رواية قدر لا يشبهنا الفصل الخامس5 بقلم ايه محمود

رواية قدر لا يشبهنا 
الفصل الخامس5
بقلم ايه محمود

بعد مرور أسبوعين، أسلم وروفانا استعادوا صحتهم بشكل ملحوظ؛ أسلم رجع لشغله وحياته اليومية، وروفانا رجعت لشركتها، لكن علاقتها بمامتها ماري لسه متوترة بسبب الخلافات اللي حصلت بينهم.
ياسمين قررت تاخد روفانا لمول كبير عشان تغيّر مودها وتخرجها من الضغط اللي كانت فيه.
وهما في المول، روفانا خبطت في واحدة كانت شايلة فستان.
العصير وقع على الفستان، فروفانا اعتذرت وعرضت تعوّضها عن اللي حصل.
الست قالت إن الفستان أصلي ومن تصميم روفانا العبد نفسها.
روفانا بصّت للفستان واكتشفت إنه تقليد، مش من تصميماتها الأصلية.
لما وضّحت للست الحقيقة، الست اتعصبت جدًا وحاولت تعتدي عليها، والتدخل بدأ عند النقطة دي. 

و ده كان آخر حاجة وقفنا عندها. 

روفانا كانت لسه واقفة مكانها، بتحاول تستوعب عصبية الست اللي قدامها، واللي واضح إنها مش ناوية تعدّي الموقف على خير.
الست بصتلها من فوق لتحت، وبعدين رفعت إيدها بغضب وهي بتقول بصوت عالي:
الست: إنتِ بتقولي على الفستان بتاعي تقليد يا بت إنتِ؟! إنتِ عارفة أنا ممكن أعمل فيكي إيه؟!
روفانا حاولت تحافظ على هدوئها، رغم إنها بدأت تفقد صبرها من أسلوب الست معاها.
روفانا: يا فندم أنا وضحت لحضرتك إن الفستان مش من تصميماتي، وده مش معناه إني بقلل منه ولا من حضرتك. أنا بس بقول الحقيقة، لأن اسمي موجود على تصميمات كتير بتتقلد، وده بيضر شغلي وسمعتي.
الست: آه يعني أنا كدابة؟! أنا اللي مش فاهمة؟! ده إنتِ شكلك محتاجة حد يربيكي من أول وجديد!
ياسمين، اللي كانت واقفة جنب روفانا، اتقدمت خطوة وهي بتبصلها بضيق.
ياسمين: لو سمحتي، اتكلمي باحترام. روفانا اعتذرت لحضرتك وعرضت تعوضك، وإنتِ اللي مصممة تكبّري الموضوع.
الست بصتلها بحدة، وبعدها رجعت بصت لروفانا، ورفعت إيدها عشان تضربها.
لكن قبل ما إيدها توصل لوش روفانا، إيد قوية مسكت رسغها في آخر لحظة.
الست اتفاجئت، وبصت لصاحب الإيد بعصبية.
الست: إنت مين؟! وإيه اللي إنت بتعمله ده؟!
لكن الشخص اللي كان واقف قدامها ما اهتمش حتى إنه يرد عليها في البداية، واكتفى إنه بص لها بنظرة باردة خلتها تسكت للحظة.
الشخص: نزلي إيدك.
الست: نعم؟!
الشخص، بنبرة أكثر حدة: قولت نزلي إيدك، ومش عايز أكرر كلامي تاني.
الست سحبت إيدها بسرعة، وهي بتبص له باستغراب، لكن أول ما شافت الرجالة اللي ظهروا من وراه، ملامحها اتغيرت، وبدأت تتراجع بخطوات صغيرة.
أما روفانا...
فكانت واقفة مكانها، عينيها متسمرتين على الشخص اللي ظهر فجأة، وكأن الزمن وقف حواليها.
كانت بتبص لملامحه، لوشه اللي كانت فاكرة إنها مش هتشوفه تاني، لنظراته الباردة اللي كانت في يوم من الأيام بتحاول تفسرها وتفهم وراها إيه.
شفايفها اتحركت بصعوبة، وخرج الاسم منها كأنه طالع من أعماق صدمتها.
روفانا: د... دانيال؟!
دانيال لف وشه ناحيتها ببطء، وابتسامة باردة ظهرت على شفايفه.
دانيال: أهلًا يا روفانا.
الكلمتين كانوا كفيلين إنهم يخلوا الدم ينسحب من وشها.
روفانا فضلت باصة له، مش قادرة تصدق إن الشخص اللي قدامها هو نفسه دانيال، الشخص اللي كانت مرتبطة بيه، واللي اكتشفت خيانته، واللي بعدها مباشرة حصل الحادث اللي كاد ينهي حياتها.
الشخص اللي كانت بتحاول تقنع نفسها إنها خرجت من حياته للأبد.
روفانا، بصوت مهزوز من الصدمة والغضب: إنت... إنت بتعمل إيه هنا؟!
دانيال ابتسامته وسعت شوية وهو بيتأمل ملامحها.
دانيال: هو ده استقبال حبيبتي القديمة؟! ولا إنتِ نسيتي كل اللي كان بينا بالسرعة دي؟
روفانا رجعت خطوة لورا من غير ما تحس، وكأن مجرد وجوده قريب منها بقى مصدر خطر.
روفانا: حبيبتك؟! إنت لسه عندك الجرأة تنطق الكلمة دي؟!
دانيال: اهدي يا روفانا، مش هنا مكان الكلام ده.
روفانا: أنا مش عايزة أتكلم معاك أصلًا! ابعد عني!
لفت عشان تمشي، لكنه مد إيده ومسك دراعها بقوة.
روفانا اتألمت وحاولت تفلت إيدها.
روفانا: سيب إيدي!
دانيال، من غير ما يبصلها: خدوا الست دي من هنا، ومش عايز أي دوشة.
واحد من رجاله اتحرك ناحية الست اللي كانت بتحاول تعترض، بينما راجل تاني وقف قريب من ياسمين.
دانيال بص لرجالته بنظرة حادة.
دانيال: واللي حصل هنا ما يطلعش بره المكان ده. مفهوم؟
أحد رجاله: مفهوم يا باشا.
ياسمين كانت بتبص للمشهد بصدمة، وبعدها اتحركت بسرعة ناحية روفانا.
ياسمين: دانيال! إنت بتعمل إيه؟! سيبها حالًا!
دانيال تجاهلها تمامًا، وشد روفانا ناحية مخرج المول.
روفانا بدأت تقاومه بكل قوتها.
روفانا: إنت اتجننت؟! ابعد عني! أنا مش هروح معاك في أي مكان!
دانيال: بطلي فضايح يا روفانا!
روفانا: فضايح؟! إنت اللي جاي تمسكني غصب عني، وبتتكلم عن الفضايح؟!
حاولت تشد دراعها من إيده، لكنه كان أقوى منها، وكل ما كانت بتحاول تبعد عنه، كان بيزود قبضته عليها.
ياسمين جريت وراهم وهي بتنادي عليها.
ياسمين: روفانا! سيبها يا دانيال! إنت مش من حقك تعمل فيها كده!
لكن واحد من رجال دانيال وقف في طريقها.
ياسمين وقفت قدامه بغضب.
ياسمين: وسّع من وشي!
الرجل: معلش يا هانم، مش هينفع.
ياسمين: إنتوا فاكرين نفسكم مين؟! إنتوا خطفينها قدام الناس!
حاولت تعدي من جنبه، لكنه وقف قدامها تاني، وفي اللحظة دي كانت روفانا بالفعل وصلت مع دانيال لباب المول الخارجي.
روفانا بصت وراها، وشافت ياسمين بتحاول توصل لها، فصرخت بكل قوتها.
روفانا: ياسمين! اتصلي بالشرطة! ياسمين!
ياسمين: روفاناااا!
لكن صوت العربيات والناس اللي بدأت تتجمع حوالين المكان كان بيغطي على أصواتهم، ودانيال ما اداهاش فرصة تكمل.
شدها ناحية عربيته اللي كانت واقفة على مقربة من المدخل.
روفانا حاولت تثبت رجليها في الأرض، لكنها اتسحبت خطوة لقدام.
روفانا: بقولك إيه، إنت مش هتقدر تاخدني في أي مكان! فاهم؟!
دانيال لف لها فجأة، وعينيه بقت مليانة غضب.
دانيال: إنتِ لسه فاكرة نفسك تقدري تقفي قصادي؟!
روفانا: أنا مش بخاف منك!
دانيال ضحك ضحكة قصيرة خالية من أي مرح.
دانيال: هنشوف.
فتح باب العربية بعنف، وحاول يدخلها بالقوة.
روفانا حطت إيديها على إطار الباب ودفعت نفسها لورا.
روفانا: ابعد عني!
دانيال: ادخلي العربية يا روفانا!
روفانا: مش داخلة!
مسكها من دراعها وحاول يجبرها تدخل، لكن روفانا استغلت اللحظة اللي قرب فيها منها، ودفعت إيده بكل قوتها، وبعدها ضربته بكفها على وشه.
الصوت كان واضح، ودانيال اتجمد للحظة من المفاجأة.
روفانا نفسها اتفاجئت إنها قدرت تعملها، لكنها ما ضيعتش ثانية واحدة.
جريت بعيد عنه بأقصى سرعة تقدر عليها.
دانيال لمس خده ببطء، وبص لها وهي بتبعد، والغضب في عينيه اتحول لحاجة أخطر.
دانيال، بصوت عالي: روفانااا!
لكنها ما وقفتش.
دانيال:  لو ما وقفتيش هندمك على اليوم اللي اتولدتي فيه!
روفانا كانت بتجري وهي بتاخد أنفاس متقطعة، وقلبها بيدق بعنف لدرجة إنها كانت حاسة إنه هيخرج من مكانه.
ما كانتش عارفة تروح فين، ولا إزاي تبعد عنه، كل اللي كانت عايزاه إنها تخرج من المكان ده وتوصل لأي حد يقدر يحميها.
لكنها ما لحقتش تبعد كتير.
دانيال لحقها، ومسك دراعها من الخلف، فلفت له بسرعة وحاولت تبعده عنها.
روفانا: إنت عايز مني إيه؟! حرام عليك! سيبني في حالي!
دانيال: عايز أفهمك إنك مش هتقدري تهربي مني كل شوية!
روفانا: أهرب منك؟! أنا اللي المفروض أسألك إنت! إنت ليه بتلاحقني؟! مش كفاية اللي عملته فيا؟!
دانيال سكت للحظة، وبص لها بنظرة غريبة.
دانيال: اللي عملته فيكي؟! إنتِ بتتكلمي عن إيه بالظبط؟
روفانا ضحكت بمرارة، ودموع الغضب بدأت تتجمع في عينيها.
روفانا: بلاش تمثيل يا دانيال. كفاية كذب! أنا عرفت كل حاجة.
دانيال ضيق عينيه.
دانيال: عرفتي إيه؟
روفانا: عرفت إنك إنت السبب في الحادث!
الكلمات خرجت منها بقوة، وكأنها كانت مستنية اللحظة دي من زمان عشان تواجهه بالحقيقة اللي قلبت حياتها.
دانيال فضل ساكت ثواني، وبعدين بص حواليه، كأنه بيتأكد إن مفيش حد قريب منهم يقدر يسمع الكلام.
رجع بص لها، والملامح اللي كانت بتحاول تقنع نفسها إنها تعرفها اختفت تمامًا من وشه.
دانيال: مين قالك الكلام ده؟
روفانا: مش مهم مين قال! المهم إن الحقيقة ظهرت، وإنك طلعت إنسان أنا عمري ما تخيلت إنك ممكن تكون بالشكل ده!
دانيال: روفانا...
روفانا قاطعته بعنف.
روفانا: لا! ما تنطقش اسمي! إنت مش من حقك حتى تنطق اسمي! أنا كنت فاكرة إنك مجرد إنسان خاين، وإن كل اللي حصل بينا انتهى لما فسخت خطوبتنا، لكن إنت طلعت أسوأ بكتير مما كنت أتخيل!
دانيال قرب منها خطوة.
دانيال: إنتِ فاهمة الموضوع غلط.
روفانا: غلط؟! إنت حاولت تقتلني يا دانيال! كنت ممكن أموت! كنت ممكن ما أشوفش أهلي تاني! كنت ممكن حياتي كلها تنتهي بسببك!
صوتها اتكسر في آخر جملة، لكن نظراتها فضلت ثابتة عليه.
روفانا: ليه؟! أنا عملتلك إيه لكل ده؟! عشان اكتشفت خيانتك؟! عشان رفضت أكمل حياتي مع واحد زيك؟!
دانيال بص لها ببرود، وكأن كلامها ما بقاش ليه أي تأثير عليه.
دانيال: إنتِ اللي وصلتي نفسك لكده يا روفانا.
روفانا هزت راسها بعدم تصديق.
روفانا: أنا؟!
دانيال: أيوه، إنتِ. لو كنتِ سكتّي، ولو كنتِ عرفتي مكانك، كان زمان كل حاجة مختلفة.
روفانا: مكاني؟! مكاني إني أعيش مع واحد بيخوني ويكدب عليا، ولما أكتشف حقيقته يحاول يقتلني؟!
دانيال صوته ارتفع فجأة.
دانيال: كفاية!
روفانا اتراجعت خطوة، لكنه كمل وهو بيبصلها بنظرة خلت قلبها ينقبض.
دانيال: إنتِ ما تعرفيش إنتِ لعبتي مع مين، ولا إنتِ عملتي إيه لما قررتي تخرجي من حياتي بالطريقة دي.
روفانا: أنا ما لعبتش معاك في حاجة! أنا بس رفضت أعيش كدبة!
دانيال سكت، وبعدها ابتسم ابتسامة باردة خلت روفانا تحس إن فيه حاجة أسوأ جاية.
دانيال: طالما كل حاجة بقت على المكشوف...
وقف لحظة، وبص في عينيها مباشرة.
دانيال: يبقى لازم أخلّص منك.
روفانا اتجمدت مكانها.
لثواني، ما سمعتش أي صوت حواليها. لا صوت العربيات، ولا الناس، ولا حتى أنفاسها المتلاحقة.
كانت بتبص له، بتحاول تستوعب إن الشخص اللي قدامها قال الجملة دي بكل الهدوء ده.
روفانا، بصوت مبحوح: إنت... إنت بتقول إيه؟!
دانيال: سمعتي كويس.
روفانا رجعت خطوة لورا، لكن دانيال قرب منها بسرعة.
روفانا: ابعد عني!
حاولت تلف وتجري، لكنه مد إيده ودفعها بعنف بعيد عنه، ناحية الشارع.
كل حاجة حصلت في لحظة.
روفانا فقدت توازنها، ورجليها اتلخبطت، ولما رفعت عينيها شافت عربية جاية في اتجاهها.
النور ضرب في عينيها، وصوت الفرامل شق الهوا.
ما كانش فيه وقت تفكر.
ما كانش فيه وقت تصرخ حتى.
غمضت عينيها بقوة، ورفعت إيديها قدام وشها بشكل غريزي، مستعدة للحظة اللي كانت متأكدة إنها النهاية.
لكن...
إيد قوية أحاطت بخصرها فجأة، وشدتها بعيد عن مسار العربية في آخر لحظة.
جسمها ارتطم بصدر شخص، والاتنين اتحركوا بعيد عن الطريق، بينما العربية عدت بسرعة وصوت فراملها لسه بيرن في المكان.
روفانا كانت بتتنفس بصعوبة، وإيديها اتعلقت في ملابس الشخص اللي أنقذها من غير ما تفكر.
ثواني مرت قبل ما تفتح عينيها ببطء.
أول حاجة شافتها كانت إيديه اللي لسه مسكاها عشان ما تقعش.
وبعدين رفعت وشها.
ملامح مألوفة...
عينيه...
وشه اللي افتكرته في لحظات كتير من وقت الحادث.
نفس الشخص اللي ظهر في أسوأ لحظة في حياتها، وكان السبب في إنها تعيش يومًا إضافيًا.
الشخص اللي ما كانتش تعرف عنه غير القليل، لكنها ما نسيتش ملامحه أبدًا.
روفانا همست، وصوتها بالكاد خرج:
روفانا: أ... أسلم؟! نعم هي تعرف اسمه فهي ذهبت الى المستشفى وعرفت عنه بعض المعلومات ومنها اسمه. 
أسلم كان باصص لها بصدمة، وعينيه بتتنقل بين وشها الشاحب والطريق اللي كانت هتكون نهايتها عليه من ثواني.
أسلم: إنتِ كويسة؟! اتعورتي؟!
لكن روفانا ما ردتش.
كانت لسه متعلقة فيه، مش قادرة تستوعب إنها شافته مرة تانية، ولا إن الشخص اللي أنقذها من الموت للمرة التانية هو نفسه الشخص اللي افتكرته من أول نظرة.
أسلم حرك إيده بحذر عشان يتأكد إنها واقفة كويس، وبعدين رفع عينيه ناحية الشخص اللي دفعها.
دانيال كان واقف على بعد خطوات، ملامحه اتغيرت للحظة لما شاف روفانا بين إيدين أسلم.
أسلم بص له بنظرة حادة، وصوته خرج منخفضًا لكنه مليان غضب:
أسلم: إنت عملت إيه؟!
دانيال ما ردش.
اكتفى إنه بص لروفانا، وبعدها رجع بص لأسلم، وكأن وجود الشخص الغريب ده قلب حساباته كلها.
أما روفانا، فكانت لسه بتحاول تستوعب اللي حصل.
المرة دي، أسلم ما أنقذهاش من حادث...
المرة دي، أنقذها من القاتل اللي كان واقف قدامها... 

🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺

أسلم كان لسه واقف قدام روفانا، إيده مسنودة على دراعها عشان يتأكد إنها قدرت تستعيد توازنها، وعينيه مثبتة على دانيال اللي كان واقف قصاده ببرود مستفز، وكأن اللي حصل من ثواني ما كانش محاولة واضحة لإنهاء حياة إنسانة.

أسلم كرر سؤاله، لكن المرة دي صوته كان أعلى، ونظراته أكثر حدة.

أسلم: إنت عملت إيه؟! إنت زقيتها قدام العربية ليه؟!

دانيال عدّل ياقة قميصه، وبص لأسلم من فوق لتحت، وكأنه بيحاول يقيّم الشخص اللي تجرأ ووقف في طريقه.

دانيال: وإنت مالك؟! إنت مين أصلًا عشان تحاسبني؟!

أسلم: أنا واحد شافك بعينه وإنت بتزقها قدام عربية! يعني بدل ما تبقى بتسأل عليها وتشوف إذا كانت كويسة ولا لأ، إنت واقف بتتكلم بكل البرود ده؟!

دانيال ضحك بسخرية.

دانيال: واضح إنك مش فاهم إنت بتتكلم مع مين.

أسلم: لأ، أنا فاهم كويس أنا بتكلم مع مين، وفاهم كمان إنك واحد فاكر إن الفلوس والرجالة اللي حواليه يقدروا يخلّوه يعمل أي حاجة من غير ما حد يوقفه عند حدّه.

ملامح دانيال اتبدلت، والابتسامة اختفت من على وشه تمامًا.

دانيال: إنت شكلك مش عارف مصلحتك.

أسلم: مصلحتي أعرفها كويس، ومش محتاج واحد زيك يفهمهالي.

روفانا كانت واقفة ورا أسلم، قلبها لسه بيدق بعنف، وعينيها بتتنقل بين الاتنين. كانت عارفة دانيال كويس، وعارفة إنه مش من النوع اللي بيعدّي إهانة بالشكل ده، خصوصًا قدام رجالته.

حاولت تتدخل قبل ما الأمور تتطور.

روفانا: أسلم، خلاص... خلينا نمشي من هنا.

أسلم ما شالش عينيه من على دانيال.

أسلم: إنتِ كويسة؟!

روفانا، بصوت متوتر: أيوه، بس عايزين نمشي.

أسلم هز راسه بهدوء، وبعدها رجع بص لدانيال.

أسلم: سمعت؟! هي مش عايزة تشوفك، فالأحسن تسيبها في حالها.

دانيال قرب منه خطوة، وبص له بتحدٍّ.

دانيال: وإنت اللي هتخليني أسيبها؟!

أسلم: لو مش هتفهم بالكلام، يبقى دي مشكلتك.

دانيال: إنت فاكر نفسك بطل عشان أنقذتها من العربية؟! إنت ولا تعرف هي مين، ولا تعرف أنا مين، ولا تعرف إنك لو فضلت واقف قدامي بالشكل ده هتندم على اليوم اللي شفتها فيه!

أسلم ابتسم ابتسامة ساخرة.

أسلم: الغريب إنك بدل ما تشكر ربنا إن البنت لسه عايشة، إنت واقف بتتوعد الناس! إنت محتاج تراجع نفسك يا أستاذ.

الجملة الأخيرة كانت كفيلة إنها تفقد دانيال آخر ذرة من أعصابه.

مد إيده ودفع أسلم في صدره بقوة.

روفانا شهقت.

روفانا: دانيال! إنت اتجننت؟!

أسلم رجع خطوة لورا من أثر الدفعة، لكنه استعاد توازنه بسرعة، وبص لدانيال للحظة طويلة قبل ما يتكلم.

أسلم: إنت اللي بدأت.

دانيال: ودي لسه البداية!

ما كملش كلامه حتى كان بيوجه ضربة لأسلم، لكن أسلم تفاداها في آخر لحظة، ورد عليه بضربة قوية خلت دانيال يتراجع خطوتين.

في لحظة واحدة، المكان كله اتقلب.

دانيال اندفع ناحية أسلم، والاتنين دخلوا في عركة عنيفة، كل واحد فيهم بيحاول يسيطر على التاني.

أسلم كان أقوى مما دانيال توقع، ورغم إنه مش من النوع اللي بيدور على المشاكل، إلا إنه ما كانش ممكن يقف يتفرج على شخص بيعتدي على بنت، وبعدها يحاول يقتله قدام عينيه.

دانيال حاول يوجه له ضربة تانية، لكن أسلم صدها، ومسكه من قميصه وأبعده عنه.

أسلم: مش هسمحلك تمد إيدك عليها تاني!

دانيال: إنت فاكر إنك هتقدر تحمّيها مني؟!

أسلم: طول ما أنا شايفك بتأذيها، هقفلك!

دانيال دفعه بعنف، وأسلم ارتطم بجانب إحدى العربيات المركونة، لكنه ما استسلمش. رجع وقف بسرعة، وقبل ما دانيال يلحق يوجه له ضربة جديدة، أسلم ضربه في وشه، فاختل توازنه للحظة.

رجالة دانيال، اللي كانوا واقفين على مسافة، اتحركوا بسرعة ناحية الاتنين.

واحد منهم مسك أسلم من كتفه من الخلف، والتاني حاول يضربه، لكن أسلم قدر يفلت من الأول ويدفع التاني بعيد عنه.

روفانا كانت بتبص للمشهد برعب.

روفانا: إنتوا اتجننتوا؟! ابعدوا عنه! محدش يلمسه!

لكن محدش كان بيسمعها.

دانيال رجع اندفع ناحية أسلم، والاتنين وقعوا على الأرض للحظة قبل ما كل واحد يحاول يقوم ويكمل العركة.

أسلم تلقى ضربة في جانب وشه، وحس بألم حاد في شفته، لكنه ما اهتمش. كل اللي كان شايفه قدامه هو دانيال، الشخص اللي حاول يقتل البنت اللي أنقذها قبل كده، واللي دلوقتي بيحاول يعتدي عليها مرة تانية.

أسلم مسكه من قميصه، وقال بغضب:

أسلم: إنت لو قربت منها تاني، والله ما هسيبك!

دانيال حاول يحرر نفسه من قبضته، وبعدها ضربه في كتفه، فاضطر أسلم يبعد عنه خطوة.

في اللحظة دي، روفانا أخرجت موبايلها بإيد بتترعش، واتصلت بسرعة بمسؤول الأمن الخاص بيها.

روفانا: ألو! إنتوا فين؟!

الحارس: تحت أمرك يا فندم.

روفانا: أنا عند المدخل الرئيسي للمول، وفي مشكلة كبيرة! عايزاكم تيجوا حالًا، وخلي بالك محدش يسيب دانيال ورجالته يهربوا قبل ما توصلوا!

الحارس: تحت أمرك يا فندم، إحنا جايين حالًا.

قفلت المكالمة، ورجعت تبص ناحية العركة.

كان أسلم بيتلقى ضربات، لكنه في المقابل كان بيدافع عن نفسه بكل قوته، ودانيال واضح إنه بدأ يفقد السيطرة على الموقف.

وبعد أقل من دقيقة، ظهرت عربيتان سوداوان عند مدخل المول، ونزل منهما عدد من الحراس، اتحركوا بسرعة ناحية المكان.

روفانا جريت ناحيتهم.

روفانا: بسرعة! فضّوا العركة دي!

الحراس اتحركوا فورًا، وفصلوا بين أسلم ودانيال، بينما اتنين منهم وقفوا قدام رجال دانيال ومنعوهم من الاقتراب مرة تانية.

دانيال كان بيتنفس بعنف، ووشه متأثر من الضربات، لكنه فضل يحاول يتقدم ناحية أسلم.

دانيال: سيبوني! أنا لسه ما خلصتش منه!

أحد حراس روفانا وقف في طريقه.

الحارس: كفاية لحد كده يا فندم.

دانيال: إنت بتقولي أنا كفاية؟! إنت عارف أنا مين؟!

روفانا اتقدمت، ووقفت قدامه، ولأول مرة من وقت ما ظهر، ما كانش في صوتها أي خوف.

روفانا: أيوه، عارفة إنت مين كويس جدًا، وعشان كده مش عايزة أشوف وشك تاني في حياتي.

دانيال بص لها، وعينيه مليانة غضب.

دانيال: إنتِ لسه فاكرة إنك كسبتي؟!

روفانا: أنا مش داخلة معاك في منافسة أصلًا. أنا عايزة أعيش في حالي، وإنت اللي مش راضي تسيبني.

دانيال: إنتِ اللي أجبرتيني أوصل للمرحلة دي.

روفانا: لا يا دانيال، إنت اللي اخترت تبقى بالشكل ده. محدش أجبرك تخون، ولا محدش أجبرك تحاول تقتلني!

دانيال سكت للحظة، وبعدها بص ناحية أسلم اللي كان واقف ورا الحراس، بيمسح الدم اللي ظهر عند طرف شفته.

دانيال: وإنت بقى... اسمك إيه؟!

أسلم ما ردش.

دانيال ابتسم ابتسامة باردة.

دانيال: مش مهم دلوقتي. أنا هعرف كل حاجة عنك، وهعرف إنت مين، وبتشتغل فين، وعندك إيه، وبتروح فين.

أسلم بص له بثبات.

أسلم: اعرف اللي إنت عايزه. أنا مش بخاف من التهديدات.

دانيال: هنشوف يا شاطر.

لف ناحية رجاله، وأشار لهم يمشوا.

قبل ما يركب عربيته، رجع بص لروفانا.

دانيال: إنتِ فاكرة إنك لما تبعدي عني كل حاجة هتنتهي؟! صدقيني، إنتِ لسه ما شفتيش حاجة.

روفانا: امشي يا دانيال!

دانيال بص لها للحظة أخيرة، وبعدها ركب عربيته، وتحركت العربيات بعيدًا عن المكان.

لكن قبل ما يختفي تمامًا، كان عقله بدأ يرسم خطة جديدة، خطة ما كانش أسلم يعرف عنها أي حاجة.

لأن دانيال ما كانش من النوع اللي بيتراجع بعد الهزيمة، وخصوصًا لما تكون الهزيمة قدام شخص شايفه أقل منه في كل شيء.

---

بعد ما العربيات اختفت، روفانا فضلت واقفة مكانها للحظات، بتحاول تستوعب اللي حصل.

بصت لأسلم، ولاحظت الدم اللي عند شفته، والكدمة اللي بدأت تظهر على جانب وشه، والطريقة اللي كان بيحاول بيها يخفي ألمه.

قلبها انقبض.

روفانا قربت منه بسرعة.

روفانا: أسلم! إنت كويس؟!

أسلم مسح شفته بإيده، وبص للدم باستغراب بسيط.

أسلم: أيوه، متقلقيش. دي حاجات بسيطة.

روفانا: بسيطة إيه؟! إنت وشك كله اتبهدل!

أسلم ابتسم ابتسامة خفيفة.

أسلم: أهو أحسن ما كانت هي اللي اتبهدلت.

روفانا سكتت للحظة.

الجملة كانت بسيطة جدًا، لكنه قالها وكأن الموضوع ما يستاهلش حتى إنه يفكر فيه.

روفانا: إنت... إنت اتصبت بسببي.

أسلم: لا، أنا اتصبت عشان دخلت عركة. وإنتِ مالكيش ذنب في حاجة.

روفانا: بس لو مكنتش جيت تساعدني...

أسلم قاطعها بهدوء.

أسلم: لو كنت مكانك وشفت حد بيحاول يقتل إنسان قدامي، كنت هتدخل. دي مش حاجة تستاهل إنك تفضلي تلومي نفسك عليها.

روفانا بصت له، ومش عارفة ترد بإيه.

كانت متعودة على ناس كتير في حياتها بيحسبوا كل خطوة، وبيفكروا في المقابل قبل ما يقدموا أي مساعدة، لكن أسلم كان بيتكلم ببساطة غريبة، كأن مساعدة إنسان في خطر شيء طبيعي ما يستحقش النقاش.

روفانا: أنا مش عارفة أشكرك إزاي.

أسلم: متشكرنيش. المهم إنك بخير.

روفانا هزت راسها، وبعدها بصت لشفته المصابة.

روفانا: لأ، استنى. إنت لازم تروح المستشفى.

أسلم: مستشفى إيه بس؟! أنا كويس، وهروح بيتي أرتاح شوية.

روفانا: إنت بتهزر؟! وشك بينزف، وممكن تكون اتصبت في حاجة تانية وإنت مش واخد بالك!

أسلم: والله أنا كويس.

روفانا: وأنا بقولك إنك مش كويس، ومش هسيبك تمشي قبل ما أطمن عليك.

أسلم بص لها باستغراب من إصرارها، وبعدها قال بهدوء:

أسلم: طيب، إنتِ كمان المفروض تروحي ترتاحي. اللي حصل النهارده مش سهل.

روفانا: أنا هبقى كويسة، لكن إنت لازم تتعالج. وبعدين أنا السبب في إنك اتصبت، فخليني على الأقل أعمل حاجة.

أسلم: إنتِ مش السبب في حاجة يا آنسة...

وقف لحظة، وكأنه افتكر إنه لسه ما يعرفش حتى اسمها بشكل مباشر.

أسلم: على فكرة، أنا حتى ما أعرفش اسمك.

روفانا بصت له، ولأول مرة من بداية اليوم، ابتسامة صغيرة ظهرت على وشها رغم التوتر اللي كانت فيه.

روفانا: روفانا. روفانا العبد.

أسلم هز راسه.

أسلم: تشرفت يا آنسة روفانا.

روفانا ابتسمت ابتسامة خفيفة.

روفانا: الشرف ليا أنا، بعد اللي عملته عشاني.

وبعدها أشارت للحراس.

روفانا: جهزوا العربية، وإنتوا اتنين تعالوا معانا.

أحد الحراس: حاضر يا فندم.

أسلم حاول يعترض مرة أخيرة.

أسلم: يا جماعة، والله أنا مش محتاج كل ده!

روفانا بصت له بجدية.

روفانا: أسلم، أنا مش هجادلك. إنت هتيجي معايا المستشفى، وده آخر كلام عندي.

أسلم رفع حاجبه باستغراب.

أسلم: إنتِ دايمًا بتدي أوامر كده؟!

روفانا اتفاجئت من سؤاله، وبعدها ضحكت ضحكة صغيرة خرجت منها من غير ما تقصد.

روفانا: لما اللي قدامي يبقى عنيد بالشكل ده، أيوه!

أسلم ابتسم، وهز راسه باستسلام.

أسلم: خلاص يا ستي، اللي تشوفيه.

ولأول مرة من وقت طويل، روفانا حسّت إن الضحكة اللي خرجت منها كانت حقيقية، ولو للحظات بسيطة.

---

بعد وقت قصير، وصلت العربية إلى المستشفى.

روفانا أصرت إنها تدخل مع أسلم بنفسها، رغم محاولته المتكررة إنه يقنعها إن الإصابة بسيطة ومش مستاهلة.

وبعد الكشف عليه، اتضح إنه عنده كدمة واضحة في وجهه، وجرح صغير عند شفته محتاج تنظيف وعناية، بالإضافة لألم في كتفه اللي كان بسبب الحادث ولم يشفى بعد، لكن الحمد لله ما كانش فيه أي إصابة خطيرة.

الدكتور: الحمد لله، مفيش حاجة خطيرة. الجرح بسيط، والكدمات محتاجة شوية وقت عشان تخف. هننضف الجرح ونطمن على الكتف، وبعدها يقدر يمشي، مع الراحة وتجنب أي مجهود عنيف.

روفانا تنفست براحة، وكأنها كانت حابسة نفسها طول الوقت.

روفانا: كويس .

أسلم بص لها، ولاحظ القلق اللي لسه ظاهر في عينيها.

أسلم: أهو يا ستي، قلتلك إني كويس.

روفانا: كويس إيه؟! الدكتور لسه مخلصش كلامه!

الدكتور ابتسم وهو بيجهز الأدوات.

الدكتور: واضح إن حضرتك مهتمة بالمريض أكتر منه بنفسه.

روفانا اتوترت للحظة، وبصت للدكتور بسرعة.

روفانا: طبعًا، لأنه رافض يهتم بنفسه!

أسلم ضحك بخفة، لكن الضحكة وجعته بسبب الجرح، فحط إيده على شفته.

روفانا: أهو! حتى الضحك مش قادر عليه!

أسلم: خلاص، مش هضحك تاني.

روفانا: أحسن.

الدكتور خلص تنظيف الجرح، وكتب له العلاج والتعليمات اللازمة، وبعدها خرج يسيبهم شوية.

روفانا قربت من الترابيزة، وأخدت زجاجة مياه وناولتها له.

روفانا: اتفضل.

أسلم: شكرًا.

شرب شوية مياه، وبعدها بص لها.

أسلم: طيب، دلوقتي بعد ما اطمنتي إني عايش، ممكن أعرف إنتِ هتروحي بيتك إمتى؟!

روفانا عقدت دراعاتها قدام صدرها.

روفانا: إنت عايز تطردني؟!

أسلم: لا والله، بس أكيد عندك شغل وحاجات مهمة.

روفانا: شغلي يستنى. وبعدين أنا مش همشي غير لما أتأكد إنك بقيت كويس.

أسلم سكت للحظة، وبعدها قال بهدوء:

أسلم: ربنا يكرمك يا رب. بس بجد، مش عايزك تشيلي نفسك مسؤولية اللي حصل.

روفانا نزلت عينيها للحظة.

روفانا: مش عارفة ليه، بس حاسة إني مهما عملت مش هقدر أوفيك حقك.

أسلم: هو أنا أنقذتك عشان تلومي نفسك يعني؟!

روفانا رفعت عينيها له بسرعة.

روفانا: لا طبعًا!

أسلم ابتسم.

أسلم: أهو، يبقى خلاص. اعتبريني واحد شاف حد محتاج مساعدة وساعده. الموضوع أبسط من كل الكلام ده.

روفانا فضلت باصة له، وكأنها بتحاول تفهم إزاي فيه شخص ممكن يفكر بالطريقة دي.

وبعد لحظات، سألته:

روفانا: ممكن أسألك سؤال؟

أسلم: اتفضلي.

روفانا: إنت ليه دخلت العركة دي؟ يعني... إنت ما تعرفنيش، ومكنتش مضطر تعرض نفسك لكل ده عشاني.

أسلم سكت شوية، وبعدين بص ناحية الشباك.

أسلم: يمكن عشان أنا عارف إن الواحد ساعات بيبقى محتاج حد يقف جنبه، حتى لو الشخص ده غريب عنه. وأنا لو كنت سيبتك وهو بيأذيكي، كنت هفضل طول عمري فاكر إني قدرت أساعد وما عملتش حاجة.

روفانا ما ردتش.

كان كلامه بسيط، لكنه لمس فيها حاجة كانت مفتقداها من فترة طويلة.

روفانا: إنت دايمًا بتفكر كده؟

أسلم: أفكر إزاي؟

روفانا: إنك تساعد أي حد، حتى لو هتتأذى بسببه.

أسلم ابتسم ابتسامة هادئة.

أسلم: مش أي حد يقدر يساعده الواحد، بس طول ما أقدر أعمل حاجة، ليه ما أعملهاش؟ ربنا بيقدرنا على الخير عشان نعمله، مش عشان نحتفظ بيه لنفسنا.

روفانا فضلت ساكتة، وعينيها بتتأمل ملامحه.

كانت أول مرة تقابل شخصًا يتكلم عن الخير بالشكل ده، من غير ما يحاول يثبت إنه ملاك، ولا يستنى منها كلمة شكر أو مقابل.

وفجأة، افتكرت أول مرة شافته فيها، يوم الحادث.

روفانا: على فكرة، أنا شوفتك قبل كده.

أسلم بص لها.

أسلم: أيوه، أنا كمان فاكر إننا اتقابلنا قبل كده.

روفانا: إنت اللي أنقذتني يوم الحادث، صح؟

أسلم هز راسه.

أسلم: أيوه، الحمد لله إنك بقيتي كويسة.

روفانا: أنا يومها كنت في المستشفى، ولما فوقت، عرفت إن الشخص اللي أنقذني هو اللي جابني هناك. حاولت أعرف عنك، لكن ما لحقتش أشكرك، لأنك كنت مشيت.

أسلم: الحمد لله إن ربنا كتبلك النجاة. ده أهم من أي شكر.

روفانا ابتسمت بحزن بسيط.

روفانا: إنت عارف إن دي تاني مرة تنقذني فيها؟

أسلم ضحك بخفة.

أسلم: واضح إننا كل ما نتقابل لازم تحصل مصيبة!

روفانا ضحكت هي كمان، المرة دي من قلبها، قبل ما تقول:

روفانا: يا سلام! يعني أنا بقيت مصيبة دلوقتي؟!

أسلم: أنا ما قولتش كده، إنتِ اللي فهمتي براحتك.

روفانا: لأ، إنت قصدك واضح جدًا.

أسلم: خلاص، اعتبريها صدفة غريبة.

روفانا بصت له للحظات، وبعدها قالت بصوت هادي:

روفانا: يمكن مش كل الصدف بتبقى غريبة بالشكل اللي إحنا فاكرينه.

أسلم رفع عينيه لها، لكنه ما ردش فورًا.

كانت الجملة بسيطة، لكنها خلته يتأملها للحظة، قبل ما يرجع يبص بعيد.

أسلم: يمكن.

---

بعد ما الدكتور سمح لأسلم يمشي، روفانا أصرت إنها توصله بعربيتها، لكنه رفض في البداية.

أسلم: أنا هروح بيتي عادي، متتعبيش نفسك.

روفانا: أسلم، إنت لسه خارج من المستشفى، ومش هسيبك ترجع لوحدك.

أسلم: بس أنا مش عايز أعطلك.

روفانا: إنت مش بتعطلني، وأنا اللي مصممة أوصلك. وبعدين إنت لو كنت سبتني النهارده ومشيت، كنت هتقبل إن حد يقولك شكرًا وخلاص؟!

أسلم ابتسم باستسلام.

أسلم: إنتِ بتعرفي تقنعي الناس بالعافية، صح؟!

روفانا: مش بالعافية، أنا بس بعرف أختار الكلام المناسب.

أسلم: ماشي يا ستي، اقتنعت.

خرجوا من المستشفى، وروفانا طلبت من السائق يفتح الباب لأسلم، وبعدها ركبت جنبه في المقعد الخلفي، بينما الحراس ركبوا في العربية اللي وراهم.

طوال الطريق، كانت روفانا بتبص له من وقت للتاني، وكل مرة تلاحظ فيها إنه بيتألم من حركة بسيطة، كانت تسأله إذا كان محتاج حاجة.

أسلم لاحظ اهتمامها، لكنه ما علّقش عليه.

بعد شوية، روفانا كسرت الصمت.

روفانا: ممكن أسألك سؤال تاني؟

أسلم: اتفضلي، واضح إن عندك أسئلة كتير النهارده.

روفانا ابتسمت.

روفانا: إنت بتشتغل إيه؟

أسلم: بشتغل في شركة، وبعد الشغل بروح المحل اللي بشتغل فيه بالليل.

روفانا بصت له باستغراب.

روفانا: يعني عندك شغلين؟!

أسلم: أيوه.

روفانا: طب ليه بتتعب نفسك بالشكل ده؟!

أسلم: الواحد لازم يسعى على قد ما يقدر. الحمد لله، ربنا ساترها معايا.

روفانا: بس أكيد ده مرهق جدًا.

أسلم: شوية، بس الواحد بيتعود.

روفانا سكتت لحظة، وبعدها سألته:

روفانا: وإنت ساكن مع مين؟

أسلم: لوحدي.

روفانا: لوحدك؟! يعني معندكش أهل؟

أسلم بص من الشباك، وملامحه هديت بشكل ملحوظ.

أسلم: أنا يتيم، وبعيش لوحدي من فترة طويلة.

روفانا حسّت إنها لمست نقطة حساسة، فندمت إنها سألت من غير ما تفكر.

روفانا: أنا آسفة، مكنش قصدي أضايقك.

أسلم لف لها بابتسامة بسيطة.

أسلم: لا، متتأسفيش. إنتِ ما قولتيش حاجة غلط.

روفانا: بس أكيد الحياة مش سهلة وإنت لوحدك.

أسلم: مش دايمًا سهلة، بس الحمد لله على كل حال. الواحد بيتعلم يعتمد على نفسه، ويقدّر أي حاجة بسيطة ربنا بيرزقه بيها.

روفانا فضلت ساكتة، وهي بتفكر في الفرق الكبير بين حياتها وحياته.

هي عندها شركة كبيرة، وبيت واسع، وعيلة، وناس كتير حواليها، ومع ذلك كانت أوقات كتير بتحس إنها لوحدها.

وهو، رغم إنه عايش بإمكانيات بسيطة، وبيشتغل شغلانتين عشان يقدر يعيش، كان بيتكلم عن حياته برضا وهدوء، من غير شكوى ولا إحساس بالمرارة.

روفانا: إنت شخص غريب يا أسلم.

أسلم بص لها باستغراب.

أسلم: غريب إزاي يعني؟!

روفانا ابتسمت.

روفانا: مش عارفة... بس حاسة إنك مختلف عن ناس كتير قابلتهم في حياتي.

أسلم: يمكن عشان إحنا لسه ما نعرفش بعض كويس.

روفانا هزت راسها، وهي بتبتسم ابتسامة صغيرة.

روفانا: يمكن.

وبعد دقائق، العربية وقفت قدام البيت اللي أسلم ساكن فيه.

أسلم بص من الشباك، وبعدها التفت ناحيتها.

أسلم: شكرًا يا آنسة روفانا على كل حاجة، وعلى تعبك معايا. ربنا يكرمك ويعوضك خير.

روفانا: استنى، أنا هساعدك تنزل.

أسلم: لا، أنا أقدر.

روفانا: أسلم!

أسلم رفع إيده باستسلام.

أسلم: خلاص، خلاص، براحتك.

نزلت روفانا الأول، وبعدها ساعدته ينزل بحذر، ووقفت معاه قدام باب البيت.

أسلم: أنا متشكر جدًا. ومرة تانية، متحمليش نفسك مسؤولية اللي حصل.

روفانا بصت له بابتسامة هادئة.

روفانا: حاضر، بس بشرط.

أسلم: شرط إيه؟

روفانا: تهتم بنفسك، وتاخد بالك من جروحك، ومتروحش الشغل بكرة لو لسه تعبان.

أسلم ضحك بخفة.

أسلم: حاضر يا دكتورة روفانا.

روفانا ضحكت هي كمان.

روفانا: أنا مش دكتورة، بس واضح إنك محتاج حد يفكرك تهتم بنفسك.

أسلم: خلاص، وصلت الرسالة.

وقف لحظة، وبعدها قال:

أسلم: تصبحي على خير.

روفانا: وإنت من أهله.

أسلم دخل البيت، وروفانا فضلت واقفة مكانها ثواني، بتبص ناحية الباب اللي اختفى وراه.

كانت مشاعرها متلخبطة، لكنها عارفة حاجة واحدة...

إنها لأول مرة من وقت طويل، قابلت شخصًا خلّاها تحس بالراحة من غير ما يطلب منها أي حاجة في المقابل.

ركبت العربية، وأسندت ضهرها للمقعد، وبصت من الشباك ناحية البيت الصغير.

ياسمين كانت اتصلت بيها أكتر من مرة، وروفانا عارفة إنها لازم تكلمها وتطمنها، لكن قبل ما تعمل أي حاجة، ابتسامة صغيرة ظهرت على وشها من غير ما تحس.

روفانا، لنفسها بصوت خافت: أسلم...

كررت الاسم مرة تانية، وكأنها بتحاول تحفظه في ذاكرتها.

وبعدها هزت راسها بسرعة، وكأنها بتلوم نفسها على التفكير بالشكل ده.

روفانا: إيه يا روفانا؟! ده إنتِ لسه عارفاه النهارده!

لكن رغم كلامها، فضلت ابتسامتها موجودة.

---

وفي مكان تاني...

كان دانيال قاعد في مكتبه، قدامه ملف مفتوح، وموبايله على ودنه، بيتكلم بنبرة هادئة بشكل مخيف.

دانيال: عايز كل المعلومات عن الشخص اللي دخل بيني وبين روفانا النهارده.

صوت الرجل على الطرف التاني: اسمه أسلم، يا فندم. لسه بنجمع باقي المعلومات عنه.

دانيال: اسمه أسلم؟! طيب، عايز أعرف كل حاجة. ساكن فين، أهله مين، بيشتغل فين، وبيتحرك إزاي. مش عايز تفصيلة واحدة تفوتكم.

الرجل: أوامرك يا فندم.

دانيال قفل المكالمة، وأسند ضهره للكرسي، وهو بيفكر في اللي حصل.

كان أسلم بالنسبة له مجرد شخص تدخل في الوقت الغلط، لكن الطريقة اللي وقف بيها قدامه، ورفضه إنه يخاف من تهديداته، خلت دانيال يقرر إنه مش هيسيب الموضوع يعدّي بسهولة.

بعد ساعات، كان الملف اللي طلبه قد بدأ يتجمع قدامه.

أسلم، شاب يتيم، بيشتغل في شركة، وبعدها بيروح يشتغل في محل لحد وقت متأخر، وبيعيش في بيت بسيط لوحده.

دانيال قلب صفحات الملف ببطء، وابتسامة باردة بدأت تظهر على وشه.

دانيال: يعني إنت بتتعب طول النهار عشان تعيش يا أسلم؟!

قفل الملف، وبعدها رفع موبايله واتصل برقم تاني.

دانيال: مساء الخير يا....

مجهول : أهلًا يا دانيال بيه، تحت أمرك.

دانيال: كنت عايز أتكلم معاك في موضوع ضروري..

مجهول: اتفضل يا دانيال بيه.

دانيال: ......

أنهى المكالمة، ورمى الموبايل على المكتب، وبعدها رجع فتح الملف وبص لصورة أسلم.

دانيال: نشوف بقى هتعمل إيه لما تلاقي نفسك خسرت الحاجة الوحيدة اللي بتتعب عشانها.

ابتسم، لكن ابتسامته اختفت تدريجيًا، وحل مكانها تعبير بارد.

دانيال كان عارف إن أسلم مش هيكون سهل عليه إنه ينسى اللي حصل، لكنه كان مستعد يستخدم أي وسيلة عشان يخليه يندم على تدخله في حياته.

---

في صباح اليوم التالي...

أسلم صحى بدري كعادته، رغم إن جسمه كان لسه بيوجعه من الخناقة.

غسل وشه، وبص في المراية، ولما شاف الكدمة اللي ظهرت بوضوح على جانب وشه، تنهد بهدوء.

أسلم: الحمد لله إنها جت على قد كده.

لبس هدومه، وأدى صلاته، وبعدها حضّر لنفسه فطار بسيط، وقعد ياكل وهو بيراجع في دماغه أحداث اليوم اللي فات.

افتكر روفانا، وافتكر خوفها وهي واقفة قدامه بعد ما أنقذها من العربية، وافتكر إصرارها إنها تاخده المستشفى رغم إنه كان رافض.

ابتسم للحظة، وبعدها هز راسه كأنه بيطرد الأفكار دي.

أسلم: ربنا يطمن قلبها ويبعد عنها الشر.

خلص فطاره، وأخد حاجته، وخرج من البيت متجهًا إلى الشركة.

كان فاكر إن اليوم هيكون عادي، وإنه هيرجع لشغله كالمعتاد، من غير ما يعرف إن دانيال بدأ بالفعل ينفذ أول خطوة في خطته.

وصل الشركة، سلّم على زملائه، وطلع لمكان شغله.

لكن قبل ما يبدأ، وصل له طلب إنه يروح مكتب رئيس الشركة.

استغرب، لكنه ما فكرش في الموضوع كتير.

خبط على الباب.

رئيس الشركة: اتفضل.

دخل أسلم، ووقف قدام المكتب باحترام.

أسلم: صباح الخير يا فندم، حضرتك طلبتني؟

رئيس الشركة بص له بتردد، وبعدها أشار له يقعد.

رئيس الشركة: اقعد يا أسلم، عايز أتكلم معاك في موضوع.

أسلم قعد، وهو مستني يسمع.

رئيس الشركة أخد نفسًا عميقًا، وبعدها قال الجملة اللي ما كانش أسلم متوقع يسمعها أبدًا.

رئيس الشركة: للأسف، إحنا مضطرين ننهي تعاقدك مع الشركة من النهارده.

أسلم اتجمد مكانه.

أسلم: نعم؟! حضرتك بتقول إيه يا فندم؟!

رئيس الشركة: القرار اتاخد، وأنا آسف.

أسلم: بس ليه؟! أنا عملت إيه؟! لو فيه أي مشكلة في شغلي، حضرتك قولّي وأنا مستعد أصلحها.

رئيس الشركة نزل عينيه للحظة، وبعدها رد بصوت متردد:

رئيس الشركة: الموضوع مش متعلق بأدائك، يا أسلم. بس فيه ظروف خلتنا ناخد القرار ده.

أسلم فضل باصص له، مش قادر يستوعب.

كان بيشتغل بكل طاقته، وبيحاول يحافظ على وظيفته لأنها مصدر دخل مهم بالنسبة له، وفجأة لقى نفسه بيخسرها من غير حتى ما يعرف السبب الحقيقي.

أسلم: يعني أنا ما قصرتش في شغلي، ومع ذلك همشي؟!

رئيس الشركة: أنا آسف يا أسلم.

أسلم سكت للحظات، وبعدها وقف بهدوء.

أسلم: حاضر يا فندم. أنا بحترم قرار حضرتك، بس كنت أتمنى أعرف السبب الحقيقي.

خرج من المكتب بخطوات تقيلة، وهو بيحاول يمنع نفسه من التفكير في أسوأ الاحتمالات.

ما كانش يعرف إن اللي حصل مش مجرد قرار إداري، وإن فيه شخص قرر يعاقبه لأنه وقف في طريقه.

أما دانيال، فكان في مكتبه، بيتلقى رسالة قصيرة من أحد رجاله بتأكيد تنفيذ الخطوة الأولى.

قرأ الرسالة، وابتسم ببرود.

دانيال: دي البداية يا أسلم... ولسه اللي جاي أكتر بكتير.

قفل الموبايل، ورجع لملف أسلم، قبل ما يسحب ورقة تانية من درج مكتبه ويحطها قدامه.

بص للورقة طويلًا، وبعدها قال بصوت منخفض:

دانيال: دلوقتي بقى، نشوف هقدر أوصل لك إزاي.

لكن الخطة اللي كان بيحضّر لها ما كانتش مجرد فصل من الشغل، ولا مجرد تهديد جديد...

**كانت خطوة أكبر بكتير، خطوة هتخلي حياة أسلم تدخل في طريق ما كانش يتخيله أبدًا.**

ونعرف تفاصيلها بعدين...
تعليقات



<>