رواية حب خارج القانون الفصل التاسع9بقلم يارين


رواية حب خارج القانون الفصل التاسع9بقلم
 يارين

"تغيّرت القواعد، ولم يعد شيءٌ كما كان. خطواتٌ جديدة، قراراتٌ خطيرة، وأسرارٌ بدأت تظهر إلى السطح... بينما كان القدر يدفع الجميع نحو مواجهةٍ لا مفر منها."

حب خارج القانون ٩
الفصل التاسع

دخلت الجامعة بخطوات مترددة، وما إن رفعت عينيها حتى وقعتا على شلتها.

توقفت للحظة.

كانت صديقتها تقف بينهم، وبجوارها حبيبها القديم، يضع يده على كتفها بكل أريحية.

نظرت إليهما باستياء واضح، ثم أشاحت بوجهها ومضت دون أن تتوقف.

لكن أحد الشباب لمحها، فناداها بسخرية:

ـ "طب ما إنتِ اتجوزتي اهو.. أومال قعدتي تقولي مش بفكر في الارتباط دلوقتي، أهم حاجة مستقبلي"

تجاهلت كلامه تمامًا، وكأنها لم تسمعه، وأكملت طريقها.

لكن الهمسات بدأت تنتشر حولها.

بعضها كان يحمل الإعجاب، وبعضها الآخر كان مليئًا بالفضول والكلام الجارح.

"هي اتجوزت فعلًا؟"

"اتجوزت مين."

"سمعتِ إنه رجل أعمال كبير."

"بس ليه اتجوزت فجأة؟"

حاولت ألا تهتم.

دخلت قاعة المحاضرات، وفور دخولها اتجهت كل الأنظار إليها.

خفضت عينيها قليلًا، ثم اتجهت إلى آخر صف وجلست في هدوء.

أخرجت جهاز الـ MacBook الخاص بها، وفتحته، وبدأت تدوّن ملاحظاتها، محاولة التركيز على شرح الدكتور وتجاهل كل ما يدور حولها.

لكن عقلها كان مشتتًا.

بين الجامعة...

وبين ما حدث صباحًا...

وبين كلماته التي ما زالت عالقة في رأسها.

"إنتِ مراتي."

لم تعرف لماذا تذكرت تلك الجملة تحديدًا.

هزت رأسها، وأجبرت نفسها على التركيز في المحاضرة.

⸻

في الشركة

وصل إلى مقر شركته.

توقفت السيارة أمام المدخل، ونزل منها بهدوء وهيبة اعتادها الجميع.

اقترب أحد الحراس فورًا، وأخذ مفاتيح السيارة ليركنها.

دخل إلى الشركة.

وما إن ظهر حتى وقف الموظفون باحترام.

ـ "صباح الخير يا باشا."

ـ "صباح النور."

واصل طريقه إلى المصعد دون أن يلتفت كثيرًا.

اقتربت منه السكرتيرة بابتسامة رسمية.

ـ "صباح الخير يا بيه."

أومأ لها.

ـ "صباح النور."

ـ "تحب أجيب لحضرتك القهوة؟"

هز رأسه.

ـ "آه."

دخل مكتبه.

خلع سترته وعلقها بعناية، ثم جلس خلف مكتبه وفتح الحاسوب المحمول، وبدأ يراجع الملفات الموجودة أمامه.

بعد دقائق...

جاء صوت طرقات على الباب.

ـ "ادخل."

دخلت السكرتيرة وهي تحمل فنجان القهوة.

وضعته أمامه.

ـ "اتفضل."

ـ "شكرًا."

رفع عينيه إليها وقال:

ـ "سليم جيه ولا لسه؟"

نظرت له وقالت:

ـ "ايوة جيه يا فندم."

ـ "تحب حضرتك أناديه."

هز رأسه.

ـ "آه."

خرجت السكرتيرة.

وبعد دقائق قليلة...

فُتح الباب.

دخل سليم وقال:

ـ "بيقولوا إنك عايزني."

لم يرفع عينيه عن شاشة الحاسوب.

ـ "اقعد."

جلس أمامه.

ثم قال:

ـ "في إيه؟"

أغلق الملف أمامه ببطء.

وقال بنبرة هادئة مريبة:

ـ "عرفت حاجة عن سالم؟"

هز سليم رأسه.

ـ "لا، مظهرش لغاية دلوقتي... بس مسيره هيظهر."

ـ "تمام."

ثم قال بجدية:

ـ "حاول تعرف مكانه بسرعة."

سكت لحظة، ثم أضاف بصوت منخفض:

ـ "خد مني واحدة... مش هياخد التانية."

فهم سليم قصده.

نظر إليه بأسف، لكنه لم يعلق.

وفجأة...

رن هاتفه.

نظر إلى الشاشة.

كان كريم.

تغيرت ملامحه قليلًا، ودق قلبه بقوة.

للحظة...

خاف أن يكون قد حدث لها شيء.

رفع الهاتف ورد سريعًا:

ـ "حصل حاجة؟"

جاء صوت كريم مترددًا:

ـ "لا... لا محصلش حاجة."

عقد حاجبيه.

ـ "أمال في إيه؟"

ابتلع كريم ريقه.

ـ "هو... في حاجة كده."

ـ "حاجة إيه؟"

قال كريم بحذر:

ـ "كنت مستني الهانم تخلص..."

توقف لحظة.

ـ "ولقيتها طالعة، بعدين لقيت راجل كده..."

اشتدت ملامحه.

ـ "راجل؟"

ـ "آه يا باشا."

ـ "وبعدين؟"

ـ "قرب منها... وحضنها."

ساد الصمت.

ضغط على الهاتف بقوة، وشد فكه.

لاحظ سليم التغير المفاجئ في ملامحه.

قال كريم:

ـ "وقاعدين بيتكلموا."

رفع عينيه إلى سليم، وكانت نظرته هذه المرة مختلفة تمامًا.

ثم قال لكريم بنبرة باردة لا تبشر بالخير:

ـ "تمام."

توقف لحظة.

ـ "أنا جاي."

 ثم أغلق الهاتف.

وقف فورًا.

نظر إليه سليم:

ـ "إيه اللي حصل؟"

لم يرد.

أخذ سترته واتجه إلى الباب.

ـ "هتعرف."

⸻

عند ليليان.

خرجت من المحاضرة.

كانت تمسك هاتفها، وتفكر في أن تتصل به وتسأله كيف ستعود إلى القصر.

لكن قبل أن تفتح هاتفها...

سمعت صوتًا يناديها.

ـ "ليليان."

رفعت رأسها.

اتسعت عيناها بدهشة.

ـ "عمر."

كان شابًا في منتصف العشرينات، يقف أمامها وينظر إليها بجدية.

نظرت إليه باستغراب.

ـ "إنت بتعمل إيه هنا؟"

ـ "جيت أشوف إيه اللي بتعمليه ده."

فهمت قصده، فتنهدت.

ـ "مش عايزة أتكلم في الموضوع ده."

تغيرت نبرته قليلًا.

ـ "مش عايزة تتكلمي؟ طب وأبوكي اللي ماشوفتوش بيضحك من ساعة اللي حصل؟"

نظرت إليه، وبدأت عيناها تمتلئان بالدموع.

أكمل وهو يقول:

ـ "إنتِ إزاي قلبك قسي على أبوكي كده؟"

خفضت عينيها.

انهمرت دموعها.

تنهد عمر، وخفف نبرته.

ـ "أنا مش جاي أزعلك."

اقترب منها قليلًا.

ـ "أنا جاي أعاتبك."

أشاحت بوجهها، ونزلت دموعها أكثر.

اقترب منها وضمها إليه.

ـ "أنا مش عايز أزعلك والله."

بادلته العناق وهي تبكي.

ـ "بابا وحشني أوي."

ربت على ظهرها بحنان.

ثم أبعدها عن صدره ونظر إليها.

ـ "طب ابقي تعالي لأبوكي."

ـ "عرفيه إنك لسه باقية عليه."

ثم أضاف:

ـ "ده مهما كان أبوكي."

مسحت دموعها.

وقالت بصوت متقطع:

ـ "هو قالي إن معنديش بنت اسمها ليليان..."

اختنق صوتها.

ـ "بابا بقى بيكرهني."

أمسك عمر وجهها بين يديه.

ـ "عمو مراد عمره ما يكرهك."

ابتسم بحزن.

ـ "ده إنتِ روحه... إنتِ حياته كلها."

نظرت إليه، ثم بدأت تلتفت حولها.

عقدت حاجبيها.

رأت أدهم يقترب منهما.

كان وجهه لا يبشر بالخير.

تجمدت للحظة.

ـ "أدهم..."

لم تكمل.

وجهه لكمة قوية إلى عمر.

تراجعت خطوة، ثم أمسكت وجهها بصدمة.

ـ "إنت بتعمل إيه؟."

لم يجبها.

كان الغضب يسيطر عليه.

وكاد يوجه له ضربة أخرى...

لكنها وقفت أمامه بسرعة.

ـ "خلاص."

انحنت قليلًا نحو عمر،ووضعت يدها مكان الضربة.

ـ "إنت كويس؟"

هز رأسه.

ـ "أنا كويس... متخافيش."

نظر إليها  أدهم بغضب شديد.

ثم أمسك ذراعها وجذبها إلى الخلف، حتى أصبحت واقفة خلفه.

نهض عمر من مكانه.

وكان على وشك أن يرد له اللكمة.

وقفت أمام عمر مرة أخرى.

ـ "خلاص عشان خاطري."

نظر إليها.

ثم نظر إلى أدهم.

قال عمر بضيق:

ـ "هبقى أجيلك تاني."

ضحك أدهم بسخرية.

وتقدم نحوه.

ـ "تجيلها تاني فين؟."

ثم أضاف بغضب:

ـ "إنت مش هتشوفها صدفة حتى."

قالت بسرعة:

ـ "ممكن خلاص؟"

نظر عمر إليها، ثم إلى أدهم وبعدها قال بضيق:

ـ "هبقي أكلمك."

ثم استدار وغادر.

التفتت إليه.

ـ "في إيه؟"

رد بعصبية:

ـ "في إن ألاقي حد بيكلمني يقولي الحق مراتك في حضن واحد غريب!"

نظرت إليه بضيق.

ـ "إنت بتراقبني؟"

ـ "مش بتزفت أراقبك."

ـ "أمال عرفت منين؟"

نظر إليها.

ـ "كريم قالي."

ثم أضاف:

ـ "كنت باعته ياخدك وشافك."

رفعت حاجبيها وعقدت ذراعيها.

ـ "وإنت طبعًا جيت بكل العصبية دي من غير ما تفهم وضربته."

ضحك بسخرية غاضبة.

ـ "أفهم إيه؟"

اقترب منها.

ـ "إنتِ حسابك معايا بس لما نروح."

ثم قال بحدة:

ـ "ومين ده أصلًا؟"

ـ "وازاي تسمحي له يلمسك؟"

ـ "ويعرفك منين أصلًا؟"

ـ "وازاي تتكلمي وتحضني راجل غريب؟"

أمسك ذراعها وضغط عليه دون أن ينتبه لقوة قبضته.

تألمت.

ـ "أولًا... ده مش غريب."

ثم قالت:

ـ "ده قريبي."

نظر إليها بسخرية.

ـ "قريبك؟"

ـ "آه."

ـ "وعادي؟"

قالت بضيق:

ـ "حضني يعني، وكان جاي يكلمني عشان بابا."

ضحك ضحكة ساخرة غاضبة.

ـ "آه... إذا كان قريبك، آه فعلًا عادي يحضنك."

ثم صرخ فيها:

ـ "إنتِ اتهبلتي ولا إيه؟!"

نظرت إليه بصدمة من صوته.

ـ "إتتِ شايفاني بقرون ولا حاجة؟"

ثم أكمل بغضب:

ـ "ده لو أخوكي ميحضنكيش!"

قالت بضيق:

ـ "ممكن متزعقش."

ثم أضافت:

ـ "وبعدين إحنا متعودين على كده... زي أخويا يعني."

شد فكه.

ـ "متعصبنيش عليكي."

ثم أمسك ذراعها وقال بصرامة:

ـ "اتفضلي امشي قدامي."

ـ "كلامنا في البيت."

سحبت ذراعها منه، وبدأت تفركه بألم خفيف بسبب قبضته.

في تلك اللحظة اقترب كريم.

نظر إلى أدهم، ولاحظ الغضب الواضح على وجهه.

قال أدهم وهو يحاول السيطرة على غضبه:

ـ "كريم."

ـ "نعم يا باشا؟"

ـ "خد العربية وارجع البيت."

ثم قال:

ـ "وأنا هرجع بعربيتي."

هز كريم رأسه.

ـ "حاضر يا باشا."

اتجه نحو السيارة.

التفت أدهم إليها.

وقال بصرامة:

ـ "اركبي."

نظرت إليه بضيق.

ثم فتحت باب السيارة وركبت دون كلمة.

وأغلق هو الباب خلفها، قبل أن يتجه إلى مقعد القيادة.

أغلق باب السيارة، ثم دار حولها واستقل مقعد القيادة.

انطلقت السيارة بسرعة، بينما بقي الصمت مسيطرًا على المكان.

كانت تنظر من النافذة، وذراعها ما زال يؤلمها قليلًا من قبضته.

أما هو فكان يقود بعينين مثبتتين على الطريق، وفكه مشدود من شدة الغضب.

مرت دقائق طويلة قبل أن يقول:

ـ "مين  الوادده؟"

لم تنظر إليه.

ـ "قولتلك قريبي."

ـ "ايوه قريبك من ناحية مين."

التفتت إليه بضيق.

ـ "من ناحية بابا،ابن عني."

ـ "وعلاقتكم إيه؟"

رفعت حاجبها.

ـ "إنت بتستجوبني؟"

ـ "جاوبيني."

تنهدت.

ـ "علاقتنا زي الإخوات. أعرفه من وأنا صغيرة."

ظل صامتًا.

ثم قال ببرود:

ـ "وهو  يحضنك ليه اصلا"

ـ "عشان كنت بعيط."

ـ "وكان لازم يحضنك؟"

نظرت إليه باستنكار.

ـ "أيوه، كان بيواسيني."

شد يده على المقود.

ـ "في طرق تانية للمواساة."

ضحكت بسخرية رغم ضيقها.

ـ "إنت أصلًا  ملكش دعوه."

التفت إليها بسرعة.

ـ "مليش دعوه؟!."

وأكمل ساخراً:

"امم وايه كمان."

سكتت لحظة، ثم قالت:

ـ "عمر جه عشان بابا."

هدأت نبرتها.

ـ "قالي أروح أشوفه."

ظل صامتًا.

ـ "أنا من ساعة ما اتجوزنا وأنا مشفتهوش."

ابتلعت غصتها.

ـ "وحشني."

نظر إليها للحظات، ثم أعاد عينيه للطريق.

ـ "هو طردك من حياته."

ـ "عارفة."

ـ "وقال إنك مش بنته."

ـ "عارفة."

ـ "يبقى ليه عايزة ترجعي له؟"

نظرت إليه بحزن.

ـ "عشان هو أبويا."

صمت.

ثم أضافت:

ـ "مهما حصل... هيفضل أبويا."

لم يجد ما يقوله.

لكن الغضب الذي كان يملأ صدره بدأ يهدأ قليلًا.

وبعد لحظات، لاحظ أنها ما زالت تفرك ذراعها.

نظر إليها.

ـ "وريني إيدك."

ـ "ليه؟"

ـ "وريني."

مدت ذراعها بتردد.

أمسكها من رسغها، ولكن هذه المرة برفق.

نظر إلى المكان الذي ضغط عليه.

بدأ الاحمرار يظهر عليه.

تغيرت ملامحه.

ترك يدها فورًا.

ـ "آسف."

نظرت إليه بدهشة.

كانت تلك أول مرة تسمع منه اعتذارًا بهذه البساطة.

لكنه لم ينظر إليها.

ظل مركزًا في الطريق.

وبعد دقائق، توقفت السيارة أمام القصر.

نزل أولًا، ثم فتح لها الباب.

نزلت دون أن تنظر إليه.

دخل الاثنان القصر.

لكن قبل أن تصعد الدرج، توقفت فجأة وقالت:

ـ "أدهم."

التفت إليها.

ـ "نعم؟"

ترددت قليلًا.

ثم قالت:

ـ "أنا برضو أسفه اني حضنتو."

رفع حاجبه بأستغراب.

اظلت تنظر له قليلاً.

ثم صعدت الدرج.

ظل واقفًا مكانه ينظر خلفها.

ولأول مرة...

ابتسم دون أن يشعر.

لكن ابتسامته اختفت سريعًا عندما أدرك ما حدث.

همس لنفسه:

ـ "أنا مالي أصلًا"

صعد إلى جناحه بخطوات هادئة، وما إن دخل حتى خلع بدلته ووضعها جانبًا، ثم اتجه إلى الحمام.

بعد دقائق، خرج وهو يجفف شعره بالمنشفة.

اتجه إلى خزانة ملابسه، وأخرج قميصًا من الكتان الأبيض، وارتداه مع بنطال من الكتان الأسود. أغلق أزرار القميص، ثم وقف أمام المرآة للحظات، وأخذ عطره المفضل ورش منه على عنقه ومعصميه.

كانت رائحته فاخرة وهادئة، مزيجًا من الأخشاب الدافئة مع لمسة عطرية نظيفة، تاركة خلفه أثرًا جذابًا لا يُخطئه أحد.

ثم غادر جناحه، واتجه إلى غرفتها.

وقف أمام الباب وطرق طرقات خفيفة.

انتظر.

لم يسمع ردًا.

عقد حاجبيه، ثم فتح الباب ودخل.

توقف عندما لم يجدها.

وفي اللحظة نفسها، انفتح باب الحمام.

خرجت هي، وقد لفت جسدها بمنشفة كبيرة، بينما كانت تمسح شعرها بمنشفة أخرى.

وما إن رأته حتى شهقت وصرخت:

ـ "اععع."

رفع حاجبه باستغراب، وقال ببرود:

ـ "إنتِ شوفتي عفريت ولا إيه؟"

نظرت إليه بضيق، ثم قالت وهي تحاول تغطية نفسها أكثر:

ـ "اطلع بره."

تنهد وهو يدير عينيه بعيدًا عنها.

ـ "طب البسي وانزلي."

ثم أضاف:

ـ "عشان هنتغدى بره."

توقفت عن الحركة، ونظرت إليه بفرحة واضحة.

ـ "بجد؟"

هز رأسه.

ـ "آه."

ثم استدار وخرج، وأغلق الباب خلفه.

...

بعد قليل...

كان يجلس في غرفة الجلوس، يحتسي قهوته بهدوء، بينما ينتظرها.

رفع عينيه عندما سمع صوت خطواتها على الدرج.

ظهرت أمامه.

وقفت بإطلالة تجمع بين الرقي والعصرية؛ كانت ترتدي توبًا حريريًا أسود بياقة عالية، يبرز كتفيها بنعومة، مع لمسة دانتيل خفيفة من الأسفل، ونسقته مع بنطال جينز أزرق واسع الساقين.

وأكملت إطلالتها بحذاء أسود مدبب، وحقيبة جلدية سوداء صغيرة، بينما زيّنت معصمها بسوار فضي رقيق أضاف لمسة من البريق الهادئ إلى مظهرها.

رفع عينيه إليها.

ثم رفع حاجبه وقال:

ـ "إيه كتافك دي؟"

نفخت بضيق.

ـ "مالها؟"

أشار إلى كتفيها،ثم نظر لها وقال:

ـ "متنفخيش."

ثم قال بجدية:

ـ "اطلعي هاتي أي حاجة تغطي كتافك."

نظرت إليه بضيق، لكنها لم تجادله.

استدارت وصعدت إلى غرفتها.

وبعد دقائق، عادت وهي تضع شالًا أسود خفيفًا على كتفيها.

نظر إليها، وارتسمت على وجهه ابتسامة مستفزة.

ـ "شوفتي.... كده بقيتي أحلى إزاي."

لم تجبه.

اكتفت بنظرة ضيق، ثم استدارت وخرجت من القصر.

خرج خلفها.

اقترب من السيارة وفتح لها الباب.

ركبت بهدوء، ثم أغلق الباب.

دار إلى الجهة الأخرى، واستقل مقعد القيادة.

أغلق الباب، ووضع يده على المقود، ثم أدار المحرك.

وانطلقت السيارة بعيدًا عن القصر.

قاد السيارة في هدوء، بينما كانت هي تجلس بجواره وتنظر من النافذة.

مرت دقائق دون أن يتحدث أيٌّ منهما.

ثم نظرت إليه بطرف عينها، وقالت:

ـ "إحنا هنروح فين؟"

أجاب دون أن يلتفت إليها:

ـ "نتغدى."

ـ "فين؟"

ـ "مطعم."

ـ "اسم المطعم إيه؟"

نظر إليها للحظة، ثم قال بنبرة هادئة:

ـ "لما نوصل."

نفخت بضيق وعادت تنظر من النافذة.

ابتسم ابتسامة خفيفة، ثم ركز عينيه على الطريق.

بعد وقت قصير، توقفت السيارة أمام مطعم فاخر يطل على النيل.

نظرت إليه بدهشة.

ـ "هنا؟"

ـ "آه."

ترجل من السيارة، ثم اتجه إلى جانبها وفتح الباب.

نزلت، وأخذت تعدل الشال فوق كتفيها.

دخل الاثنان إلى المطعم.

كان المكان هادئًا وفخمًا، والإضاءة خافتة، والطاولات موزعة على مساحة واسعة تطل على النيل.

تقدم أحد العاملين لاستقباله باحترام، ثم اصطحبهما إلى طاولة خاصة.

سحب لها الكرسي أولًا.

جلست وهي تنظر إليه باستغراب بسيط.

جلس أمامها.

ناولها قائمة الطعام وقال:

ـ "اختاري."

فتحت القائمة.

ـ "إنت هتطلب إيه؟"

ـ "أي حاجة."

ـ "يعني مش هتختار؟"

ـ "اختاري إنتِ."

رفعت عينيها إليه.

ـ "طب لو طلبت حاجات كتير؟"

ابتسم.

ـ "اطلبي."

ابتسمت دون أن تشعر.

وللحظة، ظل ينظر إليها.

لاحظ كيف عادت ابتسامتها العفوية التي اختفت طوال الأيام الماضية.

وللمرة الأولى منذ زواجهما...

جلس الاثنان أمام بعضهما دون شجار أو توتر.

لكن كل واحد منهما كان يخفي خلف هدوئه الكثير من الأشياء التي لم يجرؤ على قولها بعد.

رفع النادل قوائم الطعام، وبدأ كلٌّ منهما يختار ما يريد.

قالت وهي تقلب الصفحات:

ـ "أنا عايزة باستا."

رفع عينيه إليها.

ـ "بس؟"

ـ "آه."

ـ "اختاري اللي يعجبك."

أشارت إلى أحد الأطباق.

ـ "دي."

ثم أضافت:

ـ "وعايزة موخيتو كيوي."

نظر إليها للحظة، ثم التفت إلى النادل.

ـ "واحد باستا... وموخيتو كيوي."

ثم طلب طعامه، وغادر النادل.

وضعت هاتفها على الطاولة، وأسندت ذقنها إلى يدها.

كان الصمت بينهما غريبًا.

فقالت فجأة:

ـ "إنت  كنت دايمًا بتتغدى لوحدك؟"

ـ "غالبًا."

ـ "ومبتخرجش؟"

ـ "مش كتير."

ـ "ليه؟"

نظر إليها.

ـ "شغلي واخد وقتي."

هزت رأسها بتفهم.

وصل الطعام.

بدأت تأكل بهدوء، بينما كان هو يراقبها بين الحين والآخر دون أن تشعر.

وبعد لحظات، قالت:

ـ "الأكل حلو."

ـ "كويس."

رفعت عينيها إليه.

ـ "إنت جبتني هنا عشان الأكل بس؟"

توقف عن تناول طعامه.

نظر إليها لثوانٍ.

ثم قال:

ـ "ليه؟"

ـ "معرفش... بس حاسة إن في سبب."

أعاد نظره إلى طبقه.

ـ "مفيش سبب."

لم تقتنع، لكنها لم تضغط عليه.

تابعت تناول طعامها.

وبعد قليل، مد يده وأخذ كوب الماء الخاص به.

رفعت عينيها.وقالت:

ـ "هو انا هكمل في الجامعة صح."

ـ "آه."

ـ "ومش هتمنعني؟"

نظر إليها باستغراب.

ـ "ليه أمنعك؟"

ـ "معرفش."

ثم قالت بصوت أخفض:

ـ "كنت فاكرة إن بعد الجواز كل حاجة هتتغير."

صمت لحظة.

ـ "دراستك ملهاش علاقة بجوازنا."

نظرت إليه.

ـ "تمام."

ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة.

ـ "شكرًا."

هز رأسه فقط.

لكن شيئًا في داخله ارتاح لرؤيتها سعيدة.

وفي اللحظة نفسها، اهتز هاتفه على الطاولة.

نظر إلى الشاشة.

تغيرت ملامحه فورًا.

كان المتصل كريم.

أجاب:

ـ "أيوه."

جاءه صوت كريم:

ـ "باشا، وصلتني معلومة عن سالم."

اعتدل في جلسته.

ـ "قول."

ـ "اتحدد مكانه."

ساد الصمت لثوانٍ.

ثم قال بنبرة باردة:

ـ "فين؟"

أخبره كريم بالمكان.

رفع عينيه عن الهاتف، ونظر أمامه بنظرة حادة.

ـ "خليك مكانك."

ـ "حاضر."

أغلق المكالمة.

لاحظت تغير ملامحه.

وضعت الشوكة جانبًا وقالت:

ـ "في حاجة؟"

نظر إليها.

ثم قال بهدوء:

ـ "مفيش."

لكنها لم تصدقه.

ـ "إنت اتغيرت فجأة."

ظل ينظر إليها للحظات.

ثم قال:

ـ "عندي شغل ضروري."

انخفضت ملامحها قليلًا.

ـ "هنمشي؟"

أومأ.

ـ "آه."

نهض من مكانه، ثم وقف أمامها.

ـ "بس مش هنرجع القصر دلوقتي."

رفعت حاجبها باستغراب.

ـ "هنروح فين؟"

نظر إليها بنظرة غامضة.

ـ "هتعرفي لما نوصل."

ولأول مرة منذ بداية زواجهما...

شعرت أن خلف هدوئه هذا شيئًا خطيرًا يحدث.

غادر الاثنان المطعم، واتجه إلى السيارة بخطوات سريعة.

لحقت به وهي تقول:

ـ "أدهم، استنى."

توقف وفتح لها الباب.

ـ "اركبي."

ركبت، ثم أغلق الباب واستقل مقعد القيادة.

انطلقت السيارة، وهذه المرة لم يكن يقود بهدوء كما كان في طريقهم إلى المطعم.

كان صامتًا، وعيناه مثبتتان على الطريق.

نظرت إليه أكثر من مرة، ثم قالت:

ـ "إنت رايح تعمل إيه؟"

ـ "شغل."

ـ "شغل إيه؟"

ـ "حاجة تخصني."

تنهدت بضيق.

ـ "طب ما تقول."

نظر إليها للحظة.

ـ "مش عايزك تقلقي."

ـ "أنا أصلًا قلقت لما شوفت وشك."

لم يرد.

بعد دقائق، بدأت تلاحظ أن الطريق لم يعد مألوفًا.

نظرت حولها.

ـ "إحنا مش رايحين الشركة."

ـ "عارف."

ـ "أومال رايحين فين؟"

ظل صامتًا.

ـ "أدهم."

قال ببرود:

ـ "هتعرفي."

عقدت ذراعيها بضيق، وقررت ألا تسأله مرة أخرى.

بعد حوالي نصف ساعة، توقفت السيارة أمام مبنى ضخم تحيط به سيارات سوداء ورجال يرتدون ملابس رسمية.

نظرت من النافذة بدهشة.

ـ "إيه المكان ده؟"

أوقف السيارة، ثم التفت إليها.

ـ "هتنزلي معايا."

نظرت إليه بتردد.

ـ "ليه؟"

ـ "عشان مش هسيبك لوحدك في العربية."

ـ "طب هو في إيه؟"

صمت للحظات.

ثم قال:

ـ "في موضوع لازم أخلصه."

نزل من السيارة، واتجه إلى جانبها وفتح الباب.

مد يده لها.

نظرت إلى يده، ثم إليه.

ترددت قليلًا قبل أن تمسكها.

ساعدها على النزول، ثم أغلق الباب.

في اللحظة التي دخلا فيها المبنى، اقترب منهم رجل وقال:

ـ "باشا، كل حاجة جاهزة."

أومأ له.

ـ "كويس."

نظرت إليه باستغراب.

ـ "إيه اللي جاهز؟"

التفت إليها.

كانت نظرته هذه المرة مختلفة.

ـ "إنتِ هتفضلي هنا."

وأشار إلى غرفة جانبية.

ـ "ومتخرجيش منها لحد ما أرجع."

اتسعت عيناها.

ـ "إيه؟ ليه؟"

اقترب منها قليلًا وقال بنبرة حاسمة:

ـ "عشان المكان ده مش آمن."

ـ "مش آمن ليه؟"

لم يجب.

اكتفى بأن نظر إليها للحظات، ثم قال:

ـ "ثقي فيا."

توقفت عند كلماته.

ثقي فيا.

كانت أول مرة يطلب منها ثقتها بهذه الطريقة.

هزت رأسها ببطء.

ـ "حاضر."

ابتعد عنها.

وقبل أن يختفي خلف الباب، التفت إليها مرة أخيرة.

كانت واقفة مكانها تنظر إليه بقلق.

قال:

ـ "وأي حاجة تحصل، كلمي كريم."

ثم غادر.

أُغلق الباب خلفه.

ظلت واقفة وحدها، لا تعرف ما الذي يحدث.

وفي الخارج...

كان وجهه قد تحول تمامًا.

اختفت ملامح الرجل الهادئ الذي كان يجلس معها قبل دقائق على مائدة الغداء.

اقترب منه أحد رجاله.

ـ "سالم جوه."

رفع عينيه إليه.

ـ "متأكد؟"

ـ "آه."

أومأ ببطء.

ثم قال بصوت بارد:

ـ "المرة دي مش هيفلت."

وسار نحو الغرفة التي كان سالم بداخلها...

بينما بقيت هي في الداخل، لا تعلم أن الرجل الذي كانت تجلس معه على الغداء منذ دقائق فقط، يستعد لمواجهة أخطر شخص يطارده منذ فترة.

دفع الباب ودخل بخطوات ثابتة، وخلفه عدد من رجاله.

لم يكن سالم مقيدًا أو محاصرًا؛ كان يجلس باسترخاء على أريكة واسعة، وإلى جواره حراسه، وكأن وجوده في ذلك المكان لا يعني له شيئًا.

رفع عينيه فور دخول أدهم.

ساد صمت ثقيل بين الرجلين.

ابتسم سالم ابتسامة جانبية وقال:

ـ "كنت مستني اللحظة اللي أشوفك فيها من تاني."

توقّف أدهم أمامه، ثم ضحك ضحكة قصيرة ساخرة

ـ "حمايا العزيز، وحشني والله."

اختفت الابتسامة من وجهه عندما ذكر أنه كان زوج ابنته.
                   الفصل العاشر من هنا
تعليقات



<>