رواية حب خارج القانون الفصل الرابع4بقلم يارين


رواية حب خارج القانون الفصل الرابع4بقلم يارين

"كلما اقتربا ازداد العداء اشتعالًا... وكلما اشتعل العداء، أصبح الهروب من المشاعر أصعب. فهل يمكن للكراهية أن تُخفي حبًا لم يولد بعد؟"

حب خارج القانون ٤
الفصل الرابع

لكن كلماته توقفت...

عندما لمحها تقترب منه.

كانت عيناها حمراوين من كثرة البكاء، وما إن وقع بصرها عليه حتى ركضت نحوه وهي تصرخ بصوتٍ اختنق بالبكاء:

"بابا..."

فتح ذراعيه،وعانقها.

"ليليان انتِ كويسه"

هزت رأسها بدموع وهي تقول:

"وحشتني اوي"

ضمها اكثر،وقال:

"انتِ اكتر يحبيبتي"

ثم اكمل وهو يقول:

"روحي علي العربيه"

ظلت تنظر له،لكن سرعان ما ادهم سحبها لعنده،وهو يقول:

"مراتي مش هتروح فحته"

بصلو مراد بغضب.

"مراتك مين،انت اتهبلت ولا ايه"

كان ادهم ممسك بليليان من خصرها،نقل نظره له وقال:

"قولي لباباكي"

بصلها مراد.

"تقولي ايه،انطقي"

بصت ليليان لأدهم،بعدها بصت لوالدها،وقالت بكسره:

"أدهم جوزي يبابا"

ضحك مراد بسخريه.

"جوزك.."

وقال بصوت اعلي:

"جوزك ازاي يعني"

ليليان:

"جوزي يبابا"

مسح علي وجهه،وهو يقول بانفعال:

"ايه الي انتي بتقوليه ده،انتِ عارفة ده يبقي مين"

كانت ليليان تحاول ان تمسك دموعها.

"أيوة،انا بحب ادهم يبابا،واتجوزنا"

اقترب منها مراد.

لكن ادهم سحبها خلفه.

"كلامك يبقي معايا انا"

قال مراد بنبرة حاسمة:

"لو ده حقيقي،انسي انك بنتي"

شهقت ليليان،واقتربت منه بدموع.

"بابا،متقولش كده،انا مليش غيرك"

قال مراد:

وهو يحاول عدم النظر لدموعها.

"انا معنديش بنت اسمها ليليان"

"لا...لا،يبابا"

تاركها مراد واتجهه الي سيارته.

ذهبت خلفه بدموع.

"لا يبابا.."

"متسبنيش"

"انا بنتك ليليان"

ركب السيارة،وانطلق، عائداً الي منزل.

انهارت ليليان،فقدت قوتها وقّعت ارضاً،وهي تبكي بحرقة.

ظل ادهم ينظر لها.

ثم اقترب،وأنحني قليلاً ليصبح في مستواها.

حملها بين ذراعيه،اسندت رأسها علي كتفه وظلت تبكي.

دخل الي داخل،ثم صعد الدرج.

فتح باب الغرفة بقدميه.

وضعها علي سرير برفق.

ألقت عليه نظرةً ممتلئة بالخذلان، ثم عدلت جلستها واستلقت على السرير، وأعطته ظهرها، وكأنها تخبره بصمتٍ أنها لا ترغب في رؤية وجهه.

نظر إليها للحظات، لكنها لم تلتفت إليه أو تحاول الحديث، فاكتفى بزفرةٍ مثقلة بالضيق، ثم استدار وغادر الغرفة وأغلق الباب خلفه بهدوء، قبل أن يتجه نحو الدرج ويصعد إلى الطابق العلوي حيث جناحه الخاص.

كان الجناح واسعًا يغلب عليه الطابع العصري، يتوسطه سريرٌ ملكي كبير، وإلى جانبه واجهة زجاجية ضخمة تطل على الحديقة، بينما احتلت إحدى الزوايا جلسة أنيقة تضم أريكة جلدية وطاولة صغيرة، وفي الجهة المقابلة مكتب عمل فخم ومكتبة خشبية، أما الإضاءة الهادئة والألوان الداكنة فأضفت على المكان هيبةً تعكس شخصيته.

توقفت خطواته في منتصف الغرفة، فرفع يده ينظر إلى خاتم الزواج الذي يزين إصبعه، وظل يحدق فيه لثوانٍ بصمت، ثم أطرق برأسه وزفر بضيق قبل أن يتجه إلى الحمام.

وقف أسفل المياه الدافئة لعدة دقائق، محاولًا إخماد الأفكار التي تعصف برأسه، ثم خرج وقد ارتدى تشيرت أبيض قطنيًا ضيقًا أبرز عضلات صدره وذراعيه، مع شورتٍ أسود بسيط، وجفف شعره بمنشفة، ثم مرر يده بين خصلاته واستلقى فوق السرير، مثبتًا بصره في السقف، بينما ظل عقله عالقًا بما حدث منذ ساعات.

في اليوم التالي.

استيقظت ليليان علي صوت طرقات.

فركت عينيها بتعب ونعاس.

قامت من علي سرير،وفتحت الباب.

كانت ناديه.

"صباح الخير يا ليليان هانم،ادهم بيه قالي،اديكي الهدوم دي،وبيقولك البسي وانزلي عشان الفطار"

أومأت له بضيق.

واخذت منها الشنط.

وقفلت الباب ،وظلت تحدق في الحائط ،لا تعلم ما ينتظرها لا تعلم اي شئ.

اتنهدت بضيق.

وفتحت احد الشنط واخرجت بعض القطع.

ثم ذهبت الي حمام لتستحم وتغير ملابسها.

بعد نص ساعه.

نزلت الدرج بخطواتٍ هادئة، وما إن وصلت إلى آخره حتى وقع بصرها عليه.

كان يجلس على الأريكة، منشغلًا بتقليب بعض الأوراق بين يديه بتركيزٍ تام، وكأن العالم من حوله لا يعنيه. ارتدى قميصًا أسود اللون، ترك أزراره العلوية مفتوحة قليلًا، كاشفًا عن سلسلةٍ فضية تتدلّى حول عنقه. طوى أكمامه حتى منتصف ساعديه، فأبرزت عضلات ذراعيه وعروق يديه البارزة. نسّق معه بنطالًا قماشيًا رماديًا وحزامًا أسود، بينما زُيّنت معصمه ساعةٌ فاخرة، وأصابعه بعدة خواتم فضية أضفت على مظهره هيبةً وأناقةً لافتة.

شعر بوجودها، فتوقفت أصابعه عن تقليب الأوراق، ثم رفع رأسه ببطء.

استقرت عيناه عليها للحظاتٍ صامتة، يتأملها بنظرةٍ ثابتة لا تحمل أي تعبير واضح، إلا أن بريقًا خافتًا مرّ في عينيه قبل أن يخفيه سريعًا خلف ملامحه الهادئة والباردة.

كانت تقف أمامه بإطلالةٍ بسيطة، لكنها سلبت انتباهه دون أن تشعر. ارتدت بنطال جينز واسعًا باللون الأزرق الفاتح، مع توب أبيض ناعم، تعلوه سترة كحلية قصيرة بأكمام قصيرة وأزرار أمامية، منحتها مظهرًا أنيقًا وعصريًا في آنٍ واحد. انتعلت حذاءً أبيض بسيطًا، 

أما شعرها الطويل، فقد جمعته في ذيل حصانٍ مرتفع، لتنسدل منه خصلاتٌ ناعمة تحيط بوجهها الرقيق، فتزيده نعومةً وجاذبية.

ظل ينظر إليها لثوانٍ، ثم أنزل الأوراق ببطء إلى الطاولة الزجاجية أمامه، وأسند ظهره إلى الأريكة دون أن يشيح بعينيه عنها.

ابتلع ريقه بصمت، قبل أن ترتسم على شفتيه ابتسامةٌ خفيفة بالكاد تُرى، وسألها بصوتٍ هادئ:

"هنفضل واقفة عند السلم كتير... ولا هتنزلي؟"

بصتلو واقتربت منه وجلست علي الاريكه الاخري.

حط ورق علي ترابيزة،وقال:

"يلا عشان نفطر"

بصتلو وسكتت.

توجها إلى غرفة الطعام، التي ازدانت بطاولةٍ طويلة امتلأت بمختلف أصناف الإفطار؛ من المخبوزات الطازجة، والجبن، والفواكه، إلى الأطباق الساخنة والمشروبات.

جلس هو في رأس الطاولة، بينما جلست هي إلى جواره بصمت.

بدأ يتناول طعامه بهدوء، في حين بقيت هي تحدق في الطبق أمامها دون أن تمد يدها إليه.

رفع بصره إليها، ثم قال بسخريةٍ خفيفة:

"عندك حساسية من الأكل برضو ولا إيه؟"

نظرت إليه ببرود، ثم أجابت:

"لا."

أخذ رشفةً من قهوته، ثم قال بنبرةٍ هادئة:

" كُلي يا ليليان... المفروض تتعودي خلاص."

أطرقت برأسها، ثم بدأت تتناول طعامها على مضض.

وبعد أن انتهى من إفطاره، نهض من مقعده، وأخرج من محفظته بطاقةً مصرفية، ووضعها أمامها على الطاولة.

قال وهو يرتدي سترته:

" خلصي أكلك، وروحي اشتري لبس... وكل اللي إنتِ عايزاه."

ثم التفت نحو أحد حراسه الواقفين بالقرب من الباب.

"كريم... هتوصلها، وهتفضل معاها."

رفعت عينيها إليه، ثم دفعت البطاقة نحوه برفق.

"لا، شكرًا... مش عايزة."

نظر إليها بثبات، وقال بلهجةٍ لا تقبل النقاش:

"أنا مش بخيرك... أنا بقولك هتعملي إيه."

حدقت فيه بتحدٍ، ثم قالت:

"بس أنا حاجتي كتير."

ضحك ضحكةً خافتة، وهو يعيد البطاقة أمامها.

"معتقدش إنك مهما اشتريتي هتقدري تخلصي اللي فيها."

رمقته بنظرةٍ باردة، دون أن ترد، ثم عادت تكمل طعامها في صمت.

أما هو، فارتدى نظارته الشمسية، واستدار متجهًا إلى الخارج، قبل أن يغادر القصر بخطواتٍ هادئة.

بعد نص ساعة.

انتهت ليليان من تناول الطعام.

قامت واخذت حقيبتها.

نظرت لكريم وقالت:

"يلا"

اومأ لها باحترام.

اتجهو الي الخارج.

بصلها كريم بأحترام وقال:

"تحبي حضرتك تركبي انهي عربيه"

نظرت حولها، لتجد أمام القصر صفًا طويلًا من السيارات الفاخرة، تجاوزت قيمة بعضها ملايين الجنيهات، 

فتجولت عيناها بينها بذهولٍ خفيف، 

قبل أن ترفع يدها وتشير إلى إحدى السيارات قائلةً: 

"دي."
اتجهت أنظار كريم  إلى السيارة التي اختارتها، 

وكانت سيارة رانج روفر سوداء، يجتمع في تصميمها الفخم مزيجٌ من القوة والأناقة.

قال باحترامٍ وهو يفتح باب السيارة:

 "اتفضلي يا ليليان هانم."

اقتربت بخطواتٍ هادئة، ثم استقلت المقعد الخلفي، 

فأغلق الباب برفق، واتجه إلى مقعد السائق وجلس خلف المقود، وما هي إلا لحظات حتى انطلقت السيارة في طريقها إلى أحد المراكز التجارية الكبرى.

بعد مرور بعض الوقت، توقفت السيارة أمام أحد المراكز التجارية الفاخرة. ترجل كريم أولًا، ثم أسرع ليفتح لها الباب باحترام، فهبطت من السيارة واتجهت إلى الداخل بخطواتٍ هادئة.

بدأت تتجول بين المتاجر، وكلما وقعت عيناها على قطعة ملابس قصيرة أو جريئة، التقطتها دون تردد، وكأنها تتعمد شراء كل ما أخبرها بأنه لن يسمح بارتدائه بعد الزواج، حتى امتلأت يداها بالأكياس، ثم استعانت بعربة تسوق بعدما عجزت عن حمل المزيد.

وبعد ساعات من التجول، اتجهت إلى صندوق المحاسبة، حيث أخذ العامل يمرر قطعةً تلو الأخرى على جهاز الحساب، بينما كانت الأكياس تتراكم أمامه بشكلٍ لفت أنظار كل من حوله.

رفع الكاشير رأسه إليها بين الحين والآخر، وقد بدت الدهشة واضحة على ملامحه من كمية المشتريات الهائلة.

وبعد أكثر من نصف ساعة من حساب جميع الأغراض، رفع نظره إليها قائلًا:

"التوتال... ٧٨٩ ألف يفندم."

اتسعت عيناها لوهلة، فقد صُدمت من الرقم، لكنها سرعان ما تماسكت، وأخرجت البطاقة المصرفية التي أعطاها لها، ثم مدت يدها بها.

أخذها الكاشير، وأتم عملية الدفع، قبل أن يعيد إليها البطاقة باحترام، بينما كانت نظرات العاملين لا تزال تلاحقها باستغراب.

⸻

في مكانٍ آخر...

كان يجلس داخل مكتبه، يتابع بعض الملفات برفقة سليم، قبل أن يهتز هاتفه فجأة.

ثم مرةً أخرى...

وأخرى...

توالت رسائل البنك الواحدة تلو الأخرى، معلنةً عن عمليات سحبٍ متتالية بمبالغ ضخمة.

رفع سليم حاجبه باستغراب، ثم قال:

"في إيه؟ مين اللي باعتلك كل المسدجات دي؟"

التقط هاتفه، وألقى نظرةً سريعة على الرسائل، لتظهر على شفتيه ابتسامةٌ خافتة، فقد فهم تمامًا ما تحاول فعله.

أدار شاشة الهاتف نحوه.

ما إن وقع بصر الأخير على المبلغ حتى احتلت الدهشة ملامحه، وقال بعدم تصديق:

"إيه ده؟! جابت لبس ٧٨٩ألف؟"

ضحك بخفة، ثم أعاد هاتفه إلى الطاولة، وقال بثقة:

"واضح إنها فاكرة إنها كده بتعاقبني."

ضحك سليم،وقال:

"ده انت ربنا يعينك،إنتو الاتنين صعبين"

ضحك ادهم بخفه.

بصلو وقال سليم:

"صح....في اجتماع بعد بكره مع ليو وهنسافرلو فرنسا..
هتودي ليليان فين،هتسيبها لوحدها"

قال ادهم بعد تفكير:

"هوديها البيت تاني"

بصلو سليم شويه بعدين قال:

"طنط دليلة مش هتسبها فحالها"

قال ادهم:

"عارف..هي اصلا عامله تكلمني من ساعه الصور الي نزلت"

قال سليم بجديه:

"هتقولها الحقيقه"

ادهم:

" لا...هقولها نفس كلام الي قولناه لمراد اننا بنحب بعض"

غمز له سليم وهو يقول:

"اممم بتحبو بعض"

بصلو ادهم ببرود وقال:

"اطلع بره يسليم"

قام  سليم وهو يضحك.

"ماشي يعم...هطلع باحترامي"

وخرج سليم.

وادهم كمل باقي شغله.
_______

في المساء

في غرفه ليليان.

كانت تقف أمام المرآة، تقيس الملابس التي اشترتها واحدةً تلو الأخرى، بينما بدت الغرفة في حالةٍ من الفوضى؛ الأكياس مبعثرة في كل مكان، والفساتين والقمصان متناثرة فوق السرير والأريكة.

كانت ترتدي تنورةً قصيرة من الجينز بلونٍ أزرق فاتح، احتضنت خصرها وانسابت حتى منتصف فخذيها، ومعها توب أبيض بسيط بلا أكمام، وفوقه جاكيت جينز قصير توقف عند خصرها، ليمنحها مظهرًا عصريًا جريئًا.

ألقت نظرةً أخيرة على انعكاسها في المرآة، ثم اتجهت إلى الحمام.

وبعد دقائق...

انفتح باب الغرفة، ودخل هو بهدوء.

تجولت عيناه في المكان، ليجد الغرفة تعمها الفوضى، والملابس متناثرة في كل زاوية.

اقترب بخطواتٍ هادئة، ثم انحنى يلتقط إحدى القطع الملقاة على الأرض.

كان هوت شورت من الجينز.

اشتد فكُّه، وانقبضت أصابعه حول القطعة حتى برزت عروق يده بوضوح.

وفي تلك اللحظة...

انفتح باب الحمام.

خرجت وهي تجفف شعرها بالمنشفة، وما إن رفعت رأسها حتى وجدته يقف أمامها.

توقفت مكانها.

ألقى عليها نظرةً طويلة، بدأت من عينيها، ثم هبطت ببطء إلى ملابسها، قبل أن يحاول كبح الغضب الذي ارتسم على ملامحه.

قال بصوتٍ منخفض، لكنه يحمل تحذيرًا واضحًا:

"أنا مش قولتلك... اللبس ده مش هيتلبس تاني؟"

نظرت إليه ببرود، ثم قالت:

"ماله اللبس؟ عادي."

اقترب منها حتى لم يعد يفصل بينهما سوى خطوات قليلة، ثم أمسك بمعصمها وضغط عليه ضغطةً خفيفة، لكنها كانت كافية لتجعلها تتألم.

قال وهو ينظر مباشرةً إلى عينيها:

"اللبس ده... آخره يتلبس هنا، جوه أوضتك وبس."

خفضت بصرها إلى قبضته التي تطوق معصمها، وقد ارتسم الألم على ملامحها.

انتبه لذلك، فأرخى قبضته وترك يدها.

استدار متجهًا نحو الباب، ثم قال باقتضاب:

"جهزي شنطة، وخدي كام حاجة ليكي... وتكون هدوم محترمة."

وقبل أن يخرج، استوقفه صوتها.

"ليه؟"

توقف مكانه، ثم أجاب دون أن يلتفت إليها:

"هنروح عند أهلي."

نظرت إليه باستغراب، وقد عقدت حاجبيها.

"أهله... عايشين؟" مر السؤال في عقلها بصمت، فهي لم تسمعه يتحدث عن عائلته.

اتجهت إلى خزانة الملابس، وأخرجت حقيبة سفرٍ صغيرة، ثم بدأت تضع بداخلها بعض الملابس والاحتياجات الأساسية، وأغلقتها بعد دقائق.

⸻

في جناحه الخاص...

دلف إلى الداخل، وألقى مفاتيحه فوق الطاولة، ثم اتجه مباشرةً إلى الحمام.

وبعد قليل...

كانت قد انتهت من تجهيز حقيبتها، فحملتها وصعدت إلى الطابق العلوي.

توقفت أمام باب جناحه.

ظلت تحدق فيه للحظات، وقد ترددت في الدخول، لكنها في النهاية زفرت بهدوء، ومدت يدها إلى المقبض.

فتحت الباب ببطء...

ودخلت.

نظرت بعينيها في أنحاء الجناح، وكانت تلك المرة الأولى التي تطأ فيها قدماها المكان.

كان كل شيء مرتبًا بعناية، يغلب عليه اللونان الأسود والرمادي، بينما عكست تفاصيله شخصية صاحبه الهادئة والعملية.

وبينما كانت تتأمل المكان، وقعت عيناها على إطار صورة موضوع فوق الكومودينو.

اقتربت منه دون وعي.

أمسكته بين يديها، لتجد صورته وهو يقف بجوار فتاة تحتضنه، وكلاهما يبتسم بسعادة.

انعقد حاجباها وهي تحدق بالصورة.

وفجأة...

سمعت صوته خلفها.

"مين سمحلك تدخلي هنا؟"

التفتت إليه بفزع.

كان قد خرج لتوه من الحمام، يجفف شعره بالمنشفة.

ارتبكت بشدة، فانزلقت الصورة من بين يديها.

ارتطم الإطار بالأرض، وتناثر الزجاج في أرجاء الغرفة.

اتسعت عيناها بصدمة.

أما هو...

فتجمد مكانه للحظة، قبل أن تتحول ملامحه إلى غضبٍ عارم.

أسرعت تنحني تجمع قطع الزجاج وهي تقول بتوتر:

"أنا... أنا آسفة..."

شد فكه بقوة، ثم قال بحدة:

"إنتِ غبية... بتمسكيها ليه أصلًا..اطلعي بره"

ارتجفت يداها من صراخه، وأثناء محاولتها جمع الزجاج، انغرست قطعة حادة في راحة يدها.

شهقت بألم.

تجمعت قطرات الدم سريعًا، بينما رفعت عينيها إليه وقد امتلأتا بالدموع.

قبضت على يدها المصابة محاولة إيقاف النزيف، ثم حملت حقيبتها وخرجت مسرعة من الجناح، دون أن تنطق بكلمة، بينما ظل هو واقفًا ينظر إلى الزجاج المتناثر والصورة المحطمة، وصدره يعلو ويهبط من شدة الغضب.

بعدما خرجت ليليان.

نظرت إلى يدها، فوجدت الدم قد لطخ أصابعها وكفها، لتنظر إليه بصمتٍ لثوانٍ، ثم أخرجت منديلًا ورقيًا من حقيبتها الصغيرة، ووضعته فوق الجرح، وضغطت عليه بقوة محاولةً إيقاف النزيف، بينما كانت تقاوم دموعها بكل ما تملك.

سحبت حقيبتها خلفها، ونزلت إلى الطابق السفلي، ثم وقفت في صالة القصر تنتظر في صمت.

وبعد دقائق...

هبط هو من الدرج.

كان يرتدي قميصًا كتانًا بلون البيبي بلو، مع بنطالٍ أبيض من الكتان، زاد من أناقته وهيبته.

ألقى عليها نظرةً سريعة، ثم قال باقتضاب:

"يلا."

اقترب منها، وأخذ حقيبة السفر من يدها دون انتظار ردها، ثم خرجا معًا إلى الخارج.

فتح لها باب السيارة، وبعد أن جلست، وضع حقيبتها في صندوق السيارة الخلفي، ثم أغلقه واستقل مقعد السائق.

انطلقت السيارة تشق الطريق في صمتٍ ثقيل.

جلست وهي تضغط على المنديل الملفوف حول يدها، فقد كانت لا تزال تشعر بوجود شظايا الزجاج داخل الجرح.

ألقى عليها نظرةً عابرة، فتوقفت عيناه عند المنديل الذي بدأ يتحول لونه إلى الأحمر.

انتقلت نظراته إلى وجهها، فوجد ملامحها متصلبة، بينما كانت تحاول عبثًا حبس دموعها.

عقد حاجبيه، ثم أوقف السيارة على جانب الطريق.

استدار نحوها دون أن ينطق، وأمسك بيدها برفق.

حاولت سحبها، لكنه لم يسمح لها.

أبعد المنديل عن كفها، لتظهر بقع الدم، وبينها قطع زجاج صغيرة ما زالت مغروسة في الجلد.

اتسعت عيناه بصدمة، وهو ينظر إلى الجرح.

أما هي...

فأغمضت عينيها، وانزلقت دمعةٌ صامتة على وجنتها.

أعاد تشغيل السيارة، واتجه إلى أقرب صيدلية.

وبعد دقائق، ترجل منها، ثم عاد وهو يحمل حقيبة إسعافات أولية.

فتحها، ثم أمسك يدها بحذر، وبدأ يخرج قطع الزجاج واحدةً تلو الأخرى باستخدام الملقاط.

كانت تتألم مع كل قطعة، فيتوقف لثوانٍ، ثم يكمل بحركاتٍ أكثر هدوءًا، محاولًا أن يخفف عنها الألم قدر استطاعته.

وبعد أن انتهى، طهر الجرح، ثم وضع ضمادةً صغيرة فوقه وأثبتها بلاصقٍ طبي.

سحبت يدها منه بصمت، وأدارت وجهها نحو نافذة السيارة، تحدق في الطريق دون أن تنظر إليه.

أما هو...

فتنهد بضيق، وأغلق حقيبة الإسعافات، ثم أعاد تشغيل السيارة، وأكمل القيادة، بينما خيم الصمت بينهما من جديد.
____
امام فيلا بأحدي المناطق الراقية.

وقفت السياره امام الفيلا.

بصلها وقال:

"انزلي"

بصتلو ثم فتحت الباب ونزلت.

اقترب ادهم من احدي الحراس،وهو يمد له بمفاتيح السياره.

"أركن العربية...وهات الشنطه وطلعها علي اوضتي"

 ثم اتجهه نحو الفيلا، بخطواتٍ هادئة حتى وصلا إلى الباب الرئيسي، فضغط على جرس المنزل.

بعد لحظات، فتحت لهما الخادمة الباب.

" اتفضل يا ادهم بيه"

دخل إلى الداخل، فتبعته هي وهي تتلفت حولها.

كانت الصالة واسعة يغلب عليها الطابع الكلاسيكي، تتوسطها أريكة كبيرة، جلست عليها سيدة تبدو في أواخر الأربعينيات من عمرها، بملامح وقورة وهيبة واضحة، وإلى جوارها فتاة في أوائل العشرينيات، ذات شعرٍ قصير وابتسامة مشرقة.

رفعت السيدة رأسها ما إن رأته.

نظرت إليه بامتعاض، ثم قالت:

"لسه فاكر إن ليك أم؟"

اقترب منها مباشرة، وانحنى يقبل رأسها.

"حقك عليا يا أمي."

لم ترد، واكتفت بالنظر إليه بعتاب.

ابتسم بخفة، ثم التفت إلى الفتاة.

"عاملة إيه يا حبيبتي؟"

نهضت سريعًا، واتجهت إليه تحتضنه بقوة.

"وحشتني أوي... كده تتجوز من ورانا؟"

ابتسم باعتذار، وربت على رأسها.

"حقكم عليا... هبقى أحكيلكم كل حاجة."

ثم التفت نحو ليليان، وأشار إليهما.

"دي ماما... ودي أختي."

تقدمت ليليان بخطواتٍ مترددة، ثم ألقت السلام باحترام.

ابتسمت الفتاة بحماس، وسحبتها إلى عناقٍ سريع.

"أهلًا بيكي."

أما والدته، فاكتفت بإلقاء نظرةٍ طويلة عليها، بدأت من رأسها حتى قدميها، دون أن تنطق بكلمة، ثم نهضت من مكانها وغادرت الصالة.

تنهد، ثم أسرع خلفها.

وقفت ليليان تنظر في أثرهما بصمت.

ابتسمت الفتاة ابتسامةً لطيفة، ثم قالت:

"متزعليش من ماما... هي مش زعلانة منك، هي بس متضايقة منه."

أمسكت بيدها برفق، وأجلستها إلى جوارها على الأريكة.

ثم ابتسمت قائلة:

"أنا لارا... أخته الصغيرة. وأنتِ بقى ليليان، صح؟ والله كنت مستنية أشوف البنت اللي أخويا اتجوزها"

ابتسمت ليليان لها بهدوء.

بصتلها لارا وقالت:

"انتِ عندك كام سنه؟."

"١٩"
اتصدمت لارا قليلاً.حاولت متبينش.

"اممم انتي ١٩ و ادهم٢٩"

بعدين سكتت شويه وقالت:

"يعني ادهم اكبر منك ب ١٠ سنين"

بصتلها ليليان بدهشة خفيفه.

هي مكتتش تعرف عندو كام سنه.

هزت رأسها.

قالت لارا:

"انا عندي ٢٢"

بعدين كملت كلام وقالت:

"انتِ فكليه ايه"

ردت ليليان بهدوء:

"طب بشري"

قالت لارا وهي بتضحك:

"وانا هندسه،احنا كده منافسين بقا"

ضحكت ليليان من وقت طويل،كانت اول مره تتكلم مع حد وتضحك من ايام.

قالت لارا  بعفويه:

"انا قولت ادهم مستحيل يتجوز تاني بعد نادين"

بصتلها ليليان بدهشة.

"هو ادهم مطلق"

قالت لارا:

"لا ادهم مطلقش نادين لسه متجوزين"

قالت ليليان بصدمه:

                   الفصل الخامس من هنا
تعليقات



<>