لم تستطع إكمال تعليمها بسبب خوفها الشديد من المعلمين وعدم قدرتها على استيعاب المقررات الدراسية، ولأن الأم أيضاً كانت أمية لا تملك من العلم شيئاً لتساعدها، ولا الأب الذي استغرقه الشقاء والانشغال الدائم باستصلاح الأرض الجبلية التي اشتراها بعرق جبينه والعمل المتواصل، على عكس إخوته الذين خاضوا غمار التجارة فاتسعت أرزاقهم.
كان عيبه الوحيد أنه كان مكافحاً إلى حد مفرط رغم شح الموارد المالية، فكان يعوض ذلك بجهد مضاعف ومساندة من زوجته وأبنائه، ولا سيما الأكبر منهما: منتصر وصابرين. وتلك الأخيرة، وبسبب رسوبها المتكرر، قرر والدها إخراجها من المدرسة لتتفرغ لمعاونته في فلاحة الأرض، على عكس شقيقها الذي كان متفوقاً في دراسته وواصل تعليمه حتى الجامعة.
لم يدرك والد صابرين أنه كان يهدر طفولة ابنته في شقاء الأرض الذي لا ينتهي، ولا حتى حين بلغت سن المراهقة والأنوثة وما يصاحبها من تبدل في ملامح الطفولة إلى مرحلة أخرى تماماً ينبغي أن يكون عنوانها الأساسي الدلال والرعاية. لم يكن الأب ظالماً، لكنه كان طيب القلب بالفطرة وجاهلاً بحقيقة أن الفتاة في تلك المرحلة تحتاج إلى قرينات لها لتفهم طبيعة جسدها والتغيرات المستجدة عليها، ناهيك عن نظرات المحيطين التي بدأت تلاحقها بمنظور مختلف.
كان لها صديقات، لكنها لم تكن تملك متسعاً من الوقت لتجلس معهن وتستوعب منهن شيئاً، بسبب استغراق نهارها كله في العمل مع والدها حتى تعود مع المساء جثة هامدة من شدة التعب. وفي أحد الأيام، أخبروها أن عمها صبري طلبها لابنه فرج، وهي بدورها لم تدرك معنى أن توافق أو ترفض؛ فالزواج سيتم فور الانتهاء من تجهيز شقته، وكل ما كانت تفعله هو هز رأسها بالموافقة دون أن تدرك معنى كلمة زواج من الأساس. كان عقلها لا يتجاوز مشاهد المسلسلات وقصصها، أما خبايا الحياة وأسرارها فلم تكن تعلم عنها شيئاً.
لم يكن ابن عمها سيئاً، لكنه كان صموتاً طوال الوقت، فلم يأتِ يوم ووجه إليها كلمة طيبة أو مازحها كشقيقها أو بقية أبناء العمومة الطبيعيين. ورغم ذلك، كانت نظراته تثير في نفسها الريبة ولا تريحها. مضت أيام الخطبة ببطء، وكل فترة كانت تسمع عن إنجاز جديد في شقته واقتراب موعد الزفاف، ومع ذلك ظل فرج على حاله بلا أي تغيير.
وحين اقترب موعد عرسهما ولم يتبقَ سوى شهرين، كانت والدتها تنشغل بتجهيز أغراضها وعرضها عليها بفرحة بعد عودتها من مشاق العمل الزراعي مع أبيها، فتكتفي بالهز برأسها قائلة تمام، دون أن تشعر قط بتلك الفرحة الطبيعية التي تغمر الفتيات بمثل هذه المناسبات. وفي يوم كان فيه الأب مشغولاً بري الأرض، جاءه مرسال بضرورة الحضور لامر هام في الوقوف في عزاء أحد المتوفين من العائلة ولكن مكنة الري كانت دائرة في سقي المحصول
، ولم يكن أمامه سوى أن تنتظر ابنته بجانب الآلة حتى يعود إلى البلد ويبعث أخاها ليحل محلها.
وافقت كعادتها ومضى هو لتأدية الواجب، لكنه تأخر لتعثر عثوره على منتصر الذي ضاع وسط زحام الجنازة الكبيرة. ومع اقتراب وقت المغرب، لم يجد بداً من إرسال أي شخص يصادفه، ولم يكن غير فرج ابن أخيه الذي يثق فيه، خصوصاً وأن موعد زفافه من ابنته بات على بعد شهرين. كلّمه فلم يتأخر، وتوجه ليحضرها، لكنه تأخر حتى شارف الوقت على صلاة العشاء، وحين وصل بها إلى المنزل كانت فاقدة للوعي تماماً، مدعياً أنه وجدها على تلك الحالة. وبعد محاولات مضنية أفاقت لكنها شرعت تطلق صرخات مبهمة غير مفهومة وكأن أصابها شيء ما، فتضاربت التخمينات بين قائل إن جناً قد تلبسها وآخر زعم أنها رأت شبحاً مخيفاً، وبقي الجميع حائرين أمام حقيقة ما جرى، بينما انصب الاهتمام كله على علاجها وسط حالة من الغموض التام. شيوخ تقرأ وتؤكد أن الجنية التي عليها قوية، وأطباء يشخصون حالتها بأمراض متباينة، وشاع الخبر في أرجاء القرية، لتتجرع شهوراً طويلة من العذاب بحثاً عن شفاء. كاد أبوها يموت حسرة عليها، بينما ابن أخيه الذي كان يثق به فسخ الخطبة ونجا بحياته، أما هي فظلت حبيسة نظرات المجتمع وألسنة الناس والقصص الملفقة التي نسجوها حول فترة مرضها، لتصبح حاجزاً منيعاً أمام أي شخص يفكر بالتقدم لها.
ـ ولا عرفتوا السبب؟
سأله جاسم بعد أن استمع إلى ما زاد حيرته، فجاء رد منتصر مشوباً بشيء من التردد:
ـ السبب كان فرج نفسه.. استغل الضلمة وقعدتها في الخلا، وخوفها على أساس إنه هيعمل فيها مقلب، بس طلع زي الدبة اللي قتلت صاحبها! أختي سبب خروجها من المدرسة أصلاً كان خوفها من المدرسين، وده الغشيم ما قدرش لا سنها الصغير ولا طبيعتها ولا مطرحها جوار مكنة الري في وسط الزرع في الأرض الجبلية في الضلمة، المهم إنه رعبها، وفي الآخر هو اللي خلّع وعاش حياته، أما هي فـ...
لم يكن جاسم غبياً ليغفل عن أن هناك جزءاً من الحقيقة ناقصاً، أو ربما تعمد منتصر إخفاءه، لكنه أعجب بجرأته التي مهدت له الطريق لاتخاذ قراره الأخير؛ أما بقية التفاصيل فمصيرها أن يعرفها من صاحبة الشأن بنفسها...... رغم صعوبة المهمة.
قطب منتصر جبينه بتعجب حين لاحظ ابتسامة خفيفة ارتسمت على ثغر جاسم بلا سبب واضح، مما دفعه لسؤاله بفضول:
ـ على فكرة حكايتنا مكانش فيها أي شيء كوميدي عشان تضحك أو تبتسم
رد جاسم بثقة:
ـ الابتسامة هذه تخص الكلام اللي قبل الحكاية يا منتصر.. لو تفتكر يعني، إحنا كنا قلنا إن فيه عريس يبغي يتقدم لها.
رفع منتصر حاجبه بريبة، وسأله بنبرة ذات مغزى:
ـ ويا ترى رأي العريس إيه بعد ما عرف... ولا صح بعد ما يعرف منك؟
وهنا تحولت ابتسامة جاسم إلى ضحكة عالية بدا فيها مغرماً بذكائه:
ـ أقول لك يا منتصر وش رأيه؟
...........
ـ ما كنتيش قادرة تمسكي خشمك زينا أنا وأمي؟! تقدري تقوليلي استفدتي إيه بعد ما عرفتي نسمة والبيت ولع نار؟!
شهقت نبيهة في وجه زوجها الجالس أمامها على السرير بوجه متجهم يوبخها، فخرج ردها باستخفاف:
ـ على أساس إن فيه حاجة بتستخبى يعني؟! يا خبر النهاردة بفلوس بكرة ببلاش!
ـ وهيقى ببلاش ليه من أساسه.. مادام مافيش حاجة تمت ولا هتم...
ـ وإيه اللي يمنعها؟!
قاطعته بحدة جعلته يستدرك زلته، ثم يحاول التصحيح متلعثماً:
ـ أنا قصدي إنه مش مستاهل نفتحه مادام خلص من نفسه والراجل صرف نظر!
ـ واش عرفك؟!
ما زالت تصده بأسئلة تزيد من استفزازه، فزفر بغضب:
ـ إنت مالك إنت عمالة تقاوحيني وتردي عليا الكلمة بكلمتين؟! فيه إيه يا بت؟! جاسم راجل عاقل وفاهم، مخه حود شوية لكن أنا رجعته لعقله لما رسيته على الحقيقة، وأكيد هو وزنها مع نفسه!
ـ آآه...
أومأت برأسها وكأنها استوعبت، ثم نظرت إليه بحدة صادمة:
ـ قصدك يعني قطعت طريق الحلال على بنت عمك بحجة إنك بتنصحه؟! طب ليه يا عزازي؟! مش برضك صابرين دي تبقى بنت عمك زيها زي بنت سيد ولا بنت معوض اللي جيبتهم مع اختك نسمة عشان ينقي منهم واحدة؟!
تحولت عينا عزازي إلى جمرتين متوهجتين، وكأن الدخان يخرج من أذنيه ومن فتحات أنفه دلالة على الحريق الهائل الذي يدور داخله من جراء كلامها اللاذع:
ـ خلي بالك يا نبيهة، أنا واصلة معايا لآخرها منك ومن قلة عقلك! خربيط على آخر الليل مش ناقص أنا، عشان ما أذيكيش! شغالة تقلبي الشرق في الغرب.. هو أنا بس اللي شايف كدة؟! ما كل الناس عارفة وفاهمة! بقى عايزة صابرين المجنونة تتجوز الشيخ اللي بيننا وبينه مصالح عشان تقطعها علينا مية ونور؟! دي لو عاقلة أصلاً كانت قعدت لحد دلوقت!
واجهته بشجاعة غير آبهة بغضبه:
ـ لاه يا عزازي.. إنت عارف إنها عاقلة وسيّد العاقلين! محدش طلع عليها السمعة غير ولد عمك الخسيس، وبعدها أمك يا عزازي عشان تهرب من عيون الناس اللي كانت بتلومها لما تلف تدور لك على عروسة، وبنت عمك ست البنات فايتينها وبتدور على غيرها! والأهم من ده كله.. إنها كانت بتعمل كدة عشان تقنعك إنت اللي كنت هتموت عليها، بس كنت جبان ما قدرتش تقف قدام أمك!
ـ دا إنت صح بت قليلة أدب ومش مرباية!
أتبع صيحته صفعة قوية مباغتة استقرت على وجنتها فأطلقت صرخة ألم، ثم نهض غاضباً ومغادراً الغرفة بخطوات عاصفة، بينما تتبعت هي خروجه بعينيها حتى صفق باب الغرفة بقوة خلفه، ووضعت يدها على مكان اللطمة بحرقة وغيظ:
ـ وزعلان لما قلت جبان.. جاك ضربة في إيدك!
..............
غادر الشيخ جاسم بعد أن اصطحب شقيقه في صمت، ليدخل منتصر منزله أخيرًا، وكانت في انتظاره نهلة بنت خاله التي شعرت بتغيره منذ اللحظة الأولى التي التقت عيناه عينيها، فرأت فيهما لمعة جميلة كأنها تخفي كلاماً كثيراً عجز عن بوحه حينها.
وما إن وقعت عيناه على والدته حتى تقدم منها بسرعة، ليضمها بلا سبب ظاهر ويقبل رأسها عدة قبلات، الأمر الذي أربك المرأة في البداية، لكنها سرعان ما ابتسمت ضاحكة، بينما وقفت نهلة ترمقه بدهشة بالغة معلقة:
ـ إيه يا عم فيضان المشاعر اللي طفح كدة فجأة؟! ممكن نعرف مناسبته إيه؟
ـ من غير مناسبة.. أنا بحب أمي، إنتِ إيه دخلك؟!
ابتعد من حضنها قليلاً، لكن ذراعه لم يفارقها، بل لفها على كتفيها بضمة قوية، وعاد يطبع عدة قبلات على رأسها مرة أخرى:
ـ بحبك قوي يا إحسان!
عقبت المرأة الطيبة بابتسامة حانية:
ـ يا حبيبي، حبّتك العافية وحماك من كل شر.. بس برضك إنت أكيد عندك حاجة ونفسك تقولها.
ـ أيوه بقى.. قوليلو يا عمتي!
أيدتها نهلة والفضول يكاد يقتل-ها، وهي تتابع بفطنتها ملامح منتصر السمراء الوسيمة التي باتت ترتسم عليها لمحة رضا عارمة، أزاحت عنه هماً خلف آثاره العميقة لسنوات:
ـ ما تتكلم يا منتصر.. إنت سكت ليه؟!
أردفت بها نهلة وهي على أحر من الجمر لسماع ما يخفيه، لكن رده جاء على شكل سؤال:
ـ فين صابرين؟! أنا سايبها هنا في الصالة.
أجابته نهلة سريعاً وقد ظنته يحاول التملص من حصارهما له:
ـ صابرين راحت أوضتها يا غالي.. بلاش تتهرب!
نظر إليها منتصر مشااكساً:
ـ وأنتِ تستنيتي أقولك ليه؟! روحي يا بت على بيتكم.. العشا أذن من زمان!
ضربت نهلة الأرض برجلها متوجهة نحو إحسان بدلال طفولي:
ـ يووووه! طب والله ما أنا ماشية غير لما أسمع منك.. قوليلو يا عمتي يتكلم!
أشفقت عليها إحسان لترضيها:
ـ قول يا حبيبي.. أنا كمان نفسي أسمع منك يا ولدي.
وأمام حنان والدته وإصرار مجنونة قلبه، اضطر منتصر أن ينصاع ويوافق، لكنه نبه عليهما أولاً بحزم:
ـ هتكلم.. بس إياك واحدة فيكم تطلع منها كلمة واحدة، خصوصاً لصابرين!
........
وفي صباح اليوم التالي، دخل عزازي على جاسم وشقيقه، ليتفاجأ بهما يجهزان حقائبهما ويهتمان بترتيب ملابسهما بداخلها في عجالة.
ـ وه! إنت بتجهر الشنط ليه يا شيخ جاسم؟! أوعى تقول لي رايح فندق ولا كلام فاضي، لأ والله أزعل منك!
تلقى جاسم تحذيره بابتسامة مجاملة وهادئة:
ـ لا يا طويل العمر، مو رايحين فندق ولا شي.. إحنا مسافرين السعودية.
ـ مسافرين؟!
رددها عزازي بذهول وعدم استيعاب:
ـ مسافرين إزاي يعني؟! مش إنت قلت انك مديت الإجازة لأسبوع تاني؟!
أغلق جاسم الحقيبة التي جمع فيها كافة متعلقاته وملابسه، وأجاب بنبرة ثابتة:
ـ أيوه يا عزازي، بس حصل أمر طارئ.. وعمومًا، احتمال كبير أرجع قريب جداً.
ـ إنت بتكلم جد يا جاسم؟!
ـ بجد يا عزازي.. أنا قلت لك قبل إنّي حبيت البلد وأهلها، ونفسي يكون لي جذور هني.
فهم عزازي تلميحه على طريقته الخاصة، فاسترخت ملامحه المتوترة مطمئناً، متصوراً أن كلامه يعنيه هو وأخته نسمة، فابتسم برضا:
ـ طب خلاص.. مادام كدة، يبقى سماح المرة دي! ما قلتش بقى طيارتك إمتى؟
ـ لا، إحنا موعدنا العشية إن شاء الله.. حالياً بنطلع نقضي كم مشوار أنا وحمد عشان نخلص أغراضنا، وعلى الساعة سبعة كدة نتوجه للمطار.
ـ تروحوا وترجعوا بألف سلامة إن شاء الله!
غادر عزازي الغرفة وهو يمني نفسه بأن الأمور تسير لصالح عائلته، غير مدرك لما يحاك في الخفاء وما يخطط له جاسم حقاً، إ
.....................
طرق منتصر باب غرفة شقيقته التي كانت تجلس على الأرض بعد أن ضجرت من ملازمة السرير -وهذا أكثر ما تكرهه-. كانت تقلب القنوات الفضائية بجهاز التحكم مستخدمة ذراعها السليمة، علها تعثر على فيلم أو حلقة مسلسل تسترعي انتباهها. ألقى عليها تحية الصباح قبل أن يجلس بجاورها على الأرض مداعباً إياها بابتسامة:
ـ الجميل عامل إيه النهاردة؟ أكيد اللي تاعبك الراحة مش وجع الذراع ولا الرجل!
نظرت إليه بغيظ تؤكد حديثه، وقالت:
ـ إنت بتقول فيها؟! دا أنا هموت وأعمل أي حاجة حتى لو بذراعي السليم بس.. القعدة دي بكرهها عَمى!
ضحك منتصر بأسى من عنادها:
ـ أنا قلت كدة يا خيتي، عارف وحاسس بيكي والله.
عبست ملامحها بضيق، فمال عليها هامساً بمرح:
ـ طب ما تسيبك من كل القرف دا، وخلينا نتكلم في الأهم واللي جاي عشان...
سألته باهتمام:
ـ هو إيه الأهم بالظبط؟ واللي إنت جاي عشانه؟
استمع إلى كلماتها واعتدل في جلسته مقابلاً لها ومربعاً ساقيه، ليخبرها مباشرة بابتسامة دافئة:
ـ الموضوع يا ستي إن فيه عريس...
قطب جبينها قليلاً، لكن وجهها انقلب سريعاً إلى الفتور مرددة بلهجة محبطة:
ـ عريس مين دا اللي كلمك إنت بالذات؟!
تنهد مطولاً وعيناه تتمعنان في وجهها، إذ أدرك من نبرتها أنها لا تصدقه:
ـ عريس راجل ملو هدومه اللي كلمني يا صابرين.. لا محتاج وساطة من حد، ولا تزويق من حرمة خاطبة!
صمتت وبدت نظراتها أكثر فضولاً، فتابع هو شارحاً لها:
ـ العريس مش من بلدنا، راجل ملو هدومه.. عمره ثلاثة وأربعين سنة، لم يسبق له الزواج بسبب انشغاله في العمل على تجارة والده. لديه عدد كبير ما شاء الله من الإخوة، لأن والده كان مزواجاً، والنتيجة أنه توفي وأصغرهم ما بيعديش الثلاث سنين، فاضطر صاحبنا يربيه ويعوضه عن حنان والده.. بس يا ستي...
انتابها الشرود بشكل واضح بينما ظلت التفاصيل مبهمة أمامها، فسألت:
ـ بس إيه؟! أنا ما فهمتش حاجة.. هو مين دا يعني، ولا يعرفني منين؟!
أجابها بابتسامة عريضة:
ـ قلت لك إنه راجل غريب عن بلدنا كلمني إمبارح عنك، بس أنا طبعا ما قدرت أتكلم غير لما أتاكد من صحة كلامه. سألت وتحريت عن كل كلمة قالها.. أما موضوع إنه يعرفك منين؟ فهو بالفعل يعرفك وأنتِ كمان تعرفيه!
ـ انا اعرفه! دا مين ده؟!
سألته بحيرة بالغة قبل أن يصعقها بالإجابة:
ـ الشيخ جاسم يا صابرين!
بتقول مين؟!
تأملها بابتسامة واسعة حانية، وأعاد على مسامعها ببطء وتأنٍ كأنه يطمئن روعها:
ـ بقولك.. الشيخ جاسم طلب إيدك مني عشان يتجوزك.
ـ إزاي؟!
ـ إزاي؟! هو إيه اللي إزاي يا صابرين؟! بقولك الراجل كلمني عليكي، رايدك بالحلال..
ـ طب ونسمة بنت عم حجازي؟
ـ وه
تمتم بها باستهجان ليعود ويصحح لها:
ـ يا بت هو نسمة خطبها ولا اتقدملها، دا اكيد اوهام في عقل مرة عمك وواد عمك ، الراجل خيب ظنون الكل وطلبك انتي يا خيتي، ربك عوض صبرك خير يا صابرين.
وجمت في مكانها صامتة حائرة، لا تبدو عليها علامات الفرح ولا أي رد فعل مفهوم، حتى أطرقت رأسها بشرود تام كأنها في عالم آخر، مما جعل شقيقها يظن أنها لم تركز معه من الأساس:
ـ صابرين.. أنا بقولك...
ـ سمعت.
ـ طب وأيه رأيك؟
ـ في إيه؟!
ـ وه.. هو إحنا هنعيد الكلام من تاني يا خيتي؟! ما تركزي معايا يا بت!
ـ وأنت شايفني دلوقت متوهة يعني يا منتصر؟!
عند تلك الكلمة انفجر شقيقها ضاحكاً، ليتدارك توترها وقلقها فعدل نبرته إلى الحنان:
ـ بعد الشر عليكي من التوهة.. دا أنتِ ست البنات وأحلاهن كمان!
ـ وه عاد.. هنرجع للجلع الماسخ؟! أني عيلة صغيرة يعني؟!
للمرة الثانية جعلته يقهقه بصوت مرتفع حتى ضرب كفاً بالكف الآخر:
ـ يا بت أعمل إيه معاكي؟! ما إنتِ اللي مقفلة راسك! دي مش قصة، أنا قلت لك على طلب الراجل وشرحت لك كل حاجة حسب ما خبرني.. إيه قولك بقى؟
ظلت عيناها مسمرتين على الأرض، وقلبها يخفق بنبضات متسارعة تكاد تخرق ضلوعها.
أهذا الذي تسمعه حقيقة، أم أن الرجل قد تقدم لها حقاً؟ ولماذا تشعر بدوار وخفقان متسارع في قلبها؟ من هذا الغريب الذي اقتحم حياتها فجأة ليقلب موازينها رأسًا على عقب؟ أيمكن أن يكون العريس الذي كان من المفترض أن يتقدم لنسمة أو لأخرى من بنات عمها المتعلمات تعليماً عالياً، اللواتي يرتدين أجمل الثياب؟ أمعقول أن يتركهن ويفضلها هي التي ما رآها مرة متزينة مثلهن، أو حتى مرتدية عباءة ذات قيمة؟ إن هذا الرجل لمجنون حقاً!
ـ صابرين!
ـ أيوة يا خوي؟
ظهر في صوتها نوع من التذمر أثار استغراب منتصر:
ـ يا حبيبتي، أنا بكلمك على الراجل اللي رايدك، ما في أي رد فعل خالص!
علقت بما يشبه اللامبالاة:
ـ يعني أقول إيه؟
ـ وه!.. يا حبيبتي، من الطبيعي أنك تفرحي، ولو مترددة تقولي عاوزه افكر، أو لا قدر الله مش عاجبك تقولي لأ!
ـ خلاص.. يبقى لأ!
ـ وووه!
صاح بها هذه المرة بعدم استيعاب:
ـ هو إيه اللي لأ؟! صابرين، إنتِ التوتر مسيطر عليكي لدرجة أنك تاخدي قرار مصيري زي ده من غير تفكير؟!
ردت بسجيتها التي دمرها انعدام الثقة بالنفس، وبنبرة تكاد تقترب من الانهيار:
ـ لأ، فكرت وأنا قاعدة جنبك أها.. كيف واحدة جاهلة زيي ياخدها واحد زيه؟! أجي إيه أنا جنب بنات عمي اللي ما قبلش بيهم؟! ولا أنا أفهم إيه أصلاً عشان أتكلم معاه ولا أروح معاه بلده البعيدة دي؟! يا بوي.. أنا قاعدة في بيت أبوي أحسن لي!
رافق كلماتها الأخيرة دموع انهمرت بغزارة من عينيها، حتى قطعت قلب أخيها الذي مسح بأنامله دموعها، ثم حاوط كفيه الاثنين على وجهها ليجبرها على رفع عينيها إليه مؤكداً بحنان:
ـ إنتِ أحلى من كل بنات عمك، ولو هو ما شافش كده ما كان فضلك عليهم! وإن كان على اللبس ولا الزواق، فجاسم مش مراهق عشان يأثر فيه الكلام ده؛ دا راجل ماسك تجارة أبوه في القماش غير المزارع، يعني شاف وورد عليه كتير، وأكيد لقى عندك اللي ما لقاه عند أي واحدة غيرك! وإن كان على التعليم، فأقسم بالله أن في ناس معاها كليات وما تعرف لا تفكر ولا تفهم حتى نص اللي تفهميه! خلي عندك ثقة في نفسك يا بت، والله لو ما كان عارف إنك جوهرة ما كان أتقدملك من أساسه! ثم ايه كمان السعوديه مش بعيدة، السعودية لزق في بلدنا
رغرغت الدموع في عينيها إثر كلماته، فضم رأسها بسرعة إلى صدره يطبطب عليها بحنو بالغ.
............
بعد لحظات، خرج منتصر من غرفة شقيقته ليفاجئه حضور جاسم الذي كان يندمج في الحديث مع والدته بمودة صادقة؛ إذ تخلت الست الطيبة عن كل تحفظاتها التي تعامل بها سائر الناس إلا أقاربها وأحباءها، وكأنها وضعته في مصافهم.
ـ بكرة تنورينا يا حجة، وتشوفي جمال الديار.
ـ ياه يا بني! دا أنا نفسي أزورها، وأحج بيت الله الحرام ولا حتى أعمل عمرة.
ـ مع إني ساكن في الرياض، بس أوعدك إنك بتزورينها يا حجة إحسان!
خرجت منه ضحكة جميلة شاركته إياها إحسان بسعادة بالغة، وكأن كل أمانيها قد تحققت بزواج ابنتها.
صمتوا فجأة مع ظهور منتصر الذي حاول رسم ابتسامة على وجهه ليرحب بجاسم:
ـ يا أهلاً بالشيخ جاسم، منورنا إنت والشيخ حمد.. إزيك يا عسل؟
صافح الأخير ليرد عليه بابتسامة:
ـ بخير والحمد لله يا عمو منتصر.
تهرب من نظرات جاسم الثاقبة بالتفاتة سريعة نحو والدته:
ـ إنتِ لسه ما عملتيش حاجة يا أمه تضيافي بيها الضيوف...
انتفضت المرأة بعفويتها الجميلة:
ـ يوه عليا! حالاً يا بني، حالاً.
ـ بس إحنا مو ضيوف يا منتصر، واجلس شاركنا الجلسة.
قالها جاسم بلطف يجبره به على الجلوس بجانبه، ملاحظاً العرق الذي غطى وجهه بتوتر ملحوظ زاد مع حديث جاسم التالي:
ـ بعتذر، جيتك بدون ميعاد، بس إحنا مسافرين اليوم بعد المغرب، وكنت ناوي أسمع أي خبر يطمني قبل ما أروح.
ابتلع منتصر ريقه بتوتر، وبعد لحظات تفكير سريعة رد بصدق:
ـ آآه.. ممكن تستنى تاخد وقت تفكر فيه؟
رد جاسم بتفهم أذهله:
ـ أكيد هذا حقها، بس اسمح لي أجلس معها جلسة تعارف بسيطة قبل ما أسافر.
كان طلبه منطقياً للغاية، فضلاً عن الثقة التي يبعثها حضوره بأقل مجهود، ولذلك لم يطيل منتصر التفكير ووافق، رغم علمه المسبق بخجل أخته ورفضها المؤكد، إلا أنه استطاع إقناعها بالحيلة، وتمت الجلسة في ردهة المنزل ليكونان بمفردهما.
............
لم تكن تتصور أن شقيقها حين سحبها من غرفتها وأخرجها إلى الصالة كان يدبر لها مقلباً؛ فقد أقنعها بالخروج للجلوس معهم بدلاً من اختناق الغرفة، لتتفاجأ بالشيخ الذي طلب يدها جالساً في الردهة وكأنما كان ينتظرها. وكانت المفاجأة الكبرى أن شقيقها ما إن أجلسها حتى انسحب بخفة تاركاً إياهما بمفردهما. ها هي الآن تجلس أمامه وجهاً لوجه، وتمنت لو أن ساقها كانت سليمة لكانت هربت من أمامه.
لم يكن توترها وارتباكها خافيين على جاسم، الذي أدرك طبيعة شخصيتها الرقيقة لدرجة الهشاشة، وهي الصفة التي كانت سبباً في كل ما تعرضت له، وما زال يجهل جزءاً منه لكنه حتماً سيعرفه لاحقاً.
ـ عاملة إيه النهاردة يا صابرين؟ شايف وشك ما شاء الله استرد جزءاً من لونه الطبيعي.
ـ لونه؟!
رفعت رأسها حين استوقفتها جملته الأخيرة لترد بخجل:
ـ الحمد لله على كل حال.. تشكر على السؤال.
لولا أنه كان متأكداً من حاسة سمعه الممتازة، لظن أنها تحدث نفسها في الأخيرة حين شكرته بحياء وارتباك جعلاه يبتسم غصباً عنه وهو يرى عينيها تزيغان بعيداً عنه في انتظار ظهور أحد أفراد عائلتها.
حاول أن يلم شتات نفسه ويرحمها من هذا التوتر بأن يخاطبها بجدية:
ـ صابرين، لا تؤاخذيني، بس أنا اللي طلبت من أخوكِ إني أتكلم معاكِ لوحدنا.. رغم إنها خطوة جريئة مني، بس كنت أبغى أقرب الصورة قدامك عشان ما تتخضّين من موضوع إني غريب عنك، وبرضه لو عندك أي استفسار لا تستحين تطلبيه مني وأنا بجاوبك.
رفعت نظرها إليه سريعاً، لكن ما إن التقت عيناها ببحر سواد مقلتيه حتى خفضتهما هاربة منه، مما جعله يبتسم مرة أخرى ويستطرد:
ـ طيب، بما إنك ما تكلمتيش، بكمل أنا.. أكيد أخوكِ شرح لك عن حالتي الاجتماعية، بس أكيد ما قالك إني من أول مرة شفتك فيها وقلبي تعلق بجنية النهر اللي ظهرت قدامي.
ـ (ببراءة رفعت نظرها إليه سريعاً):
ـ جنية مين؟!
مع ظهور ابتسامته، أدركت مقصده فرجعت تهرب منه سريعاً بخجل طبع وجنتيها القمحيتين بلمحة جميلة من الاحمرار، جعلتها في غاية الرقة والجاذبية في عينيه اللتين كانتا تسجلان كل تفصيلة وكل خلجة، ومع ذلك رد عليها بطول بال:
ـ الجنية هي إنتِ يا صابرين.. خطفتي قلبي من أول وهلة، وكنت كل ما أشوفك بعدها، حاجة جوايا تقول لي: هي دي يا جاسم، اللي عشت عمرك كله تحلم بها، هي دي زوجتك وأم عيالك.
كان حديثه غريباً على أذنيها لدرجة أنها نسيت خجلها ورفعت عينيها تواجهه:
ـ إزاي يعني؟! إيه الميزة اللي شفتها فيا عشان يجيلك الإحساس ده؟ لا مؤاخذة يعني لو ما حدش قالك.. أنا ما خدتش ولا شهادة، آخري بس أفك الخط وأقرا الكلام على الورقة بصعوبة، إنما لا حلوة زي بنات اليومين دول، ولا حتى بعرف الف التحجيبة، حتى الحاجات اللي بيحطوها ما أعرفش فيها غير القلم الأحمر! دا غير إني كبيرة وعديت سن الجواز!
قالت الأخيرة بغصة وعيناها تنزلان مجدداً عنه، فرد جاسم يفند كل نقطة بهدوء:
ـ أولاً، اللي جذبني ليكي ما له دعوة بالجمال ولا الشكل، مع إنك ما شاء الله تبارك الله، يعني هذا من نعم ربنا عليكي.. ثاني حاجة، تقولين إنك تعرفين تفكين الخط؟ يا ستي هذا أسهل ما عندي، أستطيع أُمشيكِ خطوة بخطوة بعد الزواج إن شاء الله لو تبين، وإذا ما تبين يكفيني برضه إنك تعرفين تمضين.. ثالث حاجة، ومقارنتك بينك وبين بنات العصر ولفاتهم ولبسهم ولا زينتهم.. من قال أصلاً إني أدور على مظهر يمشي جنبي في الشارع؟! يكفيني طبيعتك يا بنت الحلال، كفاية أتصبح على الوش الـ...
توقف ليحجم نفسه قبل أن يمعن في الغزل، فتابع برزانة:
ـ قصدي إن طبيعتك جميلة وهذا يكفي.. أما عن العمر يا بنت الناس، إنتِ أخوكِ ما خبرك عن عمري اللي مقارب لثلاثة وأربعين؟ يعني أكبر منك بسنوات، وحتى لو كنتِ أكبر مني برضه أنا قابل وراضي وأتمنى القبول.. ولو على موضوع الاغتراب عن أهلك، أبغي أطمنك إن ما راح أغادر بيكي إلا وأنتِ مطمنة مية في المية.
كانت تشعر وكأن الأرض تدور بها، غير مصدقة تلك البساطة التي يتحدث بها، وكيف يطير مخاوفها بكل هذه السهولة. كيف لها أن تستوعب أو ترد وهي ترى نفسها كمن تحلم حلماً جميلاً؟
وكأنه قرأ أفكارها، أردف قائلاً:
ـ صابرين، أنا ما طلبت رأيك حالاً.. أنا أبغى تفكرين براحتك والمدة مفتوحة، إن شاء الله لو بعد سنة، أنا في انتظارك. مسافة بس ما ترسلون لي برجع حالاً من بلدي اللي مسافر لها اليوم.
ظلت صامتة، لكن ملامحها ارتخت بشكل ملحوظ، وهو ما أدخل الارتياح إلى قلبه فنهض فجأة:
ـ بقوم عشان ألحق الطيارة مع حمد.. يا منتصر!
ندى بصوت عالٍ من أجل شقيقها الذي كان في الغرفة، وقبل أن يغادر التفت إليها قائلاً:
ـ يا ريت ما تأخري عليّ في الرد، ويا ريت برضه تقبلي لما أتصل عليكِ تردين!
فتحت فمها وكادت تسأله كيف، فسبقها بابتسامة ماكرة:
ـ أنا أخذت الإذن من منتصر وأعطاني رقمك!
