رواية وصية الجد الفصل الثالث3بقلم سيرين محمد

رواية وصية الجد الفصل الثالث3بقلم سيرين محمد

"احنا فين؟"

بعد وقتٍ ليس بكثير، فتحت عينيها لترى السماء الساطعة أمامها، نهضت بسرعة لتجدت نفسها في صحراء مفعمه بالرمال، نظرت إلى زياد الذي كان نائماً بجوارها على الرمال الصفراء، بدأت توقظه حتى آفاق بوهن، قال وهو يُلقي نظرة حولهِ:

"احنا فين؟"

اجابته بنبرة باكية:

"مش عارفه!"

ظلوا ينظروا حولهم برهبة حتى وقعت أبصارهم على تلك الدوامة التي كانت على بُعد بسيط منهم، اقتربت رفيف منها مسرعة قائلة:

"بسرعة لازم نطلع من الصحرا دي!"

نهض الآخر وركض نحوها ولكن قد فات الاوان، حيث انغلقت تلك البوابة الزمنية، نظرت إليه بذعر رادفة:

"ايه دي؟ احنا هنعمل ايه؟ الدوامة اتقفلت! وايه اللي حصل ده انا مش فاهمة حاجه!!"

ابتلع ريقه ناظراً حوله بخوف، ثم قال:

"مش عارف! انا حتى مش عارف احنا فين ولا في أهني زمن!"

ــ" يعني ايه مش عارف؟ مش انت اللي جبتنا هنا؟"

ــ" وهو انا يعني كنت اعرف اللي هيحصل؟"

ــ" انا غبي؟! مابتفكرش في الحاجة قبل ما بتعملها؟"

ــ" لمي لسانك يا بتاعة انتِ انا ده كله ساكت عشان انتِ يادوب بنت عمي"

ــ" لا ما تسكتش وريني هتعمل ايه؟"

ــ" اتلاشيني عشان ما اتعصبش عليكي، وانا لما اتعصب ببقا مش شايف قدامي!"

ــ" انت واحد مستهتر وغبي، بسبب غباءك ضيعتنا والله اعلم احنا فين دلوقتي!"

ــ" انا غبي؟ انتِ واحده امك ما عرفتش تربيكي ماهو طبعاً اخدتك وهربت زمان والله اعلم كانت هربانه ليه؟"

وعند تلك الجملة تصلبت قدميها على الأرض ولم تقوَ على التحرك أو حتى الحديث، احتبست الدموع في عينيها وحاولت ان لا تنفلت كي لا يرى ضعفها، ولكنها لم تستسلم نظرت إليه بقوة وصاحت بغضب:

"وانت واحد اهلك ما عرفوش يربوك عشان تتجرأ وتتكلم عن امي كدا، انت واحد زبالة وزيك زيهم"

كاد يردّ عليها ولكن قاطعهم صوت خطواتٍ يأتي من خلفهم، نظروا بسرعة لمصدر الصوت ليجدوا مجموعة من الجمال تحمل أجساد كثير من الرجال، وقف زياد أمامهم وقال:

"لو سمحتوا عايزين مساعدة"

ولكن لا احد انتبه له وأكنه لا يقف أمامهم، قال مجدداً:

"لو سمحت، محتاج مساعدة انا وهي ممكن تاخدونا في طريقكم؟"

لم يجيبه أحد مجدداً، نظرت إليهم رفيف هاتفة:

"يا عمو محتاجين مساعدة عشان ما يجيلناش ضربة شمس"

كادت الجمال تدهسهم ولكنهم ابتعدوا بسرعة، حتى مرت أمامهم بدون أن يلتفت إليهم أحد، نظر لها قائلاً بصدمة:

"دول مش شايفينا!"

ــ" يعني ايه؟"

ــ" يعني احنا في عالم تاني غير عالمنا ومحدش فيهم هيشوفنا!"

قالت بخوف:

"طب واحنا هنعمل ايه؟"

ــ" مفيش غير اننا نمشي وراهم عشان نطلع من الصحرا دي ونشوف هنرجع ازاي"

وبالفعل ظل الاثنان يمشيان وراء الجمال حتى انهكهم التعب، توقفت رفيف بضعف قائلة:

"انا تعبت! مش قادرة امشي خلاص"

ــ" وانا، بس مفيش حل غير ده"

قالها ثم أكمل طريقه، نظرت إلى طيفه بوهن ثم أجمعت شتات نفسها وذهبت خلفها، بعد وقتاً كبيراً كانوا أخيراً خرجوا من تلك الصحراء، وقعت على الطريق بضعف، لم تقوَ على التحرك، نظر إليها قائلاً:

"قومي بلاش دلع خلينا نشوف هنطلع ازاي"

اجابته بإرهاق:

"مش قادرة! حاسه ان جالي ضربة شمس، أنا عايزة مايه"

جلس بجوارها ثم نظر حوله قائلاً:

"طب وانا هجيبلك مايه منين دلوقتي؟"

لم تجيبه، نظر يمينه ويساره حتى قال بدهشه:

"ده احنا شكلنا زمان اوي! البيوت بسيطة جداً غير بيوتنا"

حاولت ان تسترق النظر ولكنها أغلقت عينيها بضعف، ومن وسط نظراته وجد بجواره ذلك الفخار الذي يوضع فيه المياه اقترب منه بإستغراب ثم أخذ واحداً وكان ثقيلاً للغاية، نظر إليها قائلاً:

"هو ايه ده؟"

فتحت عينيها بصعوبة، ليقع بصرها عليه، قالت بسرعة وتلعثم:

"دي قُلة، هات بسرعة هموت واشرب"

نظر بإستغراب إليها، ثم تفوه:

"دي ايه القُلة دي؟"

ــ" ياعم هات هموت بقولك"

اقترب منها ثم أعطاها إياها، نظر إليها بترقب حتى وجدها ترفعها وتسقي نفسها منها، قال لها بصدمة:

"انتِ بتعملي ايه؟"

انزلت الفخار ثم قالت وهي تتنفس بسرعة:

"بشرب هكون بعمل ايه يعني؟"

اخذها منها ثم نظر داخلها بصدمة قائلاً:

"هي البتاعة دي فيها مايه؟"

ضحكت بسخرية قائلة:

"اه، سوري نسيت انك مولود في بُقك معلقة دهب، فأكيد مش هتعرف القُلة"

ــ"هي القُلة دي مايعرفهاش يعني غير اللي من طبقتك؟"

كان سؤالهِ اقرب إلى الاهانة بالنسبة إليها، نظرت إليه بإنكسار ولكن حاولت أن تخفي تلك النظرة كي لا يراها، اجابته:

"ايوا"

ــ" يعني دي موجوده في عالمنا؟"

ــ" هو ايه اللي موجودة في عالمنا؟ اكيد ايوا وموجود في كل شارع!"

ــ"واو اول مرة اعرف، لما نرجع بقا تبقي قوليلي على مكان فيها عشان اروح اشوفها "

زفرت بضيق ثم، وجهت نظرها إلى الناحية الأخرى لتجد مجموعة من الرجال مُمسكين بفتاة وهي تحاول ان تنفلت من أيديهم بصعوبة، نظر هو الآخر قائلاً:

"هو ايه ده؟"

ولكن جاءهم صوت رجل يقول بصرامة ولهجة صعيدية:

"امشي يا بنْت ولا تُنطقي بكلمة، النيل اختارك وانتِ ما لكِش رد!"

اجابته الفتاة بنجيب:

"حرام عليكم يا ناس! كفاية خرفات من دي! انتوا إكده بتقتلوني بيدّكم!"

ثم نظرت إلى رجلًا من ضمن الحشد قائلة برجاء:

"يا بوي، دول عايزين يقتلوني، هتسيبهم يقتلوا لحمك؟"

أجابها والدها بصرامة مزيفة:

ــ"يا بِنْتي، النيل اختارك، وما عادش فيه رُجوع، لازِم تضحي عشان الخير يِحلّ علينا، وإنتِ اللي هتنولي الخير"

نظرت إليه رفيف بدهشة قائلة:

"دول هيقدموها قربان!"

ضيق زياد عينيه ثم أردف:

"جدي قالي على حاجه زي دي زمان، بس عمري ماصدقت ان ده يكون حقيقة!"

ذهبوا خلفهم حتى بلغوا النيل، نظرت إليهم الفتاة وهي تصرخ وتصيح، تريد النجدة ولكن قد فات الاوان حيث امسكوها بعدما ربطوا ايديها وقدميها كي لا تستطيع العوم ثم رموها بكل قوة في النيل، حاولت السباحة مراراً وتكراراً ولكنها لا تستطع حتى طافت جثتها أمامهم، بدأت الرجال تبتعد واحداً تلو الآخر حتى ظل والدها ينظر إليها ويبكي ويقول:

"سامحيني يا بِنْتي، إن عصيناه، ما عادش يِجينا الخير، وساعتها كلنا نهلك من الجوع"

ثم تركها وذهب، ظلا الاثنان محدقين إلى الجثة بصدمة، غير قادرين على استيعاب مايحدث، قالت رفيف بدهشة:

"دول، دول قتلوها !!!"

هزّ رأسهِ بنعم دون ان يُحرك عينيه من عليها، ولكن اشتدت الريح لتأتي ورقة طائرة من فوقهم حتى وقفت أمامهم وسقطت على الأرض، امسكتها بيدها لتجد مكتوباً فيها بالحبر، نظرت إلى زياد قائلة:

"في ورقة مكتوب فيها بخط مش مفهوم"

اخذها منها ثم حاول قراءتها ليجد المكتوب:

"حاولت اكلمهم كتير واقولهم ان النيل مابيختارش حد، لكن محدش سمعني، لحد ما اخدوا ستكم مني!"

نظروا بصدمة ليجدوا التوقيع بإسم:

"عزت الشافعي"

هذا هو اسم جدهم؟ نظروا أمامهم بصدمة ليروا رجُلاً واقفاً على بُعدٍ ينظر إلى الجثة ببكاء قائلاً:

"حاولت أمنعهم يا دُرّية، بس ما سمعوش كلامي، هتوحشيني جِدّ يا حبيبة أيامي، هتوحشيني جِدّ يا دُرّية"

نظر زياد إليها بدهشة وقال:

"ده جدي!!"

ضيقت عينيها قائلة:

"هو جدي كان صعيدي؟"

عزّ رأسهِ بشرود، ذهب أمامه وقال:

"جدو، يا جدو"

ولكنه لا يراه حيث كان طيفاً أمامه، قالت رفيف بسعادة:

"الدوامة اهي!"

نظر نحوها ليجد تلك البوابة الزمنية بجوارها ركضا الاثنان بقوة حتى دلفا فيها.

                    الفصل الرابع من هنا
تعليقات



<>