كانت مكانتها بينهم تجعل غيابها ملحوظًا، وكانت النساء يسألن عنها ويتمنين لو أنها حضرت ولو لساعة واحدة، أما العمدة فكان يكرر دعوتها في كل مناسبة تقريبًا، لكنها كانت تعتذر في كل مرة، وتفضل قضاء تلك الساعات داخل القصر، حيث لا يراها أحد ولا يضطرها أحد إلى إخفاء ما تشعر به
وفي ليلة زفاف صالح السباعي وخديجة العلاف، اجتمعت العزبة كلها تقريبًا في مكان الفرح، فقد جاء أقارب العروسين من القرى المجاورة، وامتلأت الساحة بالرجال والنساء، وتعلقت المصابيح على الحبال الممتدة بين الأشجار وجدران البيوت، فبدت الأضواء المتفرقة كأنها نجوم هبطت إلى الأرض، وكانت أصوات المزمار والطبول تتصاعد في الهواء الدافئ، تختلط بالزغاريد والضحكات ونداءات النساء، فيما راحت رائحة الطعام والحلوى تنتشر في المكان، وتحركت الفتيات في مجموعات صغيرة يتبادلن الأحاديث ويضحكن كلما مرت إحداهن بثوب جديد أو حلي لامعة
أما تقى، فقد بقيت في القصر كعادتها، ولم تجد في نفسها رغبة في الذهاب إلى الفرح رغم الدعوة التي وصلتها، وكانت تعرف أن أخواتها يرغبن في حضور تلك الليلة، لكنها لم تحاول منعهن من الاستمتاع بها، بل تركتهن يذهبن إلى حيث أرَدْن، ثم انصرفت إلى شؤونها، تحاول أن تمضي الوقت دون أن تستسلم لأفكارها، إلا أن أصوات الاحتفال التي كانت تصلها من بعيد ظلت تذكرها بأن العزبة كلها تعيش ليلة من الفرح، بينما تقضي هي ساعاتها في المكان نفسه الذي اعتادت أن تلجأ إليه كلما أثقلها الحزن
وحين خفتت حركة القصر، أخذت تقى تتفقد الأبواب والنوافذ، فقد اعتادت الاطمئنان إلى المكان قبل أن تمضي بقية الليل، وكانت تعرف أن معظم أهل العزبة قد خرجوا إلى العرس، وأن الطرق القريبة من القصر أصبحت أقل حركة من المعتاد، وبينما كانت تمر بالقرب من الشرفة، لفت انتباهها شيء لم تستطع تحديده في اللحظة الأولى، فقد لمحت حركة عند الطرف البعيد من الحديقة، قرب السور الذي يفصل القصر عن الطريق المؤدي إلى الحقول
توقفت تقى لتتأكد مما رأت، لكنها لم تجد في البداية سوى الظلال الممتدة تحت الأشجار، فظنت أنها ربما كانت حركة عابرة، أو أن عينيها قد خدعها الضوء الخافت، غير أنها ما إن همت بالابتعاد حتى رأت الحركة تتكرر، هذه المرة أقرب إلى السور، وبطريقة بدت لها متعمدة أكثر مما ينبغي، فاقتربت من الشرفة وأبعدت الستارة قليلًا حتى تتمكن من الرؤية دون أن تظهر بوضوح في الضوء
وهناك، بين ظلال الأشجار وبالقرب من البوابة الجانبية، لمحت رجلًا يقف ساكنًا، يراقب القصر دون أن يتقدم نحوه، ثم رفع رأسه قليلًا باتجاه الشرفة، قبل أن يتحرك ببطء بمحاذاة السور، وكأنه يبحث عن موضع يستطيع منه رؤية الأبواب والنوافذ على نحو أفضل
لم تستطع تقى تمييز ملامحه، فقد كان المكان مظلمًا إلا من ضوء بعيد يتسلل من إحدى المصابيح القريبة، كما أن الرجل ظل في المواضع التي تحجب عنه الرؤية، لكنه لم يكن يتحرك كعابر سبيل ضل طريقه، ولم يبدُ كعامل جاء لقضاء أمر ثم همّ بالانصراف، بل كان يتوقف بين حين وآخر، ويراقب الشرفة والأبواب، ثم يواصل سيره ببطء كلما اطمأن إلى سكون المكان
شعرت تقى بانقباض مفاجئ في صدرها، فقد كان القصر في تلك الساعة هادئًا، وأهل العزبة الذين اعتادت أن تجدهم في محيطها كانوا جميعًا في الفرح، حتى أصواتهم لم تعد تصلها إلا من بعيد، أما الرجل الغريب فظل في مكانه، يراقب المبنى كما لو أنه يحاول أن يحفظ تفاصيله، ويعرف أي الأبواب مغلق وأي النوافذ يمكن الوصول إليها
ابتعدت تقى عن الشرفة قليلًا، ثم عادت بعد لحظات لتتأكد من وجوده، فوجدته قد انتقل إلى موضع آخر قرب أحد الأبواب الجانبية، وكان يرفع رأسه بين حين وآخر ليتفقد الشرفة من جديد، ولم تعرف إن كان قد لمحها أم لا، لكنها أدركت أن الأمر لم يعد مجرد حركة عابرة في الظلام، وأن بقاءها تراقبه من مكانها لن يكشف لها سبب وجوده هناك
ظلت واقفة خلف الستارة، تتابع تحركاته وهي تحاول أن تجمع أفكارها، فقد كانت العزبة كلها غارقة في فرحها، والليل الذي كان ينبغي أن يحمل إلى الناس بعض الراحة بعد موسم الزراعة بدا لها فجأة مختلفًا، ولم يعد القصر الذي اعتادت أن تتحرك في أرجائه مطمئنة كما كان قبل دقائق، بل صار كل باب فيه موضعًا يستحق الانتباه، وكل صوت يصدر من الخارج سببًا يجعلها تتوقف وتصغي
أما الرجل، فقد ظل يراقب الأبواب والشرفة، غير مدرك أن هناك عينين تتابعانه من خلف الستار، بينما بقيت تقى تحاول أن تفهم ما الذي جاء به إلى القصر في تلك الليلة بالذات، ولماذا اختار وقتًا انشغل فيه أهل العزبة جميعًا بالفرح، وفي الخارج استمرت أصوات المزمار والطبول تتعالى من بعيد، دون أن يدرك المحتفلون أن شيئًا غير مألوف يجري عند أطراف القصر الذي غابت عنه تقى عن أفراحهم، وبقيت فيه وحدها لتواجه ما لم تكن تتوقعه في تلك الليلة

تعليقات



<>