حبيبتي يا صابرين، أنا من يوم اللي حصل وأنا مش عارفة أتلم على أعصابي، كل ما أتخيل الألم اللي إنتي حاسة بيه ولا الرعب اللي عيشتيه قلبي يرجف رجف.
وأمام دهشة صابرين التي عقد اللسان عن ردها، ونهلة التي ترمقهم باستغراب مكشوف، التفتت نسمة نحو جاسم الذي كان ينتظر انتهاء العرض ليطمئن على صابرين:
ـ وحمد كمان، كان لازم حد يبخره ولا يحفظه، أصل خلعة الكلب دي واعرة قوي!
أيدتها والدتها جاذبة اهتمام الجميع إليهن:
ـ أنا النهاردة هطلع حد من عيال ولدي يلف على سبع بيوت يلم بسلة، وبعدها أنا هروح بحمد على نفس المكان اللي اتخلع فيه وأبخره زين عشان الخلعة تروح منه.
بلهجته السعودية ردد جاسم بضيق:
ـ وش له لزوم البسلة اللي بتقولين عليها ولا البخور؟ والقرآن خير حافظ.
جادلته سعيدة بمنطقها بحمائية مفتعلة:
ـ ونعم بالله، طبعا هو فيه أحسن من القرآن؟ بس إحنا بنتكلم ع اللي تربينا عليه، الأماكن الفاضية بتبقى مسكونة، والشجرة دي بالذات اللي ورا البيت هنا أنا عارفاها، البخور مش هيعمل حاجة يا ولدي، بس على الأقل نبقى مطمنين.
شعر حمد بالخوف فالتفت إلى أخيه:
ـ يعني أنا ممكن يجيني شي فعلاً وأتضرر يا جاسم؟
فنظر إليه بثقة:
ـ ولا أي حاجة بتصير، طول ما إنت في معية الله.. هذا كلام خرافات وعوايد قديمة.
أنهى كلامه دون أن يلتفت نحو سعيدة التي أحرجها ببروده، غير مبالٍ بغضب عزازي الذي كان مكتوماً بحنقه، ولا بغضب نسمة أخته. باختلاف تام من نبيهة زوجته التي كانت تجاري أفعالهم وفي الوقت ذاته تتابع جاسم الذي تبدلت ملامحه لتشرق بابتسامة واسعة وهو يوجه حديثه إلى صابرين:
ـ شلونك اليوم؟ طمنيني الأول، بتاكلين زين عشان تقدرين تستردين صحتك بسرعة، ولا كالعادة تتغلين وبتتعبيننا؟
ارتسمت الصدمة على وجوه الأربعة وهم يشاهدون ذلك التحول والأريحية التي لا يعامل بها أحداً سواها، وكأنه يعرفها منذ زمن طويل، على عكس تحفظه المعتاد نحوهم. وفي المقابل، كانت أسرة صابرين تأخذ الأمر بسلامة نية. أما صابرين فقد غطاها الكسوف وهي تحاول أن تنتقي كلاماً موزوناً أمام نظراته الجريئة:
ـ لاه، باكل زين والحمد لله، تسلم يا رب ع السؤال.
ـ يا ستي، سلامتك إنتي من كل شر.
قالها جاسم والتفت نحو منتصر مازحاً وكأنه قاصد:
ـ أسألك إنت عاد، كلامها صحيح ولا تكذب ومحتاجة قرص ودن؟
