رواية خارج سجل الذاكرة الفصل الثالث3 بقلم ياره علاء الدين

رواية خارج سجل الذاكرة 
الفصل الثالث3
بقلم ياره علاء الدين
"أحيانًا أكبر غلطة ممكن تعملها... إنك تروح تدور على الحقيقة. لأن الحقيقة ساعات بتكون أرحم لو فضلت مستخبية." 

ـــــــــــــــــــــــ

الطريق لعيادة الدكتور النفسي كان أطول طريق مشيته في حياتي. 

كل خطوة كنت بحس إن فيه جبل على كتفي، لحد ما وصلت العيادة أخيرًا..

 الريحة هناك والهدوء القاتل اللي فيها، كانوا بيزودوا التردد اللي أنا فيه.

كان جوايا اثنين بيتخانقوا حد بيقولي إنت لازم تمشي دلوقتي حالًا، والتاني بيقنعني إني لازم أكمل، فضلت في الصراع ده لحد ما جه دوري ...

قعدت قدام الدكتور "طارق"، راجل ملامحه هادية ونظراته بتخترقك كأنه بيقرا أفكارك.

 مكنتش عارف أبدأ منين، بس بمجرد ما فتحت بوقي، الكلام نزل زي السيل. 

حكيتله عن الساعات اللي بتسقط من ذاكرتي، عن الصور المرعبة، وعن الكارثة الأكبر.. الأد.اة اللي لقيتها في درجي.

 كنت بتكلم وأنا بنهج، دموعي بتنزل غصب عني من رعب الفكرة.

 قولتله بصوت بيترعش:
 أنا خايف أكون وحش، خايف أكون قاتل متسلسل وأنا مش حاسس ولا واعي للي بعمله يادكتور!

الدكتور طارق فضل يسمعني بتركيز شديد من غير ما يقاطعني ولا مرة. ولما خلصت، ملامحه متغيرتش كتير، كأنه متعود يشوف ناس بتنـ.ـهار قدامه كل يوم.

 بدأ يطرح عليا أسئلة عن طفولتي، عن الضغوط اللي بمر بيها في الجامعة، وعن أي صدمـ.ـات قديمة. وفي النهاية، اتكلم بنبرة علمية بحتة وقالي:

  يادكتور يوسف زي مانت عارف إن العقل البشري لما بيتعرض لضغط نفسي فوق احتماله، ممكن يخلق شخصية بديلة عشان تهرب من الواقع، و الأعراض اللي عندك  دي بتشير لنوع من الفصــ.ـام أو اضـ.ـطراب الهوية الانفصالي, بس متقلقش خالص كل حاجة وليها علاج.

بعدها كتبلي روشتة فيها العلاج، وطلب مني أبدأ العلاج فوراً وأعزل نفسي الكام يوم دول عشان نسيطر على الحالة، وطمني إننا هنعدي الأزمة دي خطوة خطوة مع بعض.

خرجت من عنده حاسس إن فيه حـ.ـبل مشـ.ـنقة اتشال من على رقبتي، ورغم إن تشخيص الفصـ.ـام يخوف أي إنسان، بس كان أرحم بكتير من إني أكون مجـ.ــرم بــ.ـدم بارد بإرادتي.

 بدأت أخد الأدوية بانتظام. الحبوب دي كانت بتفصلني عن الدنيا، خلتني عامل زي الجـ.ــثة اللي بتتنفس. 

بنام بالساعات، بصحى مش مركز، عينيا تقيلة، وحركتي بطيئة جداً. بس وسط كل ده كنت مرتاح. كنت حاسس بالأمان لإن طول ما أنا متخــ.ـدر كده ومسجـ.ـون جوه شقتي، الكيان المرعب اللي جوايا مش هيقدر يصحى ولا يأذي أي حد تاني.

 عدى أسبوع وأنا حابـ.ـس نفسي، مابفتحش باب ولا برد على تليفون، مستسلم تماماً للعلاج!

لحد ما جت الليلة اللي هدت كل حاجة ونسفت الإحساس المزيف بالأمان.

 فتحت التليفزيون بالصدفة وأنا بشرب كوباية ماية، لقيت شريط الأخبار العاجلة باللون الأحمر على الشاشة ادامي كإنه مستنيني اقراه.

المرة دي مكنش التطبيق كان المذيع بيعلن عن جريــ.ـمة جديدة بتهز العاصمة، العثور على جـ.ــثة الضـ.ــحية الرابعة بنفس أسلوب القاتل المتسلسل،

 الكوباية وقعت من إيدي اتكسرت ميت حتة على الأرض. إزاي؟ 

الجــ.ـريـ.ـمة دي حصلت إمبارح بالليل! وأنا إمبارح كنت واخد جرعة  العلاج ومتحركتش من سريري، مستحيل أكون قومت من النوم ونزلت الشارع وارتكبت جريــ.ـمة بالبشــ.ـاعة دي وأنا مش قادر أصلب طولي أصلاً!

الرعب اللي حسيته المرة دي كان مختلف. رعب ممزوج بالجنـ.ـون الحقيقي والهلع.

 لبست هدومي وأنا مش شايف قدامي، ونزلت أجري في الشارع زي المجنون لحد ما وصلت عيادة الدكتور طارق.

 اقتــ.ـحمت الباب عليه وأنا بنهج وبزعق بهيستيريا.

 الدكتور أول ما شاف حالتي، طلب من الممرضة تخرج وتقفل الباب، اداني حقـ.ـنة مهدئة عشان أقدر أتنفس وأتكلم وأبطل الرعشة اللي ماسكة جسمي كله. 

قعدت على الكرسي وأنا بتهز، وقولتله بانهيار:
  مش أنا اللي بعمل كده، الجريـ.ـمة الأخيرة دي أكبر دليل إني بريء، أنا كنت واخد الادوية يادكتور ونايم في السرير مستحيل أكون طلعت من باب البيت!

الدكتور طارق حاول يهديني، وبدأ يقرأ تفاصيل الجريـ.ــمة الجديدة من الأخبار اللي انتشرت على كل المواقع، عشان يشوف إيه اللي راعبني للدرجة دي ويحلل الموقف معايا.

 الأخبار المرة دي كانت مسربة تفاصيل دقيقة جداً عن مسـ.ـرح الجريمة، من ضمنها تصريح من الطب الشرعي المبدئي اللي ذكر إن الطـ.ــعنة القـ.ـاتلة جات من زاوية محددة جداً. 

الدكتور كان بيقرأ بصوت عالي، وقال:
 بيقولوا ان الجـ.ـاني سدد الضربة من أعلى لأسفل بقوة، مما يؤكد وبشكل قاطع إنه استخدم يده اليمنى بشكل أساسي وبقوة عضلية بالغة.

هنا الدكتور سكت فجأة. رفع عينه من على الشاشة وبصلي بصدمة حقيقية.

 عينه نزلت على إيدي اللي كنت ماسك بيها منديل بمسح عرقي، وبعدين بص للورقة اللي كنت بكتبله عليها ملاحظاتي. الدكتور بلع ريقه وقال بصوت واطي:

 يا يوسف.. أنت أشول.. أنت بتستخدم إيدك الشمال في كل حاجة، مستحيل تعرف تمسك قلم بإيدك اليمين، فما بالك بضـ.ـربة محتاجة قوة عضلية وتوازن تام بالايد اليمين!

 مستحيل من الناحية التشريحية والعضلية تكون أنت اللي نفـ.ـذت الضربة دي!

الكلمة نزلت على ودني زي الصاعقة. عقلي وقف عن التفكير لثواني. أنا أشول! أنا مبعرفش أعمل أي حاجة بإيدي اليمين فعلا!

 التفصيلة العلمية البسيطة دي، كانت صك البراءة بتاعي. 

مستحيل أكون أنا القـ.ـاتل. طب الكلام ده معناه ايه؟ يعني انا معنديش فصام. فيه حد تاني.. هو اللي بيعمل الجـ.ـرايم دي، طب ليه بيزرع أدلة في بيتي؟ ليه بيبعتلي صور ليا من موقع الجـ.ـريمة؟ ليه مبلغش عني، الدكتور وقتها هداني وقالي:

 مش هناخد قرار دلوقتي في أي حالة إنت محتاج تهدى يايوسف، روح البيت دلوقتي واشوفك بكرة الصبح بعد ماتاخد الدوا ده.

خرجت من عيادة الدكتور وأنا بمشي في الشارع زي الميـ.ـت. مش عارف أفرح إني مش سـ.ــفاح، ولا أترعب من فكرة إن في شيطـ.ــان خفي ماسك خيوط حياتي وبيلعب بيها. 

مين اللي بيكرهني للدرجة دي؟ ومين اللي يعرف تفاصيل حياتي ويقدر يدخل شقتي عشان يورطني بالشكل المرعب ده؟
تعليقات



<>