رواية حب خارج القانون الفصل السابع7بقلم
يارين
"بعد أن سرق القدر كل ما تبقى من الطمأنينة، لم يعد هناك مكان للرحمة. انتهى زمن المشاعر... وبدأت حربٌ لن تنتهي إلا بسقوط أحد الطرفين."
حب خارج القانون ٧
الفصل السابع
ضغط بكل قوته على الجرح، بينما كانت الدماء تتسلل بين أصابعه.
قال بصوتٍ مرتجف لأول مرة:
ـ "لا... لا... متغمضيش عينك."
كانت تتنفس بصعوبة، وشفتيها ترتجفان.
همست بصوتٍ ضعيف:
ـ "أنا... خايفة..."
نظر إليها سريعًا، ثم أعاد تركيزه على الطريق، وضغط بقوة على دواسة الوقود.
ـ "مفيش حاجة هتحصلك... سامعة؟"
لم تجبه.
بدأت عيناها تثقلان.
صرخ فيها بحدة:
ـ "بصيلي!"
فتحت عينيها بصعوبة.
ـ "متناميش... كلميني."
قالت بأنفاسٍ متقطعة:
ـ "رجلي... مش حاسه بيها..."
ازدادت ضربات قلبه.
ـ "بصيلي وبس."
مد يده ليمسح الدم عن وجهها، لكن يده كانت ترتجف بشكلٍ واضح.
أخرج هاتفه بسرعة وضغط على أحد الأرقام.
ما إن جاءه الرد حتى صاح:
ـ "جهزوا أوضة عمليات حالًا."
ساد صمتٌ لثوانٍ.
ثم أكمل بلهجةٍ حادة:
ـ "أنا خمس دقايق وأكون عندكم... ولو أي حاجة كانت ناقصة هناك... محدش هيقعد في شغله."
أغلق الهاتف بعنف.
وبعد دقائق...
دخل بسيارته إلى ساحة مستشفى خاصة بسرعة جعلت صوت احتكاك الإطارات يملأ المكان.
لم ينتظر أحدًا.
فتح الباب بسرعة، ثم حملها بين ذراعيه.
كان فستانها الأبيض قد تحول إلى الأحمر من كثرة الدماء.
ركض بها إلى الداخل وهو يصرخ:
ـ "دكتور."
التفت الجميع إليه.
أسرع الأطباء والممرضون نحوه حاملين سريرًا متحركًا.
قال الطبيب بسرعة:
ـ "حطها هنا."
رفض.
ظل ممسكًا بها.
ـ "أنقذوها."
قالها بصوتٍ خرج مكسورًا.
نظر الطبيب إلى الدماء وقال بجدية:
ـ "لازم تسيبها حالًا."
تردد لثانية.
ثم وضعها على السرير.
بدأ الممرضون يندفعون بها نحو غرفة العمليات.
وقبل أن تدخل...
أمسكت أصابعه بصعوبة.
نظر إليها بسرعة.
فتحت عينيها بالكاد وهمست:
ـ "...متسبنيش."
أطبق على يدها بقوة وقال دون تردد:
ـ "مش هسيبك."
ابتسمت ابتسامة باهتة، ثم ارتخت يدها وسقطت بجانب السرير.
توقفت خطواته مكانه.
اختفى لون وجهه تمامًا.
صرخ الطبيب:
ـ "يلا بسرعة."
واختفى السرير خلف باب غرفة العمليات.
أُغلق الباب.
وبقي هو واقفًا أمامه، ويداه ملطختان بدمائها، يحدق في الباب الزجاجي دون أن يرمش.
بعد ثوانٍ...
وصل كريم يركض إلى الداخل، وما إن رأى الدماء على ملابسه حتى تجمد مكانه.
ـ "باشا... إيه اللي حصل؟!"
لم يجبه.
ظل ينظر إلى باب غرفة العمليات.
ثم قال بصوتٍ بارد... لكنه كان يخفي خلفه غضبًا مرعبًا:
ـ "هاتلي أسماء الناس اللي كانوا في العربيات... واحد واحد."
ابتلع كريم ريقه.
ـ "أوامرك."
التفت إليه ببطء، وكانت عيناه مليئتين بوعيدٍ لم يره كريم من قبل.
ـ "اللي عمل كده... مش عايزه يتقبض عليه."
سكت لحظة، ثم أكمل بنبرة جعلت من حوله يقشعرون:
ـ "أنا اللي هحاسبه بنفسي."
وقف أمام باب غرفة العمليات كأنه تمثال.
يداه لا تزالان مغطاتين بدمائها.
نظر إليهما للحظات... ثم أغلقهما بقوة حتى برزت عروق يديه.
اقترب كريم منه بحذر.
ـ "باشا..."
لم يلتفت إليه.
ـ "اتنفذ اللي قولتلك عليه؟"
ـ "الرجالة نزلت تدور عليهم... والكاميرات بتتراجع دلوقتي."
هز رأسه بهدوء.
تردد كريم قليلًا قبل أن يقول:
ـ "تحب أبلغ... والد الهانم؟"
أغلق عينيه لثوانٍ.
ـ "لأ."
ثم أكمل بصوت منخفض:
ـ "لحد ما أعرف حالتها."
مر الوقت...
عشر دقائق...
ثم عشرون...
ثم ساعة كاملة.
كان طوالها واقفًا في مكانه.
لم يجلس.
ولم يشرب حتى كوب ماء.
كلما خرج ممرض من غرفة العمليات، تتجه عيناه إليه فورًا، لكن أحدًا لم يخبره بشيء.
بعد ساعة ونصف...
انفتح الباب.
خرج الطبيب وهو يخلع قفازيه.
اتجه إليه بسرعة.
ـ "هي عاملة إيه؟"
تنهد الطبيب.
ـ "الرصاصة دخلت من الجانب، لكنها الحمد لله موصلتش للقلب ولا لأي عضو حيوي."
أغمض عينيه براحة للمرة الأولى.
لكن الطبيب أكمل:
ـ "هي فقدت دم كتير جدًا... واضطرينا ننقلها أكتر من كيس دم."
عاد القلق إلى ملامحه.
ـ "هي كويسة؟"
ـ "الخطر الأكبر عدى... لكن الأربع وعشرين ساعة الجاية مهمين جدً."
هز رأسه ببطء.
ـ "أقدر أشوفها؟"
ـ "لسه لا... أول ما تخرج الرعاية هبلغك."
...
بعد قليل...
جلس لأول مرة منذ وصوله.
أسند مرفقيه على ركبتيه، وخفض رأسه.
دخل كريم مرة أخرى.
ـ "باشا."
رفع رأسه.
ـ "اتكلم."
ـ "عرفنا العربية اللي ضربت النار."
نظر إليه بصمت.
ـ "كانت متسجلة باسم شركة وهمية."
ـ "والناس؟"
ـ "سابوا العربيات وهربوا."
ساد الصمت.
ثم قال بهدوء مخيف:
ـ "يبقى حد مرتب كل حاجة."
ـ "أيوه."
وقف من مكانه.
ـ "هاتلي التسجيلات."
ناولَه كريم جهازًا لوحيًا.
بدأ يشاهد الكاميرات إطارًا تلو الآخر.
وفجأة...
أوقف الفيديو.
قرب الصورة.
ظهر رجل يقف بعيدًا قبل دقائق من خروجهما من الفندق، يتحدث في الهاتف، ثم يشير بسيارة كانت متوقفة بالخارج.
ضيق عينيه.
ـ "كبر الصورة."
نفذ كريم طلبه.
ظهرت ملامح الرجل ولكن ليست بوضوح.
قال كريم:
ـ "صوره مش واضحة"
قاطعه ببرود:
ـ "هجيبه برضو"
ثم أغلق الجهاز.
سأله كريم باستغراب:
ـ "هنعمل إيه؟"
رفع رأسه، وكانت ملامحه قد عادت باردة كما كانت... لكن عينيه كانتا تحملان غضبًا لا يوصف.
ـ "الليلة دي..."
سكت لحظة، ثم أكمل:
ـ "محدش فيهم هينام مرتاح."
وفي اللحظة نفسها، خرجت الممرضة من غرفة العناية.
ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت:
ـ "يا فندم..."
استدار إليها بسرعة.
ـ "اتفضلي."
ـ "المدام بدأت تستعيد وعيها... وتقدر تدخل تشوفها، لكن لدقائق بس."
لم ينتظر أن تكمل كلامها.
اتجه بخطوات سريعة نحو غرفتها، ثم فتح الباب بهدوء.
كانت مستلقية على السرير، شاحبة الوجه، والأجهزة الطبية تحيط بها.
فتحت عينيها بصعوبة عندما شعرت بوجوده.
وما إن رأته...
همست بصوتٍ ضعيف للغاية:
ـ "...إنت كويس؟"
تجمد مكانه.
رغم أنها هي المصابة... كان أول سؤال خرج منها هو إن كان بخير. لأول مرة، لم يجد كلمات يرد بها.
تجمد مكانه.
لم يتوقع أن يكون أول سؤال تهمس به...
هو عنه.
اقترب من السرير ببطء، ثم جلس على المقعد المجاور لها.
أمسك يدها برفق، لأول مرة دون أي تردد.
وقال بصوتٍ خافت:
ـ "أنا كويس."
نظرت إلى يده التي تمسك يدها، ثم رفعت عينيها إليه.
همست بتعب:
ـ "إنت... اتصبت؟"
هز رأسه بالنفي.
ـ "لا."
تنفست براحة، ثم أغمضت عينيها لثوانٍ.
فتح الطبيب الباب ودخل بهدوء.
ـ "لو سمحت يا فندم... خمس دقايق بس، هي محتاجة ترتاح."
أومأ برأسه.
وقبل أن يخرج، سمعها تناديه بصوتٍ ضعيف.
ـ "...استنى."
استدار إليها.
ابتلعت ريقها بصعوبة وقالت:
ـ "متسبنيش لوحدي."
نظر إليها طويلًا...
ثم عاد وجلس بجوارها مرة أخرى.
نظر للطبيب وقال بهدوء:
ـ "هفضل هنا."
رد الطبيب باحترام:
ـ "بس يا فندم..."
قاطعه دون أن يرفع عينيه عنها:
ـ "هفضل."
نظر الطبيب إلى حالتها، ثم تنهد.
ـ "تمام... لكن لو تعبت هنخرج حضرتك."
هز رأسه دون تعليق.
خرج الطبيب وأغلق الباب.
ساد الصمت داخل الغرفة.
كانت ما تزال تمسك طرف كمه بضعف، وكأنها تخشى أن يختفي.
لاحظ ذلك.
مد يده بهدوء، ثم فك أصابعها عن كمه، وأدخل يدها داخل يده هو.
وقال لأول مرة بنبرة دافئة:
ـ "أنا هنا."
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
ثم غلبها النعاس.
وظلت يدها داخل يده.
...
مر أكثر من ساعة.
دخلت الممرضة لتغير المحلول.
وما إن رأته جالسًا في مكانه، لم يتحرك ولو سنتيمترًا، حتى قالت بابتسامة:
ـ "واضح إن حضرتك مخرجتش من ساعة ما دخلت."
رد باقتضاب:
ـ "لا."
ابتسمت وهي تنظر إلى يده الممسكة بيدها.
ـ "شكلها مطمنة وهي نايمة."
لم يرد.
أنهت الممرضة عملها وغادرت.
بعد دقائق...
رن هاتفه.
نظر إلى الشاشة.
كريم.
رد بصوتٍ منخفض حتى لا يوقظها.
ـ "نعم."
جاءه صوت كريم الجاد:
ـ "باشا... عرفنا مين اللي كان مستهدف."
تغيرت ملامحه.
ـ "مين؟"
ـ "حضرتك."
ساد الصمت.
ثم أكمل كريم:
ـ "الرصاصة مكانتش موجهة للهانم... هي اتحركت في آخر لحظة... وأخدتها مكان حضرتك."
نظر إليها ببطء.
كانت نائمة بسلام، وأنفاسها منتظمة.
قبض على الهاتف بقوة حتى ابيضت مفاصل أصابعه.
قال كريم:
ـ "باشا؟"
أغلق عينيه لثوانٍ، ثم قال بصوتٍ بارد يخفي خلفه غضبًا هائلًا:
ـ "اعرف مين الي عمل كده..."
فتح عينيه وهو ينظر إليها.
ـ "أي حد يقرب منها... هيعتبر لمسني أنا."
ـ "أوامرك."
أنهى المكالمة.
أعاد الهاتف إلى جيبه.
ثم مد يده الأخرى ببطء، وأزاح خصلة شعر سقطت على جبينها.
ظل يتأمل وجهها للحظات.
وهمس بصوتٍ لم يكن ليسمعه أحد غيرها لو كانت مستيقظة:
ـ "الرصاصة دي... كانت المفروض فيا."
خفض رأسه قليلًا، ثم أكمل:
ـ "أوعدك ... اللي خلاكي توصلي للحالة دي، هيدفع تمن كل نقطة دم نزلت منك."
مرت ساعات الليل ببطء.
لم يغادر الغرفة لحظة واحدة.
كان يجلس بجوارها، ساكنًا تمامًا، بينما لا يفارق نظره شاشة جهاز مراقبة نبضات قلبها.
مع أول خيوط الصباح...
بدأت تحرك أصابعها ببطء.
فتح عينيه فور إحساسه بالحركة.
نظرت إليه بتعب، ثم همست:
ـ "إنت... منمتش؟"
أجاب بهدوء:
ـ "لأ."
عقدت حاجبيها.
ـ "ليه؟"
نظر إليها لثوانٍ، ثم قال:
ـ "مكنش ينفع أسيبك."
ابتسمت ابتسامة باهتة.
ـ "أنا كويسة."
رد بجدية:
ـ "الدكتور هو اللي يحدد."
في تلك اللحظة، دخل الطبيب ومعه ممرضة.
ابتسم الطبيب عندما وجدها مستيقظة.
ـ "الحمد لله... عاملة إيه دلوقتي؟"
قالت بصوت ضعيف:
ـ "أحسن."
بدأ الطبيب يفحص الجرح والأجهزة، ثم ابتسم باطمئنان.
ـ "العملية نجحت، لكن لازم راحة تامة. الحركة ممنوعة يومين على الأقل."
هزت رأسها.
ثم نظر الطبيب إليه.
ـ "حضرتك كمان محتاج ترتاح."
رد باقتضاب:
ـ "أنا كويس."
ابتسم الطبيب بخفة.
ـ "واضح إنك عنيد."
غادر الطبيب بعد أن أوصى الممرضة بإحضار الإفطار.
...
بعد دقائق...
وضعت الممرضة الصينية فوق الطاولة الصغيرة.
كانت تحاول أن تعتدل لتتناول الطعام.
ما إن تحركت حتى شهقت بألم.
أسرع إليها.
ـ "استني."
رفع السرير قليلًا حتى أصبحت في وضع مريح.
ثم أمسك طبق الشوربة.
نظرت إليه باستغراب.
ـ "إنت بتعمل إيه؟"
قال وهو يأخذ ملعقة صغيرة:
ـ "هساعدك."
اتسعت عيناها.
ـ "لا... أعرف آكل."
نظر إليها بهدوء.
ـ "الدكتور قال متتحركيش."
قالت بإحراج:
ـ "بس..."
قاطعها وهو يقرب الملعقة منها.
ـ "افتحي بوقك."
احمر وجهها.
ـ "أنا مش طفلة."
رفع حاجبه.
ـ "وأنا قولت إنك طفلة؟"
ثم أضاف بنفس البرود المعتاد:
ـ "كلي."
تنهدت باستسلام، وأخذت أول ملعقة.
ظل يطعمها بصمت.
وبين الحين والآخر كان ينظر إليها ليتأكد أنها لا تتألم.
بعد أن انتهت...
ناولها كوب الماء.
أخذته منه بهدوء.
ثم قالت وهي تنظر إليه:
ـ "شكرًا."
نظر إليها للحظات.
ـ "متشكرنيش."
ـ "ليه؟"
أجاب بنبرة هادئة:
ـ "لأن اللي حصل...كان بسببي."
ساد الصمت.
ثم قالت بهدوء:
ـ "إنت ملكش ذنب."
أدار وجهه بعيدًا.
ـ "لو مكنتيش معايا... مكانش حصل ده."
ابتسمت رغم تعبها.
نظر إليها.
أكملت وهي تنظر في عينيه:
ـ "مكنتش هسيبك تتصاب."
توقفت أنفاسه للحظة.
ظل ينظر إليها بصمت.
ثم وقف فجأة واتجه إلى النافذة.
أدار لها ظهره.
لأول مرة منذ سنوات...
لم يعرف بماذا يرد.
كانت كلماتها أثقل من أي رصاصة.
وبينما يحاول إخفاء اضطرابه...
رن هاتفه.
نظر إلى الشاشة.
كريم.
رد بهدوء:
ـ "نعم."
جاءه صوت كريم:
ـ "باشا... مسكنا واحد منهم."
استدار ببطء، ونظر إليها وهي تراقبه باستغراب.
ثم قال بنبرة باردة عادت كما كانت:
ـ "تمام...أنا جاي"
أنهى المكالمة.
رفع نظره إليها وقال:
ـ "هرجع بسرعة."
عبست ملامحها فورًا.
ـ "رايح فين؟"
ـ "عندي شغل."
هزت رأسها برفض.
ـ "لأ."
نظر إليها باستغراب.
ـ "لأ؟"
قالت بقلق واضح:
ـ "متسبنيش دلوقتي."
ساد الصمت بينهما.
ثم اقترب من السرير، ووضع يده فوق رأسها برفق لأول مرة، وقال بصوت منخفض:
ـ "وعد... ساعة واحدة وهرجع."
تشبثت بأصابعه دون وعي، وكأنها تخشى أن يتركها.
نظر إلى يدها الصغيرة، ثم إليها...
وللمرة الثانية خلال يوم واحد، وجد نفسه عاجزًا عن نزع يدها بسهولة.
نظر إلى أصابعها المتشبثة بيده.
تنهد بهدوء، ثم جلس مرة أخرى على حافة السرير.
قال بصوت منخفض:
ـ "هرجع قبل ما تصحي من النوم."
هزت رأسها برفض.
ـ "وعد؟"
نظر في عينيها مباشرة.
ـ "وعد."
ارتخت أصابعها ببطء، فعدل الغطاء عليها، ثم خرج من الغرفة.
في الخارج...
كان كريم ينتظره.
بمجرد أن خرج، اختفت ملامحه الهادئة، وعادت برودته المعتادة.
قال وهو يسير بخطوات ثابتة:
ـ "فين؟"
ـ "في المخزن القديم يا باشا."
ركب السيارة دون كلمة أخرى.
...
بعد نصف ساعة.
توقفت السيارة أمام مخزن ضخم بعيد عن المدينة.
ترجل منها.
فتح له أحد رجاله الباب.
في منتصف المخزن...
كان رجل مقيدًا على كرسي، ووجهه مليء بالكدمات.
ما إن رآه حتى بدأ يرتجف.
اقترب منه ببطء.
سحب كرسيًا وجلس أمامه، واضعًا ساقًا فوق الأخرى.
قال بهدوء مرعب:
ـ "مين اللي بعتك؟"
هز الرجل رأسه بسرعة.
ـ "والله معرفش."
نظر إليه للحظات.
في ثانية واحدة...
انهالت على الرجل لكمة قوية جعلت الكرسي يسقط به.
صرخ من الألم.
أما هو...
فلم يرمش حتى.
قال بنفس الهدوء:
ـ "قوموه."
أعادوه إلى مكانه.
كرر السؤال.
ـ "مين اللي بعتك؟"
قال الرجل وهو يلهث:
ـ "قسمًا بالله معرفش... إحنا بناخد أوامر من شخص وسيط."
اقترب منه أكثر.
ـ "اسمه."
ـ "معرفوش."
ابتسم ابتسامة باردة.
ـ "واضح إنك لسه فاكر إن عندك وقت."
أخرج من جيبه الرصاصة التي استخرجها الأطباء من جسدها، وكان قد احتفظ بها في كيسٍ صغير.
رفعها أمام عيني الرجل.
قال بصوت خافت:
ـ "شايف دي؟"
ارتجف الرجل.
أكمل وهو يحدق فيه:
ـ "الرصاصة دي... كانت المفروض تدخل فيا."
قبض على الكيس بقوة.
ـ "بس دخلت في مراتي."
ساد صمت ثقيل في المكان.
ثم نهض من الكرسي.
وقال دون أن يرفع صوته:
ـ "من اللحظة دي... الموضوع مبقاش شغل."
اقترب حتى أصبح وجهه أمام وجه الرجل مباشرة.
ـ "بقى شخصي."
تراجع خطوة.
ثم نظر إلى رجاله.
ـ "خلوه يتكلم."
أومأ الرجال.
وخرج هو من المخزن دون أن يلتفت خلفه.
...
بعد أقل من نصف ساعة.
كان يقف خارج المخزن، ينظر إلى شاشة هاتفه.
اقترب كريم.
ـ "اعترف."
رفع عينيه إليه.
ـ "مين؟"
ـ "اللي خطط للعملية... اسمه فؤاد الدمنهوري."
تغيرت ملامحه للحظة.
ـ "متأكد؟"
ـ "اعترف بنفسه."
أغلق الهاتف ببطء.
ثم قال:
ـ "اجمع كل المعلومات عنه... شركاته... رجالته... تحركاته."
ـ "أوامرك."
استدار متجهًا نحو السيارة.
ثم توقف فجأة.
نظر إلى كريم وقال:
ـ "كريم"
ـ "نعم يا باشا."
ـ "محدش يقرب منه"
استغرب كريم.
ـ "ليه؟"
فتح باب السيارة، ثم قال بنبرة باردة تحمل وعيدًا:
ـ "لأن الحساب ده... هيكون بإيدي أنا."
ركب السيارة، وأمر السائق بالعودة إلى المستشفى.
...
في الطريق...
نظر من نافذة السيارة، لكنه لم يكن يرى شيئًا.
كل ما كان يتذكره...
فستانها الأبيض وهو يتحول إلى الأحمر بين يديه.
وهمس لنفسه بصوت يكاد لا يُسمع:
ـ "أقسم بالله ....مش هسيب حد فيهم يعيش مرتاح بعد اللي عمله."
عاد إلى المستشفى بعد أقل من ساعة.
كانت خطواته سريعة، وملامحه جامدة كعادتها، لكن كل من رآه شعر أن شيئًا بداخله قد تغيّر.
فتح باب غرفتها بهدوء.
وجدها مستيقظة، تنظر إلى النافذة بشرود.
ما إن سمعته حتى التفتت إليه.
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
ـ "رجعت."
اقترب منها ووضع هاتفه على الطاولة.
ـ "قولتلك هرجع."
نظرت إلى الساعة المعلقة على الحائط.
ـ "لسه الساعة مكملتش."
رفع حاجبه.
ـ "قولت ساعة... ورجعت قبلها."
ابتسمت بخفة.
ولأول مرة... شعر أن ابتسامتها أزاحت شيئًا من الثقل الذي كان فوق صدره.
جلس بجوارها.
لاحظت وجود خدش صغير على مفاصل يده، وقد احمرّ قليلًا.
عقدت حاجبيها.
ـ "إيدك مالها؟"
نظر إليها ثم أخفى يده داخل جيبه.
ـ "ولا حاجة."
مدت يدها نحوه.
ـ "وريني."
قال ببرود:
ـ "خدش بسيط."
أمسكت يده رغماً عنه، ونظرت إلى الجرح.
همست بضيق:
ـ "إنت خرجت تتخانق؟"
نظر إليها بصمت.
ـ "لا."
رفعت رأسها إليه.
ـ "بتكدب."
ابتسم ابتسامة جانبية.
ـ "أول مرة أعرف إنك بتعرفي تكشفي الكدب."
قالت بجدية:
ـ "أنا مش بحب أشوف حد بيتأذي بسببي."
اختفت ابتسامته.
ـ "محدش اتأذى بسببك."
ـ "بس..."
قاطعها:
ـ "اقفلي الموضوع."
سكتت، لكنها شعرت أن شيئًا ما حدث، وهو لا يريد إخبارها به.
في الخارج...
اقترب كريم من باب الغرفة، ثم طرقه بخفة.
نظر إليه.
ـ "ادخل."
دخل كريم وهو يحمل جهازًا لوحيًا.
ـ "باشا... وصل التقرير."
أخذه منه.
بدأ يتصفح الصفحات بسرعة.
أسماء...
حسابات...
تحويلات مالية...
وصور.
توقف عند صورة رجل في منتصف الخمسينيات، ببدلة فاخرة ونظرات حادة.
ظل ينظر إليها عدة ثوانٍ.
ثم قال بصوت منخفض:
ـ "فؤاد..."
سألته باستغراب:
ـ "مين ده؟"
أغلق الجهاز فورًا.
ـ "حد من الشغل."
شعرت أنه يخفي عنها الحقيقة، لكنها لم تضغط عليه.
خرج كريم معه إلى الممر.
وما إن أُغلق الباب، حتى قال كريم:
ـ "باشا... اكتشفنا حاجة."
ـ "اتكلم."
ـ "فؤاد مسافر إنهاردة دبي."
ساد الصمت.
ثم ظهرت ابتسامة باردة على شفتيه.
ـ "يبقى مش هيسافر."
نظر إليه كريم باستغراب.
قال وهو يعيد أزرار سترته إلى مكانها:
ـ "أنا اللي هروحله."
ـ "تحب أجهز الرجالة؟"
هز رأسه بالنفي.
ـ "لا."
ـ "ليه يا باشا؟"
نظر إليه بعينين باردتين.
ـ "الليلة دي... الحساب بيني وبينه."
ابتلع كريم ريقه.
كان يعلم تلك النظرة جيدًا.
تعني أن لا أحد يستطيع إيقافه.
في الجهة الأخرى من المدينة...
كان فؤاد يجلس داخل مكتبه الفاخر، يحتسي قهوته بهدوء، غير مدرك أن الرجل الذي حاول اغتياله قد عرف اسمه...
وأن المسافة بينهما لم يعد يفصلها سوى ساعات قليلة.
في المساء.
كانت نائمة بهدوء، بينما جلس هو على الأريكة المقابلة، يرتدي بدلته السوداء، يتصفح بعض الملفات على جهازه اللوحي.
دخل كريم بخطوات سريعة.
ـ "باشا."
رفع عينيه إليه.
ـ "ها؟"
ـ "الطيارة بتاعت فؤاد بعد ساعتين."
أغلق الجهاز ببطء.
ثم نظر إلى الحارس الواقف أمام الباب.
ـ "حد يدخل عند الهانم غير الدكاترة والممرضات... لا."
ـ "أوامرك يا باشا."
ألقى عليها نظرة أخيرة وهي نائمة، ثم خرج.
أغلق باب الغرفة خلفه بهدوء.
اختفت ملامحه الحانية في اللحظة التي ابتعد فيها عنها.
وقف كريم ينتظره في آخر الممر.
ـ "باشا... العربية جاهزة."
أومأ برأسه واتجه نحو المصعد.
ظل الصمت يسيطر عليه طوال الطريق، حتى وصلا إلى السيارة.
جلس في المقعد الخلفي، ثم قال دون أن ينظر إلى كريم:
ـ "هاتوه."
نظر إليه كريم في المرآة.
ـ "دلوقتي؟"
ـ "دلوقتي."
اكتفى كريم بهزة رأس، وأخرج هاتفه.
ـ "نفذوا."
...
بعد ساعة...
في أحد المخازن التابعة له خارج المدينة.
كان المكان مظلمًا إلا من مصباح واحد يتدلى من السقف.
فتح الباب الحديدي.
دلف إلى الداخل بخطوات ثابتة.
في المنتصف...
كان فؤاد مقيدًا إلى كرسي، وآثار المقاومة واضحة على وجهه وملابسه.
رفع رأسه ببطء، وما إن رآه حتى ابتسم بسخرية.
ـ "كنت عارف إنك هتيجي."
لم يرد.
خلع سترته، وسلمها لكريم.
ثم فك أزرار أكمام قميصه ببطء.
نظر فؤاد إليه وقال بثقة:
ـ "هتقتلني؟"
اقترب حتى أصبح أمامه مباشرة.
ثم انحنى قليلًا وهمس:
ـ "لو كنت عايز أقتلك... مكنتش صحيت النهارده."
اعتدل مرة أخرى.
ثم...
هوى بقبضة قوية على وجهه.
ارتطم رأس فؤاد بظهر الكرسي.
خرج الدم من فمه.
وقبل أن يستوعب ما حدث...
جاءته لكمة ثانية.
وثالثة.
حتى سقط الكرسي أرضًا.
أشار بيده.
رفع رجاله فؤاد مرة أخرى.
وقف أمامه وهو يلهث من الغضب.
ثم أخرج من جيبه الكيس الصغير الذي يحتفظ فيه بالرصاصة التي استخرجها الأطباء من جسد ليليان.
رفعها أمام عينيه.
ـ "شايف دي؟"
نظر إليها فؤاد بصمت.
ـ "دي كانت المفروض تدخل فيا."
قبض على الكيس بقوة.
ـ "لكن دخلت في مراتي."
ثم أمسكه من ياقة قميصه بعنف.
ـ "مين أمرك؟"
ضحك فؤاد رغم الدماء.
ـ "مش هقول."
ابتسم هو ابتسامة باردة.
ثم التفت إلى رجاله.
ـ "سيبونا."
نظروا إليه باستغراب.
ـ "باشا..."
ـ "قولت سيبونا."
خرج الجميع.
لم يبقَ في المخزن سوى الاثنان.
جلس أمامه بهدوء، وأشعل سيجارة.
نفث الدخان بعيدًا عنه.
وقال:
ـ "إنت فاكر إنك مهم؟"
صمت.
ـ "إنت مجرد منفذ."
رفع فؤاد نظره إليه.
ـ "ولو مقولتش اسم اللي بعتني..."
اقترب أكثر.
ـ "هتموت."
ساد الصمت.
ثم...
ابتسم فؤاد فجأة.
ـ "اللي فوقي... يقدر يقتلك إنت ورجالتك في يوم."
لأول مرة...
لمعت عيناه باهتمام.
ـ "يبقى فيه حد فوقك."
ضحك فؤاد.
ـ "كتير."
ألقى السيجارة أرضًا، وداس عليها.
ثم أمسك فؤاد من شعره بقوة.
ـ "اسمه."
أغمض فؤاد عينيه.
ـ "مش هتعرف توصله."
ـ "اسمه."
ظل صامتًا.
هوى برأسه بقوة على الطاولة المعدنية.
صرخ فؤاد من الألم.
ثم قال وهو يلهث:
ـ "اسمه..."
توقف.
ابتسم ابتسامة متعبة.
ـ "سالم العزاوي."
تجمدت ملامحه.
همس لنفسه:
ـ "سالم..."
كان اسمًا يعرفه جيدًا...
بل ويعتبره الجميع الرجل الذي لا يخطئ.
زعيم أكبر منظمة مافيا في الشرق الأوسط.
نظر إليه فؤاد وهو يضحك رغم ألمه.
ـ "دلوقتي فهمت؟"
ـ "أنا مجرد جندي."
ـ "إنت دخلت حرب... مع ملك."
ساد الصمت.
ثم ابتسم هو.
لكنها لم تكن ابتسامة عادية.
كانت ابتسامة من وجد أخيرًا خصمه الحقيقي.
فتح الباب.
دخل كريم بسرعة.
ـ "باشا؟"
نظر إليه.
ألقى نظرة أخيرة على فؤاد.
ثم التفت إلى رجاله.
ـ "خلوه عايش."
نظر فؤاد إليه باستغراب.
ابتسم ابتسامة باردة وقال:
ـ "الموت راحة..."
اقترب منه حتى أصبح صوته همسًا.
ـ "وأنا لسه مبدأتش أخد منك أي حاجة."
ثم خرج من المخزن.
وبمجرد أن أغلق الباب، التفت إلى كريم وقال:
ـ "ابدأ اسحب شركاته... جمد حساباته... خلّي رجالته يسيبوه واحد واحد."
نظر إليه كريم بإعجاب.
ـ "يعني مش هنقتله؟"
رد وهو يركب السيارة:
ـ "لأ."
ثم نظر إلى المخزن من النافذة.
ـ "هخليه يتمنى الموت... قبل ما أفكر أديهوله."
ركب السيارة، وأغلق الباب بنفسه.
ساد الصمت لعدة ثوانٍ..
ثم تردد قبل أن يقول:
ـ "وسالم."
التفت إليه ببطء.
ـ "لسه بدري عليه."
ـ "يعني؟"
ارتسمت ابتسامة باردة على شفتيه.
ـ "الحرب مبتتفتحش مع الملك قبل ما تكسر جيشه."
...
بعد أسبوع...
داخل المستشفى.
كانت حالتها تتحسن يومًا بعد يوم.
دخل الطبيب بابتسامة.
ـ "مبروك يا مدام... تقدري تخرجي النهارده."
ابتسمت بسعادة.
ـ "بجد؟"
ـ "بس راحة تامة... ومفيش مجهود."
أومأت برأسها.
في تلك اللحظة...
فُتح الباب.
دخل هو مرتديًا بدلة سوداء أنيقة، وخلفه كريم.
ابتسم الطبيب.
ـ "حضرتك جيت في الوقت المناسب."
نظر إليها.
وجدها تبتسم لأول مرة منذ الحادث.
اقترب منها وقال:
ـ "جاهزة؟"
هزت رأسها بحماس.
ـ "أوي."
...
بعد ساعة.
توقفت السيارة أمام القصر.
ما إن نزلت حتى فوجئت بجميع العاملين مصطفين أمام المدخل.
انحنوا جميعًا باحترام.
ـ "حمد الله على السلامة يا هانم."
ابتسمت بخجل.
ثم نظرت إليه باستغراب.
همست:
ـ "إيه ده؟"
رد بهدوء:
ـ "استقبال."
دخلت القصر، لكن قبل أن تصعد الدرج شعرت بدوار خفيف.
ترنحت.
في لحظة...
كان قد أمسكها قبل أن تقع.
نظر إليها بقلق.
ـ "في إيه؟"
ابتسمت محاولة طمأنته.
ـ "بس دوخت."
دون أن يتكلم...
حملها بين ذراعيه.
شهقت بخجل.
ـ "أنا أقدر أمشي."
أجاب وهو يصعد بها الدرج:
ـ "الدكتور قال راحة."
ـ "بس..."
ـ "مفيش بس."
...
وصل إلى جناحهما.
أنزلها برفق على السرير.
ثم التفت إلى الخادمة.
ـ "الأكل يبقى هنا."
ـ "أوامرك يا بيه."
خرج الجميع.
نظرت إليه وقالت:
ـ "إنت بتديني أوامر أكتر من الدكتور."
رفع حاجبه.
ـ "لأنه لو الدكتور عرف إنك بتتعبي نفسك... هيزعقلك."
ضحكت لأول مرة بصوتٍ مسموع.
نظر إليها للحظة.
ثم قال بهدوء:
ـ "ضحكتك أحسن من وش التعب."
توقفت عن الضحك، ونظرت إليه باستغراب.
أما هو...
فأدرك أنه قالها بصوتٍ مسموع.
حمحم بخفة، ثم استدار نحو النافذة وكأنه لم يقل شيئًا.
ابتسمت هي بخجل، دون أن تعلق.
...
وفي الوقت نفسه...
داخل فيلا فؤاد.
دخل أحد رجاله مسرعًا.
ـ "باشا..."
نظر إليه فؤاد بعصبية.
ـ "إيه؟"
ـ "شركة الشحن أعلنت فسخ العقد."
قطب حاجبيه.
ـ "إزاي؟"
ـ "كل الشركات انسحبت."
وقبل أن يستوعب...
رن هاتفه.
رد بسرعة.
لكن وجهه شحب.
ـ "إيه؟ البنك جمّد الحسابات؟!"
أغلق الخط.
وبدأ هاتفه يرن مرة أخرى.
ثم مرة ثالثة.
ورابعة.
كلها أخبار سيئة.
أحد المخازن أُغلق.
صفقة كبيرة أُلغيت.
رجاله بدأوا يختفون واحدًا تلو الآخر.
ألقى الهاتف بعنف على الأرض.
وصرخ:
ـ "هو بيعمل إيه؟"
رد أحد رجاله بخوف:
ـ "بيهدمك يا باشا... واحدة واحدة."
قبض فؤاد على حافة المكتب بقوة.
همس بغضب:
ـ "لا..."
ثم رفع رأسه.
ـ "كلم سالم."
ساد الصمت.
نظر إليه الرجل بتوتر.
ـ "باشا... حضرتك عارف إنه بيكره حد يزعجه من غير سبب قوي."
ضرب المكتب بقبضته.
ـ "قول له... إن الحرب بدأت."
ابتلع الرجل ريقه، وأخرج هاتفه بيدٍ مرتجفة، بينما في مكانٍ آخر، كان زعيم المافيا الأكبر، سالم، يتلقى للمرة الأولى خبرًا بأن الرجل الذي ظن الجميع أنه سيكون ضحية... قرر أن يحول نفسه إلى خصم.
