رواية حب خارج القانون الفصل الثامن8بقلم
يارين
"من المؤلم أن تمنح قلبك لشخصٍ... بينما قلبه ينبض باسم شخصٍ آخر."
حب خارج القانون ٨
الفصل الثامن
بعد يومين...
كان يجلس في غرفة المكتب داخل القصر، يقلب بعض الملفات أمامه، قبل أن يُغلقها بضيق.
وفي تلك اللحظة...
دخل سليم، يرتدي ملابس كاجوال، وعلى وجهه ابتسامة مستفزة.
ما إن رآه حتى قال بضيق:
ـ "أخيرًا شرفت."
جلس على الأريكة، ثم قال باستنكار:
ـ "إزاي متقوليش اللي حصل؟"
رفع عينيه إليه وقال بهدوء:
ـ "ما إنت كنت مسافر."
عقد الآخر حاجبيه.
ـ "ما إنت لما لغيت الاجتماع كنت أنا سافرت، وقلت أتفسح شوية."
رمقه بنظرة ساخرة.
ـ "تتفسح؟"
ضحك سليم.
ـ "آه... عندك اعتراض؟"
زفر بضيق.
ـ "قول اللي عندك."
اعتدل سليم في جلسته، واختفت ابتسامته.
ـ "إيه اللي حصل؟"
ظل صامتًا لثوانٍ، ثم بدأ يحكي كل شيء...
منذ خروجهما من الفندق...
حتى لحظة إطلاق النار...
ووقوعها بين يديه غارقة في دمائها.
انتهى من الحديث...
وساد الصمت.
تنهد سليم وقال:
ـ "يبن ال... الحمد لله إنها كويسة، محصلهاش حاجة."
لم يرد.
ظل ينظر أمامه بشرود.
كأن المشهد يُعاد أمام عينيه مرة أخرى.
الفستان الأبيض...
والدماء...
وصوتها وهي تناديه بخوف.
انتبه سليم لشروده.
لوّح بيده أمام وجهه.
ـ "إيه؟"
لم يرد.
ـ "مالك؟"
تنهد ببطء.
ثم قال لأول مرة بصراحة:
ـ "مش عارف..."
سكت لحظة، ثم أكمل بصوت منخفض:
ـ "بس لما شوفتها بتنزف قدامي..."
رفع عينيه إليه.
ـ "حسيت بإحساس غريب."
ـ "إيه هو؟"
ـ "خوف."
سكت ثانية.
ـ "أنا أول مرة أخاف على حد بالشكل ده..."
ابتلع ريقه.
ـ "وأول مرة أخاف أصلًا."
ابتسم سليم ابتسامة يعرفها جيدًا.
ابتسامة كلها معنى.
نظر إليه بخبث.
ـ "وقعت."
رفع حاجبه.
ـ "وقعت إيه؟"
ـ "في الحب."
نظر إليه بضيق.
ـ "لا."
ـ "لا؟"
ـ "اللي في بالك ده مش موجود."
رد الآخر وهو يضحك.
ـ "أمال إيه؟"
قال بجدية:
ـ "بحس إنها مسؤولة مني... عشان مراتي."
هز سليم رأسه بسخرية.
ـ "طبعًا... طبعًا."
رمقه بنظرة حادة، لكنه لم يعلق.
نهض سليم من مكانه.
ـ "فين مراتك؟"
نظر إليه باستغراب.
ـ "ليه؟"
ـ "أسلم عليها."
نظر إليه بطرف عينه.
ـ "وتسلم عليها ليه؟"
ابتسم الآخر بخبث.
ـ "مش وقت الغيرة."
اقترب منه وربت على كتفه.
ـ "هطمن على مرات أخويا."
ظل ينظر إليه للحظات.
ثم قال:
ـ "استنى... أشوفها."
...
صعد الدرج بهدوء.
فتح باب الغرفة.
وجدها تحاول النهوض من السرير، مستندة إلى حافته.
اقترب منها بسرعة.
ـ "إيه اللي قومك؟"
نظرت إليه بخجل.
ـ "كنت... هروح الحمام."
تنهد.
ثم انحنى فجأة.
وحملها بين ذراعيه.
شهقت وهي تتشبث بكتفه.
ـ "نزلني... عيب."
ضحك بخفة، متجاهلًا احتجاجها.
واتجه بها إلى الحمام.
أنزلها برفق أمام الباب.
همست وهي تنظر إليه.
ـ "شكرًا."
لكنه ظل واقفًا مكانه.
رفعت حاجبها.
ـ "خير؟"
رفع حاجبه هو الآخر.
ـ "خير إيه؟"
ـ "واقف ليه..يلا امشي."
قال بخبث:
ـ "ممكن تحتاجيني."
نظرت إليه وكأنها لا تصدق ما تسمع.
ـ "أنا واخدة رصاصة... مش مشلولة."
لم يستطع منع نفسه.
فضحك ضحكة خفيفة.
ثم هز رأسه وخرج، وأغلق الباب خلفه.
وقف في الخارج، مستندًا إلى الحائط، منتظرًا.
بعد دقائق...
فتح الباب.
خرجت وهي تتكئ على الحائط، وتحاول السير ببطء.
ما إن رآها حتى اقترب.
حملها مرة أخرى دون أن يستأذنها.
ـ "إنت مش هتبطل الحركة دي؟"
قال وهو يتجه بها نحو السرير:
ـ "لأ."
أنزلها برفق.
ثم قال:
ـ "سليم عايز يطلع يسلم عليكي."
ـ "أطلعه... ولا مش قادرة؟"
ابتسمت.
ـ "لا... عادي."
وقبل أن يخرج...
وقعت عيناه على ملابسها.
كانت ترتدي شورتًا قطنيًا قصيرًا، مع توب بسيط.
ظل ينظر إليها ثوانٍ.
ثم اتجه إلى خزانة الملابس.
أخرج هودي واسعًا.
عاد إليها.
ارتبكت.
ـ "بتعمل إيه؟"
ألبسها الهودي بنفسه بهدوء.
ثم جذب الغطاء حتى غطى ساقيها.
قالت بضيق:
ـ "الجو حر."
تجاهل اعتراضها تمامًا.
واتجه إلى الباب.
فتح الباب ونادى:
ـ "ادخل."
دخل سليم مبتسمًا.
وما إن رآها حتى قال باحترام:
ـ "ألف سلامة عليكي."
ابتسمت بلطف.
ـ "الله يسلمك."
ثم مد إليها باقة من زهور التوليب الملونة.
اتسعت عيناها بسعادة.
أخذتها منه وهي تبتسم لأول مرة منذ أيام.
ـ "الله... توليب!"
ثم نظرت إليه بفرحة طفولية.
ـ "أنا بحبها أوي."
ابتسم سليم.
في تلك اللحظة...
كان يقف بجوار الباب، يراقب المشهد بصمت.
لم تعجبه ابتسامتها الكبيرة وهي تستقبل الورد.
ولا الطريقة التي شكرت بها صديقه.
شعر بوخزة غيرة خفيفة، حاول تجاهلها.
أما صديقه...
فالتقط تلك النظرة فورًا.
فنظر إليه بطرف عينه...
وابتسم ابتسامة واسعة، وكأنه وجد دليلًا جديدًا على أن صديقه بدأ يقع في حبها، حتى لو كان ينكر ذلك بكل الطرق.
ثم نظر حوله بعفوية، وقال وهو يضحك:
ـ"ايه ده انت مقعد مراتك في أوضه الضيوف..مش في جناحك."
في لحظة...
رمقه بنظرة حادة.
سكت سليم وهو يبادله النظرة.
وظلا ينظران إلى بعضهما لثوانٍ.
ثم اتسعت عينا سليم فجأة.
ـ "آه..."
حك مؤخرة رأسه بإحراج، بعدما تذكر أن زواجهما ما زال جديدًا، وأن العلاقة بينهما ليست طبيعية بعد.
تنهد ادهم بضيق، وكأنه لم يكن يريد فتح هذا الموضوع.
أما هي...
فكانت تنقل بصرها بينهما باستغراب، وقد لاحظت نظراتهما الغريبة وصمتهما المفاجئ.
عقدت حاجبيها وقالت:
ـ "في إيه؟"
لم يجبها أيٌ منهما.
اكتفى ادهم بالنظر إلى سليم وقال باقتضاب:
ـ "يلا."
فهم سليم الرسالة فورًا.
ابتسم لها معتذرًا وقال:
ـ "ارتاحي... وإن شاء الله تقومي بالسلامة."
ـ "شكراً."
ثم خرج الاثنان من الغرفة، وأغلق البطل الباب خلفه بهدوء
⸻
ما إن أغلق باب الغرفة خلفهما، حتى نزل الاثنان إلى الطابق السفلي.
ظل سليم يسير بجواره بصمت، ثم قال أدهم فجأة:
ـ "إنت غبي."
توقف عن السير، ورمقه بنظرة باردة.
ـ "ليه."
تنهد بضيق وقال:
ـ "إنت عارف إن مفيش ولا بنت دخلت الجناح ده بعد نادين... الله يرحمها."
اتسعت عينا سليم قليلًا، ثم حك مؤخرة رأسه بإحراج.
ـ "نسيت والله."
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم سأله سليم:
ـ "هي تعرف السبب الحقيقي إنها مش في جناحك؟"
رد باقتضاب:
ـ "لا."
ـ "هي دخلته مرة واحدة بس..."
سكت لحظة، ثم أكمل:
ـ "وساعتها اتعصبت عليها وطردتها."
ظل ينظر أمامه دون أن يرد.
لاحظ سليم صمته.
فقال:
ـ "سكت ليه؟"
تنهد بضيق.
لكن سليم سبقه بالكلام.
ـ "إنت قافل قلبك ليه؟ بلاش تتحكم في مشاعرك بسبب حاجة قديمة."
رمقه بنظرة حادة، وقال بعصبية خفيفة:
ـ "مراتي مش حاجة قديمة."
سكت لحظة، ثم أكمل وهو ينظر في عينيه مباشرة:
ـ "وأنا عمري ما هفكر أحب غيرها."
قبض على يده دون أن يشعر.
ـ "ولا هحط حد في مكانتها."
ثم أكمل ببرود:
ـ "ولو على ليليان..."
سخر بخفة.
ـ "إنت عارف سبب جوازنا كويس... وإن عمري ما هفكر فيها."
...
في تلك اللحظة...
كانت هي تقف عند أول درجات السلم، تستند بيدها على الدرابزين.
كانت قد خرجت لتشرب كوب ماء...
لكنها توقفت عندما سمعت اسمهما.
وصلتها كلماته كاملة.
"وأنا عمري ما هفكر أحب غيرها... ولا هحط حد في مكانتها... وإن عمري ما هفكر فيها."
شعرت بوخزة مؤلمة داخل قلبها.
اتسعت عيناها، وامتلأتا بالدموع دون أن تشعر.
كانت تظن...
وربما لأول مرة...
أن الأيام قد تجعل بينهما شيئًا يشبه أي زوجين.
لكن كلماته حطمت هذا الأمل في لحظة.
حاولت أن تكتم دموعها.
وضعت يدها على فمها حتى لا يصدر منها أي صوت.
لكنها لم تستطع.
انسابت دموعها بصمت.
تشبثت بدرابزين السلم، ثم بدأت تصعد ببطء، وهي تمسح دموعها بظهر يدها.
دخلت غرفتها...
وأغلقت الباب خلفها.
استندت إليه لثوانٍ.
ثم فقدت قدرتها على التماسك.
جلست على الأرض، ودفنت وجهها بين كفيها.
وانفجرت في بكاءٍ حارق...
بكاء فتاة أدركت أن قلبها بدأ يتعلق برجلٍ... لا يرى في زواجهما أكثر من اتفاق، وما زال قلبه أسير امرأة رحلت منذ سنوات.
في الأسفل...
نظر سليم إليه طويلًا، ثم قال:
ـ "إنت فاكر إنك هتفضل كده على طول؟"
رد ببرود:
ـ "آه."
ـ "وليليان."
رفع حاجبه.
ـ "مالها؟"
ـ "هتظلمها."
رمقه بنظرة حادة.
ـ "أنا موهمتهاش بحاجة."
ـ "بس هي مراتك."
رد بهدوء:
ـ "ودي كانت شروط من البداية."
تنهد سليم
ـ "هتندم"
توقفت ملامحه للحظة.
ثم قال ببرود:
ـ "مش هيحصل."
ابتسم سليم ابتسامة خفيفة.
ـ "ومتأكد ليه؟"
ـ "لأن جوازنا مجرد اتفاق."
هز سليم رأسه وهو يبتسم بأسى.
ـ "الأيام بتغير ناس كتير."
رد وهو يتجه ناحية مكتبه:
ـ "أنا لأ."
وقف سليم ينظر إليه لثوانٍ.
ثم قال:
ـ "هسيبك بقى... عندي شغل."
ـ "خلي بالك من نفسك."
ابتسم سليم.
ـ "وإنت كمان... وخلي بالك من مراتك."
رمقه بنظرة باردة.
فضحك سليم وهو يرفع يديه باستسلام.
ـ "خلاص... همشي."
ثم غادر القصر
بقي هو وحده في صالة الاستقبال.
ظل واقفًا للحظات، يستعيد كلمات سليم.
"إنت قافل قلبك ليه؟"
"بلاش تتحكم في مشاعرك بسبب حاجة قديمة."
زفر بضيق، ثم صعد إلى جناحه.
دخل الغرفة، واتجه مباشرة إلى الحمام.
وقف أسفل المياه الباردة لوقتٍ طويل، وكأنه يحاول إيقاف ضجيج أفكاره.
لكن دون جدوى.
خرج، وارتدى بنطالًا قطنيًا أسود وتيشيرتًا رماديًا بسيطًا.
ثم جلس خلف مكتبه.
أشعل المصباح الصغير، وأسند ظهره إلى المقعد.
أخذ يقلب القلم بين أصابعه بشرود.
"إنت قافل قلبك ليه؟"
أغمض عينيه.
ثم هز رأسه بقوة.
لكنه...
لأول مرة منذ سنوات...
شعر بثقلٍ غريب في صدره.
شعور لم يعرف له تفسيرًا.
...
في غرفتها...
وقفت أمام المرآة.
كانت عيناها ما زالتا حمراوين من البكاء.
حدقت في انعكاسها طويلًا.
ثم قالت لنفسها بصوتٍ خافت:
ـ "إنتِ مضايقة ليه؟"
تنهدت.
ـ "نسيتي عمل فيكي إيه؟"
أخفضت رأسها.
ـ "دمر حياتك..."
سكتت لحظة.
ـ "خد منك أبوكي..."
أغمضت عينيها.
ـ "وبوظلك حياتك."
كانت تحاول إقناع عقلها.
لكن قلبها...
كان يرفض.
شعرت بغصة مؤلمة تخنقها.
عادت وجلست على السرير.
ثم همست لنفسها:
ـ "مستحيل يحبك..."
ارتجف صوتها.
ـ "مستحيل يعترف إنك مراته فعلًا..."
ابتلعت غصتها بصعوبة.
ـ "فوقي."
انسابت دموعها من جديد.
وفي تلك اللحظة...
سمعت طرقات خفيفة على الباب.
مسحت دموعها بسرعة.
ثم استلقت على السرير، وأغمضت عينيها، متظاهرة بالنوم.
فتح الباب بهدوء.
دخل إلى الداخل.
نظر حوله باستغراب عندما لم يجد منها ردًا.
ثم وقعت عيناه عليها.
كانت تبدو نائمة.
اقترب بخطوات هادئة.
ظل ينظر إليها لثوانٍ.
ثم جذب الغطاء برفق، وغطاها حتى كتفيها.
تأمل وجهها لحظة...
قبل أن يستدير ويخرج في هدوء.
وما إن أُغلق الباب...
حتى فتحت عينيها ببطء.
وانزلقت دمعة ساخنة على وجنتها.
...
أما هو...
فبعد خروجه من غرفتها، شعر بذلك الإحساس الغريب يعود إليه مرة أخرى.
هز رأسه، وصعد إلى جناحه.
...
في منتصف الليل...
كان يقف في المطبخ، يُعد فنجانًا من القهوة.
وبينما كان ينتظرها...
سمع صوت خطوات خفيفة.
رفع رأسه.
وجدها تدخل المطبخ.
نظر إليها باستغراب.
ـ "مش كنتي نايمة؟"
انتبهت لوجوده، فتوترت قليلًا.
ـ "آ... آه... بس عطشت، فنزلت أشرب."
نظر إليها للحظة، ثم قال:
ـ "طب نزلتي ليه؟ إنتِ لسه تعبانة."
ثم أكمل:
ـ "كنتِ اندهي على نادية تجيبلك اللي إنتِ عايزاه."
ردت باقتضاب:
ـ "أنا بقيت أحسن... فنزلت."
لاحظ برود ردها، لكنه لم يعلق.
رفع كوب القهوة.
ثم قال:
ـ "تصبحي على خير."
ابتسمت ابتسامة بسيطة.
ـ "وإنت من أهله."
استدار ليغادر.
لكنها نادته:
ـ "أدهم."
توقف.
واستدار إليها.
ـ "إيه؟"
ترددت لثوانٍ، ثم قالت:
ـ "بخصوص الجامعة... أنا مروحتش خالص من ساعة ما اتجوزنا."
هز رأسه باهتمام.
فأكملت:
ـ "والامتحانات قربت... وفي Anatomy Lecture مهمة."
هز رأسه، وكأنه تذكر فجأة أنها ما زالت طالبة.
ثم قال:
ـ "شوفي محاضراتك إمتى."
وأكمل:
ـ "وخلي كريم يوصلك."
هزت رأسها.
ـ "حاضر."
كان قد تحرك بالفعل.
لكنه توقف مرة أخرى.
واستدار إليها.
ـ "الكريديت لسه معاكي صح؟"
هزت رأسها.
ـ "آه."
ـ "طيب كويس."
ثم قال بهدوء:
ـ "لو احتجتي أي حاجة... هاتيها."
نظرت إليه بصمت.
ثم اكتفت بهزة رأس صغيرة.
صعد إلى جناحه.
أما هي...
فظلت تنظر إلى المكان الذي اختفى فيه.
ثم أخرجت كوبًا من الخزانة.
وفتحت الثلاجة.
سكبت قليلًا من الماء.
ارتشفته ببطء.
ثم صعدت إلى غرفتها.
...
في صباح اليوم التالي...
كان يجلس في غرفة الطعام يتناول إفطاره.
رفع رأسه.
نظر إلى المقعد الفارغ.
ثم قال:
ـ "نادية."
اقتربت الخادمة.
ـ "أنعم يا بيه."
ـ "هي لسه مصحيتش؟"
ابتسمت نادية.
ـ "لا يا بيه، صحيت."
ثم أكملت:
ـ "بس كانت بتاخد دوش."
هز رأسه بهدوء.
وبعد دقائق...
دخلت إلى غرفة الطعام.
كانت ترتدي قميصًا أبيض ناصعًا، تعلوه سترة صوفية باللون الرمادي الداكن، مع بنطال جينز كحلي واسع، وحزام جلدي بني يتناسق مع حقيبتها، بينما تركت شعرها منسدلًا على كتفيها في مظهر بسيط وأنيق.
رفع عينيه إليها للحظة.
ثم قال:
ـ "إنتِ رايحة في حتة؟"
هزت رأسها.
ـ "آه... رايحة الجامعة."
ـ "إنتِ في جامعة إيه؟"
قالت وهي تضع الطعام في طبقها:
ـ "GUC."
أومأ برأسه.
ـ "إنتِ في طب صح؟"
ـ "آه... طب بشري."
ابتسم ابتسامة خفيفة.
ـ "ربنا معاكي."
جلسا يتناولان الإفطار وسط صمت هادئ.
وبعد دقائق...
وقفت وهي تحمل حقيبتها.
نظر إليها.
ـ "هتروحي دلوقتي؟"
ـ "آه."
وضع كوب القهوة على الطاولة.
ثم قال:
ـ "طيب تعالي أوصلك."
رفعت نظرها إليه.
ـ "أنا كده كده رايح الشركة."
هزت رأسها بسرعة.
ـ "لا... لا، مش عايزة أتعبك."
ضحك بخفة.
ـ "تتعبيني إيه؟"
ثم قال بعفوية:
ـ "إنتِ مراتي... أومال هوصل مين يعني؟"
توقفت أنفاسها للحظة.
دق قلبها بقوة.
وظلت تنظر إليه.
أما هو...
فما إن خرجت الجملة من فمه، حتى أشاح بنظره عنها سريعًا.
وقال:
ـ "يلا."
ابتسمت بخجل.
ـ "يلا."
خرجا معًا.
اقترب كريم ليفتح الباب الخلفي.
لكن البطل قال:
ـ "لا... أنا اللي هسوق."
هز كريم رأسه باحترام.
فتح لها الباب الأمامي.
فجلست بجواره.
ثم التف إلى الجهة الأخرى، واستقل مقعد القيادة.
انطلقت السيارة.
وساد الصمت.
قطعه هو قائلًا:
ـ "إشمعنى دخلتي الجامعة الألمانية؟"
نظرت من النافذة وهي تجيب:
ـ "أنا أصلًا كنت ناوية أكمل دراستي في ألمانيا."
ابتسمت ابتسامة حزينة.
ـ "كنت أنا وبابا متفقين... بعد أول سنة هسافر أكمل هناك."
سكتت.
فهم من صمتها أن ذكريات والدها عادت إليها.
نظر إليها للحظة.
ثم قال:
ـ "لسه عايزة تسافري؟"
أجابت وهي تحدق خارج النافذة:
ـ "كنت... آه."
ثم ابتسمت بمرارة.
ـ "بس بقى حلم خلاص."
نظر إليها طويلًا.
ثم أعاد بصره للطريق.
...
توقفت السيارة أمام بوابة الجامعة.
فتحت الباب.
وكادت تغلقه.
لكن صوته أوقفها.
ـ "خلي بالك من نفسك."
التفتت إليه.
ـ "ولو احتجتي أي حاجة... كلميني."
ابتسمت نصف ابتسامة.
ـ "حاضر."
ثم نزلت.
ودخلت إلى الجامعة.
ظل يتابعها بعينيه...
حتى اختفت تمامًا.
بعدها أخرج هاتفه.
واتصل بكريم.
ـ "تعالى عند الجامعة."
رد كريم:
ـ "أوامرك يا باشا."
قال بهدوء:
ـ "خليك قريب منها."
ثم أكمل:
ـ "ولو احتاجت أي حاجة... متسيبهاش لوحدها."
