رواية حب خارج القانون الفصل الخامس5بقلم يارين


رواية حب خارج القانون الفصل الخامس5بقلم يارين

"لم تتغير الكلمات بينهما... ما زالت قاسية، وما زالت النظرات تحمل تحديًا. لكن الأفعال بدأت تروي حكايةً مختلفة، حكايةً يحاول كلٌ منهما إنكارها، بينما يقترب القدر خطوةً أخرى."

حب خارج القانون ٥
الفصل الخامس

نظرت إليها بصدمة، واتسعت عيناها وهي تقول بعدم 
تصديق: 

"إنتِ متأكدة؟"

عقدت الفتاة حاجبيها باستغراب، ثم أومأت برأسها قائلةً: 

"أيوه... متأكدة."

نهضت ليليان من مكانها بسرعة، ثم خرجت من الصالة تبحث بعينيها، حتى وقعت عيناها على إحدى الخادمات، فاقتربت منها وقالت: 

"أوضة... ادهم فين؟"

أجابت الخادمة باحترام: 

"في الدور الأخير يا هانم... جناحه هناك لوحده."

لم تنتظر ثانية، بل أسرعت تصعد الدرج حتى وصلت إلى الطابق الأخير، ثم توقفت أمام بابٍ كبير، ودفعته لتدخل إلى جناحه. 

كان الجناح فسيحًا يغلب عليه الطابع العصري، يتوسطه سريرٌ ملكي ضخم، وإلى جانبه واجهة زجاجية تطل على الحديقة، بينما احتلت إحدى الزوايا جلسة أنيقة ومكتب عمل فخم ومكتبة خشبية كبيرة، وأضفت الإضاءة الهادئة والألوان الداكنة على المكان هيبةً واضحة.

نظرت بعينيها في أنحاء الجناح، لكنها لم تجده، 

حتى وقع بصرها على باب الحمام المغلق. دون تفكير، اتجهت نحوه، وأمسكت بالمقبض ثم فتحته.

كان يقف أمام الحوض، يجفف شعره بالمنشفة، ولا يرتدي سوى منشفةٍ ملفوفة حول خصره.

شهقت بفزع وهي تصرخ: 

"أععع"

التفت إليها بهدوء، ثم رفع أحد حاجبيه وهو ينظر إليها باستغراب.

لكنها تذكرت سبب مجيئها، فتحول ارتباكها إلى غضبٍ عارم، واقتربت منه وهي تقول بانفعال: 

"إنت إزاي تطلع متجوز..إزاي تخبي عليا..إزاي تخليني زوجة تانية"

وأخذت تدفعه بكفيها وتضرب صدره بغضب، بينما ظل واقفًا مكانه دون أن يتحرك، فبالنسبة إليه كانت دفعاتها ضعيفة، وجسدها الضئيل لا يشكل له أي تأثير.

اقترب منها، وأمسك بمعصميها ليوقف حركتها، ثم ثبت عينيه في عينيها. كانت تنظر إليه بغضب، امتزج بارتباكٍ واضح بسبب قربه الشديد.

قال بصوتٍ رجولي هادئ: 

"ممكن تهدي... وتقولي في إيه؟"

هدأت قليلًا، ثم قالت وهي تلهث من شدة انفعالها: 

"إزاي متقوليش إنك متجوز؟!"

عقد حاجبيه وقال: 

"مين قالك كده؟"

أجابته فورًا: 

"أختك."

صمت لثوانٍ، وكأنه فهم سبب سوء الفهم، ثم اقترب منها أكثر، فتراجعت إلى الخلف، حتى اصطدم ظهرها بالحائط.

نظر إليها بهدوءٍ غريب وقال: 

"أنا... مش متجوز."

تعلقت عيناها بعينيه دون أن تنطق.

فأكمل بنفس النبرة: 

"أنا... أرمل."

اتسعت عيناها بصدمة، وشعرت بأن الكلمات علقت في حلقها.

ظل ينظر إليها للحظات، ثم ابتعد عنها بهدوء، وأخذ ملابسه من فوق المقعد، وغادر الحمام، تاركًا إياها واقفةً مكانها، تحاول استيعاب الحقيقة التي قلبت كل ما كانت تظنه.

ظلَّت واقفةً مكانها، تحدق في الباب الذي أغلقه خلفه، وكأن عقلها توقف عن استيعاب ما حدث.

"أنا... أرمل."

ترددت الكلمة داخل رأسها مراتٍ عديدة، حتى شعرت بوخزةٍ غريبة في صدرها.

بعد لحظات...

خرج من غرفة تبديل الملابس، وقد ارتدى قميصًا أسود وبنطالًا رماديًا، بينما كانت خصلات شعره لا تزال رطبة.

توقفت عيناه عليها.

وجدها ما تزال واقفة في مكانها، تنظر إلى الأرض بشرود.

تنهد بخفوت، ثم قال بهدوء:

"لسه واقفة؟"

رفعت رأسها ببطء، ثم همست بصوتٍ خافت:

"أنا... آسفة."

قالت بصوتٍ خافت، وهي تخفض عينيها إلى الأرض:

"آسفة."

توقفت خطواته للحظة، لكنه لم يجبها.

اكتفى بنظرةٍ هادئة، ثم استدار متجهًا إلى الخارج.

راقبته وهو يبتعد، قبل أن تسرع خلفه.

مدت يدها وأمسكت بذراعه.

توقف في مكانه، ثم أنزل بصره إلى يدها الممسكة به، قبل أن يرفع عينيه إليها.

قالت بتردد:

"لما أختك قالت كده... حسيت إنك ضحكت عليا."

ظل ينظر إليها بهدوء، ثم قال:

"خلاص يا ليليان."

صمت لثوانٍ، ثم أضاف بصوتٍ خافت:

"البنت اللي كانت في الصورة... مراتي."

أومأت برأسها بصمت، بينما ابتعد عنها مرةً أخرى.

وقبل أن يخرج، سمع صوتها خلفه.

 ه... هو إنت هتتأخر؟"

التفت إليها، وارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ خفيفة، ثم قال ببرود:

"مش قادرة تقعدي من غيري ولا إيه؟"

رفعت رأسها بسرعة، ثم قالت بضيق:

"ده إنت أول ما بتمشي... بموت من الفرحة."

ودفعته دفعةً خفيفة في كتفه، وهي تقول:

" يلا... يلا امشي."

ثبت عينيه عليها لثوانٍ، وكأنه سرح في ملامحها دون أن يشعر.

ثم انتبه لنفسه، وهز رأسه بخفة، قبل أن يستدير ويغادر.

⸻

ما إن أغلق الباب خلفه، حتى تنهدت ليليان ببطء.

شعرت بإحساسٍ غريبٍ يتسلل إلى داخلها.

رغم أنها كانت تشعر بالغربة داخل منزله منذ اليوم الأول...

إلا أنها، بمجرد خروجه، شعرت أن المكان أصبح أكثر غرابةً ووحشة.

وكأنها...

بدأت تعتاد وجوده.

زفرت بهدوء، ثم اتجهت إلى حقيبتها التي كان الخدم قد أحضروها إلى الجناح.

فتحتها، وأخرجت شورتًا منزليًا مريحًا، مع توبٍ قصير يصل إلى خصرها، ثم رفعت شعرها في كعكةٍ فوضوية، واتجهت لتبديل ملابسها.
_______

في الجهة الأخرى...

هبط إلى الطابق السفلي، ثم خرج من المنزل.

أخرج هاتفه من جيبه، واتصل بسليم.

ما إن أجابه حتى قال:

"تعالى الشركة... عندنا اجتماع مهم"

جاءه صوت صديقه الممتلئ بالنعاس:

"يا عم حرام عليك... الساعة عشرة..كنت نايم."

قال ببرود:

 "قدامك نص ساعة... وتكون عندي."

ثم أغلق الخط.

⸻

بعد مرور بعض الوقت...

انتهى الاجتماع.

ولم يبقَ داخل قاعة الاجتماعات سوى هو وصديقه.

أغلق الأخير الملف الذي أمامه، ثم نظر إليه قائلًا:

"إيه الأخبار بينك وبين ليليان؟"

أجابه وهو يسند ظهره إلى المقعد:

"ولا حاجة... بس بدأت تتأقلم شوية."

ثم صمت للحظات، وأضاف:

"النهارده سألتني على نادين."

اتسعت عينا صديقه بدهشة.

"إيه؟! إنت مقولتلهاش من الأول؟"

رفع نظره إليه وقال ببرود:

"أكيد لا."

عقد صديقه حاجبيه.

"ليه؟"

أجابه وهو يلتقط كوب القهوة من أمامه:

"هقولها ليه يعني؟ دي حاجة تخصني... ولما أشوف الوقت مناسب، هتعرف لوحدها"

تنهد صديقه، ثم ابتسم ابتسامةً جانبية.

"واضح إنها بدأت تأثر فيك."

رفع عينيه إليه.

"متبدأش."

ضحك الآخر بخفة.

"أنا أعرفك من سنين... وإنت عمرك ما كنت بتلاحظ حد، لكن دلوقتي بقيت تراقب كل حركة بتعملها."

أمسك ملفًا من فوق المكتب، وهو ينهي الحديث.

"خلينا في الشغل."

ابتسم صديقه وهو يهز رأسه.

"زي ما تحب... بس متضحكش على نفسك."

وصل إلى القصر بعد يومٍ طويل من العمل، ثم صعد إلى جناحه بهدوء.

ما إن فتح الباب، حتى وجدها جالسة على الأريكة، تضم قدميها إليها، وعيناها مثبتتان على شاشة التلفاز، وكأنها اندمجت تمامًا فيما تشاهده.

وقعت عيناه عليها أولًا.

كانت ترتدي شورتًا منزليًا قطنيًا يصل إلى منتصف فخذيها، مع توبٍ بسيط، بينما رُفع شعرها في كعكةٍ فوضوية، وانسدتلت بعض الخصلات حول وجهها.

توقفت عيناه عليها لثوانٍ، ثم أغلق الباب خلفه.

شعرت بوجوده، فالتفتت إليه، تبادلته نظرةً سريعة، ثم أعادت بصرها إلى التلفاز، وكأنه غير موجود.

لم يعلق.

اتجه مباشرةً إلى الحمام.

وبعد دقائق...

خرج وهو يجفف شعره بالمنشفة، ولا يرتدي سوى منشفةٍ أخرى حول خصره، بينما كان صدره عاريًا.

التفتت إليه، وما إن رأته حتى عقدت حاجبيها بضيق.

"إنت بني آدم مش معاك واحدة هنا...خارج كده ليه."

رفع أحد حاجبيه، ثم قال بخبث:

"مراتي عادي."

رمقته بنظرةٍ ممتلئة بالضيق، وقالت بسخرية:

"مراتك... آه."

ابتسم بخفة، متجاهلًا تعليقها، ثم اتجه إلى غرفة الملابس.

وبعد دقائق، خرج مرتديًا بنطالًا رماديًا مريحًا، مع قميصٍ أسود أبرز بنيته الرياضية.

اقترب من السرير، ثم همَّ بالاستلقاء.

لكن صوتها أوقفه.

ك إنت هتنام هنا؟"

نظر إليها باستغراب.

"أومال أنام فين؟"

قالت وهي تشير إلى السرير:

" روح شوف أي حتة تانية تنام فيها."

ابتسم بسخريةٍ خفيفة.

"دي أوضتي... يعني لو مش عاجبك تنامي هنا، شوفي إنتِ أي حتة تانية."

وضعت يدها على صدرها بحركةٍ دراماتيكية وقالت بخضةٍ مصطنعة:

"فين الجنتلة؟ بدل ما تقول: نامي يا مراتي العزيزة على السرير، وأنا هشوف أي حتة أنام فيها."

نظر إليها بخبث، ثم قال:

"يعني اعترفتي إنك مراتي؟"

اتسعت عيناها، ثم تناولت الوسادة بسرعة، وقذفتها نحوه.

التقطها بسهولة، وهو يضحك بخفوت.

ثم قال وهو يضع الوسادة مكانها:

"نامي... المرة دي. عندي شغل بدري، ومش ناقص وجع دماغ."

واستلقى على السرير، وأغمض عينيه.

رمقته بضيق، ثم نهضت من مكانها، وأخذت وسادةً وبطانية من فوق السرير.

فرشتهما على الأرض، ثم استلقت فوقهما، وأعطته ظهرها.

فتح إحدى عينيه، ونظر إليها للحظات.

عقد حاجبيه بضيق، ثم قال:

"إنتِ بتعملي إيه؟"

أجابته دون أن تلتفت:

"هنام."

نظر إليها بصمت، ثم تنهد وهو يهز رأسه، غير مصدق عنادها.

في صباح اليوم التالي...

بدأت أشعة الشمس تتسلل إلى الجناح بهدوء.

فتح عينيه ببطء، واعتدل في جلسته، ثم وقعت عيناه عليها.

كانت نائمة على الأرض، تحتضن الوسادة، وقد التف الغطاء حولها بطريقةٍ عشوائية.

ظل يراقبها لثوانٍ، ثم زفر بهدوء.

نهض من السرير، واتجه إليها.

انحنى قليلًا، ثم حملها بين ذراعيه بحذر حتى لا تستيقظ.

تململت بخفة وهي نائمة، وأمسكت بقميصه دون وعي، لكنه أكمل طريقه حتى وضعها برفق فوق السرير، ثم سحب الغطاء عليها.

تأملها للحظة، قبل أن يتجه إلى الحمام.

وبعد دقائق...

خرج مرتديًا بدلةً سوداء أنيقة، وقميصًا أبيض، وربطة عنق سوداء، بينما كانت ساعة يده تضيف إلى هيبته المعتادة.

في تلك اللحظة...

بدأت ليليان تستيقظ.

فتحت عينيها ببطء، ثم اعتدلت فجأة عندما أدركت أنها فوق السرير.

نظرت حولها بصدمة.

"أنا... إيه اللي جابني هنا؟"

نظر إليها بطرف عينه، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ خبيثة.

ك إنتِ امبارح قبل الفجر صحيّتيني."

عقدت حاجبيها باستغراب.

فأكمل بجديةٍ مصطنعة:

— وقعدتي تقولي: "ونبي... ونبي خليني أنام جنبك."

اتسعت عيناها بصدمة.

" إيه؟!"

هز كتفيه ببساطة.

" صعبتي عليا... فخليتك تنامي على السرير."

حدقت فيه لثوانٍ، ثم التقطت الوسادة وألقتها نحوه.

"كداااب"

التقطها بسهولة وهو يضحك بخفوت.

سمعها تتمتم وهي تعقد ذراعيها:

"كداب أوي."

ابتسم وقال:

"ربنا يسامحك يا ستي."

ثم التقط مفاتيحه من فوق الكومودينو وقال:

"يلا البسي... عشان ننزل نفطر."

نهضت من السرير وهي تتمطى بخمول، ثم تمتمت بصوتٍ منخفض، ظنت أنه لن يسمعه:

"يلا.....الواحد أصلًا ماكلش حاجة من امبارح."

توقفت يده في الهواء.

التفت إليها ببطء.

"مكلتيش حاجة من امبارح؟"

تجمدت مكانها بعدما أدركت أنه سمعها.

خفضت رأسها في إحراج.

قال بجدية:

"ردي."

تنهدت بخفة.

"أيوه."

انعقد حاجباه، لكن هذه المرة لم يكن غضبه موجهًا إليها.

"منزلتيش كلتي مع ماما ولارا ليه؟"

رفعت كتفيها ببراءة وقالت:

"محدش قالي."

أغمض عينيه للحظة، ثم مرر يده على وجهه بضيق.

كيف تكون في بيته... وتحت مسؤوليته... ولا تجد من يخبرها حتى بموعد الطعام؟

لم يعلق.

اكتفى بالصمت.

أما هي، فاتجهت إلى الحمام.

وبعد قليل...

خرجت مرتدية توبًا أحمر بسيطًا مع بنطال جينز أزرق، وتركت شعرها منسدلًا على كتفيها.

رفع عينيه إليها.

وسرح في ملامحها لثوانٍ، قبل أن ينتبه لنفسه سريعًا.

قال باقتضاب:

"يلا."

خرجا معًا من الجناح.

وقبل أن يصلا إلى غرفة الطعام، توقف فجأة.

التفتت إليه باستغراب.

مد يده، وأمسك يدها.

اتسعت عيناها بصدمة، ونظرت إلى يدهما المتشابكتين.

قال بهدوء:

"هما ميعرفوش سبب جوازنا."

رفعت نظرها إليه.

فأكمل:

" قدامهم... إحنا زوجين طبيعيين، وبنحب بعض."

ظلت تنظر إليه للحظات، ثم أومأت برأسها بصمت.

فتح باب غرفة الطعام، وما زال ممسكًا بيدها، ثم دخلا معًا.

ما إن دلفا إلى غرفة الطعام، حتى التفتت جميع الأنظار إليهما.

كان لا يزال ممسكًا بيدها.

رفعت والدته رأسها، ونظرت إلى يدهما المتشابكتين، ثم حولت بصرها إلى وجه ليليان، قبل أن تشيح بنظرها في صمت.

أما لارا، فابتسمت باتساع وهي تقول بحماس:

"صباح الخير"

ابتسمت ليليان ابتسامةً خفيفة.

" صباح النور."

سحب لها المقعد أولًا.

نظرت إليه باستغراب، ثم جلست.

بعدها جلس إلى جوارها.

بدأت الخادمات يضعن أصناف الإفطار على المائدة.

ساد الصمت لدقائق.

حتى قالت والدته ببرود:

"واضح إنك اتعودتي على البيت بسرعة."

رفعت ليليان رأسها، ولم تعرف بماذا تجيب.

لكنها فوجئت به يسبقها في الرد.

"طبيعي... ده بيتها."

التفتت والدته إليه بنظرةٍ لم تعجبها كلماته، لكنها لم تعلق.

أما ليليان...

فنظرت إليه باستغرابٍ خفيف.

لم تتوقع أن يدافع عنها.

قطع الصمت صوت لارا وهي تبتسم:

"ليليان... بتحبي إيه في الفطار"

ابتسمت بخجل.

"أي حاجة."

مد يده دون أن ينظر إليها، ثم وضع في طبقها بعض الطعام.

وقال بهدوء:

" كلي."

نظرت إليه لثوانٍ، ثم بدأت تأكل في صمت.

لاحظ أنها تأكل بسرعةٍ واضحة.

فعقد حاجبيه.

"بالراحة... محدش هياخد منك الأكل."

توقفت لحظة، ثم خفضت رأسها بإحراج.

ضحكت لارا بخفة.

"شكلها كانت جعانة فعلًا."

أجابها وهو ينظر إلى ليليان:

"أيوه... لأنها مكلتش من امبارح."

توقفت والدته عن تناول الطعام، ونظرت إلى ليليان، ثم قالت ببرود:

"ليه؟ محدش منعك من الأكل."

ردت ليليان بهدوء:

"أنا... معرفتش ميعاد الفطار."

التفتت الأم إلى إحدى الخادمات.

"محدش بلغها"

هزت الخادمة رأسها بخوف.

"آسفين يا هانم."

قالت دليلة بلهجةٍ حازمة:

 "من النهارده... أول ما الأكل يجهز، تبلغوها."

"حاضر يا هانم."

نظر إليها هو بطرف عينه، ثم أكمل تناول طعامه دون أن يعلق.

وبعد دقائق...

أنهى فطوره، ثم وقف من مكانه.

التقط مفاتيحه وهاتفه، وقال:

"أنا خارج."

وقبل أن يبتعد، التفت إلى ليليان.

"لو احتجتي أي حاجة، كلمي لارا... أو كلميني."

أومأت برأسها.

"حاضر."

ابتسمت لارا وهي تنظر إليهما، بينما راقبتهما والدته بصمت، وقد ارتسم على وجهها تعبيرٌ يصعب تفسيره.

خرج من غرفة الطعام متجهًا إلى الخارج.

ظلت تراقبه لثوانٍ، ثم نهضت بسرعة.

"استنى"

توقف، ثم التفت إليها باستغراب.

اقتربت منه بخطواتٍ مترددة، ثم قالت:

"ممكن... موبايلي؟"

عقد حاجبيه بعدم فهم.

"موبايل إيه"

أجابته وهي تشير بيدها:

— موبايلي... كان  معاك يوم كتب الكتاب"

ظل ينظر إليها لثوانٍ، قبل أن يتذكر.

ثم قال بهدوء:

"آه... افتكرت."

انتظرت رده.

لكنه قال ببرود:

"رميته."

اتسعت عيناها بصدمة.

"رميته؟!"

أومأ برأسه ببساطة.

ك آه."

حدقت فيه غير مصدقة، ثم استدارت دون أن تنطق بكلمة، واتجهت إلى الجناح.

ظل يتابعها بعينيه حتى اختفت، ثم تنهد بخفوت، واستقل سيارته.

⸻

بعد قليل...

توقفت سيارته أمام مقر الشركة.

ما إن ترجل، حتى وقف الموظفون باحترام.

"صباح الخير يا فندم."

أومأ لهم برأسه، ثم اتجه مباشرةً إلى المصعد.

دخل مكتبه، خلع سترته وعلقها على الشماعة، ثم جلس خلف مكتبه وفتح جهاز الـMacBook، وبدأ يراجع ملفات العمل.

لم تمر سوى ثوانٍ...

حتى اندفع باب المكتب بقوة.

رفع رأسه بضيق.

"في أم باب يتخبط عليه."

ابتسم سليم وهو يدخل.

"سوري... مخدتش بالي."

نظر إليه ببرود.

" إيه سوري دي يبني... انشف كده."

ضحك الآخر، ثم جلس أمامه.

"قولتلها إنك هتسافر النهارده بالليل؟"

ظل ينظر إلى شاشة الـMacBook وهو يجيب:

"لا."

عقد صديقه حاجبيه.

"أومال هتقولها إمتى...بعد ما تسافر"

قال باقتضاب:

"وأقولها ليه؟"

زفر سليم بضيق.

"عشان مراتك مثلًا."

توقفت أصابعه عن الكتابة.

رفع عينيه ببطء، وسرح للحظات في كلمة "مراتك".

شعر بإحساسٍ غريب اجتاحه، لكنه سرعان ما أخفاه.

أمسك هاتف المكتب، وضغط أحد الأزرار.

"ألو..."

جاءه صوت السكرتيرة:

— أفندم يا باشا؟

قال بهدوء:

"قولي لكريم ......"

"حاضر يا باشا."

أغلق الخط.

ابتسم سليم بخبث.

"ده عشان ليليان؟"

هز رأسه دون أن يتكلم.

فضحك الآخر.

"يا عم... واحدة رميت موبايلها، تقوم تجيبلها نص متجر إلكترونيات"

رمقه بنظرةٍ باردة.

"عندك شغل"

رفع يديه باستسلام.

"خلاص... بس شكلك بدأت تدلعها."

⸻

في القصر...

صعدت ليليان إلى الجناح وهي تتمتم بضيق.

بدلت ملابسها، وارتدت بيجامةً من الساتان عبارة عن شورت وتوب، ثم جلست أمام التلفاز تقلب القنوات بملل.

مر بعض الوقت...

ثم سُمِع طرقٌ خفيف على الباب.

نهضت وفتحته.

كانت إحدى الخادمات تقف أمامها، تحمل عدة أكياس من ماركاتٍ عالمية معروفة.

نظرت إليها باستغراب.

قالت الخادمة:

"البيه بعت لحضرتك الحاجات دي."

أخذتها منها وهي لا تزال غير مستوعبة.

"شكرًا."

أغلقت الباب، ثم وضعت الأكياس على السرير.

جلست وفتحت أول حقيبة.

اتسعت عيناها بصدمة.

"إيه ده"

كان بداخلها iPhone 17 Pro Max جديد، ومعه غطاء حماية فاخر.

فتحت الحقيبة الثانية.

وجدت أحدث إصدار من iPad.

أما الثالثة...

فكانت تحتوي على MacBook جديد.

لاحظت ظرفًا أبيض صغيرًا بين الأغراض.

فتحته ببطء.

كان بداخله كارت صغير، كُتب عليه بخطٍ أنيق:

"تعويضًا عن موبايلك... يا رب يعجبك."

ظلت تحدق في الكلمات لثوانٍ، ثم لم تستطع منع ابتسامةٍ صغيرة من الظهور على شفتيها.

لكنها سرعان ما أخفتها، وتمتمت بعناد:

"فاكر إن شوية هدايا هيصلحوا اللي عمله... مغرور."

ظلت تحدق في الكارت للحظات، ثم هزت رأسها وهي تتمتم بضيق:

"فاكر إن أي حاجة تتحل بالفلوس"

وضعت الكارت جانبًا، ثم أمسكت الهاتف الجديد.

مررت أصابعها فوقه للحظات، قبل أن تضعه مرةً أخرى فوق السرير.

⸻

في الشركة...

ظل غارقًا في عمله منذ الصباح، يتنقل بين الاجتماعات والملفات دون توقف.

حتى رن هاتف مكتبه.

رفع السماعة.

"أيوه."

جاءه صوت كريم:

"يا باشا... الحاجة وصلت للهانم."

"استلمتها؟"

"أيوه يا باشا."

"تمام."

أنهى المكالمة وأعاد السماعة إلى مكانها.

ابتسم سليم وهو يراقبه.

"ها... ارتحت؟"

نظر إليه ببرود.

"من إيه؟"

ضحك الآخر.

"إنك عوضتها."

أعاد نظره إلى شاشة الحاسوب.

"كان لازم."

⸻

في القصر...

بعد مرور ساعة...

كانت ليليان ما تزال جالسة في الجناح، تشعر بمللٍ شديد.

وقعت عيناها على الهاتف مرةً أخرى.

تنهدت، ثم فتحته.

وجدت أن شريحة الاتصال الخاصة بها قد نُقلت إلى الهاتف الجديد بالفعل.

عقدت حاجبيها باستغراب.

"حتى الشريحة..."

لم يمضِ سوى ثوانٍ حتى أضاءت الشاشة.

رسالة جديدة.

فتحتها بسرعة.

رقم غير مسجل.

"لو احتجتي أي حاجة، كلميني."

ظلت تحدق في الرسالة.

ثم كتبت بعناد:

"كنت سيبت موبايلي أحسن."

في الشركة...

اهتز هاتفه.

فتح الرسالة.

ابتسم دون أن يشعر.

ثم كتب ردًا واحدًا:

"القديم اترمى."

قرأت رسالته، ونفخت بضيق.

ثم كتبت:

"إنت مستفز."

قرأ الرسالة، وظهرت ابتسامة خفيفة على وجهه.

رفع صديقه حاجبه باستغراب.

"بتبتسم؟"

رفع رأسه إليه.

"مالك؟"

قال صديقه وهو يضحك:

"أول مرة أشوفك تبتسم بسبب رسالة."

نظر إلى الهاتف مرةً أخرى، ثم أغلق الشاشة وقال ببرود:

"ركز في شغلك."

هز سليم رأسه وهو يتمتم:

أما ليليان...

فألقت الهاتف على السرير وهي تتمتم:

"بارد... ومستفز."

لكنها، دون أن تشعر، كانت تنظر إلى الشاشة كل دقيقة، منتظرة أن يرسل رسالةً أخرى.

بعد مرور عدة ساعات...

أنهى آخر اجتماع له، ثم أغلق الحاسوب، ونظر إلى ساعة يده.

السادسة مساءً.

زفر بهدوء، ثم أمسك هاتفه.

نظر إلى آخر محادثة بينه وبين ليليان.

ظل للحظات ينظر إلى رسالتها الأخيرة:

"إنت مستفز."

ارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ خفيفة، ثم اختفت سريعًا.

نهض من مقعده، وأخذ سترته، واتجه إلى الخارج.

⸻

في القصر...

كانت ليليان ما تزال تشاهد التلفاز بملل.

رن هاتفها الجديد.

نظرت إلى الشاشة.

رقم غير مسجل.

عقدت حاجبيها، ثم ردت.

" ألو؟"

جاءها صوته الهادئ:

"جاهزة؟"

اعتدلت في جلستها.

"جاهزة لإيه؟"

"انزلي."

نظرت باستغراب.

"أنزل فين؟"

"تحت."

ثم أغلق الخط.

حدقت في الهاتف بعدم فهم.

"ده قفل في وشي؟"

نهضت وهي تتمتم بضيق، ثم ارتدت حذاءها ونزلت إلى الطابق السفلي.

ما إن خرجت من باب القصر...

حتى وجدته يقف مستندًا إلى سيارته، وقد خلع رابطة عنقه، بينما كانت أكمام قميصه مرفوعة إلى منتصف ساعديه.

توقفت أمامه.

" في إيه؟"

نظر إليها من أعلى لأسفل.

كانت ترتدي بنطال جينز أزرق مع توب أبيض بسيط، وشعرها منسدل على كتفيها.

أومأ برأسه.

" كويس."

عقدت حاجبيها.

"كويس إيه؟"

فتح باب السيارة.

"اركبي."

نظرت إليه بشك.

"رايحين فين؟"

قال وهو ينظر إليها:

"هتعرفي."

نفخت بضيق، ثم ركبت.

بعد دقائق...

توقفت السيارة أمام مطعم فاخر يطل على النيل.

نظرت إليه باستغراب.

"إحنا هنا ليه؟"

أجاب ببساطة:

"هنتعشى."

التفتت إليه بسرعة.

" أنا؟"

رفع أحد حاجبيه.

"— لا... أنا والبواب."

رمقته بنظرةٍ حادة.

"دمك تقيل."

ضحك بخفة لأول مرة.

"انزلي"

نزلا معًا.

دخل المطعم، وما إن رآه المدير حتى أسرع لاستقباله.

"مساء الخير يا باشا."

صافحه بهدوء.

"الترابيزة جاهزة؟"

"طبعًا يا فندم."

سارا خلفه حتى وصلا إلى طاولة تطل مباشرةً على النيل.

سحب لها المقعد.

نظرت إليه باستغراب، ثم جلست.

جلس أمامها.

ساد الصمت بينهما للحظات.

حتى قالت وهي تنظر حولها:

"هو إحنا جايين هنا ليه؟"

أجاب وهو يفتح قائمة الطعام:

"عشان من امبارح وإنتِ مكلتيش كويس."

رفعت عينيها إليه.

ظل ينظر في القائمة وكأنه قال جملةً عادية.

أما هي...

فاكتفت بالنظر إليه بصمت، ولم تستطع منع تلك الابتسامة الصغيرة التي ارتسمت على شفتيها، قبل أن تخفيها سريعًا حتى لا يلاحظها.

جلسا في صمت، حتى جاء النادل وسجل طلباتهما، ثم غادر.

كانت تنظر إلى النيل بشرود، بينما كان يراقبها بين الحين والآخر.

قطع الصمت قائلًا بهدوء:

"انا مسافر"

التفتت إليه.

"إمتى"

"النهارده بالليل."

اتسعت عيناها قليلًا.

"النهارده؟"

أومأ برأسه.

"هسافر كام يوم... شغل."

ظلت صامتة للحظات، ثم قالت بلامبالاة مصطنعة:

"وأنا مالي؟"

ابتسم بخفة، فقد كان يعلم أنها تحاول إخفاء شيءٍ ما.

"عشان تبقي عارفة بس."

أشاحت بوجهها وهي تتمتم:

"تسافر... متسافرش... مش فارق معايا."

وصل الطعام، وبدأ كلٌ منهما يتناول طعامه في هدوء.

وبعد دقائق...

لاحظ أنها تنظر إلى طبقه.

رفع حاجبه وقال:

"عايزة تدوقي؟"

انتبهت لنفسها سريعًا.

"لا."

ابتسم بخبث، ثم دفع طبقه قليلًا نحوها.

ك دوقي."

نظرت إليه بتردد، ثم أخذت قطعةً صغيرة.

ما إن تذوقتها، حتى اتسعت عيناها.

ابتسم ساخرًا.

"حلو؟"

أومأت برأسها دون أن تشعر.

فضحك بخفوت.

رمقته بضيق، ثم قالت:

"متضحكش."

رفع يديه باستسلام.

"حاضر."

⸻

بعد انتهاء العشاء...

خرجا من المطعم.

فتح لها باب السيارة، ثم التف إلى الجهة الأخرى واستقل مقعد السائق.

طوال الطريق...

ساد الصمت بينهما.

لكن هذه المرة...

لم يكن صمتًا ثقيلًا كما اعتادا.

⸻

توقفت السيارة أمام القصر.

ترجل أولًا، ثم فتح الباب لها.

دخلا معًا.

وقبل أن يصعد إلى الأعلى، التفت إليها.

"طيارتي بعد ساعتين."

أومأت برأسها.

" رحلة سعيدة."

نظر إليها لثوانٍ، ثم قال:

" خلي بالك من نفسك."

أجابت بهدوء:

"حاضر."

صعد إلى الجناح ليجهز حقيبته، بينما بقيت هي في الأسفل، تحدق في الدرج الذي اختفى خلفه.

كانت تقنع نفسها أنها لا تهتم...

لكن شعورًا غريبًا بالوحدة بدأ يتسلل إلى قلبها.

⸻

بعد ساعة...

كان يقف أمام سيارته، وبجواره كريم يضع الحقيبة في الصندوق الخلفي.

خرجت ليليان من باب القصر.

توقفت على بعد خطواتٍ منه.

نظر إليها.

"في حاجة؟"

هزت رأسها بالنفي.

ثم قالت بصوتٍ خافت:

"خلي بالك من نفسك."

لأول مرة...

لم يجد ردًا مناسبًا.

اكتفى بالنظر إليها لثوانٍ، ثم أومأ برأسه.

"حاضر."

استدار، واستقل السيارة.

انطلقت مبتعدة، بينما ظلت هي واقفة مكانها تتابعها بعينيها حتى اختفت تمامًا.

تنهدت، ثم دخلت إلى القصر.

أما في الجهة الأخرى...

فما إن ابتعدت السيارة عدة كيلومترات...

حتى رن هاتفه.

نظر إلى اسم المتصل، فتبدلت ملامحه في لحظة.

ضغط على زر الإجابة.

جاءه صوتٌ متوتر من الطرف الآخر:

"يا باشا... الحق الهانم اختفت."

تجمدت ملامحه، وضغط على الهاتف بقوة، بينما قال بصوتٍ خرج حادًا لأول مرة:

"إزاي اختفت؟!"

                  الفصل السادس من هنا
تعليقات



<>