رواية قدر لا يشبهنا الفصل الرابع4 بقلم ايه محمود

رواية قدر لا يشبهنا 
الفصل الرابع4
بقلم ايه محمود
أخذت روفانا نفسًا عميقًا، ومسحت دموعها بإيدها، وبعدها رفعت رأسها وبصت لماري بشكل مختلف تمامًا، وكأنها خلال ثواني قليلة قررت إنها مش هتخاف، ومش هتسمح لأي حد مهما كان قريب منها إنه يتحكم في حياتها أو يقرر عنها مين تحب ومين تتجوز ومين تكمل معاه، خصوصًا بعد ما اكتشفت بنفسها إن الشخص اللي كانت المفروض تبني معاه مستقبلها كان بيخونها قبل حتى ما يبدأ مستقبلهم.
روفانا بصوت ثابت رغم التعب: ده خاتم خطوبتي يا ماما... دانيال بعتهولي، وأنا رجعتهوله.
ماري رفعت الخاتم قدام عينيها وقالت بغضب: رجعتيهوله؟! إنتِ عارفة إنتِ بتعملي إيه؟!
روفانا: أيوه، عارفة كويس جدًا.
ماري: إنتِ فاكرة إن الحياة لعبة؟ كل شوية تغيري رأيك وتقرري إنك مش عايزة دانيال وخلاص؟
روفانا هزت رأسها وقالت: أنا ما غيرتش رأيي فجأة، أنا اكتشفت حقيقة الشخص اللي كنت مرتبطة بيه، وقررت إني مش هكمل حياتي مع واحد خاين.
ماري اتعصبت أكتر وقالت: خاين إيه؟! أنا قلتلك قبل كده إن الموضوع مش مستاهل كل اللي بتعمليه ده.
روفانا: بالنسبة لي مستاهل.
ماري: دانيال واحد مناسب ليكي، عيلته كويسة، مركزه كويس، ووضعه الاجتماعي مناسب ليكي، وكل الناس كانت شايفة إن جوازكم خطوة ممتازة.
روفانا: وأنا؟! محدش فكر أنا عايزة إيه؟
ماري سكتت للحظة، لكن روفانا كملت وهي بتحاول تتحكم في انفعالها: كل اللي بتتكلمي عنه هو العيلة والمركز والشغل والناس هتقول إيه، لكن ولا مرة سألتي نفسك أنا كنت مبسوطة معاه ولا لأ، ولا مرة سألتي إذا كنت بحبه أصلًا، ولا مرة سألتي أنا كنت حاسة بإيه لما دخلت مكتبه ولقيته مع واحدة تانية.
ماري: وإنتِ عملتي كل ده عشان واحدة شوفتيها معاه؟!
روفانا: أنا شفت بعيني يا ماما!
ماري: وهو قال إنها مجرد صديقة!
روفانا ضحكت ضحكة قصيرة مليانة مرارة وقالت: مجرد صديقة؟! حتى لو كانت مجرد صديقة، الطريقة اللي كان بيتعامل بيها معاها كانت كفاية بالنسبة لي عشان أعرف إن الشخص ده مش الشخص اللي عايزة أكمل معاه.
ماري قربت منها وقالت بغضب: إنتِ بتضيعي مستقبلك بإيدك.
روفانا: لأ... أنا بحاول أنقذ مستقبلي.
ماري: إنتِ أنانية!
روفانا اتأثرت بالكلمة، لكنها حاولت تفضل ثابتة وقالت: يمكن أكون أنانية زي ما بتقولي، بس المرة دي هكون أنانية في حق نفسي، لأن محدش هيعيش حياتي مكاني، ومحدش هيتحمل نتيجة اختياراتي غيري.
ماري: إنتِ مش فاهمة مصلحتك!
روفانا: لأ، أنا فاهمة مصلحتي كويس، ومصلحتي إني ما أتجوزش إنسان أنا مش واثقة فيه، ولا أعيش عمري كله وأنا كل يوم خايفة يكون بيخوني أو بيكدب عليا.
ماري: إنتِ عايزة تدمري كل اللي عملناه عشانك؟
روفانا بصت لها بحزن وقالت: أنا مقدرة كل حاجة عملتوها عشاني، لكن ده مش معناه إن حياتي أصبحت ملككم.
الكلمة دي كانت كفيلة إنها تشعل غضب ماري تمامًا، فرفعت إيدها وضربت روفانا بالقلم على وجهها.
سكت المكان كله.
روفانا اتجمدت مكانها، وحطت إيدها على خدها ببطء، وعينيها اتملت بالدموع، مش من الألم الجسدي قد ما كان من الصدمة، لأنها لم تكن تتوقع إن الخلاف يوصل للدرجة دي.
ماري بصوت غاضب: إنتِ عايزة مصلحتك وبس!
روفانا رفعت عينيها لها وقالت بصوت مكسور لكنه ثابت: لو كنتِ شايفة إني عايزة مصلحتي... فآه، عايزاها، لأن دي حياتي.
ماري: إنتِ هتندمي على اللي بتعمليه.
روفانا: ممكن... وممكن لأ، لكن على الأقل لما أندم هكون ندمت على قرار أنا اخترته، مش قرار حد تاني اختارهولي.
ماري: إنتِ بقيتي عنيدة بشكل مش طبيعي.
روفانا: وأنا مش هسمح لحد يتحكم فيا تاني.
قالتها روفانا وهي بتحاول تثبت نفسها، لكن الحقيقة إن جسمها لم يكن بنفس قوة كلامها، فالإصابات اللي تعرضت لها في الحادث كانت لسه موجودة، والجسم اللي قضى ساعات في المستشفى لم يكن قد استعاد عافيته، وكل المجهود والانفعال اللي حصل من لحظة دخولها البيت بدأ يظهر عليها.
حطت إيدها على رأسها للحظة، وحست بدوخة شديدة، لكنها حاولت تخفيها.
روفانا: ماما... أنا تعبانة، ممكن تسيبيني لوحدي؟
ماري: لأ، إحنا لسه ما خلصناش كلامنا.
روفانا: أنا مش قادرة أكمل.
ماري: وإنتِ فاكرة إنك لما تتعبي هتهربي من الكلام؟
روفانا حاولت تمشي ناحية السرير وقالت: أنا مش بهرب، أنا فعلًا تعبانة.
ماري: كل ده تمثيل عشان تخرجي من المواجهة.
روفانا وقفت مكانها وبصت لها بعدم تصديق.
روفانا: تمثيل؟! أنا كنت في حادث، ودخلت المستشفى، ولسه خارجة منها، وإنتِ بتقوليلي إن تعبي تمثيل؟
ماري: أنا بقولك إنك بتكبري الموضوع.
روفانا: أنا محتاجة ترتاحي وتسيبيني.
ماري: مش هخرج قبل ما أفهم إنتِ ناوية تعملي إيه بعد كده.
روفانا: بعد كده هعيش حياتي.
ماري: لوحدك؟
روفانا: لوحدي لو لازم.
ماري: وإحنا؟
روفانا بصت لها بحزن وقالت: إنتوا موجودين في حياتي، لكن ده مش معناه إنكم تملكوها.
كانت آخر كلمة قالتها قبل ما الدنيا تبدأ تلف بيها بشكل واضح، والأصوات حواليها بدأت تبعد، ونظرتها بقت مشوشة، وحاولت تمسك طرف السرير لكنها ماقدرتش.
روفانا بصوت ضعيف: ماما...
ماري: روفانا؟
روفانا حاولت ترد، لكن جسمها خانها، ووقعت فاقدة الوعي.
ماري صرخت: روفانا!
خلال دقائق كان البيت كله في حالة ارتباك، وتم استدعاء الطبيب بسرعة، وبعد ما كشف عليها واطمن على حالتها، قال إن السبب الأساسي هو الإرهاق الشديد والانفعال مع إنها لسه خارجة من حادث وإصاباتها لم تُشفَ بالكامل.
الطبيب: هي محتاجة راحة تامة، وممنوع أي انفعال أو مجهود، جسمها لسه ضعيف جدًا.
ماري: هي هتبقى كويسة؟
الطبيب: بإذن الله، بس لازم تهتموا بيها، وأي ضغط نفسي في الفترة دي ممكن يتعبها أكتر.
بعد فترة خرج الطبيب، وظلت روفانا في غرفتها وهي نائمة، إلى أن دخل عليها أخوها كريلس بعد ما عرف اللي حصل، وجلس بجوارها منتظرًا أن تستعيد وعيها.
وبعد وقت فتحت روفانا عينيها ببطء، ولما شافت كريلس جنبها قالت بصوت ضعيف: كريلس...
كريلس ابتسم بالطف وقال: سلامتك يا روفا.
روفانا: إنت عرفت؟
كريلس: عرفت إنك تعبانة، وماما قالت إنك أغمي عليكي.
روفانا سكتت.
كريلس: حصل إيه؟
روفانا بصت له للحظات، وبعدها بدأت تحكي له كل اللي حصل من أول ما خرجت من الشركة، والخلاف مع دانيال، وبعدها الحادث، وكيف فشلت الفرامل، وكيف فقدت السيطرة على السيارة، ثم كيف ظهر أسلم وأنقذها من داخل السيارة.
كريلس كان بيسمعها باهتمام شديد، وكلما حكت له تفصيلة كان الغضب بيظهر أكتر على ملامحه.
روفانا: أنا متأكدة إن الحادث مش طبيعي يا كريلس.
كريلس: يعني إيه؟
روفانا: الفرامل كانت شغالة كويس، وفجأة في اللحظة دي تحديدًا ما اشتغلتش، ودانيال قبل ما أمشي من الشركة كان بيتصرف بشكل غريب، وبعد ما رجعت له الخاتم حسيت إن في حاجة مش طبيعية.
كريلس سكت للحظات، ثم قال: إنتِ شاكّة إن دانيال له علاقة؟
روفانا: مش عندي دليل، بس إحساسي بيقول كده.
كريلس مسك إيدها وقال: لو دانيال له علاقة باللي حصل، أنا هعرف، وهجيبلك حقك مهما كان مين وراه.
روفانا بصت له بامتنان، لكنه كمل بسرعة: بس إنتِ كمان متزعليش من ماما.
روفانا سحبت إيدها بهدوء وقالت: إزاي ما أزعلش؟
كريلس: هي عصبية وخايفة عليكي، وممكن تكون طريقتها غلط، لكن في الآخر هي مامتك.
روفانا سكتت للحظة، وبعدها قالت بنبرة مليانة وجع: مامي؟ إمتى كانت أمي يا كريلس؟
كريلس بص لها باستغراب.
روفانا: عمرها ما اهتمت بيا بالشكل اللي أنا كنت محتاجاه، عمرها ما وقفت وسألتني أنا تعبانة ولا لأ، حتى النهارده... أنا كنت لسه خارجة من حادث وكان ممكن أموت، ولما رجعت البيت ما سألتنيش إنتِ كويسة؟ إنتِ محتاجة حاجة؟ كل اللي كان شاغلها هو الخاتم ودانيال والجواز.
كريلس: روفا...
روفانا قاطعته والدموع بدأت تنزل من عينيها: أنا كنت محتاجة أمي النهارده، مش محتاجة واحدة تقف قدامي وتلومني عشان رفضت واحد خانني.
كريلس سكت، ومبقاش عارف يقول إيه.
روفانا: أنا طول عمري بحاول أرضيها، وبعمل اللي هي عايزاه، وبسكت عن حاجات كتير، لكن أول مرة أقرر أعمل حاجة عشان نفسي، أول حاجة عملتها إنها قالتلي إني أنانية.
كريلس قرب منها وقال: ماما غلطت، وأنا مش هقولك غير كده، لكن حاولِي تهدي دلوقتي، صحتك أهم.
روفانا مسحت دموعها وقالت: أنا مش عايزة منها حاجة... غير إنها تفهم إن دي حياتي.
كريلس: وهتفهم، بس ادّيها وقت.
روفانا بصت ناحية النافذة، وسكتت للحظات، ثم قالت بصوت هادي:
روفانا: أنا مش خايفة من دانيال يا كريلس... أنا خايفة من اللي حصل بعده.
كريلس عقد حاجبيه.
روفانا: لو الحادث فعلًا كان مدبر... يبقى الشخص اللي حاول يقتلني لسه موجود، ولسه محدش يعرف هو عايز مني إيه.
ساد الصمت بينهما.
وكان السؤال الحقيقي الذي لم يملك أي منهما إجابته وقتها...
هل كان دانيال فعلًا وراء الحادث؟
أم أن هناك شخصًا آخر يختبئ في الظل، وكان سقوط سيارة روفانا مجرد بداية لخطة أكبر بكثير؟

🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺

وفي نفس الوقت...
كان أسلم قد رجع بيته بعد ما خرج من المستشفى، وقفل الباب وراه بهدوء، ثم وقف للحظات في منتصف البيت وكأنه بيحاول يستوعب اليوم اللي مر عليه، يوم بدأ بشكل عادي جدًا، وانتهى بحادث كاد يغيّر حياته هو كمان.
بص حوالين البيت، كل حاجة كانت زي ما سابها، نفس الهدوء، نفس الأثاث البسيط، نفس المكان اللي متعود يرجع له كل يوم بعد شغله، لكن المرة دي كان حاسس إن كل حاجة مختلفة، يمكن لأن جسمه نفسه كان مختلف، الجروح اللي في وشه وإيده، الألم اللي في كتفه وجانبه، والتعب اللي كان واضح في خطواته.
اتجه ناحية السرير وقعد عليه ببطء، ومد إيده يتأمل الجروح اللي في إيده، وبعدها لمس الجرح الموجود جنب حاجبه، وحرك إيده بعيد بسرعة لما حس بالألم.
أسلم لنفسه: شكلي دخلت في خناقة مش حادثة عربية.
ابتسم ابتسامة صغيرة، لكن الابتسامة اختفت بسرعة لما رجعت قدام عينيه صورة الحادث.
السيارة وهي بتتقلب.. 
وبعدين هي.
البنت اللي كانت جوه العربية.
أسلم سكت للحظات، وبص قدامه بشرود، وكأنه لأول مرة يسمح لنفسه يفكر في اللي حصل من غير ما يكون حواليه أطباء أو مسعفين أو ناس بتجري.
افتكر شكلها وهي محبوسة جوه العربية، وافتكر قد إيه كانت مصابة، وافتكر اللحظة اللي شاف فيها وشها وسط الحطام، واللحظة اللي حس فيها بالخوف الشديد عليها.
أسلم لنفسه: أنا خوفت عليها أوي...
قالها لنفسه باستغراب، وبعدها هز رأسه كأنه بيحاول يفسر إحساسه.
أسلم: معرفش ليه.
سكت شوية، وبعدين قال:
أسلم: يمكن عشان أول مرة أشوف حادث بالشكل ده... وأول مرة أشوف حد قدامي حالته بالشكل ده.
حاول يقنع نفسه إن ده السبب الطبيعي، وإن أي إنسان مكانه كان هيخاف لما يشوف شخص مصاب وممكن يموت قدامه، خصوصًا إنه كان شايف العربية ممكن تنفجر في أي لحظة، والبنت كانت لسه جوه.
أسلم: أكيد ده السبب... أنا بس خفت إنها تموت.
قالها بثقة وكأنه أنهى الموضوع، لكنه بعد ثواني رجعت صورة وجهها قدامه مرة تانية.
أسلم عقد حاجبيه وقال لنفسه:
أسلم: طب ليه لسه فاكر وشها؟
فضل ساكت.
وبعدين ضحك على نفسه وقال:
أسلم: يا ابني كفاية تفكير... دي واحدة أنقذتها وخلاص، يمكن أصلًا مش هتشوفها تاني.
قام من على السرير ببطء، واتجه ناحية المطبخ، لأنه كان حاسس بالجوع، خصوصًا إنه من وقت الحادث تقريبًا ما أكلش حاجة كويسة.
فتح التلاجة وبص جواها، وبعد لحظات بدأ يطلع شوية حاجات بسيطة، وحطها قدامه، وبدأ يعمل أكل لنفسه.
ورغم إن جسمه كان لسه تعبان، إلا إنه كان متعود يعتمد على نفسه، فبدأ يتحرك في المطبخ بهدوء، وكل شوية يحط إيده على كتفه من الألم، لكنه يكمل عادي.
أسلم: هو أنا ناقص كمان أجوع نفسي؟
ابتسم وهو بيكمل تحضير الأكل.
بعد وقت بسيط كان الأكل جاهز، حطه على السفرة الصغيرة، وقعد ياكل بهدوء، وكل شوية كان يتوقف لحظة بسبب الألم، لكنه كان بيحاول يتصرف بشكل طبيعي.
وبعد ما خلص، شرب شوية مية، وقام يغسل الأطباق، وبعدها رجع ناحية السرير.
مسك علبة العلاج اللي الطبيب كتبها له، وبدأ يراجع الجرعات، وبعدها أخذ علاجه وشرب كمية من المياه.
أسلم: ربنا يستر وتعدي الأيام دي على خير.
حط الدواء مكانه، وبعدها بص للموبايل الموجود على الترابيزة.
افتكر شغله.
افتكر إنه المفروض يبدأ شغله تاني، لكن جسمه كان واضح إنه مش هيقدر.
مسك الموبايل، وفتح جهات الاتصال، وبعد لحظات بحث عن رقم صاحب الشركة، ثم ضغط اتصال.
رن الهاتف ثواني، وبعدها جاءه الرد.
صاحب الشركة: أيوه يا أسلم، إنت عامل إيه؟حمد اللهع سلامتك، سمعت إنك خرجت من المستشفى.
أسلم: الحمد لله يا فندم، أنا أحسن دلوقتي.
صاحب الشركة: أحسن إزاي؟ عماد حكالي إنك كنت في حادث كبير.
أسلم: الحمد لله عدت على خير، بس الدكتور قال إني محتاج أرتاح كام يوم وممنوع أعمل مجهود.
صاحب الشركة: طبعًا يا أسلم، ما تفكرش في الشغل دلوقتي.
أسلم: عشان كده أنا كنت بكلم حضرتك... لو ينفع آخد كام يوم إجازة لحد ما أتحسن.
صاحب الشركة من غير تردد: خد اللي تحتاجه يا أسلم، الشغل مش هيطير.
أسلم: ربنا يخليك يا فندم، أنا مش عايز أتأخر على الشغل.
صاحب الشركة: أهم حاجة صحتك، ولما تبقى كويس ابقى كلمني، وأنا هبلغ الشباب إنك في إجازة.
أسلم: حاضر يا فندم، وشكرًا لحضرتك.
صاحب الشركة: ولا شكر ولا حاجة، ارتاح وبس.
أنهى أسلم المكالمة وحط الموبايل جنبه، وبعدها سند ظهره على الحائط وأخذ نفسًا طويلًا.
كان أول مرة من فترة طويلة ياخد فيها إجازة من غير ما يكون هو اللي يطلبها بسبب ظروف الشغل، لكن الغريب إنه بدل ما يحس بالراحة، كان حاسس بحاجة غريبة.
يمكن لأنه متعود على الحركة.
متعود يصحى بدري، يصلي، يروح شغله، يفضل طول اليوم مشغول، وبعدها يرجع يكمل شغله التاني لحد الليل.
أما دلوقتي...
فجأة أصبح عنده وقت طويل.
وقت ممكن يخليه يفكر.
وهو آخر حاجة كان محتاجها دلوقتي...
إنه يفكر في البنت اللي أنقذها.
أسلم بص للسقف وقال لنفسه:
أسلم: خلاص يا أسلم... حصل اللي حصل، وهي أكيد دلوقتي بخير.
سكت لحظة.
ثم افتكر كلام الطبيب.
"حالتهـا مستقرة حاليًا."
ابتسم براحة بسيطة.
أسلم: الحمد لله.
مد إيده ناحية الموبايل، لكنه توقف قبل ما يمسكه، وكأنه كان عايز يعمل حاجة ومش عارف إيه هي.
وبعد لحظات سحب إيده وقال:
أسلم: أنا حتى معرفش اسمها.
ضحك ضحكة خفيفة على نفسه.
أسلم: وبفكر فيها ليه بقى؟
رجع سند رأسه على الحائط، وغمض عينيه.
كان مقتنع إن اللي حاسه مجرد أثر طبيعي للحادث، وإن خوفه عليها كان بسبب الموقف نفسه، وإن الأيام كفيلة إنها تخليه ينسى كل حاجة.
وفي مكان آخر، كانت روفانا جالسة في غرفتها، تنظر من النافذة بصمت، بينما كريلس يحاول يطمئن عليها، وماري لا تزال غاضبة، ودانيال يختفي خلف هدوئه المصطنع...

🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺

مرّ أسبوعان كاملان منذ الحادث، 

أسبوعان كانوا كفاية إن كل واحد فيهم يستعيد جزء كبير من صحته ويرجع لحياته من جديد، لكن رغم إن الجروح بدأت تختفي، إلا إن آثار الحادث كانت لسه موجودة في ذاكرتهم، كل واحد فيهم بطريقته.
أسلم خلال الأسبوعين دول التزم بتعليمات الطبيب، ارتاح في بيته، أخذ علاجه في مواعيده، وابتعد عن أي مجهود كبير، وبعد ما بدأ جسمه يستعيد قوته رجع لشغله تاني، ورجعت حياته اليومية لطبيعتها تقريبًا.
كان بيصحى بدري، يصلي، يجهز نفسه، يخرج لشغله، وبعدها يرجع بيته في نهاية اليوم، وكل حاجة رجعت زي ما كانت.
أو على الأقل...
ده اللي كان بيحاول يقنع نفسه بيه.
لأن في كل مرة كان يعدي قدام المكان اللي حصل فيه الحادث، كانت صورة البنت بترجع في دماغه من غير استئذان.
كان لسه مش عارف اسمها.
ولسه مش عارف إذا كانت خرجت من المستشفى بخير ولا لأ.
لكنه في النهاية كان بيقول لنفسه إنها أكيد رجعت لحياتها، وإن اللي حصل بينهم كان مجرد موقف عابر وانتهى.
أما روفانا...
فكانت هي كمان رجعت لشركتها، وبدأت تستعيد حياتها من جديد، رجعت لتصميماتها واجتماعاتها وشغلها، ورجعت مرة تانية للمكان اللي بتحبه وبتحس فيه إنها نفسها.
لكن حاجة واحدة ما رجعتش زي الأول...
علاقتها بماري.
من يوم الحادث والخلاف اللي حصل بينهم، العلاقة بقت باردة بشكل واضح، الكلام بينهم أصبح قليل، ولو حصل فغالبًا بيكون كلام عابر، وكل واحدة كانت بتفضل تبعد عن التانية بدل ما تدخل في نقاش جديد.
كريلس حاول أكتر من مرة يقرب وجهات النظر بينهم، لكن روفانا كانت لسه مجروحة من كلام والدتها، وماري كانت شايفة إنها بتحاول تحمي بنتها حتى لو طريقتها كانت قاسية.
وبينما الأيام كانت بتمر...
جاء اليوم الذي لم يكن أي منهما يعرف أنه سيغير كل شيء.
في أحد المولات الكبرى بالقاهرة...
كانت روفانا ماشية بجوار صديقتها ياسمين، لكن واضح جدًا من ملامحها إنها مش في أفضل حال.
ياسمين كانت بتبص لها كل شوية، وبعدها قالت:
ياسمين: إنتِ هتفضلي عاملة الوش ده كتير؟
روفانا بصت لها باستغراب وقالت: وش إيه؟
ياسمين: وش واحدة رايحة تعلن الحداد على نفسها.
روفانا ضحكت غصب عنها.
روفانا: يا بنتي أنا كويسة.
ياسمين: لأ، مش كويسة، وأنا عارفاكي.
روفانا: أنا رجعت الشغل، وبقيت أحسن، خلاص بقى.
ياسمين: رجعتي الشغل آه، إنما رجعتي روفانا اللي أعرفها؟ لأ.
روفانا سكتت.
ياسمين ابتسمت وقالت: عشان كده أنا خطفتك النهارده.
روفانا: خطفتيني؟
ياسمين: أيوه، وممنوع اعتراض.
روفانا ضحكت وقالت: طيب يا ستي، إيه الخطة؟
ياسمين: هنلف في المول، نتفرج على المحلات، ناكل حاجة، وأنا هشتري فستان.
روفانا: فستان؟
ياسمين: أيوه، ومحتاجاك تساعديني أختار.
روفانا هزت رأسها وقالت: اوكِ .
بدأوا يمشوا بين المحلات، وياسمين كانت بتحاول بكل الطرق تخلي روفانا تتكلم وتضحك، وبعد فترة دخلوا أحد محلات الملابس الكبيرة.
ياسمين لفت نظرها فستان معروض على أحد الستاندات.
ياسمين: روفا! شوفي الفستان ده.
روفانا قربت منها وبصت للفستان.
روفانا: حلو.
ياسمين: حلو بس؟
روفانا: جميل جدًا، جربيه.
ياسمين: اهو ده الكلام.
أخذت ياسمين الفستان واتجهت ناحية غرف القياس، بينما فضلت روفانا واقفة بره، وبدأت تتفرج على باقي الملابس الموجودة في المكان.
كانت ماسكة كوب عصير اشترته قبل ما تدخل المحل، وبتتحرك بهدوء بين الستاندات، لحد ما وهي بتلف ناحية أحد الممرات...
اصطدمت فجأة بامرأة كانت خارجة من الجهة المقابلة.
المرأة: آخ!
الاصطدام كان قوي كفاية إن الفستان اللي كانت المرأة ماسكاه يقع من إيدها على الأرض.
وفي نفس اللحظة...
كوب العصير الموجود في إيد روفانا مال، وانسكب جزء كبير منه على الفستان.
سكتت روفانا لحظة وهي بتبص للفستان الملقى على الأرض.
روفانا: أنا آسفة جدًا! ما أخدت بالي.
المرأة بصت للفستان، وبعدين رفعت عينيها لروفانا بغضب شديد.
المرأة: إنتِ إيه اللي عملتيه ده؟!
روفانا: أنا آسفة، حصل غصب عني، وأنا مستعدة أعوضك عن تمن الفستان.
المرأة ضحكت بسخرية.
المرأة: تعوضيني؟
روفانا: أيوه، أكيد.
المرأة: إنتِ فاكرة الموضوع بالبساطة دي؟
روفانا بصت لها باستغراب.
روفانا: أنا قولتلك إني آسفة، والفستان اتبهدل بسببي، هدفع تمنه كامل.
المرأة رفعت الفستان من على الأرض وقالت بتكبر:
المرأة: إنتِ أصلًا عارفة الفستان ده بكام؟
روفانا: لأ، بس مهما كان سعره أنا هدفعه.
المرأة: واضح إنك مش عارفة إنتِ بتتكلمي عن إيه.
روفانا: ممكن نهدى بس؟
المرأة: أهدى إزاي؟! ده مش فستان عادي!
روفانا بصت للفستان مرة تانية، وفي اللحظة دي لفت نظرها التصميم والتفاصيل الموجودة فيه.
قربت منه خطوة.
مسكت طرف القماش وبصت للتفاصيل بعين خبيرة.
سكتت ثواني.
وبعدين قالت بهدوء:
روفانا: الفستان ده...
المرأة: أيوه، الفستان ده إيه؟
روفانا: تصميمه لمصممة أزياء مشهورة جدًا.
المرأة ابتسمت بانتصار وقالت:
المرأة: أخيرًا فهمتي.
روفانا: مصممة عالمية...
المرأة: بالضبط.
روفانا بصت لها.
المرأة قالت بفخر:
المرأة: ده من تصميم الجميلة روفانا العبد، أشهر مصممة أزياء عالمية.
روفانا فضلت ساكتة للحظات.
بصت للفستان مرة تانية.
وبدأت ملامحها تتغير.
مدت إيدها ناحية أحد تفاصيل التصميم، ثم قالت بثقة:
روفانا: لأ.
المرأة عقدت حاجبيها.
المرأة: لأ إيه؟
روفانا: الفستان ده مش من تصميم روفانا العبد.
المرأة بصت لها كأنها مش مصدقة.
المرأة: إنتِ بتقولي إيه؟
روفانا: بقولك إن الفستان ده تقليد.
المرأة اتعصبت فورًا.
المرأة: تقليد؟!
روفانا: أيوه.
المرأة: إنتِ بتتهميني إني اشتريت فستان تقليد؟!
روفانا: أنا ما اتهمتكيش، أنا بقول الحقيقة، وأنا عارفة التصميم كويس جدًا.
المرأة قربت منها بغضب.
المرأة: إنتِ مين أصلًا عشان تتكلمي معايا بالطريقة دي؟
روفانا بهدوء: أنا مش بتكلم بطريقة وحشة، أنا بس بقولك إن الفستان ده مش أصلي.
المرأة: وإنتِ متأكدة؟
روفانا: متأكدة.
المرأة رفعت صوتها:
المرأة: إنتِ بتكدبي!
روفانا: ليه هكدب؟
المرأة: عشان مش عايزة تدفعي تمن الفستان!
روفانا اتفاجئت من كلامها.
روفانا: أنا من البداية قلتلك إني هدفع تمنه، حتى لو الفستان غالي، لكن ده مش معناه إني هقول على حاجة أصلية انها مزيفة.
المرأة: إنتِ كدابة!
روفانا بدأت تفقد صبرها.
روفانا: لو سمحتي، أنا حاولت أعتذرلك أكتر من مرة و افهمك ان الديزاين ده مش الاصلي لكن حضرتك مش عايزة تفهمي خلاص اوكي براحتك. 
المرأة رفعت إيدها بغضب.
المرأة: أنا مش بفهم طيب انا هوريكي إزاي مش بفهم. 
وفجأة...
حاولت تهجم على روفانا وتضربها.
لكن قبل ما إيدها توصل لوجه روفانا...
إيد قوية أمسكت معصمها في آخر لحظة.
تجمدت المرأة مكانها.
روفانا اتسعت عينيها.
وياسمين خرجت من غرفة القياس على صوت الخناقة، ووقفت مكانها مصدومة.
أما الرجل الذي أمسك يد المرأة...
فكان واقفًا أمام روفانا.
ملامحه هادئة، لكن نظرته كانت حادة بشكل واضح.
وقال بصوت ثابت:
الرجل: إيدك... تنزل.
روفانا رفعت عينيها ناحية الرجل.
لتكون الصدمة من نصيبها، آخر شخص كانت تتوقع انها تشوفه. 
تعليقات



<>