رواية حب خارج القانون الفصل السادس6بقلم
يارين
بدا أن القدر ابتسم لهما... لكن بعض الابتسامات لا تدوم طويلًا. ففي لحظةٍ واحدة، تحولت السعادة إلى ذكرى، وبدأت المأساة التي غيّرت كل شيء.
حب خارج القانون ٦
الفصل السادس
ضغط على الهاتف بقوة، ونهض من مكانه في السيارة.
قال بصوتٍ حاد:
-"إزاي اختفت"
جاءه صوت كريم مرتبكًا:
"والله يا باشا... كنا فاكرينها فوق في الجناح، ولما الخدامة طلعت تناديها ملقتهاش... والقصر كله بندور فيه."
أغمض عينيه لثانية، ثم قال بحدة:
-"اقفلوا كل البوابات... ومحدش يدخل أو يخرج من القصر لحد ما أوصل."
-"حاضر يا باشا."
أنهى المكالمة.
التفت السائق إليه عبر المرآة.
-"يا باشا..."
قاطعه بلهجةٍ آمرة:
-"لف العربية... بسرعة."
استدار السائق بالسيارة فورًا، وانطلقت بأقصى سرعتها عائدةً إلى القصر.
⸻
في القصر...
كان الجميع يبحث عنها في كل مكان.
الخدم منتشرون في الحديقة، وآخرون يفتشون الغرف.
وقفت والدته في الصالة، وقد ارتسم القلق على ملامحها رغم محاولتها إخفاءه.
أما لارا...
فكانت تنادي باسمها في كل مكان.
-"ليليان"
⸻
بعد أقل من نصف ساعة...
توقفت السيارة أمام القصر بعنف.
ترجل منها بسرعة، ودخل بخطواتٍ واسعة.
ما إن رآه كريم حتى اقترب.
-"ملقينهاش يا باشا."
نظر إليه بحدة.
-"الكاميرات؟"
-"بنراجعها دلوقتي."
اتجه مباشرةً إلى غرفة المراقبة.
وقف أمام الشاشات، بينما بدأ المسؤول يعيد التسجيلات.
مرت دقائق...
حتى ظهرت ليليان على الشاشة.
كانت تخرج من بوابة القصر الرئيسية بهدوء.
نظر إليها وهي تستوقف سيارة أجرة.
ثم ركبت...
واختفت.
عقد حاجبيه.
-"وقفت تاكسي؟"
نظر إليه كريم باستغراب.
-"أيوه يا باشا."
زفر بضيق، وأخرج هاتفه من جيبه.
ضغط على اسمها.
"الهاتف مغلق."
أعاد الاتصال مرةً أخرى.
"الهاتف الذي تحاول الاتصال به مغلق."
قبض على الهاتف بقوة.
ثم قال:
-"ابعتوا حد يدور عليها في كل حتة."
وقبل أن يتحرك...
دخل أحد الحراس مسرعًا.
-"يا باشا..."
التفت إليه.
-"في إيه؟"
مد الحارس يده بمظروفٍ أبيض.
-"ده لقيناه فوق في الجناح... باسم حضرتك."
أخذه منه بسرعة.
فتحه.
كانت بداخله ورقة صغيرة.
قرأها...
فتبدلت ملامحه.
"أنا مش هقدر أكمل الجوازة دي... متدورش عليا."
ساد الصمت في الغرفة.
أما هو...
فأعاد قراءة الجملة مرةً أخرى.
ثم...
ارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ باردة.
نظر إلى كريم وقال بثقة:
-"هي فاكرة إنها هتعرف تهرب مني."
أغلق الورقة ببطء، ثم قال بنبرةٍ هادئة، لكنها حملت وعيدًا واضحًا:
-"خلال أربع وعشرين ساعة..."
تكون قدامي.
في الوقت نفسه...
كانت سيارة الأجرة تشق الطريق بسرعة، بينما جلست ليليان في المقعد الخلفي، تضم حقيبتها إلى صدرها، وعيناها معلقتان بالطريق.
أخذت نفسًا عميقًا.
ثم همست لنفسها:
-"خلاص... كل حاجة انتهت."
رن هاتف السائق.
رد سريعًا، ثم أغلقه بعد ثوانٍ.
نظرت إليه دون اهتمام.
لكنها لم تكن تعلم...
أن سيارة سوداء كانت تسير خلفهما منذ خروجهما من القصر.
⸻
في القصر...
وقف كريم أمامه.
-" لقينا التاكسي يا باشا."
رفع رأسه بسرعة.
-"فين؟"
-"من الكاميرات... عرفنا النمرة، وكلمنا شركة التتبع."
قال ببرود:
-"ابعتلي اللوكيشن."
بعد ثوانٍ...
وصله الموقع.
نظر إليه، ثم قال وهو يلتقط مفاتيح سيارته:
-"محدش يتحرك ورايا."
قال كريم باستغراب:
-"هتروح لوحدك؟"
نظر إليه نظرةً حادة.
-"لوحدي."
ثم خرج.
⸻
داخل سيارة الأجرة...
التفت السائق إليها.
-"يا آنسة... العربية اللي ورانا دي ماشية ورانا من بدري."
التفتت إلى الخلف.
وجدت سيارة سوداء فارهة.
عقدت حاجبيها.
-"يمكن نفس الطريق."
هز السائق رأسه.
-"لا... كل ما ألف، تلف ورايا."
شعرت بانقباضٍ في قلبها.
⸻
بعد دقائق...
وصلت السيارة إلى إشارة مرور.
توقفت.
وفجأة...
توقفت السيارة السوداء بجوارها.
نظرت دون اهتمام...
لكن ما إن هبط صاحبها...
حتى اتسعت عيناها.
-"ادهم"
أغلق باب سيارته بهدوء، ثم اقترب من سيارة الأجرة.
طرق على الزجاج بإصبعه.
أنزل السائق الزجاج بخوف.
قال له بهدوء:
-"الحساب كام؟"
ارتبك السائق.
-"يا... يا باشا..."
أخرج عدة أوراق نقدية، ووضعها في يده.
-"الحساب... والباقي ليك."
ثم فتح الباب الخلفي بنفسه.
نظر إليها.
كانت تنظر إليه بغضب، وتعقد ذراعيها.
قال بهدوء:
-" انزلي."
هزت رأسها بعناد.
-"لا."
تنهد بخفة.
-" ليليان... متخلنيش أكرر كلامي."
رفعت ذقنها بتحدٍ.
-"وأنا مش هرجع."
ابتسم ابتسامةً جانبية.
-"بجد؟"
أومأت.
-" أيوه."
انحنى قليلًا حتى أصبح في مستوى نظرها، ثم قال بصوتٍ منخفض:
-"يعني هتنزلي برجلك..."
-"ولا أشيلك قدام الناس؟"
نظرت حولها.
كان المارة بدأوا ينظرون إليهما.
عضت شفتها بغيظ.
ثم دفعت الباب بعنف، ونزلت.
وقفت أمامه وهي تنظر إليه بغضب.
-"مبسوط"
اقترب خطوة.
-"اركبي"
عقدت ذراعيها وقالت بعناد:
-"قولتلك مش هرجع."
نظر إليها لثوانٍ، ثم قال:
-"مش هقولها تاني اركبي"
لم ترد.
تنهد، ثم انحنى فجأة وحملها بين ذراعيه.
شهقت وهي تضربه على كتفه.
-"نزلني إنت اتجننت"
قال وهو يتجه بها نحو السيارة:
-"أنا حذرتك."
-"الناس بتبص علينا"
-"يبصوا."
فتح الباب، وأجلسها في المقعد الأمامي، ثم أغلقه واتجه إلى مقعد السائق.
ما إن تحركت السيارة، حتى استدارت إليه بغضب.
-" إنت شخص مستفز"
أجابها وهو ينظر إلى الطريق:
-"عارف"
-"وأنا مبحبش حد يجبرني على حاجة."
ابتسم بخفة.
-"وأنا مبحبش حد يهرب مني."
نفخت بضيق، ثم أدارت وجهها نحو النافذة.
ساد الصمت بينهما طوال الطريق.
⸻
بعد أكثر من ساعة...
توقفت السيارة أمام القصر.
ترجل أولًا، ثم فتح الباب لها.
لكنها ظلت جالسة مكانها.
نظر إليها باستغراب.
-"مش هتنزلي؟"
عقدت ذراعيها وقالت بطفولية:
-" لا."
رفع أحد حاجبيه.
-"وده ليه"
-"زعلانة منك."
ابتسم رغمًا عنه.
-"بجد؟"
هزت رأسها وهي تشيح بوجهها.
-"أيوه."
ظل ينظر إليها للحظات، ثم تنهد.
-"طب أنزلي."
-" لا."
اقترب منها قليلًا وقال:
-"ليليان..."
لم ترد.
أغلق الباب بهدوء، ثم دار إلى الجهة الأخرى، فتحه، وانحنى أمامها.
-"هتنزلي... ولا أشيلك تاني؟"
التفتت إليه بسرعة.
-"لا... هنزل."
ترجلت بسرعة قبل أن ينفذ تهديده.
سار أمامها بخطوات هادئة، بينما كانت تمشي خلفه وهي تتمتم بكلماتٍ غير مفهومة.
التفت إليها بطرف عينه.
-"بتقولي حاجة؟"
رفعت رأسها بسرعة.
-"لا."
ابتسم بخفة، ثم دخلا إلى القصر.
كانت والدته دليلة تجلس في الصالة، وما إن رأتهما حتى نظرت إلى ليليان، ثم قالت ببرود:
-"رجعتي؟"
أومأت ليليان برأسها في صمت.
أما هو، فقال بهدوء:
-"ليليان كانت خارجة تتمشى، وأنا رجعتها."
نظرت إليه والدته، ثم اكتفت بهزة رأس، قبل أن تعود لكتابها.
أما لارا، فنهضت بسرعة واتجهت إلى ليليان.
-"كنتي فين؟ قلقتينا عليكي."
ابتسمت ليليان ابتسامةً خفيفة.
-"كنت محتاجة أغير جو بس."
ابتسمت لارا، ثم أمسكت يدها وصعدتا إلى الأعلى، بينما ظل هو واقفًا يتابعهما بعينيه، حتى اختفتا.
تنهد بهدوء، ثم صعد هو الآخر إلى جناحه، وهو يدرك أن عنادها لن يكون سهلًا... لكنها أيضًا بدأت، دون أن تشعر، تعود دائمًا إليه مهما حاولت الابتعاد
صعدت ليليان مع لارا إلى الطابق العلوي.
ما إن دخلتا الجناح، حتى جلستا على الأريكة.
ابتسمت لارا وهي تنظر إليها.
-"قوليلي بقى... أخويا عامل معاكي إيه؟"
ضحكت ليليان بخفة.
-"مستفز."
ضحكت لارا هي الأخرى.
-"دي طبيعة فيه من زمان."
عقدت ليليان حاجبيها.
-"هو على طول كده؟"
هزت لارا رأسها.
-" لا... زمان كان مختلف."
نظرت إليها ليليان باهتمام.
لكن قبل أن تكمل، سُمِع طرقٌ على الباب.
دخلت إحدى الخادمات.
-"يا هانم... البيه عايز حضرتك."
نظرت ليليان باستغراب.
-"دلوقتي؟"
-"أيوه."
نهضت وهي تزفر بهدوء.
-"حاضر."
في جناحه...
كان يقف في شرفة الجناح، مرتديًا بنطالًا أبيض،وتشيرت اسود قطنيا،يستند بإحدى يديه على سور الشرفة، بينما الأخرى تحمل سيجارة ينفث دخانها ببطء، وملامحه جامدة لا يظهر عليها سوى غضبٍ خافت.
دوّى صوت طرقاتٍ خفيفة على الباب.
ـ "ادخل."
انفتح الباب، ودلفت إلى الداخل بخطواتٍ مترددة، ثم قالت بهدوء:
ـ "بيقولوا إنك عايزني."
لم يلتفت إليها، ولم يجب.
اقتربت منه حتى وقفت أمامه مباشرة، بينما ظل ينفث الدخان في هدوء، ليتطاير في وجهها.
رفعت عينيها إليه وقالت بضيق:
ـ "ممكن تطفيها؟"
نظر إليها بطرف عينه، ثم قال ببرود:
ـ "لا."
صمتت لثوانٍ، قبل أن تبدأ بالسعال بقوة، واحمرّ وجهها وهي تحاول التقاط أنفاسها.
التفت إليها بسرعة، واختفت برودة ملامحه للحظة.
ـ "في إيه.. مالك؟"
قالت بصعوبة وهي تلهث:
ـ "ع... عندي حساسية من الدخان."
رماها فورًا من بين أصابعه، وداس عليها بحذائه، ثم اقترب منها وربّت على ظهرها برفق.
ـ "اهدي... خلاص، طفيتها."
ظل يربت على ظهرها حتى هدأ سعالها تدريجيًا، وأخذت نفسًا عميقًا.
رفعت رأسها إليه وقالت:
ـ "كنت عايزني ليه؟"
نظر إليها بجدية، وقال بنبرة حاسمة:
ـ "اللي حصل النهارده... ميتكررش تاني."
رفع يده ووضعها على خدها برفق، لكن نظراته كانت تحمل تهديدًا واضحًا.
ـ "المرة الجاية... مش هكون هادي كده. أنا لغاية دلوقتي مورّيتكيش وشي التاني."
مرر إبهامه على وجنتها ببطء، ثم أردف:
ـ "اكسبيني... ده أحسن ليكي. عشان لو خسرتيني... بلاش أقولك هعمل إيه."
ربّت على خدها ربّتة خفيفة، ثم قال وهو ينظر في عينيها:
ـ "سمعتيني؟"
هزت رأسها بضيق.
ابتسم بسخرية وقال:
ـ "شطورة."
ثم استدار واتجه إلى غرفة الملابس.
...
بعد دقائق، فتحت باب غرفة الملابس دون انتباه.
توقفت مكانها فور أن رأته.
كان ما يزال يبدّل ملابسه، مرتديًا بنطالًا فقط.
قالت بسرعة وهي تشيح بوجهها:
ـ "سوري... افتكرتك خلصت."
رفع حاجبه وقال بهدوء:
ـ "قولتلك... إنتِ مراتي."
تجاهلت تعليقه، وأخذت بيجامتها من الخزانة، ثم خرجت متجهة إلى الحمام.
وبعد دقائق، خرج الاثنان في الوقت نفسه.
كان يرتدي بنطالًا أسود مريحًا مع تيشيرت أبيض بسيط، بينما كانت هي قد رفعت شعرها في ذيل حصان، وارتدت تانك توب أسود يصل إلى خصرها مع بنطال أسود خفيف.
خرجت إلى الغرفة، ونظرت إليه بضيق.
ـ "هنام هنا برضو؟"
لم يرد، واتجه إلى السرير.
قالت بامتعاض:
ـ "أنا مش بكلمك."
رد ببرود دون أن ينظر إليها:
ـ "عايزة إيه؟ نامي وخلاص... هو أنا شقطك يعني؟"
رمقته بنظرة مستاءة، ثم اتجهت إلى السرير وجلست على طرفه.
وقبل أن تتكلم، رن هاتفه.
نظر إلى الشاشة ثم أجاب:
ـ "نعم."
صمت لحظة، ثم قال:
ـ "إيه؟ مجتش ليه؟"
استمع للطرف الآخر قبل أن يرد:
ـ "حصلت ظروف... لما أشوفك هقولك."
ثم قال سليم شيئًا، فأجاب:
ـ "لا... الغيه خالص."
ـ "ليه؟"
ـ "مش بحب أأجل حاجة."
ـ "خلاص ماشي... انا كده كده سافرت هقولهم واقعد حبه في فرنسا وارجع ."
ـ "تمام."
أنهى المكالمة.
كانت تراقبه بصمت طوال حديثه، وسرحت في ملامحه دون أن تشعر.
رفع رأسه، ولاحظ نظراتها، فارتسمت على شفتيه ابتسامة خبيثة.
ـ "أنا عارف إني مز."
انتفضت من شرودها وقالت بتوتر:
ـ "ده... ده أنا كنت سرحانة في اللوحة اللي وراك بس."
ضحك بسخرية وهو يهز رأسه.
ـ "طبعًا... طبعًا."
في صباح اليوم التالي...
تسللت أشعة الشمس الذهبية عبر الستائر، لتنشر دفئها داخل الجناح.
استيقظ قبلها كعادته، واتجه مباشرة إلى الحمام.
بعد دقائق، خرج مرتديًا منشفة حول خصره، تتناثر قطرات الماء على شعره الأسود المصفف إلى الخلف. وقف أمام غرفة الملابس، ثم ارتدى بدلة سوداء فاخرة مفصلة بإتقان، مع قميص أبيض ناصع، وربطة عنق سوداء، وساعة فضية فاخرة زادت هيبته، قبل أن يقف أمام المرآة ويرش عطره.
انتشرت رائحة عطره في الجناح... مزيج فاخر من خشب الصندل والعنبر والمسك مع نفحاتٍ خفيفة من البرغموت، رائحة هادئة لكنها قوية، تترك أثرًا لا يُنسى.
على الجانب الآخر...
استيقظت على صوت حركته.
اعتدلت ببطء فوق السرير، وما إن رفعت رأسها حتى رأته يقف أمام المرآة يعدل أكمام بدلته ويرتدي ساعته.
التفت إليها قائلًا بهدوء:
ـ "على الساعة تلاتة هيجيلك فستان... البسيه وجهزي نفسك."
عقدت حاجبيها باستغراب.
ـ "ليه؟"
أجاب وهو يغلق سوار ساعته:
ـ "رايحين حفلة."
كررت بدهشة:
ـ "حفلة؟"
ـ "أيوه."
ثم أكمل وهو يلتقط مفاتيحه وهاتفه:
ـ "وهبعتلك كريم الساعة ستة يجيبك عند الفندق اللي فيه الحفلة. عندي اجتماع هناك، هجهز في الفندق... وانتي هتيجيلي."
تنهدت باستسلام.
ـ "طيب."
اكتفى بهزة رأس، ثم غادر الجناح.
⸻
الساعة الثالثة عصرًا...
طرقات هادئة على الباب.
فتحت لتجد إحدى الخادمات تقف وهي تحمل غطاءً أسود أنيقًا بداخله الفستان، وعدة حقائب فاخرة.
ابتسمت الخادمة وقالت:
ـ "دول بعتهم البيه."
أومأت برأسها وأخذتهم منها.
أغلقت الباب، ثم وضعت الأغراض فوق السرير.
فتحت أول حقيبة...
لتتسع عيناها بدهشة.
طقم كامل من الألماس، يتكون من عقدٍ رقيق، وحلقين، وسوار، وخاتم بتصميم فاخر.
فتحت الثانية...
مجموعة مكياج كاملة من أشهر الماركات العالمية.
أما الثالثة...
فكان بداخلها حذاء كعبٍ عالٍ باللون الفضي.
رفعته بين يديها، ثم همست بدهشة:
ـ "ده... مقاسي بالظبط."
ازدادت حيرتها.
ـ "عرف مقاسي إزاي؟"
وأخيرًا...
نزعت الغطاء عن الفستان.
وقفت تتأمله بانبهار.
كان فستانًا أبيض طويلًا يعانق قوامها بأناقة، ينسدل بانسيابية حتى الأرض، بينما زُيّن الجزء العلوي بطبقة قماش ناعمة تنساب فوق الكتفين وتمتد كأكمام واسعة مفتوحة، مانحةً التصميم لمسة ملكية راقية، تجمع بين البساطة والفخامة.
ابتسمت دون أن تشعر.
وبدأت تستعد.
مر الوقت سريعًا...
حتى اهتز هاتفها.
ادهم:
"خلصتي؟"
ابتسمت بخفة وكتبت:
"آه."
وصلها الرد بعد ثوانٍ.
"تمام... كريم مستنيكي تحت."
"ماشي."
⸻
بعد دقائق...
نزلت الي الأسفل.
كانت تسير بخطوات هادئة، بينما ينسدل الفستان بانسيابية خلفها.
ما إن رأتها لارا حتى ابتسمت بإعجاب.
ـ "وااو... إيه الحلاوة دي يبخته."
ابتسمت لها بخجل.
ـ "حبيبتي... والله."
أما دليلة فاكتفت بالنظر إليها من رأسها حتى قدميها بنظرة امتزجت بالبرود، ثم عادت إلى هاتفها وكأن شيئًا لم يكن.
لاحظت نظراتها، لكنها تجاهلتها تمامًا.
في الخارج...
كان كريم يقف بجوار السيارة.
ما إن رآها حتى فتح الباب الخلفي باحترام.
ـ "اتفضلي يا هانم."
ابتسمت له وصعدت.
ثم انطلق بها نحو الفندق.
⸻
بعد مرور بعض الوقت...
توقفت السيارة أمام فندقٍ فاخر، ازدانت واجهته بالأضواء والكاميرات.
في الخارج...
كان يقف بانتظارها.
أخبره كريم قبل دقائق أنهم على وشك الوصول، فخرج ليستقبلها بنفسه.
توقفت السيارة أمامه.
ترجل كريم سريعًا وفتح الباب.
ـ "اتفضلي."
وضعت قدمها على الأرض ونزلت بهدوء.
تجمد مكانه لثوانٍ.
كانت جميلة بصورة خطفت انتباهه دون قصد.
انسدل الفستان الأبيض حولها بانسيابية، محددًا خصرها برقة، بينما انساب الوشاح الطويل من كتفيها بحركة ناعمة مع الهواء. زين عنقها عقد الألماس، وانعكس بريقه مع الأقراط والسوار، بينما جاءت تسريحة شعرها بكعكة منخفضة أنيقة، مع خصلات ناعمة تحيط بوجهها، وحملت حقيبة فضية صغيرة أكملت بها إطلالتها.
أما هو...
فكان يرتدي بدلة سوداء فاخرة بقصة كلاسيكية متقنة أبرزت هيبة بنيته، مع قميص أبيض ناصع، وربطة عنق سوداء، ومنديل أبيض داخل جيب سترته، وساعة فاخرة زادت حضوره وقارًا.
تلاقت نظراتهما.
لحظات صامتة... لكنها لم تكن عادية.
ابتسم ابتسامة خفيفة ومد يده إليها.
نظرت إليها للحظة، ثم وضعت يدها داخل يده بابتسامة متوترة.
شدها برفق، واتجه بها نحو مدخل الفندق.
وفور ظهورهما...
انطلقت عشرات الكاميرات.
تعالت أصوات الصحفيين.
ـ "أول ظهور لزوجة رجل الأعمال الشهير بعد عقد قرانهما!"
ـ "يا فندم... بصوا هنا!"
ـ "مدام... ممكن صورة!"
تجمدت خطواتها، ونظرت حولها بتوتر من كثرة الكاميرات.
لاحظ ارتباكها فورًا.
دون أن يتكلم، لفها لتصبح أمامه، ثم وقف خلفها مباشرة، وأحاط خصرها بذراعه في حركة حماية واضحة، مانعًا أي شخص من الاقتراب أكثر.
أصبح جسدها محاطًا به، بينما واصل السير بثبات وسط وميض الكاميرات، حتى تمكنا من دخول قاعة الحفل.
كانت القاعة تعج بكبار رجال الأعمال، وأصحاب الشركات، وشخصيات المجتمع، وما إن دخلا حتى اتجهت إليهما عشرات الأنظار، وبدأت الهمسات تنتشر في المكان عن ظهورهما الأول معًا.
ما إن دخلا القاعة، حتى خفتت الأحاديث تدريجيًا، واتجهت عشرات الأنظار نحوهما.
همساتٌ بدأت تنتشر بين الحضور.
ـ "دي مراته؟"
ـ "أول مرة تظهر معاه."
ـ "جمالها ملفت جدًا."
شعرت بالتوتر من نظرات الجميع، فقبضت على يده دون وعي.
نظر إلى يدها الصغيرة المتشبثة بذراعه، ثم رفع عينيه إليها.
همس بصوتٍ خافت لا يسمعه سواها:
ـ "اهدي... محدش هيقربلك."
هزت رأسها بخفة، محاولةً إخفاء ارتباكها.
في تلك اللحظة، اقترب منه أحد رجال الأعمال مبتسمًا.
ـ "أخيرًا عرفتنا على المدام."
ابتسم ابتسامة رسمية، ثم قال:
ـ "مراتي."
التفت الرجل إليها ومد يده.
ـ "تشرفنا."
ابتسمت بأدب وصافحته.
ـ "الشرف ليا."
استمر الرجل في الحديث معه عن العمل، بينما كانت تقف بجواره بصمت.
بعد دقائق...
اقتربت امرأة أنيقة في منتصف الأربعينيات، تنظر إليها بابتسامة إعجاب.
ـ "ما شاء الله... جميلة جدًا."
ابتسمت بخجل.
ـ "شكرًا."
أكملت السيدة وهي تنظر إليه:
ـ "اختيارك موفق."
رد باقتضاب:
ـ "عارف."
نظرت إليه باستنكار وهمست:
ـ "في حد يقول على نفسه كده؟"
نظر إليها بطرف عينه وقال بهدوء:
ـ "أنا مقولتش على نفسي... قولت إن اختياري موفق."
كادت ترد، لكنها تراجعت عندما رأت ابتسامته الساخرة.
ضحكت السيدة.
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم جاء أحد المنظمين وقال باحترام:
ـ "يا فندم، الاجتماع جاهز."
أومأ برأسه.
ثم التفت إليها.
ـ "هتستحملي تقعدي لوحدك نص ساعة؟"
هزت رأسها.
ـ "آه."
نظر إلى أحد أفراد الأمن.
ـ "خليك معاها."
رد الرجل فورًا:
ـ "أوامرك يا فندم."
غادر متجهًا إلى قاعة الاجتماعات.
أما هي، فاتجهت نحو إحدى الطاولات الهادئة وجلست.
لم يمر سوى دقائق...
حتى اقتربت منها فتاة ترتدي فستانًا أحمر، وعلى وجهها ابتسامة لم تسترح لها.
وقفت أمامها وقالت وهي تتأملها:
ـ "إنتِ بقى المدام الجديدة؟"
ابتسمت بأدب.
ـ "أيوه."
نظرت إليها الفتاة من أعلى لأسفل، ثم قالت بنبرة تحمل سخرية خفيفة:
ـ "بصراحة... مكنتش متخيلة إنه يتجوز."
رفعت حاجبها.
ـ "ليه؟"
ضحكت الفتاة وقالت:
ـ "أصل... كان حواليه بنات كتير."
لم ترد، واكتفت بالنظر إليها بهدوء.
اقتربت الفتاة أكثر وهمست:
ـ "بس خلي بالك... في ناس كتير كانت نفسها تبقى مكانك."
وقبل أن تتمكن من الرد...
جاء صوتٌ رجولي بارد من خلفهما.
ـ "في حاجه"
استدارت الفتاة بسرعة، فتغيرت ملامحها فور أن رأته يقف خلفها، وقد انتهى اجتماعه في وقتٍ أقصر مما توقع الجميع.
ابتسمت بتوتر.
ـ "لا... كنا بنتعرف بس."
نظر إليها للحظات بنظرة جعلتها تخفض عينيها.
ثم قال بهدوءٍ حاد:
ـ "يبقى التعارف خلص."
ابتلعت ريقها.
ـ "أكيد... عن إذنكم."
وغادرت سريعًا.
التفت إليها.
ـ "قالتلك إيه؟"
هزت رأسها بابتسامة صغيرة.
ـ "ولا حاجة تستاهل."
نظر إليها لثوانٍ، وكأنه يعلم أنها لم تقل الحقيقة كاملة، لكنه لم يضغط عليها.
مد يده إليها مرة أخرى.
ـ "يلا..."
وضعت يدها في يده، وسارا معًا بين الحضور، بينما كانت العيون لا تزال تتابعهما أينما ذهبا.
كانا يسيران بين الحضور بخطواتٍ هادئة، وهو لا يزال يمسك يدها بثبات، بينما كانت نظرات الجميع تلاحقهما.
همست وهي تنظر حولها بتوتر:
ـ "كل الناس باصة علينا."
أجاب دون أن يلتفت إليها:
ـ "خليهم يبصوا."
نظرت إليه بطرف عينها وقالت:
ـ "إنت متعود... أنا لأ."
خفض رأسه قليلًا نحوها وقال بصوتٍ هادئ:
ـ "بعد النهارده هتتعودي."
وقبل أن ترد...
اقترب رجل خمسيني تبدو عليه الهيبة، وما إن رآه حتى ابتسم ابتسامة واسعة.
ـ "أخيرًا شوفتك."
صافحه بقوة.
ـ "إزيك يا فندم."
ثم وقعت عين الرجل عليها، فابتسم قائلًا:
ـ "ودي أكيد المدام."
أومأ برأسه.
ـ "ليليان"
ابتسم الرجل لها باحترام.
ـ "تشرفنا يا بنتي."
ـ "الشرف ليا."
أبتسم الرجل ثم غادر.
وفجأة...
توقفت الموسيقى الهادئة.
وأمسك مقدم الحفل بالميكروفون.
ـ "مساء الخير يا جماعة... قبل ما نبدأ فقرتنا الرئيسية، يشرفنا وجود رجل الأعمال الأستاذ..."
ذكر اسمه وسط تصفيقٍ حار.
أشار إليه المذيع مبتسمًا.
ـ "لو تتفضل بكلمة بسيطة."
تنهد بخفة، ثم نظر إليها.
ـ "استنيني."
أومأت برأسها.
صعد إلى المنصة بخطوات واثقة، وألقى كلمة قصيرة عن الشركة والمشروعات الجديدة، وسط إنصات الجميع.
أما هي...
فكانت تتابعه من بعيد.
لأول مرة تراه في مكانه الحقيقي.
شخصيته كانت مختلفة تمامًا.
واثق...
هادئ...
وكأن وجوده وحده يفرض احترام الجميع.
أنهى كلمته وسط تصفيقٍ كبير، ثم نزل من على المنصة.
وقبل أن يصل إليها، اعترض طريقه رجل يبدو في أوائل الثلاثينيات.
صافحه وهو يبتسم.
ـ "مبروك الجواز."
ـ "الله يبارك فيك."
ثم نظر الرجل إليها للحظة وقال بمجاملة:
ـ "مدام جميلة جدًا."
رد بهدوء:
ـ "عارف."
ضحك الرجل.
ـ "واضح إنك غيران."
ابتسم ابتسامة خفيفة، لكنها لم تصل إلى عينيه.
ـ "طبيعي."
استغرب الرجل من صراحته، فضحك مرة أخرى وانصرف.
وصل إليها، لتقول وهي تبتسم لأول مرة منذ بداية الحفل:
ـ "أول مرة تعترف إنك غيران."
رفع حاجبه.
ـ "اعترفت؟"
ـ "أيوه."
اقترب منها خطوة، حتى أصبح صوته لا يصل إلا إليها.
ـ "أنا بغير... بس مش بحب حد يشوف ده."
تسارعت دقات قلبها دون سبب واضح.
وقبل أن تجد ردًا...
دوى صوت ارتطام كأسٍ بالأرض.
التفت الجميع نحو مصدر الصوت.
كانت فتاة تقف على بُعد أمتار قليلة، تنظر إليهما بنظرات مليئة بالغضب، بينما تناثر الزجاج حول قدميها، وكأن رؤيتهما معًا أشعلت شيئًا بداخلها. ساد القاعة صمتٌ قصير، وبدأت الأنظار تتجه نحوها في انتظار ما ستفعله.
ساد الصمت في القاعة لثوانٍ.
كانت الفتاة تنظر إليهما بنظرات مشتعلة، بينما تناثر الزجاج حول قدميها.
اقترب أحد العاملين بسرعة.
ـ "حضرتك كويسة يا فندم؟"
هزت رأسها بعصبية.
ـ "آه... الكوباية وقعت مني."
لكن نظراتها لم تكن موجهة إلا له.
لاحظت هي ذلك، فعقدت حاجبيها وهمست:
ـ "هي باصة عليك."
أجاب ببرود دون أن ينظر إليها:
ـ "عارف."
رفعت رأسها إليه.
ـ "مين دي؟"
وقبل أن يجيب...
اتجهت الفتاة نحوهما بخطوات واثقة، حتى وقفت أمامهما مباشرة.
ابتسمت ابتسامة مصطنعة وقالت:
ـ "مبروك."
رد بوجهٍ خالٍ من التعابير:
ـ "الله يبارك فيكي."
نقلت نظرها إليها، ثم قالت وهي تمد يدها:
ـ "أنا ليان."
صافحتها بأدب.
ـ "تشرفت."
ابتسمت ليان ابتسامة لم تصل إلى عينيها.
ـ "بصراحة... مستغربة."
سألتها بهدوء:
ـ "من إيه؟"
نظرت ليان إليه أولًا، ثم قالت:
ـ "مستغربة إنه اتجوز بالسرعة دي."
ساد الصمت.
رد هو بنبرة باردة:
ـ "أظن ده شيء ميخصكيش."
ابتسمت ليان بتوتر.
ـ "أنا مقصدتش حاجة."
ثم وجهت حديثها إليها مرة أخرى.
ـ "هو بس... كنا صحاب من زمان."
لم تعلق، لكنها لاحظت أن ليان تحاول استفزازها.
اقترب خطوة، وأحاط خصر زوجته بذراعه أمام الجميع، ثم قال دون أن يرفع عينيه عن ليان:
ـ "اتشرفنا."
كانت جملة واضحة بمعنى واحد...
انتهى الكلام.
تغيرت ملامح ليان، لكنها ابتسمت بصعوبة.
ـ "أكيد... عن إذنكم."
ثم غادرت.
تابعتها بعينيها حتى اختفت وسط الحضور، ثم التفتت إليه.
ـ "هي بتحبك؟"
نظر إليها باستغراب بسيط.
ـ "إشمعنى؟"
ـ "واضح من نظراتها."
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:
ـ "معنديش فكرة."
رمقته بعدم اقتناع.
ـ "بلاش كدب."
رفع حاجبه.
ـ "أنا مكدبتش."
ـ "طب كانت بتبصلك كده ليه؟"
تنهد بهدوء.
ـ "دي واحدة كانت عايزة ترتبط بيا زمان... وأنا رفضت."
اتسعت عيناها قليلًا.
ـ "ولسه مستنية؟"
ـ "دي مش مشكلتي."
وقبل أن تكمل حديثها، أعلن المذيع بدء فقرة الرقص الافتتاحية.
بدأت الموسيقى الهادئة تعزف.
واتجهت الأزواج إلى ساحة الرقص.
نظرت إلى المكان ثم قالت بسرعة:
ـ "إحنا مش هنرقص... صح؟"
التفت إليها.
ـ "ليه؟"
ـ "عشان... أنا مبعرفش"
مد يده إليها بثقة.
ـ "بس أنا بعرف."
نظرت إلى يده للحظات.
ـ "هقع"
ابتسم لأول مرة منذ بداية الحفل.
ـ "وأنا واقف ليه؟"
ترددت، لكنها وضعت يدها في يده.
قادها إلى منتصف القاعة، ثم وضع يده برفق على خصرها، بينما أمسكت هي كتفه بتوتر واضح.
همست وهي تنظر إلى الأرض:
ـ "كل الناس بتبصلنا."
اقترب قليلًا وقال بصوت منخفض:
ـ "سيبيهم يبصوا... وركزي معايا."
رفعت عينيها إليه، لتلتقي نظراتهما من جديد، بينما بدأت الموسيقى الهادئة تملأ القاعة، ودارت بها أول خطوة، وسط عدسات الكاميرات التي لم تتوقف عن توثيق كل لحظة بينهما.
بدأت الموسيقى الهادئة تنساب في أنحاء القاعة، بينما كانت تتحرك معه بخطوات مترددة.
همست وهي تنظر إلى قدميها:
ـ "أنا هدوّسك."
رد بهدوء وهو ينظر إليها:
ـ "بصيلي... مش للأرض."
رفعت عينيها إليه بتردد.
ـ "كده؟"
أومأ برأسه.
ـ "أيوه... خطوة يمين."
نفذت ما قاله، لكنها تعثرت قليلًا، فاصطدمت بصدره.
أغمضت عينيها بإحراج.
ـ "أنا آسفة."
نظر إليها لثوانٍ، ثم قال بابتسامة خفيفة:
ـ "لسه موقعتينيش."
تنفست براحة.
ـ "قولتلك"
ـ "وأنا قولتلك... وأنا موجود."
استمرت الموسيقى، وبدأت خطواتها تصبح أكثر هدوءًا، حتى اختفى توترها تدريجيًا.
في المقابل...
كانت ليان تراقبهما من بعيد، وعيناها لا تفارقانه.
اقترب منها شاب يحمل كأس عصير وقال:
ـ "مالك؟"
ردت وهي تضغط على الكأس بين يديها:
ـ "مش قادرة أصدق."
ـ "إنه اتجوز؟"
هزت رأسها بغضب.
ـ "المفروض اللي واقفة مكانها أكون أنا."
...
انتهت الموسيقى وسط تصفيق الحضور.
ابتعد عنها خطوة، لكنه لم يترك يدها.
في تلك اللحظة، صعد مقدم الحفل إلى المسرح مرة أخرى.
ـ "والآن... هنعلن عن أكبر صفقة استثمارية السنة دي."
بدأت الأضواء تتجه نحو المنصة.
التفت إليها وقال:
ـ "هسيبك خمس دقايق وأرجع."
هزت رأسها.
ـ "تمام."
اتجه إلى المنصة بعد أن استدعاه أحد أعضاء مجلس الإدارة.
وقفت تتابعه من بعيد.
وفجأة...
سمعت صوتًا خلفها.
ـ "واضح إنه مهتم بيكي."
استدارت.
كان رجلًا في أواخر العشرينات، يرتدي بدلة رمادية أنيقة، وعلى وجهه ابتسامة ودودة.
قالت بتحفظ:
ـ "حضرتك؟"
مد يده باحترام.
ـ "أنا عمر... شريك في إحدى الشركات."
صافحته سريعًا.
ـ "تشرفت."
ابتسم وقال:
ـ "بصراحة... الكل كان مستني يشوف زوجة أدهم السيوفي"
ابتسمت مجاملة.
ـ "أتمنى مكونش خيبت ظنكم."
ضحك.
ـ "بالعكس."
وفي أثناء حديثهما...
كان قد أنهى كلمته على المنصة.
وبمجرد أن نزل، وقعت عيناه عليها.
ثم على الرجل الواقف أمامها.
تبدلت ملامحه في لحظة.
أغلق أزرار سترته بهدوء، واتجه نحوهما بخطوات ثابتة.
وقف بجوارها مباشرة، ووضع يده على خصرها دون أن ينظر إليها.
ثم وجّه نظره إلى عمر.
ـ "مساء الخير."
ابتسم عمر.
ـ "كنت بتعرف على المدام."
رد ببرود:
ـ "اتعرفت خلاص؟"
شعر عمر أن الرسالة وصلت، فابتسم ابتسامة خفيفة وقال:
ـ "أكيد... عن إذنكم."
وغادر المكان.
ما إن ابتعد، حتى التفتت إليه وهي تخفي ابتسامتها.
ـ "إيه؟"
نظر إليها بطرف عينه.
ـ "إيه إيه؟"
قالت وهي تكتم ضحكتها:
ـ "كنت غيران."
أجاب ببرود وهو ينظر أمامه:
ـ "لا."
رفعت حاجبها.
ـ "أمال قطعت كلامه ليه؟"
اقترب منها قليلًا وهمس بصوت منخفض:
ـ "لأنه كان باصص لمراتي أكتر من اللازم..."
ثم أكمل وهو ينظر في عينيها مباشرة:
ـ "وده... مش بسمح بيه."
كانت لا تزال ممسكة بذراعه بعد انتهاء الحفل، ثم رفعت رأسها إليه وقالت بتردد:
ـ "مش هنمشي؟"
نظر إليها للحظات، ثم قال:
ـ "عايزة تمشي؟"
حركت قدمها قليلًا، ثم قالت وهي تكتم تأوهًا خفيفًا:
ـ "آه... الهيلز وجعتلي رجلي أوي... مش قادرة أقف."
تأملها بصمت لثوانٍ.
وفجأة...
انحنى وحملها بين ذراعيه بسهولة.
شهقت وهي تتشبث بسترته تلقائيًا.
ـ "إنت بتعمل إيه...نزلني"
نظر إليها بطرف عينه وقال بهدوء:
ـ "شش..."
ازدادت ارتباكًا وهي تلاحظ أنظار الجميع.
ـ "الناس كلها بتبص علينا."
رد ببرود وكأنه لا يهتم:
ـ "مراتي وشايلها... إحنا مش بنعمل حاجة عيب يعني."
احمر وجهها من الخجل، بينما أكمل طريقه إلى خارج الفندق غير مبالٍ بعدسات الكاميرات التي عادت تلتقط الصور بكثافة.
...
ما إن خرج حتى أسرع كريم نحو السيارة ليفتح الباب الخلفي.
لكن قبل أن يفعل، قال بلهجة آمرة:
ـ "لا... أنا اللي هسوق."
أغلق كريم الباب فورًا.
ـ "خد العربية التانية... وارجع القصر."
هز كريم رأسه باحترام.
ـ "أوامرك يا باشا."
أنزلها برفق على المقعد الأمامي بجواره، ثم دار حول السيارة، واستقل مقعد السائق.
أدار المحرك وانطلق.
ساد الصمت لدقائق.
التفتت إليه وسألته:
ـ "إحنا رايحين فين؟"
أجاب وهو يركز على الطريق:
ـ "هنتعشى."
اكتفت بهزة رأس، ثم استندت إلى المقعد.
لكن فجأة...
قطعت سيارة سوداء الطريق من الجهة اليمنى.
وفي اللحظة نفسها ظهرت سيارة أخرى على يساره، وثالثة خلفه.
بدأت السيارات الثلاث تضيق عليه المسافة تدريجيًا.
اعتدلت في جلستها، ونظرت حولها بخوف.
ـ "في إيه؟"
نظر إليها بنظرة هادئة بشكلٍ مريب، ثم قال:
ـ "اهدي... مفيش حاجة."
وفي حركة سريعة، مد ذراعه أمامها ليحميها من أي ارتطام محتمل، بينما ضغط بقوة على دواسة الوقود.
انطلقت السيارة بسرعة كبيرة.
لكن السيارات الثلاث لحقت به.
وفجأة...
دوى صوت إطلاق نار.
اتسعت عيناها، وبدأت دموعها تنهمر.
ـ "في إيه...أنا خايفة"
قال بنبرة ثابتة رغم خطورة الموقف:
ـ "بصي تحت... ومتخافيش."
ثم رفع يده عن المقود للحظة، وفتح درج السيارة، وأخرج مسدسًا.
تجمدت وهي تنظر إليه بصدمة.
أمسك السلاح بثبات، وخفض نافذة السيارة قليلًا، ثم أطلق عدة طلقات باتجاه إحدى السيارات المهاجمة.
دوى صوت الرصاص في المكان.
أغلقت أذنيها بكلتا يديها، وأخذت تصرخ من شدة الرعب، بينما كانت السيارة تنحرف بين الحارات بسرعة جنونية.
وفجأة...
دوى صوت طلقة أقرب من سابقتها.
توقفت صرختها فجأة.
شعر بشيءٍ غريب.
التفت إليها بسرعة...
فتجمدت ملامحه.
كانت تنظر إليه بعينين متسعتين، ثم انحنى جسدها إلى الأمام ببطء.
بدأ اللون الأحمر ينتشر على جانب فستانها الأبيض، نقطةً بعد أخرى، حتى غطّى القماش تدريجيًا.
اتسعت عيناه بصدمة لم يعرفها من قبل.
ـ "...لا."
ألقى المسدس على المقعد، ومد يده يسندها قبل أن تسقط أكثر، وصوته خرج لأول مرة مهتزًا:
ـ "بصيلي... بصيلي!"
لم ترد.
كانت أنفاسها متقطعة، ويداها ترتجفان.
ضغط بقوة على الجرح محاولًا إيقاف النزيف، بينما أمسك المقود بيده الأخرى، وانحرف بالسيارة مبتعدًا عن المهاجمين، متجهًا بأقصى سرعة نحو أقرب مستشفى، وقد اختفت برودة ملامحه تمامًا، وحل محلها خوفٌ لم يشعر به منذ سنوات.
