رواية شظايا قلوب محترقه
الفصل العاشر10
بقلم سيلا وليد
توقف يشير إليه :
-ممكن اتكلم معاها خمس دقايق بس
بفيلَّا السيوفي عادَ بعدَ أكثرِ من ثلاث ساعاتٍ بالخارجِ، وجدَ الجميعَ بغرفةِ المعيشةِ سواها، تحرَّكَ ملقيًا السلامَ يبحثُ عنها بعينيه، اتَّجهَ إلى أختهِ وجلسَ بجوارِها، ثمَّ انتقلَ بعينيهِ إلى فريدة التي تطالعهُ بلهفةٍ واشتياق، ابتعدَ بنظرهِ عنها وهو يجذبُ ثمرةً من الموزِ الموضوعِ على الطاولةِ متسائلًا:
فين ميرال، مش باينة؟..
فوق بتعمِل فيديو للتيك توك..ابتلعَ الموزَ الذي شعرَ بتوقُفها بحلقه، يطالُعها بصدمة:
بتعمل إيه!..حمحمت معتذرةً تنظرُ إلى فريدة قائلة:
لا..فهمت غلط، قصدي بتعمِل فيديو علشان تعلن عن حفلةِ الزفاف، دعوة يعني …هبَّ من مكانهِ واتَّجهَ إليها يأكل الأرض بخطواتِه، نهرتها فريدة قائلة:
لازم تتسحبي من لسانِك يعني..
ابتلعت ريقها معتذرة:
مكنشِ قصدي..توقَّفت فريدة قائلة:
هشوفهم بدل مايعكننوا على بعض، الحنَّة بكرة.
سحبها مصطفى يجذبها للجلوس:
أقعدي حبيبتي، ماتخافيش..ماشفتيش لهفتُه عليها إزاي من أوِّل مادخل، إلياس بيحب البنت وبيغير عليها.
أُنيرَ وجهها بابتسامةٍ ناعمةٍ تهزُّ رأسها:
أيوة لاحظت كدا، تفتكِر بيحبَّها بجد صح..كان إسلام جالسًا بعيدًا يوزِّعُ نظراتهِ بينها وبينَ والده، رجعَ برأسهِ على الأريكةِ وأغمضَ عينيهِ يهمسُ لنفسه:
ياترى إلياس هيعمِل إيه لما يعرف، دا أنا ومش متحمِّل الكدبة، ربنا يقويك ياإلياس على أيامَك الصعبة..اقتربت غادة تلكزُه:
سلُّومة بتكلِّم نفسك حبيبي؟!..انتبهت فريدة لحديثِ غادة:
مالَك حبيبي، اعتدلَ يطالِعُها ورسمَ ابتسامة:
كويس حبيبتي..قالها وهو ينصبُ عودهِ قائلًا:
هطلَع أنام ساعتين علشان أقوم الفجر أذاكر شوية بعد إذنُكم..
تصبح على خير حبيبي ..أردفت بها فريدة.
بالأعلى قبلَ قليلٍ دفعَ البابَ بغضبٍ يبحثُ عنها بعينينٍ كادت أن تخرجَ من محجريها، وجدها تجلسُ أمامَ الطاولةِ تضعُ الهاتفَ أمامها وتتحدَّثُ مبتسمة، نظرت للذي دلفَ بتلكَ الهمجية، وصلَ إليها بخطوةٍ وأطبقَ على الهاتفِ يلقيهِ بالأرضِ حتى أصبحَ قطعًا متناثرة، واتَّجهَ إليها بعينينٍ ترمقها بنيرانٍ يريدُ إحراقها بها، جذبها بقوَّةٍ حتى توقَّفت وهي تطالعهُ مذهولةً يهدرُ بصوتٍ صاخب:
بتعملي إيه..قاعدة بتضحكي قدَّام الكل ليه..مالكيش راجل يلمِّك، دفعها بقوَّةٍ على الجدارِ وأطبقَ على ذراعيها بقسوة:
إيه اتخرستي، مابترُديش ليه، طافَ بنظراتهِ على ملابسها التي جعلتهُ ككتلةٍ ناريةٍ قابلةٍ للانفجار..تراجعَ يكوِّرُ قبضتهِ يضغطُ عليها بقوَّةٍ ثم لكمها بالحائط حتى يُخرجَ غضبهِ الذي لو وصلَ إليها سيحرِقُها لا محالة..أمَّا هي كانت تطالعُ تحوُّلهِ بصمتٍ لا تعلمُ لماذا هذا التحوُّل ..اتَّجهت إلى الفراشِ وجلست عليهِ ومازالَ الصمتُ مسيطرًا على الغرفةِ سوى من أصواتِ أنفاسهِ المرتفعة..نظرت لهاتفها بعيونٍ مترقرقةٍ بالدموع، تُحدِّثُ نفسها:
هل هذا حبًّا أم جنونًا وتملك، وصلَ إلى جلوسها:
فيه واحدة محترمة تعمل اللي إنتِ عملتيه، ظلَّت صامتة ولم تُجب عليه..
انحنى يضغطُ على فكَّيها بقوَّةٍ ينهرُها بعنف:
مابترُديش ليه يامحترمة، فيه واحدة محترمة تقعد قدَّام الناس بقميص نوم، إنتِ عايزة توصلي لإيه، عايزة تخلِّيني أكون مجرم..دفعها بقوَّةٍ على الفراش ومالَ عليها بجسدهِ يهدرُ من بينِ أسنانه:
أموِّتِك وأريَّحِك وأرتاح ياميرال سمعتيني، لو ماحترمتيش نفسِك هموِّتك، إنتِ مابقيتيش طفلة، إنتِ كبيرة وفرحِك بكرة ياأستاذة وبعد فترة هتكوني أم، إيه هتعلِّمي ولادِك إيه بتربيِّتك دي
ظلَّت صامتةٌ تتابعُ غضبهِ بعينيها التي تحاولُ ألَّا تضعُفَ بدموعها أمامه.
اتَّقدَ غضبهِ من صمتها، حاولَ سحبَ نفسًا عميقًا حينما التقطت عيناهُ عينيها التي تزيَّنت بخطٍّ من الدموع، عتابٌ فقط أطلقتهُ بعينيها وصمتها الذي خنقه، مرَّرَ نظرهِ على هيئتها التي حطَّمت صمودهِ وسيطرتهِ حينما دلفَ ووجدها بتلكَ الهيئةِ وهي تتحدَّثُ بالهاتف ..لم يشعر بنفسهِ وهو ينحني إلى خاصتها يرتوي من شهدها الذي اعتبرهُ نجاتهِ من غضبه عليها، غضبًا يليقه، في لجَّةِ ظلامِ قلبه..ظلَّ للحظاتٍ إلى أن اعتدلَ وخرجَ سريعًا بعدما فقدَ سيطرتهِ التي بدأت تتلاشى مع دموعها التي تذوَّقها بقبلته.
احتضنت نفسها بعد خروجهِ وأطبقت على جفنيها وبداخلها شيئًا واحدًا، أنَّهُ ملاذها وقسوتها، عشقها وكرهها، ضعفها وقوَّتها، هو الحياةُ ومن بعدهِ تذهبُ للجحيم، مرَّرت أناملها على ثغرها الذي مازالَ متأثرًا بقبلته، وذهبت بنومٍ لا تعلمُ كيف وصلت إليهِ بعد رحلةِ عذابٍ منذُ قليل.
أمَّا هو دلفَ إلى غرفته، وبدأ يدورُ حولَ نفسهِ كالأسدِ الجريح، كلَّما تذكَّرَ هيئتها وأنَّ غيره رآها بتلكَ الهيئة، يقودهُ عقلهِ للجنون، ماذا عليهِ أن يفعلَ..أيقتُلها حقًا، أم ماذا..
رفعَ كوبَ الماءِ يتجرَّعهُ مرَّةً واحدةً علَّهُ يشعرُ برطوبةِ رئتيه التي جفَّت وكأنَّه غريقٌ برمالٍ متحرِّكةٍ تقودهُ إلى باطنِ الأرض..ضغطَ بقوَّةٍ على الكوب، ليتحطَّمَ بكفِّه، حينما تذكَّرَ قبلتهِ إليها وكأنَّهُ مراهقٌ يريدُ الأكثر والأكثر، هزَّ رأسهِ غضبًا من نفسهِ وتحرَّكَ إلى الحمامِ علَّهُ يطفئُ نيرانَ غضبه..دلفَ تحتَ المياهِ بثيابهِ ومازالت صورتها بهيأتها وشعورهِ بقبلتها يحطِّمُ قلاعهِ التي شيَّدها وحصَّنها منذُ سنواتٍ من فتنتها.
خرجَ ينزعُ ثيابهِ ودلفَ لكابينةِ الأستحمَّامِ لدقائقَ ينظرُ لتلكَ الملابسَ الملقاةِ بالأرضيةِ تحملُ رائحتها التي كادت أن تخنقُه .. دقائقَ معدودةً وخرج.. وجدَ إسلام ينتظرهُ بداخلِ الغرفة، رمقهُ بنظرةٍ واتَّجهَ إلى سجائرهِ متسائلًا بنبرةٍ باردةٍ وكأنَّهُ ليسَ الذي كانَ يحترقُ منذُ دقائق…توقَّفَ إسلام ودقَّقَ النظرَ بملامحهِ مردفًا:
هوَّ إحنا ليه مش شبه بعض..ابتسمَ عليهِ قائلًا:
مش فاهم هيَّ ناقصة غباء ياإسلام.. كفاية عليَّا ميرال وحركاتها.
بتحبَّها…توقَّفَ عن خروجِ تبغهِ حتى أخنقهُ بالداخلِ ليسعل، ربتَ إسلام على ظهرهِ وتابعَ حديثهِ مستطردًا:
بتعشقها مش بتحبَّها واللي بتعملُه غيرة صح؟.،أشارَ للبابِ قائلًا:
روح شوف وراك إيه، أنا مصدَّع، كلام المراهقين دا مش تبعي ..مطَّ إسلام شفتيهِ يهزُّ رأسهِ مردفًا:
بس هي بتحبَّك أوي على فكرة، لو مش مصدَّق روح شوف النوتس بتاعها هاتلاقيه في بوكس في مكتبتها، بلاش تضيَّعها بعصبيِّتَك، ميرال طيِّبة، عاملها كحبيبة بلاش شغلِ المجرمين بتاعَك دا ..قالها وتحرَّكَ للبابِ ثمَّ عادَ إليهِ يضمُّهُ قائلًا:
أنا بحبَّك أوي ياإلياس، تأكَّد مهما يحصل هاتفضَل أخويا ومثلي الأعلى في الدنيا، وبخاف عليك جدًا ومستعد أضحي بحياتي كلَّها علشان أشوفك سعيد، حافظ على حبيبتَك وبلاش تقلِّب في الماضي، طنط فريدة أعظم أم في الدنيا وبكرة الأيام تثبتلَك.
1
قالها وتحرَّكَ سريعًا بعدما تجمَّعت دموعهِ بعينيه.
طالعَ تحرُّكهِ بذهنٍ شارد:
الواد دا من إمتى بقى عاقل كدا..ربِّنا يصبَّرني، ميرال جنِّنت البيت كلُّه، هنا تذكَّرها وشعرَ بوخزةٍ حينما تذكَّرَ دموعها، تحرَّكَ إليها دلفَ بهدوءٍ عكسَ هيأتهِ منذُ دقائقَ وجدها تغفو تحتضنُ نفسها بعكسِ فراشها، مازالت بوضعها كما تركها، نظرَ لسيقانها المرمرية، يهزُّ رأسهِ ثمَّ انحنى و حملها وأعدلَ نومها وقامَ بسحبِ غطاءٍ خفيفٍ ودثَّرها بهِ، ينظرُ لدرجةِ المكيف ..جلسَ بجوارها على الفراش، يدقِّقُ النظرَ بملامحها، سنواتٌ طويلةٌ لم يقترب منها مثل قربهِ إليها اليوم، وضعَ سبباتهِ على شفتيها
متذكِّرًا قبلتهِ اليومَ إليها، هل سيدومُ النعيمَ بينهم أم سيحرمُ منها منذُ إغلاقهِ عليها النعيمَ الذي تنتظرهُ منه، تذكَّرَ حديثها مع أختهِ منذُ فترة.
فلاش:
عادَ من عملهِ وجدهما تجلسان بالحديقة، واستمعَ إلى حديثها:
لا ياقلبي، إلياس مين دا اللي أتجوِّزُه، أنا عايزة راجل فرفوش، كلِّ أسبوع يلفِّ بيَّا بلد، بالنهار يدلِّلني ويفسَّحني وبالليل برضو يكون ليَّا لوحدي
لكزتها غادة:
جاحدة ياميرو، وياترى هاترقُصيلُه يابت ..تنهَّدت بعمقٍ وصفَّقت بيديها:
دا هاخليه مايشوفشي غيري، هوَّ أنا هيِّنة ولَّا إيه يابنتي.
تناولت الكريز وقامت بتقليدِ مصطفى،
مش عمُّو مصطفى اللي جاي يقولِّي:
أنا قرَّرت أجوِّز ميرال لإلياس..نعم دا أعمِل معاه إيه، دا هيدفنِّي في سجن من سجونه، ويكلبشني دا يابنتي مش بتاع جواز، أنا عايزة واحد حليوة كدا زي أفلام هولييود.
نعم ياختي ودول أحسن من أخويا..
نعم..أخوكي مين، بقولِّك أبطال هوليوود مش اليأس.
أممم ودول هاييجوا إزاي؟..
بكرة تشوفي، هوَّ أنا وحشة، دا ياحبيبتي كلِّ يوم واحد هيموت علشان يوقَف بس يتكلِّم معايا بس أنا اللي مكبَّرة ..
-لا والله، ليه الحلوة جورجينا..
جذبت منها الفواكه:
أحسن منها ياماما، روحي إسألي عنِّي في الجريدة وشوفي هيقولوا ايه عليَّا، أحسن حاجة مطمنناني إن أخوكي اليأس رافض الجواز، أهو أرتاح منُّه لو عمُّو أصر، وأحسن حاجة إنُّه بيكرهني ..
قهقهت غادة تجذبها من شعرها:
واللهِ أنا اللي بدعي ربنا تتجوِّزوا علشان أفرح فيكي.
خرجَ من شرودهِ على حركةِ يديها فوقَ يديه..نظرَ ليديها وابتسم:
عايزة واحد يعيِّشِك في الجنَّة..انحنى يهمسُ بجوارِ أذنها:
“أهلًا بيكي في جنِّة إلياس السيوفي ياروح إلياس، قالها ونهضَ من مكانهِ متَّجهًا للخارج.
بعدَ يومين..وهو اليوم المقرر ليومَ الزفاف:
استمعت إلى طرقاتٍ على بابِ غرفتها، دلفَ بعدما استمعَ إلى صوتها:
مساء الخير..حانت منها التفاتةٍ بعدما استمعت إلى صوته، لم تراهُ منذُ يومينِ
بعدَ آخرَ لقاءٍ بينهما …شملها بنظرةِ إعجابٍ قائلًا:
عاملة إيه، تركت مابيدها، رفعَ نظرهِ لغادة:
– حبيبتي سيبيني شوية مع ميرال.
-بسرعة ياأبيه هنتأخَّر ..
نهضت من مكانها وتحرَّكت إلى الشرفةِ
فهمَ ماتشعرُ به، اقتربَ منها:
النهاردة هانبدأ حياة جديدة مع بعض، أتمنى تفهمي يعني إيه حياة جديدة خاصَّة بينا، مش عايز حاجة تشغلِك غير أولياتِك، أكيد مدام فريدة فهِّمتك..
مش عايز كلِّ شوية نتخانق زي الأطفال، ماليش في شغلِ العيال دا..
تقلَّصت المسافة بينهما، وقاطعتهُ قبلَ أن يستكملَ حديثه:
حضرة الظابط ماليش خُلق لأوامرك، لو خلَّصت اطلع برَّة عايزة أغيَّر علشان أنزِل أتنيِّل للعبة اللي حضرتَك بتخطَّطلها، عارفة ومتأكدة الجواز دا وراه حاجة، ماهو العاقل مش مرَّة واحدة هيفكَّر يتجوِّز هبلة صح ولَّا إيه..يالَّه ياسيادةِ العاقل المستَّفِز عايزة أغيَّر.
أنهت حديثها وهي تشيرُ إليهِ بالخروج..دنى منها لتتراجعَ للخلفِ وهو يهمسُ بهسيس:
ماتفكَّريش يابت علشان واقفة في البلكونة مقدرش أعمل فيكي اللي عايزُه، لا ماتنسيش إنِّك واقفة قدَّام إلياس السيوفي.
حصلِّنا الشرف والقرف ياسيادة ابنِ السيوفي، وماتنساش أنا مرات ابنِ السيوفي اللي بتقول عليه ولو مش عجبَك طلَّقني.
اغتاظَ من حديثها ، ليجذبها من خصرها لتصطدمَ بصدرهِ ويلفَّ ذراعهِ حولَ جسدها:
ليه يامرمر أطلَّقِك؟..مش لمَّا أتجوِّزك الأول ياروحي ..احتقنَ وجهها بالغضبِ
نصبت قامتها تطالعهُ بكبرياءٍ وطوَّقت خصرهِ مبتسمةً بفتور:
ومالو ياروحي، نتجوِّز مش نتجوِّز ليه
ممكن بقى تسبني علشان أجهز لعريسِ الغفلة.
التصقَ بها للحدِّ الذي جعلها تقبضُ أنفاسها من قربهِ المهلك، وتلاقت الأعينُ على حافةِ العندِ يداعبُ وجهها:
الليلة هاتكوني في حضني يامرمر، انحنى يهمسُ لها:
تخيَّلي بقى لمَّا تكوني في حضني هعمِل فيكي إيه..قالها وهو يحرِّكُ أناملهِ على جسدها مما جعلها تفقدُ اتزانها ولم يكتفِ بذلك بل تمادى بوقاحتهِ كما زعمت:
جبتلَك جميع أنواعِ بدلِ الرقص علشان تدلَّعي جوزِك، تؤ تؤ للأسف مش هيعرَف يلفِّفك كلِّ أسبوع دولة، بس ممكن نلف كلِّ أسبوع على سجنِ النسا، وأعرَّفِك إزاي الستات بتتعامِل معاملة الرقَّاصة.
ارتجفَ جسدها من نبرتهِ الجليديَّة، وعلمت أنَّهُ استمعَ الى حديثها، لمسَ شفتيها التي انفرجت مرتعشةً من حديثهِ وتابعَ بمكر:
أه..بالنسبة للروج اللي فرحانة بيه، وباعتة جيباه من أغلى الماركات، ليه بس تكلِّفي نفسِك، أنا مش بتاع الحركات الهبلة دي.
دفعتهُ بقوَّةٍ بعيدًا عنها بعدما فقدت سيطرتها:
اطلع برَّة بدل ماأهربلَك من الفرح وأفضحك عادي.
غادرَ وهو يطلقُ صفيرًا يشيرُ بيديه:
مرمر عايز عروسة أفرح بيها الليلة..توقَّفَ وغمزَ بطرفِ عينه:
هاشوف ست الدلال وهيَّ بتدلِّل.
– أاااه، صرخت وهي تضربُ قدمها بالأرضِ هاتفةً بغيظ:
بارد ومستفِّز ..بالخارجِ دلفَ إلى غرفةِ فريدة بعدَ السماحِ بالدخولِ وجدها تلملمُ سجادةِ صلاتها، اعتدلت تطالعهُ بفرحة:
حمدلله على سلامتك حبيبي، قلقت عليك.
استجمعَ شتاتَ نفسهِ واقتربَ منها وأردفَ قائلًا:
ياريت تعقَّلي بنتك، عرَّفيها يعني إيه جواز، الجواز مش بالفسح والهبل اللي هيَّ مفكَّراه، دي واحدة داخلة على تلاتين مش لسة صغيرة ..علشان ماترجعوش تزعلوا منِّي تاني ..قالها واستدارَ إلى البابِ.. توقَّفَ لدى البابِ وهتف:
وبلاش تفهِّميها هيَّ وبابا إنِّي السبب في اللي إنتِ فيه، استدارَ برأسهِ ينظرُ للسجادةِ التي بيديها وتابعَ ماشطرَ قلبها:
دا حتى إنتِ بتصلِّي وعارفة ربنا، مش تعرَّفيها كمان تصلِّي زيك، ياريتك علَّمتيها المفيد، بدل ماتعلِّميها حاجات تانية..فتحَ البابَ فهمست بتقطُّع:
إلياس …توقَّفَ يواليها ظهره، فاقتربت منهُ وتوقَّفت خلفهِ مباشرةً تطبقُ على جفنيها تسحبُ رائحته، ثمَّ همست:
بلاش تشيل ميرال بذنبي، ميرال بتحبَّك زي ماإنتَ بتحبَّها، بلاش تبيِّن قسوتَك في حبَّك، التفتَ إليها سريعًا وبترَ حديثها:
حب إيه يامدام فريدة، يعني إيه حب أصلًا، حب الستِّ اللي أمِّنت لست.،فبعدين سرقت جوزها بحيلها، ولاحب الستِّ اللي باعت ولادها اللي همَّا أغلى من روحها ، ولَّا حب الستِّ لراجل خلِّتُه ينسى حبيبته، أنهي حب بالظبط يامدام ..هتجوِّز بنتك علشان أجيب ولاد بس، علشان يكون ليَّا عيلة، بس ماضحكشِ عليكي خايف تعمل زيك وتبيع عيالها علشان كلِّ أسبوع تتفسَّح في بلد زي مابتتمنى.
انسابت دموعها بصمتٍ دونَ حديث ..تهكَّمَ متقدِّمًا منها:
إيه كنتي فاكرة هصدَّق لعبة الدكتور النفسي دي، مش الأولى سيادة اللواء اللي ياخدِك، ولَّا الأولى ابنِ ضرِّتك؟..
إلياس..هدرَ بها مصطفى، ليستديرَ ينظرُ لوالدهِ بصمتٍ ثمَّ تحرَّكَ للخارج.
هوت على المقعدِ تبكي بصوتٍ مرتفع،
ضمَّها مصطفى يربتُ على ظهرها:
آسف يافريدة، تعبت منُّه، بس دا راجل هعمِل فيه إيه.
ابني مفكَّرني بعتُهم يامصطفى، طيب إزاي هيصدَّقني..سحبها متَّجهًا إلى غرفةِ الملابسِ وتوقَّفَ محتضنًا وجهها:
ممكن تنسي كلِّ حاجة وافتكري حاجة واحدة بس..ابنِك البكري فرحُه النهاردة، ومهما يقول، صدَّقيني بيحبِّك، هوَّ ممكن يكون مضَّايق بس مش بيكرهك، وبكرة تقولي مصطفى قال، هوَّ أنااللي هاقولِّك إلياس مين..
بعد عدَّةِ ساعاتٍ بأكبرِ الفنادقَ بالقاهرة
انتهت من لمساتها التجميلية مع خبيرةِ التجميل ..توقَّفت تنظرُ إليها برضا:
كتتتتير كتتير حلوة ياميرال.
ابتسمت بمجاملة:
ميرسي تسلَم إيدِك..رفعت ذقنها تنهي نظرتها التقيميية:
لا إنتِ اللي حلوة وماكنشِ فيه تعب ولا حاجة …دلفت غادة:
وااااااه واااه إيه الجمال دا يابت ياميرو، لا كدا هزعل، هاتخطفي الأضواء منِّي ..ابتسامة خرجت من بينِ أحزانها، تمنَّت أن تستمعَ من عاشقِ روحها بعضِ الكلماتِ التي تطيِّبُ ثنايا روحها.
بعدَ قليلٍ استمعت إلى طرقٍ على بابِ الغرفة، فتحت غادة وجدتهُ يقفُ بطلَّتهِ المهيبة التي تخطفُ القلوبَ قبلَ الأبصار:
لا كدا كتير على قلبِ العروسة، دا إنتَ هتخطَف كلِّ حاجة، طيب أنا مظلومة في النُّص..
ضمَّها وقبَّلَ رأسها:
اتعلمتي اللماضة إمتى يالمضة ..وشوشت إليهِ تشيرُ على ميرال:
من مراتك هيَّ أستاذتي، رفعَ رأسهِ إليها وهمس:
هتقوليلي، دي مش عايزة معرفة.
توقَّفت أمامهِ متسائلةً بشقاوة:
رايح فين ..
رايح اريح جوَّا شوية، وسَّعي يابت واقفة كدا ليه؟..
بسطت كفَّيها تغمزُ بعينها:
ادفع ياعريس، عروستنا غالية تستاهل فلوس الدنيا كلَّها.. كانت نظراتهِ على التي تواليهِ بظهرها فهتفَ بصوتٍ مرتفعٍ ليصلَ إليها:
طيِّب دا لو ماكنتشِ بايرة ..قالها وجذبَ غادة متَّجهًا إليها..استمعت إلى صوتهِ بالخارجِ مع ارتفاعِ دقَّاتِ قلبها العنيف، قابلتهُ المسؤولةُ عن تجهيزها:
ألف مبروك ..بحثَ عن نقودٍ بجيبه ، رفعَ نظراتهِ إليها مبتسمًا يشيرُ إلى غادة:
شوفي الأستاذة ياغادة، ممعيش فلوس هنا ..اعتذرت تشيرُ إلى ميرال:
أبدًا مش محتاجة حاجة، مدام فريدة إدتني وبزيادة كمان هيَّ مش محتاجة، ربِّنا يسعدُكم ..
أشارَ لأختهِ بعينيهِ لتسحبها وتخرجَ بها، بينما هو تقدَّمَ إليها.. تلألأت عيناها تضغطُ على فستانِ زفافها تتمنَّى أن تمرَّ الليلة عليها مرورَ الكرامِ متذكِّرةً رجاءَ والدتها إليها:
لو بتحبِّي ماما فعلًا لازم تكمِّلي جوازِك من إلياس، حبيبتي صدَّقيني إلياس الوحيد اللي أقدر أمنِّلِك معاه ، لو وقَّفتي الجواز زي ما بتقولي هزعل منِّك ياميرال.
ماما إفهميني، أنا وإلياس مختلفين.
إنتِ وإلياس عنديين بس، صدَّقيني حبيبتي، إلياس الوحيد اللي يقدَر يحافظ عليكي …فاقت من شرودها على صوته:
هاتفضلي مدياني ضهرِك كتير، طيِّب عايز أشوف عروستي حلوة ولَّا…
– هتفرِق…قالتها وهي تستديرُ إليه:
توقَّفَ متسمرًا يطوفُ بنظراتهِ يرسمها كفنانٍ مبدع، كلَّ إنشٍ بها يجذبهُ
وكأنَّها تسرَّبت واستوطنت بثنايا روحه، اقتربَ منها وتعلَّقت الأعينَ ودقَّت القلوبُ بالنبضِ لتعزفَ بأجملِ الألحان.
أسبلت عينيها مبتعدةً عن نظرهِ بعدما استمعت إلى كلماته:
كان فيه بنت هنا اسمها ميرال شوفتيها..ابتسامة شقَّت ثغرها، احتضنَ وجهها وعزفت شفتيهِ بقبلتهِ الحنونةُ فوقَ جبينها هامسًا بصوتهِ الرخيم:
ألف مبروك، ربِّنا يجعلِك ليَّ خيرَ حياة وخيرَ سعادة ..رفعت عينيها التي تشتَّتَ من دعائهِ وهتفت:
بجد …ابتسمَ ابتسامةٍ عذبةٍ يبسطُ كفَّيه:
جد جدًا وياله ننزل تحت علشان أنا مش مسؤول عن التأخير.
اتَّسعت ابتسامتها تهزُّ رأسها مردِّدَة:
انفضام شخصية مذهل.
بسط كفيه يشير إليها بالنزول
-طيب ياله!!
مش هنزل إلا لما تقولي بحبك
ارتفع جانب وجهه بشبه ابتسامة ساخرة قائلًا:
-عادي مانزليش، وأنا هنزل ألغي الفرح وأقولهم العروسة هبلة
-دا كله علشان عايزة تقولي بحبك..سحب كفيها وتحرك:
-الكلام مابيتقالش يامرمر، الكلمة بتتحس
وصلَ إلى الردهةِ التي تخرجُ بهما إلى صالةِ الزفاف، توقَّفَ أمامها يلقي نظرةً أخيرةً عليها قائلًا:
زي القمر بالطرحة، أتمنَّى ماتُكنشِ مجرَّد موضة…تأففت قائلة:
-كويس أنها عجبتك، فكَّرتَك هاتتريق.
تحرَّكَ بها بعدما عانقت ذراعيه:
بالعكس سعيد جدًا ..المهم تكوني مقتنعة ..أُغلِقت الإضاءة بعد وصولهم الدرج لترتفعَ الموسيقى على ظهورهم مع نقطةٍ إضائيَةٍ تلتفُ حولهما فقط و ظهورِ أطفالٍ على الجانبين بردائهم الأبيضِ على شكلِ الفراشة…قدَّمت الأطفال عرضًا مذهلًا أمامهما، مع رجعوهم للخلفِ وارتفاعِ أغنيةِ الزفاف المشهورةِ إلى أن وصلا إلى مكانهم المخصص ليفتتِحَ حفلِ الزفاف برقصتهم.
أحاطَ خصرها بذراعٍ والآخر رفعَ كفَّها يمرِّرُهُ على صدرهِ ليتوقَّفَ عندَ نبضِه، وقرَّبها إلى أحضانِه، لتضعَ رأسها بهِ كأنَّهُ يريدُ أن يخفيها عن العالمِ أجمع.
أغمضت عينيها داخلَ حضنهِ.. كلَّ ما تشعرُ بهِ الآن ماهوَ إلَّا رهبةً من تلكَ اللحظاتِ التي تسحبُ روحها..انحنى يستنشقُ رائحتها المُسكرة منتشيًا بها لتتسرَّب لجميعِ جسدهِ وتستقرَّ بقلبه، وهو يشعرُ بكمِّ الحبِّ الذي طغى عليهِ بتلكَ اللحظة، تثاقلت أنفاسهِ بعدما رفعت رأسها ونظرت إليهِ مبتسمةً ثمَّ أردفت:
ياترى سيادة زوجي العزيز البروجرام بتاعُه إيه الليلة؟..
أطلقَ ضحكةً رجولية، ولولا ارتفاعِ الموسيقى لتوقَّفَ الجميعُ على ضحكتِه، فأمالَ بجسدهِ متعلِّقًا بعينيها:
بلاش تعرفي ياميرو خلِّيها مفاجأة..
-رخم يازوجي ..رفعَ حاجبهِ يشيرُ إلى نفسِه:
أنا رخم، طب والله مسكَّر وزي العسل تنكري؟..
مغرور ..قالتها تبتعدُ عن نظراته الثاقبة ..تابعَ حديثها مستطردًا:
بس عسل برضو…
أيوة عسل أسود هاتقولِّي..انحنى يدفنُ رأسهِ بعنقها يمنعُ ضحكاته:
إحنا قدَّام ملايين من الناس ياروحي، قصَّري لسانِك شوية لحد مايتقفِل علينا باب واحد.
ابتعدت خطوةً تطالعهُ بذُعر:
باب إيه اللي يتقفِل علينا..التفتَ بنظرهِ حتى وقعت عينيهِ على فريدة التي تنظرُ إليهِ بدموعٍ محتجزة، تقابلت أعينهُم للحظات، حتى توقَّفت بعدما نزعت نفسها من بينِ ذراعِ مصطفى واقتربت منهما قبلَ إنهاءِ رقصتهما، وصلت إلى وقوفهِم:
المفروض كنت أستنى تخلَّصوا الرقصة، بس مش قادرة عايزة أحضُنكم أنتوا الاتنين …وصلَ إسلام إليهم قائلًا:
وأنا كمان ياماما فريدة، أحضني إلياس لحد ماأحضُن ميرال..
تعالي ياميرو..رمقَ أخيهِ بنظرةٍ مميتةٍ ليتراجعَ للخلفِ ضاحكًا يرفعُ يديه:
خلاص خلاص، كنت بهزَّر، اقتربت فريدة منهُ وعيناها تفترسُ ملامحه، كانت نظراتهِ على إسلام الذي جذبَ ميرال من كفَّها، بسطت كفَّيها على وجههِ وتدجرحت عبراتها بشدة، مع شهقةٍ ملتاعةٍ من أعماقِ قلبها تهمسُ لهُ برجاء:
عايزة أحضُنَك ياإلياس، اعتبرُه آخر حُضن بينا، وعد مش هقرَّب منَّك تاني، إنتَ ابني مش كدا ولَّا إيه…
ربتَ والدهِ على ظهرهِ مبتسمًا:
أكيد يافريدة إلياس ابنِك هوَّ فيه حد ربَّاه غيرِك، قالها مصطفى وهو ينظرُ إليهِ برجاء ..أومأَ برأسهِ لتجذبهُ لأحضانها تشدِّدُ من احتضانهِ وكأنَّهُ سيختفي من أمامها، تستنشق رائحته بوله مردِّدَةً:
ألف مبروك ياحبيب ماما، ربنا يسعدك ياحبيبي يارب..
رفعت كفَّيها وحاوطت وجههِ ونظرت لعينيه:
مبروووك يايوسف بالرفاء والبنين.
انكمشت ملامحهِ مردِّدًا:
“يوسف”
انتبهَ إلى صوتِ إسلام وهو يسحبُ ميرال:
بعد إذنك ياعريس عايز أرقص مع العروسة ..فتحَ فاههُ للاعتراضِ فاقتربت غادة تسحبُ كفَّيه:
أيوة وأنا هارقص مع إلياس ..تحرَّكَ إسلام يسحبُ ميرال بعيدًا ببعضِ الخطواتِ أثناءَ اقترابِ مصطفى منهم، ونظراتهِ على فريدة التي تحاولُ كبحَ دموعها ..التفتت ميرال إلى إسلام متسائلة:
حركة الرقص دي وراها ايه ياسلومة..
أهه ..قالها وهو يتِّجهُ ببصرهِ إلى ميرال قائلًا:
كنت عايز ماما فريدة ترقص مع إلياس، بس غادة نيِّلت الدنيا.
ابتسمت تهزُّ رأسها وهتفت باعتراض:
ماما ترقص..قالتها باستخفاف، ثمَّ رفعت نظرها إليهِ وتابعت مستطردة:
ماظنِّش أخوك كان هايوافق، تراقصَ معها على نغماتِ الموسيقى على مقطعِ دورانها ورجوعها إليه..زفرَ الآخرَُ باختناقٍ وعينيهِ عليهما لا تخلو من نظراتِ غادة المشاكسة إليه لتهتفَ بتردُّد:
بتحبَّك أوي على فكرة..
زوى مابين حاجبيهِ وتصنَّعَ الجهلَ متسائلًا:
هيَّ مين دي؟!..
تبسَّمت بمكرٍ تنظرُ إلى فريدة ودارت أمامهِ على النغماتِ هي الأخرى قائلة:
ماما فريدة، ذهبَ ببصرهِ إليها وجدها تطالعهُ بعيونٍ مترقرقة، ورغمَ ذلكَ إلَّا أنَّ الابتسامةَ لم تخلو من وجهها، ثمَّ اتَّجهَ إلى غادة مرَّةً أخرى:
روحي أرقصي مع إسلام، أنا تعبت..
تراجعت خطوةً للخلفِ تغمزُ إليهِ بمشاكسة:
هاعمِل مصدَّقة، مش مجرَّد غيرة تمام يابوص..ضحكَ وهو يجذبُ رأسها يطبعُ قبلةً عليها، رفعت رأسها ونظرت لعينيه:
إلياس ميرال بتحبَّك أوي، بلاش تزعلها لو سمحت، مش هضحك عليك وأقول مصدَّقة إنَّك عايز تعمل عيلة زي مافهَّمتِ بابا، بس في نفسِ الوقت هقولَّك إنتَ أخويا الكبير ومهما تعمل لازم أقبل أعذارك، بس ميرال ملهاش ذنب، وقبل ماتحاول تعترض على كلامي افتكر إنِّ ذنبها الوحيد إنَّها حبتَك وبس.
ربتَ على كتفها دونَ حديثٍ وتحرَّكَ متَّجهًا إليها، ليسحبَ كفَّيها يشيرُ إلى مكانهِم المخصَّص للجلوس:
هتفضلي تُرقصي طول الليل..تحرَّكت بجوارهِ بصمت.
بمكانٍ آخر كانت تجلسُ بمكتبها بالبيوتي سنتر الذي ابتاعتهُ منذُ فترةٍ بالقاهرة بعدَ نقلهِم إليها ..استمعت إلى صوتِ الفتياتِ العاملاتِ بالخارج، فخرجت على أصواتهم وهم ينظرونَ إلى شاشةِ العرضِ ويتهامسونَ بإعجابهِم بطلَّةِ العروس، قالت إحداهنّ:
بس العروسة شكلها قمرين دي أكيد اللي جهزتها ماضافتشِ جديد، قاطعتها الأخرى ممكن بس شكلها ناس تقيلة..إنتِ مش شايفة الفستان ولَّا الفندق وقرأت كمان الفرح فيه قامات مرموقة يعني هايكون أحسن من الأميرة
فيتوريا كريستينا أديلايد، أميرة إيطاليا دي عرفتيها؟..الصراحة العروسة دي تشبهها أوي..
كانت تقفُ تنظرُ لشاشةِ العرضِ التي يتحدَّثُ عنها الفتيات، فجأةً اقتربت من الشاشةِ تنظرُ بتعمُّقٍ على تلكَ السيدةِ التي تحتضنُ العريس ثمَّ العروس..تراجعت الفتيات بعد خروجها وذهبنَ إلى عملهن، أشارت إليهن:
فرح مين دا؟..اقتربت إحداهنَّ التي كانت تتحدَّثُ قائلة:
دا فرح ابنِ اللواء مصطفى السيوفي، اللي فيلِّتُه في الكمبوند اللي قصادنا، إزاي ماتعرفهوش ياهانم، دي مراتُه كانت من أحسن الزباين عندنا أيام مدام مليكة.
أشارت لها بالصمتِ ثمَّ لوَّحَت بكفَّيها:
روحي شوفي شغلِك، ثمَّ اتَّجهت تنظرُ إلى الشاشةِ تهمسُ لنفسها:
فريدة..ياااه يافريدة طلعتي أقرب مما توقَّعت، لا وكمان زبونة عندنا ..التفتت مستديرةً وتساءلت:
هيَّ آخر مرَّة جت إمتى، أجابت الفتاة:
آخرَ مرَّة كانت قبلِ مدام مليكة ماتمشي بكام يوم، حتى مدام مليكة قالتلها على فكرة شراءِ السنتر بس هي رفضِت وقالت ماليش في الشُغل دا، أصلها فاتحة دار للأيتام، جوزها غني جدًا، وكمان عندها بنتين وولدين.
بتقولي عندها بنتين وولدين، همسَت لنفسها عطوة قال ولد بس..ابنِ جوزها ولَّا ماكانشِ يعرَف بدول ..تنفَّست بغضبٍ وتحرَّكت للداخلِ وداخلها نيرانًا تريدُ أن تصلَ فريدة.
عندَ أرسلان:
جلسَ بمقابلةِ غرام بعدما طلبَ من والدها الجلوسَ معها، حمحمَ قائلًا:
أنا مش هالِف وأدور عليكي، أنا محتاجِك زي ماإنتِ محتاجاني.
طالعتهُ بتهكُّمٍ قائلة:
وياترى هحتاجَك في إيه، ماظُنِش إنِّي هاحتاج لواحد زيك.
أشارَ بسبباتهِ إليها بالصمتِ وهتفَ من بينِ أسنانه:
غلط مابحبِّش، أنا جايبِك من سجنِ أمنِ الدولة، ماكُنتيش بتتمشي على الكورنيش، وبقيتي مطلوبة عندِ الإرهابيين، ماهو إنتِ شوفتي شكل اللي هرِب تفتكري هايسبوكي عايشة، لا دا أقلِّ حاجة هايعملوها هايخطفوا أخوكي.
إيه… …قالتها بشفتينِ مرتعشتينِ بعدما تسرَّبَ الخوفُ إلى قلبها..
تنهَّدَ ثمَّ سحبَ نفسًا عميقًا وتابعَ مستطردًا:
اسمعيني كويس أنا مستعد أحافظ عليكي وعلى أهلِك..
والمقابل ..ياحضرة الظابط؟.،
أنا مش ظابط..هبَّت من مكانها تنظرُ إليهِ بذهول:
إزاي مش ظابط، أومال خرَّجتني من هناك إزاي …توقَّفَ بمقابلتها يضعُ كفوفهِ بجيبِ بنطالهِ وتابعها بنظراتهِ قائلًا:
مش شغلِك..أنا مش فاضي ماعنديش وقت… كلِّ وقتي بيتحسِب بالدقيقة، وإنتِ أخدتي من وقتي أكتر من اللازم.
عايز مني إيه؟..
نتجوِّز لمدِّة شهر والمقابل حمايتِك إنتِ وأهلِك.
اقتربت منهُ كقطَّةٍ شرسة:
إنتَ واحد مجنون، قول إنَّك واطي حقير..أطبقَ على ذراعها وهمسَ بهسيسٍ مرعب:
اسمعي يابت..ماتفكَّريش بيت أبوكي هايحميكي منِّي، لو عايز أخدِك هاخدك ومحدِّش يقدَر يوقَف قدَّامي، أنا دخلتلك من الباب وحكيت الظروف لأبوكي، قدَّامِك ساعتين بس تختاري أهلِك… ياتختاري الجواز، بكرة لازم نكون في إيطاليا، رقمي مع أبوكي، وماتفكريش إنِّي ماقدرشِ أجيب غيرك، بس أنا خوفت عليكي، شكلِك ماتستاهليش ..قالها وانحنى يجذبُ فونهِ ورمقها بنظرةٍ سريعةٍ يشيرُ بيديه:
ساعتين بالظبط وهاشوف غيرِك ..قالها وتحرَّكَ إلَّا أنَّها أوقفته؛
طبيعة الجواز هاتكون إزاي؟..توقَّفَ مواليها ظهرهِ وأردف:
ماتخافيش جواز صحيح، أنا مش من النوع اللي يغضِب ربنا، وجوازنا هايكون على ورق بس، كتبِ الكتاب علشان خلوتِك معايا مش أكتر، وزي ماأخدتِك هارجَّعِك وكلِّ حقوقِك معاكي.
اقتربت منهُ وهي تفركُ بكفَّيها:
تمام أنا موافقة، بس ماترجعَشِ في كلامك..التفتَ برأسهِ وأردفَ وهو يعانقها بنظراته:
عرَّفي والدِك وأنا هاتِّصل بعمي يقابلنا عند المأذون بعدِ ساعة بالظبط ..هاسيبِك دلوقتي.
استنى ..قالتها بعدما تحرَّك، لتقتربَ منهُ قائلةً بنبرةٍ مشتتة:
بتقول هانسافِر إيطاليا..أنا ماعنديش جواز سفر، غير لسة هاعرَّف بابا وأشوف ردِّ فعله، أنا بابا ماقدرشِ أبعد عنُّه هوَّ وأخواتي في الوقتِ دا.
استدارَ واقتربَ منها محاولًا طمأنتها:
والدِك من وقتِ ما دخلت بيتكم تحت رعايتي ماتخافيش، ومن بكرة هانقِلُه لمكان آمن لحدِّ مالدنيا تهدى، وأخوكي هايكون عنده أحسن المدرسين وموافقة من المدرسة باعتذاره ..فيه حاجة تانية؟..
إنتَ مين وبتعمِل ليه كدا؟!..
نظرَ بساعةِ يدهِ ثمَّ رفعَ نظرهِ إليها:
عندي شغل وإنتِ بتأخريني، أنا مين قولت لباباكي هوَّ يعرَّفِك، عايز منِّك إيه،
عايزِك معايا لمدُّة شهر في مكان معين
على ماأظن الأسئلة كدا خلصِت ..تحرَّكَ ثمَّ عادَ متوقِّفًا مرَّةً أخرى:
أه، علشان ماتفكريش أنا تبع مافيا ولَّا حاجة افتكري..أنا جبتِك من أمنِ الدولة، و إنتِ متعلمة وفاهمة يعني إيه أمنِ الدولة، واتثبَّتي هناك إنِّك خطيبتي..
ممكن أمشي ولَّا لسة قلقانة …قالها وتحرَّكَ دونَ أن ينتظرَ إجابتها. خرج وأمسك هاتفه..كان اسحاق يجلس بجوار دينا الغافية على ساقيه، مسد على خصلاتها بحنان، استمع الى رنين هاتفه
-أيوة حبيبي..
-اسحاقوا شوفلي مأذون ساعتين بالكتير، الوقت اتأخر، علشان ألحق الطيارة
وضع رأس دينا على الوسادة وانتصب متسائلا:
-وافقوا..توقف يفتح باب سيارته وأجابه
-أيوة، قدامي مشوار وهكلمك، انت عند دينا ..اومأ قائلًا:
-اه بس هتصرف
-تمام قالها ارسلان وأغلق الهاتف، متجها إلى عمله
استدار بعدما استمع الى همسها
-ارسلان..اقترب يهز رأسه قائلا
-اه عندي شغل ساعتين وراجع، والدتك جبتها برة، أي حاجة تحتاجيها اطلبيها من الخدامة، مش عايز حركة وتعب
احتضنت كفيه مبتسمة:
-اسحاق انت فرحان بالبيبي..انحنى يقبل جبينها ولمعت عيناه بالسعادة
-احسن خبر سمعته، عايزك تتأكدي اتمنيت يكون ليا ولد زي ارسلان، ويطلع راجل بجد، ارسلان ابني قبل مايكون ابن اخويا يادينا
رفعت كفيه وقبلته
-ربنا يخليك ليهم ياحبيبي، وتربي ابننا
توقف يجمع اشيائه يشير إليها
-بلاش عند مع والدتك يادينا، وبلاش عصبية، البيبي دا اغلى مني سمعاني
توقفت إلى أن وصلت امامه تتلاعب بزر قميصه
-غالي علشان انت باباه يااسحاق
قبل جبينها واستدار قائلًا:
-خلي بالك من نفسك
عندَ إلياس:
اقتربت الفتياتُ صديقاتِ ميرال إليها لمشاركتهم الرقص..اتَّجهت بنظرها إليه:
هاقوم أرقُص مع البنات علشان مايزعلوش…
مايزعلوا، علشان مايزعلوش تتنطِّطي…
إلياس الليلة دي أي بنت بتنتظرها علشان تكون سعيدة ليه بتخنقُني كدا، دنا برأسهِ منها:
-“لو شايفة السعادة هاتكون في الرقص قدَّام الناس دي كلَّها، أنا مش عايزِك تبقي سعيدة ياميرال.
إلياس …ولا كلمة، رقصنا مع بعضِ كفاية، أمَّا رقصِ البنات اللي بشوفوا أنُّه ماهوَ إلَّا عرض لجسم يرخَّصوه قدَّام الناس مايلزمنيش.
إنتَ كدا بتزعَّلني..
“مش مهم، المهم اللي شايفُه صح بعملُه وبحافظ عليكي بيه..إزعلى.
أطبقت على جفنيها مبتعدةً بنظرهِ عنها، لاحظت غادة حزنها فاقتربت منهما:
إلياسو حبيبي هاخد ميرو عندِ البنات ووعد مش هانتحرَّك، هاتفضَل بينا بس، ليها صحبات جايين من محافظات مختلفة مش حلوة لمَّا تسبهُم يرقصوا لوحدهم..
غادة …سحبت ميرال سريعًا من أمامهِ قبلَ حديثه:
شكرًا ياحبيبي..ابتسمت ميرال من وسطِ أحزانها:
مجنونة عملتيها إزاي..رفعت حاجبها وشيَّعتها بنظرةٍ منتصرة:
المهم بلاش تنسي نفسِك وترقصي دا ممكن يطلَّقِك هنا ومايهموش حد.
بعدَ فترةٍ انتهى حفلُ الزفافِ الأسطوري ..خرجت بجوارهِ إلى السيارةِ التي تنتظرهُم بالخارجِ لنقلهم إلى المطار..
بعدَ عدَّةِ ساعاتٍ وصلا إلى الفندقِ الذي سيمكثان بهِ بفترةِ شهرِ العسل.،
توقَّفَ أمامَ موظفةِ الاستقبالِ يضعُ بطاقتِه، لتشيرَ لأحدهِم لمساعدته..
وصلَ إلى أحدِ الأجنحةِ المميَّزةِ التي تُحجَزُ باسمه، دلفَ للداخلِ بجوارها بعدما وضعَ العامل حقيبتهما، دلفت للداخلِ تنظرُ للجناحِ بذهول، فلقد كان معدًّا على أروعِ مايكون لاستقبالِ العروسين..استمعت إلى خطواتهِ بالخلفِ فهتفت:
ماكنشِ له لزوم، أومال لو مش مسرحية قدَّام الكل، كانوا عملوا إيه؟..
فكَّ ربطةَ عنقهِ ملقيها بإرهاقٍ وأجابها:
مسرحية، شايفة اللي اتعمَل دا كلُّه مسرحية؟!..
التفتت إليهِ وهي تراهُ يخلعُ جاكيتهِ متَّجهًا إلى جميعِ الشرفاتِ التي تُطلُّ على البحرِ يغلقُ ستائرها.
رجفةً قويةً أصابت جسدها، وهي تراهُ يدنو إليها يشيرُ إلى الغرفة:
أُدخلي غيَّري هدومِك علشان نصلِّي الأوَّل ..تجمَّدَ الدمُ بعروقها وهي ترى تلكَ المنامةُ الموضوعةُ على الفراش.
تراجعت تبتلعُ ريقها بصعوبةٍ مع ارتعاشةِ جسدها، حملت فستانها وابتعدت عنهُ ببعضِ الخطوات:
لا أنا كدا كويسة مش عايزة أغيَّر.
ضحكَ على حديثها فاقتربَ منها وهي تبتعدُ للخلفِ إلى أن احتجزها بالجدارِ
وآمال بجسدهِ يهمسُ لها بصوت..جعلها تشعرُ بتلفِ خلاياها للثباتِ أمامه:
ليه ناوية تنامي بفستانِ الفرح؟..
تورَّدت وجنتاها من أنفاسهِ الحارَّةِ التي تضربُ وجنتيها:
إلياس إبعد عايزة أغيَّر…رفعَ حاجبهِ وتحدَّثَ بسخرية:
الله مش قولتي مش هاتغيَّري ..دقَّاتٍ عنيفةٍ تضربُ داخلَ صدرها، حينما تعلَّقت عيناها بعينيهِ بسحرٍ خاص، وتاهت بين عشقها وقربهِ المدمِّر لقلبها،
مرَّرَ أناملهِ على وجنتيها لتغمضَ عينيها تشعرُ بالخجلِ مع ارتعاشةِ قلبها وهي تشعرُ بأنفاسهِ الحارَّة ..استندت عليهِ بعدما أصبحت ساقيها كالهلام، حاوطَ جسدها لتصبحَ بأحضانه، قائلًا:
غيَّري هدومِك أنا تعبان وعايز أنام من الصبحِ وأنا واقف على رجلي.
ابتعدت سريعًا تشيرُ إلى القميصِ الموضوعِ على الفراش:
أنا مستحيل ألبِس القميص دا ..اتَّجهَ بنظرهِ للذي تشيرُ إليه، ثمَّ أطلقَ ضحكةً صاخبةً وجذبها بقوةٍ يديرُ ظهرها وقامَ بفكِّ أربطةِ فستانها، ثمَّ انحنى يهمسُ لها:
ومين قالِّك ياروحي أنا هالبِّسك القميص دا ..شعرَ بارتعاشِ جسدها، فتركها لتبتعدَ عنهُ سريعًا وهي تهتف:
إيَّاك تقرَّب منِّي، ومش هالبس القميص دا، دا مكشوف أوي، عايزة حاجة تانية دا مش هالبِسُه مستحيل..
قالتها بصوتٍ متقطِّعٍ مع ارتجافٍ لجسدها ولم تشعر بسقوطِ فستانها أمامَ ناظريه، لملمتهُ سريعًا ودلفت للداخلِ وقلبها كالمضخة، استندت على البابِ تضعُ كفَّيها على صدرها تحاولُ أن تسحبَ أنفاسًا منتظمة:
أسكت بقى، مالقتشِ غير دا وتحبُّه..اتَّجهت إلى الفراشِ وجلست فوقهِ ومازالت تحتَ سيطرةِ رائحته، أغمضت عينيها..استمعت إلى صوتهِ بالهاتف:
وصلنا يابابا، طمِّن مدام فريدة، هيَّ كويسة، بكرة أخليها تكلِّمها ..ظلَّت بمكانها إلى أن دلفَ بعدما بدَّلَ ثيابهِ يحملُ إسدالها:
إلبسي دا واجهزي علشان نصلِّي.
فين هدومي، هالبس دا لوحدُه، هات الشنطة، خرجَ لدقائقَ معدودةٍ يلقيها بقميصه:
إلبسي دا مفيش هدوم غيرُه، لو مش عجبِك.. براحتِك، توقَّفت مقتربةً منه:
إلياس هات الشنطة وبطَّل هزار…
أشارَ بعينيهِ على قميصهِ الأبيضَ الذي كانَ يرتديه:
مافيش غير دا، يالَّه مش هانتظر كتير، بدل ما أدخُل ألبِّسِك..ضربت قدمها بالأرضِ:
بارد مستفز، استدارت بعدَ إغلاقهِ لبابِ الغرفة، تحرَّكت إلى قميصهِ الذي ألقاهُ على الفراش، حملتهُ تقرِّبهُ من أنفها تستنشقُ رائحتهِ بوله، تهمسُ لنفسها:
معقول كلِّ اللي اتمنيتُه يتحقق..بعدَ قليلٍ خرجت وجدتهُ متوقِّفًا أمامَ النافذةِ ينظرُ للخارج، استدارَ إليها واقتربَ يشيرُ إلى مكانِ الصلاةِ الذي اتَّخذهُ من البوصلةِ التي لديه …انتهيا بعد قليلٍ من صلاتهما ..ظلَّت كما هي جالسةً تنظرُ بنقطةٍ وهميَّة، استمعت إلى حديثه:
هاتفضلي قاعدة كتير، رفعت رأسها إليهِ بصمت، أمالَ بجسدهِ يرفعها إلى أن توقَّفت ..تعالت دقَّاتُ قلوبهما من تلكَ اللحظة، رفعَ ذقنها بعدما نظرت للأسفلِ ونظرَ لداخلِ عينيها:
دلوقتي أقدَر أسألِك سؤال ومهما كانت إجابتِك أنا هاقدَّرُه، وهاعرف حياتنا بعد كدا هاتكون إزاي..
حياتنا…هزَّ رأسهِ بالموافقة:
ليه مستغربة، عمرِك مافكرتي ممكِن القدر يجمعنا؟…
انزلقت دمعةٌ من طرفِ عينيها قائلة:
اتمنيت بس مافكرتِش، لأنَّك كنت بعيد عن أحلامي، مانكرشِ إعجابي بيك، وبنيت أحلام بس كنت عارفة إنَّها أضغاث، عمري ما تخيَّلت هاتكون جوزي في يوم من الأيام حتى وإنتَ جنبي في الفرح لحدِّ ماجينا هنا، كلَّها أحلام، إلَّا بعد ..توقَّفت عن الحديثِ وعيناها تحتضنُ صمتهِ إلى أن همسَ متسائلًا:
إلَّا بعدِ إيه؟..سحبت نظرها من بحرِ عينيهِ قائلة:
مش مهم، المهم تتأكِّد أنا مابرسمشِ ولا بخطَّط لجذبَك ولا حاجة، ولو عايز نفضل فترة مع بعض كأخوات وبعدِ كدا ، بترَ حديثها مبتلعًا باقي حديثها، ليعقدَ علاقةً منفردةً بثغرِها يتذوَّقُ شهدها، بعدَ فترةٍ وضعَ جبينهِ فوقَ جبينها ..لفَّ خصرها بذراعيهِ مطبقَ الجبينِ وصدرهِ يعلو ويهبطُ قائلًا بأنفاسٍ متثاقلة:
ماكنشِ سراب ولا حاجة ..رفعت عينيها التي لمعت تطالعهُ بذهولٍ منتظرةً بقيَّةَ حديثهِ بشقِّ الأنفس:
ميرال اعتبري إننا مااتجوزناش ولا كأنِّ حاجة حصلِت، وهاسألِك دلوقتي ووعد أيٍ إن كان اللي هاتقوليه هاتقبَّلُه حتى لو مش موافق عليه، أنا رضيت كلِّ الأطراف بس إنتِ عندي أهم.
أصبحَ قلبها كمعذوفةٍ تعلنُ عن حبِّهِ بعدَ حديثهِ الذي جعلها تتيّّقنُ من حديثِ غادة..رفعَ كفَّيهِ يحتضنُ وجنتيها:
إنتِ موافقة نكمِّل حياتنا مع بعض، موافقة على جوازنا؟..
رفرفت أهدابها عدَّةَ مرَّاتٍ تحاولُ السيطرةَ على ارتعاشةِ دواخلها، من حديثه المؤذي لقلبها.
طيِّب ماتيجي تعكس ياإلياس..إنتَ موافق على جوازنا؟..
طبعًا…قالها دونَ تردُّد.
لم تشعر بنفسها إلَّا وهي تحيطُ خصرهِ تهمسُ له:
موافقة أكون طول العمرِ جوَّا قلبَك قبل حضنك..رفعت رأسها تنظرُ لداخلِ عينيه، ينفع أكون جوَّا قلبَك؟..
ابتسمَ يمرِّرُ أناملهِ على وجنتيها:
ومين قالِّك إنِّك مش في قلبي
هزَّت رأسها وانسابت عبراتها بكثرةٍ من اعترافهِ الغيرُ مباشر:
بتحبِّني..انحنى يحملُها ويتَّجهُ إلى فراشهما خاطفًا أنفاسها وروحها لتتعانقَ بأنفاسهِ وروحه ..وخاصتهِ تعزفُ لحنها الأثير على أوتارِ خاصتها ليؤكدَ لها أنَّها العشقُ الذي يستوطنُ بثنايا روحه.
اغتيالٌ عنيفٌ شعرَ بهِ من لحظةِ الاقترابِ وكأنَّ روحهِ تصدرُ ألحانًا وقلبهِ الذي يعزفُ بدقَّاتهِ العنيفة، لينفجرَ بركانُ العشقِ رغمًا عنهُ ليوثِّقَ ميثاقُ العشقِ ويثبتُ ملكيتهِ قولًا وفعلًا بعدَ فترةٍ أقسمَ أنَّها فترةً من الجنَّةِ من روعةِ ماشعرَ بهِ وهي داخلَ أحضانِه ..
هدأت النبضاتُ أخيرًا واستكانت بعدَ رحلةٍ من النبضِ العنيفِ الذي اخترقَ الصدور، تنهيدةٌ عميقةٌ وشعورُ الراحةِ يطفو فوقَ ملامحهِ بعدما وجدها تغفو بأحضانهِ كالطفلةِ التي تنعمُ بأحضانِ والديها ..سبحَ بعينيهِ فوقَ ملامحها التي تُنعشُ الروحَ بالجسد، مرَّرَ أناملهِ إلى أن وصلَ إلى توثيقِ ملكيتهِ على عنقها مبتسمًا يتذكَّرُ همسها إليه ..
تراجعَ بجسدهِ على الفراشِ بعدما وضعَ رأسها على الوسادة، ونهضَ يجذبُ سجائرهِ متَّجهًا إلى النافذة، وقامَ بإشعالِها،
ياترى هاتقدَر تعمل اللي ناوي عليه، هاتقدَر تكسر قلبها ياإلياس، التفتَ برأسهِ ينظرُ إلى نومها الهادئ، ثمَّ رجعَ ينظرُ من النافذةِ مرَّةً أخرى وجذبَ المقعدَ وجلسَ عليه ينظرُ لشروقِ الشمس..، بعدَ عدَّةِ ساعاتٍ تململت بنومها وابتسامةٌ عاشقةٌ تهمسُ اسمه، استمعَ إلى همسها بقلبٍ يأنُّ بينَ الضلوع.
فتحت عينيها بعدما شعرت بخلُوِّ الفراشِ لتجذبَ قميصهِ وترتديهِ متوقِّفةً تبحثُ عنه، وجدتهُ بالشرفة، تحرَّكَت إليهِ حافيةَ القدمينِ إلى جلوسه، عانقتهُ من الخلفِ وانحنت تطبعُ قبلةً فوقَ وجنتيه:
صباح الخير، صحيت إمتى ..
ظلَّ ينظرُ أمامهِ بصمتٍ لدقيقتينِ ثمَّ رفعَ رأسهِ إليها يشيرُ إلى الخارج:
عملتلِك كلِّ اللي اتمنتيه، جبتِك إيطاليا زي ماكان نفسِك تقضِّي ليلة الفرح هنا، وفندق على البحر، منظر خلَّاب ..ثمَّ أشارَ على قميصهِ وهو ينصبُ عودهِ متوقِّفًا:
ولبَّستِك قميصي الأبيض بتاع الفرح، وعيَّشتِك ليلة ماكُنتيش تحلمي بيها زي ماقولتي.
دقَّاتٍ عنيفةٍ.. تشعرُ بتوقُّفِ قلبها من حالتهِ التي تغيَّرت عن الأمس، دارَ حولها وأكمل:
اتمنيتي وأنا نفِّذت، جه الدور عليَّا بقى مش المفروض يكون ليَّا أمنية وتنفِّذيها ..انسابت عبراتها بعدما فقدت السيطرةَ ليكملَ قائلًا بنبرةٍ جافَّةٍ مميتة:
مش عايز أكمِّل جواز، حاسس كأنِّك جنزير من النار على رقبتي، مش عايزِك في حياتي، مش قادر أتابع، وفعلًا زي ماقولتي مسرحية بس هزلية يابنتِ مدام فريدة … ودلوقتي ردِّي تمن ليلةِ إمبارح اللي اتمنتيه نفِّذتُه من غير ماتطلبي ..اعتبري من اللحظة دي إنِّك مش مراتي.
1
صمتٌ مرعبٌ بالغرفةِ وهي تتراجعُ للخلفِ دونَ حديثٍ بجسدٍ منتفض، وعيونٍ كزخاتِ المطر، تريدُ من اللهِ أن يسحبَ روحها لبارئها، من هذا، أيُّ جرمٍ ارتكبتهُ ليذيقها اللهَ عذابَ هذا الشخص.
كلماتٍ اخترقت روحها لتطعنها وكأنَّها رمحٌ مشتعل ..وجعٌ ينخرُ ضلوعها، وكأنَّهُ فتَّتها لشظايا حادَّة..هوت على الأرضيَّةِ تتراجعُ بجسدها تهزُّ رأسها وكأنَّها بأحدِ كوابيسها.
بفيلَّا السيوفي توقَّفت على البوابةِ الرئيسية وطلبت مقابلةِ فريدة:
صديقة مدام فريدة من الدار، قولَّها مليكة الحسيني …
بعدَ عدَّةِ دقائقَ دلفت تتجوَّلُ بنظراتها على الفيلا تهمسُ لنفسها:
حتى بعد مارميتِك يافريدة، لقيتي أحسن ممَّا كنتي تحلمي، ياترى وصلتي لهنا إزاي ..استمعت إلى صوتِ كعبها المقتربَ ثمَّ صوتها:
أهلًا مليكة..التفتَت تخلعُ نظارتها السوداء:
أهلًا يافريدة، والله زمان، شوفتي الزمن، مصر صغيرة علينا اوي يافريدة، انت موتي بنتي وانا موت ولادك
توقَّفت بجسدٍ شاحبٍ كالأمواتِ وشعرت وكأنَّ الأرضَ تُسحبُ من تحتِ قدميها تهمسُ اسمها:
“رانيا”
