رواية شظايا قلوب محترقه الفصل التاسع عشر19 بقلم سيلا وليد

رواية شظايا قلوب محترقه 
الفصل التاسع عشر19
بقلم  سيلا وليد

صرخت وصرخت تضمُّهُ بانهيار ..وصلَ أرسلان مع أحدِ أفرادِ الأمنِ وقاما بحملهِ متَّجهينَ إلى السيارة..ساعدها أرسلان بالوقوف:
لو سمحتي يامدام ساعديني علشان ننقذُه مش وقتِ بُكى…
تحرَّكَت بجوارهِ وعيناها تتابعُه، إلى أن جلست بجوارهِ بالسيارةِ تضمُّ رأسهِ وتملِّسُ على وجهِه.. انحنت تضعُ رأسها فوقَ جبينهِ تهمسُ ببكاء:
إلياس افتح عيونَك، حبيبي متعقبنيش كدا…قادَ أرسلان السيارةَ بسرعةٍ مهولة، وقامَ بمهاتفةِ إسحاق:
عمُّو..إلياس السيوفي مضروب بالنار، غرفة عمليات جاهزة بسرعة رصاصة بالبطن، رقم العربية هبعتهولَك، تعرَف تبع مين، حرَّك الجهة المسؤولة تبعنا عايز العيال دي قبلِ خروجُه من العملية ياعمُّو..
تمام ..هوَّ عامل إيه إصابتُه خطيرة؟..
نظرَ لانعكاسِ صورتهِ بالمرآة، وتعلَّقت عيناهُ للحظاتٍ بميرال مردفًا:
خير إن شاءالله..قالها وأغلقَ الهاتف.
عندَ فريدة:
استيقظت من نومِها فزعةً وضعت كفَّها على صدرها تستعيذُ باللهِ من الشيطانِ الرجيم، نفضت نفسها ونهضت متَّجهةً إلى غرفةِ ميرال، قابلتها غادة تحملُ كوبَ قهوتها، توقَّفت بعدما وجدتها بتلكَ الحالة، حافيةَ القدمين، ومنامةً تصلُ إلى الرُكبة، لأوَّلِ مرَّة تخرجُ خارجَ غرفتها بمثلِ تلكَ الثياب…
ماما فريدة!!..التفتت إليها تتساءلُ بنغزةٍ تخترقُ قلبها:
ميرال كلِّمتِك، عملت إيه هيَّ وإلياس؟..
تحرَّكت تسحبُ كفَّها:
إهدي حبيبتي، أكيد زمانها قابلتُه، مسحت على وجهها، تنظرُ إلى غادة:
قلبي وجعني يابنتي، خايفة إلياس فعلًا يطلَّقها ودي مجنونة بحبُّه يعني ممكن تعمل حاجة في نفسها..
أومأت موافقةً ثمَّ أردفت:
إلياس سكوتُه مش مريحني، وخصوصًا بعدِ ماساب البيت، تفتكري ناوي ياخدها هناك علشان يعاتبها ياماما؟..أنا خايفة يقسى عليها..
تنهَّدت بآلامِ قلبها تمسِّدُ على صدرها:
هوَّ من جهة هيقسى فهيقسى فعلًا، ومش بس قسوة راجل مجروح في رجولتُه، راجل عايز ينتقم ..ربِّنا يُستر..رفعت رأسها إلى غادة ورسمت ابتسامةً حزينةً قائلة:
عارفة…رغم عارفة أنُّه هيقسي عليها بس متأكدة أنُّه هيحميها ومش هيقدَر يقسى كتير، هوَّ ممكن درس صُغنَّن..
ضحكت غادة تضربُ كفَّيها ببعضهما:
إيه ياستِّ ماما ماترسي على حل هيقسى ولَّا لأ، بس متزعليش بنتِك تستاهِل…
تغضَّنَ وجهها رافضةً حديثها:
بُصي..ميرال غلطانة على الطلاق، بس إلياس ميتوصَّاش في قلبتها..
ضحكت بصوتٍ مرتفعِ قائلة:
ياحبيبي ياخويا، حماتَك بتحبَّك ..ملَّست على خصلاتِها تضمُّها لأحضانِها:
وبحبِّك إنتِ كمان، أنتوا النور اللي جاني بعد سنين ظلام وقهر..اعتدلت غادة تمسحُ دموعها وهتفت:
طيِّب بتعيَّطي ليه دلوقتي؟!..واللهِ أنا بحبِّك أوي، حتى بحبِّك أكتر من البتِّ ميرال..
ابتسمت بحنانٍ أمومي:
بكَّاشة أوي يادودي..
واللهِ أبدًا ياماما، أنا بعتبرِك أمي أصلًا، إيه إنتي مش معتبراني زي ميرال ولَّا إيه؟..
قبَّلت جبينها واحتضنت وجهها:
مين يقدَر يقول غير كدا ياقلبي، إنتِ بنتي مش إنتِ بس وإسلام وإلياس.
إلياس !!
رغم اللي عملُه فيكي وفي ميرال لسة بتعتبريه ابنك!..
دا قلبي وروحي ياغادة، أجمل نعمة ربِّنا رزقني بيها، عمري ماأزعل منُّه يابنتي، ربنا يباركلِي فيه ويحفظُه ويبعد عنُّه كلِّ سوء.
أوبااا دا كلُّه لإلياس وأنا نو دعوة حتى دعوة أنام شوية قبلِ نكد ميرال مايوصَل..
إزاي بقى دا إنتِ روحي ياصغنَّنة، اتصلي بأخوكي كدا وشوفيه فين..
هزَّت رأسها بالموافقةِ وقامت بمهاتفتِه، ولكن لا يوجد رد ..
مابيرُدش ..طيِّب اتصلي بميرال طَّمني قلبي وجعني ربِّنا يستر..
قامت بمهاتفتِها مرَّةَ أخرى ولكن كالعادة لا يوجد رد..
ذهبت بشرودِها تهمسُ لنفسها:
ياترى ناوي على إيه يابنِ جمال، ممكن تطلَّقها فعلًا ولَّا قلبَك هيعاندَك وتتراجع
أتمنَّى تتراجِع ياإلياس علشان متخسرهاش..
وصلَ مصطفى إليهما:
فريدة صحيتي إمتى، نهضت متَّجهةً إليه:
لسة من شوية حبيبي..ابتسمَ إلى غادة ثمَّ حاوطَ أكتافها وتحرَّكَ بها إلى غرفتهما:
تعالي ارتاحي، ضغطِك كان عالي تعالي نشوفُه نزل ولَّا لسة..
جلست على الفراشِ واحتضنت ذراعهِ تجذبهُ ليجلسَ بجوارِها:
أنا كويسة، إنتَ عامل إيه دلوقتي؟..
تمدَّدَ على الفراشِ وسحبها لأحضانه:
إيه رأيِك نسافر حجّ السنة دي، كلِّ سنة بنأجِّل، يمكن لمَّا نروح هناك وندعي لولادنا ربِّنا يهديهُم..
أغمضت عينيها تهمسُ بنبرةٍ حزينة:
عايزة ابني يرضى عنِّي وبس يا مصطفى، نفسي أخدُه في حضني أوي..
اعتدلت تنظرُ إليهِ وتابعت قائلة:
إلياس موجوع أوي يامصطفى، قلبي حاسس بيه، بس مش قادرة أهوِّن عليه، مشفتوش وهو هيتجنِّن عليها، بيحبِّ البنتِ أوي بس أنا عقَّدتُه، نفسي يعرَف الحقيقة..
مسَّدَ على وجهها وهتفَ بصوتٍ حاني:
إن شاءالله هحاول أمهدلُه، المهمّ فين ميرال، الجريدة الجديدة دي مش حلوة ولازم تستقيل منها، شغَّالين أخبار صفرة..
يعني إيه؟!
ربتَ على كفِّها وتحدَّثَ بنبرةٍ مُطمئنة:
متقلقيش أوي كدا، يعني أخبار كاذبة، مش عايزها تدخل في صدام مع إلياس، أنا بحاول أضغط عليه علشان يقولِّي إيه اللي حصل بينُه وبين ميرال ومرجَّعه بالطريقة دي..
مصطفى إلياس اتصل بميرال علشان يطَّلقوا، أنا عندي أمل يغيَّر رأيُه..
إنتِ بتقولي إيه، اتجنِّن دا، أنا سايبهُم قولتِ مستحيل يعمِل حاجة..قاطعهم رنينَ هاتفه:
أيوة ..على الجانبِ الآخر:
شهقاتٌ مرتفعةٌ ولم تستطع السيطرة على بكائِها، عمُّو إلياس ، إلياس ..قالتها بانهيارٍ تام ..ابتعدَ مصطفى عن فريدة وقلبهِ اشتعلَ من الخوفِ مردِّدًا بتقطُّع:
مالُه إلياس حبيبتي، عمل فيكي حاجة؟..
هزَّت رأسها مع ارتفاعِ شهقاتها:
إلياس بيموت ضربوه بالنار..
أُصيبَ جسدهِ بهزَّةٍ عنيفةٍ حتى لم يستطعَ الوقوف، فجلسَ على المقعدِ يردفُ بتقطُّع:
بتقولي إيه، إلياس انضرب بالنار!..
هبَّت فزعةً من مكانِها مقتربةً منهُ بجسدٍ ينتفضُ رعبًا:
مالُه إلياس يامصطفى..ابني ماله؟..رفعَ عينيهِ إليها وتجمَّعت سحبُ عينيهِ تحتَ أهدابه، نظراتٌ بضعفِ النبضِ حتى صلبَ جسدهِ متوقِّفًا بصعوبة، وأشارَ إليها:
البسي لازم نروح المستشفى حالًا..
أطبقت على ذراعيهِ تنظرُ بمقلتيه:
ابني عايش يامصطفى، قولِّي وريَّح قلبي ..احتضنَ رأسها ودمغَ جبينها بقبلة:
إن شاء الله حبيبتي، إن شاءالله عايش..
بالمشفى من أمامِ غرفةِ العمليات، جلست على المقعدِ تنظرُ بشرودٍ بنقطةٍ وهمية، اتَّجهَ إليها بعدما وجدَ حالتها:
مدام، إن شاءالله هيكون كويس، مازالت على وضعها لا تسمعُ لاترى لا تتحدَّث، وصلَ مصطفى بوقوفِ أرسلان بجوارِها، فين وإيه اللي حصل، بينما فريدة التي استندت على الجدارِ وهي تراهُم يُخرجونَهُ من غرفةِ العملياتِ متَّجهينَ بهِ للعناية، تحرَّكَ فراشهِ وهو كالجُثَّةِ الهامدةِ لا حولَ لهُ ولا قوَّة، همست بتقطُّع:ابني..قالتها ثمَّ هوت على الأرضية، ليصرخَ مصطفى باسمِها، مع هرولةِ أرسلان إليها الذي قامَ بحملِها بوصولِ أحدِ المسعفين، وتمَّ نقلها إلى غرفةٍ لفحصها…
1
تحرَّكَ مصطفى سريعًا إلى الطبيبِ بعدما وجدَ عدمَ تحرُّكِ ميرال من مكانها رغم ماحدثَ لوالدتِها، اقتربَ منها أولًا يشيرُ إلى الممرضة:
إعطيها مهدِئ يابنتي، أو أيِّ حاجة تفوَّقها، رفعَ نظرهِ إلى أرسلان المتوقِّفِ مع الطبيب، فتحرَّكَ إليهما:
ابني عامل إيه يادكتور ؟..
كويس الحمدلله، الرصاصة بعيدة عن الأعضاء الحيوية، نحمد ربِّنا وخاصَّةً أنُّه بكلية واحدة..
ردَّدَ مصطفى قائلًا:
الحمدُلله، الحمدُلله أنَّها بعدت عن القلب، المهم حالتُه كويسة يادكتور؟..
إحنا عملنا الِّلي علينا، لسَّة قايل لحضرتُه، الإصابة مش مميتة، بس برضو خطيرة إلى حدٍّ ما، إحنا نقلناه العناية بعيدًا عن أيِّ مخاطر سلبية، بس كعملية نجحت الحمدُلله..
بعدَ عدَّةِ ساعاتٍ وصلت غادة وإسلام، تزاحمَ المشفى من الأصدقاءِ والأقارب، بانتظارِ الإفاقة..
بغرفةِ فريدة توقَّفَ بجوارِ الطبيب:
من الأفضل تفضَل شوية في العناية، الصدمة كبيرة عليها، مقدرتشِ تستوعبها، الحمدُلله بعدنا عن الذبحة الصدرية، بس حالةِ النبضِ ضعيفة، علشان كدا بقول لحضرتَك الأفضل تفضَل بالعناية، لحدِّ ماالنبضِ يتظبَّط، وكمان الضغط ضعيف جدًا..
أومأَ متفهِّمًا …اللي تشوفه صح يادكتور إعملُه، المهمِّ تكون كويسة..
سلامتها إن شاءالله…قالها وتحرَّكَ، بينما جلسَ مصطفى بجوارِها يحتضنُ كفَّها:
ألفِ سلامة عليكي يارفيقةِ الدرب، قلبي مش متحمِّل خسارتِك يافريدة كفاية عليَّا غادة، والمرَّة دي هتكون أصعب وأصعب، أكتر من خمس وعشرين سنة يافريدة..لثمَ باطنَ كفَّها:
وعد منِّي أحافظ عليكي وعلى ابنِك حتى لو التمن روحي …اقتربَ منها ثمَّ انحنى يلثمُ جبينها وتحرَّكَ للخارج، يشيرُ إلى غادة التي تجلسُ تحتضنُ ميرال الحاضرة الغائبة..
نهضت مقتربةً منه..
حبيبتي أدخلي لماما مش تسبيها وأنا هشوف أخوكي..انسابت عبراتها:
بابا إلياس هيكون كويس..
ضمَّها من أكتافِها وتحرَّكَ بها لداخلِ غرفةِ فريدة:
إن شاء الله، الدكتور طمِّني، المهم ماما خدي بالِك منها.
بالخارجِ عندَ ميرال، انحنى إسلام ورفعها متَّجهًا إلى الغرفة، ساعدها بالتمدُّدِ على الفراش..احتضنت نفسها تهمسُ بخفوت:
قولُّه بحبُّه ياإسلام، بحبُّه أوي، قالتها وذهبت بنومِها بسببِ المهدِّئ..
مسَّدَ على شعرها وخفضَ رأسهِ يهمسُ لعقلها الباطن:
وهوَّ بيعشقِك بس بيكابر، خلِّيكي وراه، بس يفوق ..قالها وتحرَّكَ للخارج، وجدَ أرسلان يتحدَّثُ بالهاتف، جلسَ إلى أن انتهى، تحرَّكَ إليهِ متسائلًا:
إنتَ إسلام أخو إلياس؟..أومأَ لهُ وهو يدقِّقُ النظرَ بملامحه، ثمَّ باغتهُ بسؤال:
إنتَ مين؟!..
بسطَ أرسلان كفُّه:
أرسلان الجارحي صديق إلياس..حيَّاهُ إسلام ومازالت عيناهُ عليهِ فتساءل:
ابنِ رجلِ الأعمال فاروق الجارحي..قالها بوصولِ والدهِ الذي استمعَ إليه:
جلسَ مصطفى بجواره:
احكي لي يابني إيه الِّلي حصل؟..قصَّ لهُ أرسلان ما رآه ..ثمَّ تابعَ مستطردًا:
كلَّمت ظابط يتابع العربية، وبدل رقمها موجود هنوصلَّها..
قولت عربية رباعية مصفَّحة وعربية ملَّاكي..صمتَ مضيِّقًا عينيهِ وتساءل:
ودول ليه يموِّتوا إلياس، يعني بسبب شغله؟..
هزَّ أكتافهِ بعدمِ معرفة ثمَّ استرسل:
بص حضرتَك عارف إن إلياس وظيفتُه بتحتِّم عليه أعداء كتيرة، بس الموضوع هنا مش لوظيفة، بدليل أنُّهم مش ساوموه على حاجة، لا..دول مصرِّين على قتلُه، ودول ناس خبيرة جدًا وعارفة بتعمل إيه..
هزَّ رأسهِ ثمَّ نهضَ وأمسكَ هاتفه، يهاتفُ أحدَ أصدقائه:
عايز تجيب العيال اللي ضربت إلياس من تحتِ الأرض ..قالها وأغلقَ الهاتف.
بعدَ عدَّةِ ساعاتٍ بغرفةِ العنايةِ كانت تجلسُ تخلِّلُ أناملهِ بكفٍّ والآخرُ تضعهُ تحتَ وجنتيها تغلقُ عينيها، همسَ بتألُّم:
ميرال…كرَّرها عدَّةِ مرَّات، فتحت عينيها وكأنَّها تحلَم ولكنَّها استمعت إلى صوتهِ مرَّةً أخرى ..ابتسمت تقبِّلُ كفِّه:
حبيب ميرال أنا هنا..رفرفَ بأهدابهِ للحظاتِ ثمَّ غفا مرَّةً أخرى..دنت منهُ تطبعُ قبلةً بجوارِ خاصَّتهِ تملِّسِ على وجنته:
إلياس افتح عيونَك حبيبي، طمِّن قلبي، قلبي محروق عليك، إلياس كرَّرتها لعدَّةِ مرَّات، ابتسمت تضعُ رأسها بجوارِ رأسهِ متمتمة:
هفضل جنبك العمرِ كلُّه ياحبيب ميرال..
مرَّت عدَّةِ دقائقَ أخرى ليفتحَ عيناهُ بتململٍ بسببِ الإضاءة، شعرَ بكفِّهِ
المحبوسِ بين كفِّها، ذهبَ ببصرهِ إلى نومها بجواره، واحتضانِ كفِّه..
أغمضَ عينيهِ متذكِّرًا ما صار، دلفت الممرضةُ وابتسمت:
حمدالله على السلامة ياحضرةِ الظابط..أومأَ لها يشيرُ إلى ميرال:
صحِّيها..أيقظتها الممرضة لتهبَّ فزعًا:
إلياس ..ضغطَ على كفِّها المتشبثة به:
أنا كويس، نايمة كدا ليه وفين بابا
انحنت بجسدِها تمسِّدُ على رأسهِ وأردفت بنبرةٍ متقطِّعة وعيونٍ دامعة:
حمدالله على سلامتَك، حاسس بإيه، دلفَ الطبيبُ بعد إخبارِ الممرضة:
حمدالله على السلامة يابطل ..
أومأَ لهُ دونَ حديث..تمَّ فحصهِ بالكامل:
عال العال …ألفِ سلامة ومُعافى إن شاءالله..
قالها وخرجَ بعدما أمرَ الممرضةَ بالاهتمامِ به، ونقلهِ إلى غرفةٍ عادية.
بعد نقله للغرفته..
وصلَ إسلام:
حمدالله على سلامتَك ياأبيه ..قالها بأعينٍ حزينة..بسطَ كفِّهِ يشيرُ إليه..
خطا إلى أن وصلَ إليه، ضمَّهُ بحنانٍ أخوي يربتُ على ظهره:
مش عيب راجل يعيَّط كدا، إنتَ لسة صغير لكدا..
رفعَ رأسهِ من أحضانِ أخيه:
خوفت عليك أوي ياإلياس، إنتَ مش مجرَّد أخ، إنتَ أبويا وكلِّ حاجة.
ابتسمَ إلياس يداعبُ خصلاته:
رغم إنَّك كبَّرتني بس أحسن ابنِ في الدنيا كلَّها..كانت تتابعهُم بابتسامة، دلفت غادة بشقاوتها:
إلياسو حبيب أختُه فاق، قالتها وهي تهرولُ إليهِ لتُلقي نفسها بأحضانهِ حتى شعرَ بآلامه..
تراجعت متأسفة:
آسفة حبيبي، بس أصلَك نمت كام ساعة ووحشتني..
حمدالله على السلامة…وزَّعَ نظراتهِ بينهما متسائلًا:
بابا فين؟!..وضعت غادة رأسها على كتفه:
ماما تعبانة واتحجزِت بالعناية، حبيبتي ماتحمِّلتشِ خبر إصابتَك..
في العناية بسببي!..تساءلَ بها بذهول..
سحبَ إسلام كفَّ أختهِ بعدما وجدَ وقوفُ ميرال بركنٍ كالمنبوذة، فهتفَ قائلًا:
تعالي حبيبتي خلِّي أخوكي يرتاح …طبعت قبلةً فوقَ جبينهِ وتحرَّكت للخارج..
ذهبَ ببصرهِ للواقفةِ بصمتٍ وعيناها تبحرُ فوقَ ملامحهِ بطبقةٍ كرستالية، ابتعدَ بنظرهِ يغمضُ عينيه، خطت إلى أن وصلت إليهِ ثمَّ جذبت مقعدًا وجلست بجوارِه، سحبت كفِّهِ تملِّسُ عليهِ متسائلة:
حاسس بأيه، موجوع …مازالَ على حاله، بل سحبَ كفِّهِ وتمتم:
عايز أرتاح ممكن تُخرجي برَّة، مش محتاجِك..اقتربت بجسدِها منهُ تهمسُ بخفوت:
بس أنا محتاجاك..
أنا قولت برَّة مش عايز أشوفِك قدَّامي…
إلياس..حدجها بغضبٍ تجلَّى بعينيهِ وأشارَ بكفِّهِ للبابِ متناسيًا آلامه:
وأنا كرهت اسمِ إلياس اطلعي برَّة مش عايز أشوفِك قدَّامي ..اطلعي..
قاطعهُم دخولُ مصطفى، اتَّجهَ إليهِ بلهفةِ أبٍ مكلومٍ على ولدِه:
حبيبي حمدالله على سلامتَك..
أطبقَ على جفنيهِ من شدَّةِ آلامه يهزُّ رأسهِ بعدما فقدَ الحديث..
مسحَ على رأسه:
حبيبي مالَك، حاسس بإيه..
تنفَّسَ بتثاقلٍ وحاولَ الحديث، ولكنَّهُ لم يقو من شدَّةِ آلامه..
انحنت ترفعُ جسدهِ بعدما شحبَ وجهه:
ارتاح بالنوم كدا علشان تعرَف تتنفَّس كويس…قالتها بدلوفِ الطبيب ِبعدما استدعاهُ مصطفى، فحصهُ الطبيبُ يهزُّ رأسهِ معترضًا:
إزاي الجرحِ فتح، إنتَ اتحرَّكَت من مكانَك؟..أتمَّ ضمادةِ جرحهِ وتحدَّثَ محذرًا إياه:
ممنوع الحركة إنتَ لسة خارج من عملية من ساعات، عارف صعوبة تحكُّم الظباط في انفعالاتهم، لكن لازم تحافِظ على صحتَك، لو سمحت ياحضرةِ الظابط خاف على نفسَك، ممكن يكون فيه مضاعفات، الرصاصة قريبة من الكلية، وطبعًا مش هفكَّرك إنَّك بكلية واحدة، حاول تهدى لحدِّ ماتخف ..
أومأَ لهُ دونَ حديث، جلسَ مصطفى بجواره:
حبيبي إيه اللي قومَك من مكانَك بس..
عايز أنام يابابا، روح شوف مدام فريدة وخُد بنتها معاك..قالها بصوت اقرب للهمس
طالعهُ بصدمةٍ يهتفُ بذهول:
إيه اللي بتقولُه دا ياإلياس!..
ابتعدَ للجهةِ الأخرى، تنهَّدَ مصطفى بحزنٍ ثمَّ نهضَ من مكانهِ متَّجهًا إلى ميرال:
تعالي معايا حبيبتي..اتَّجهت إليهِ وجلست على المقعد:
أنا مش هسيب جوزي ياعمُّو، يقول اللي يقوله، مش هخرج..
نظرَ إليهِ مصطفى وجدهُ مُغلقَ العينين..ظلَّ لعدَّةِ لحظاتٍ مثبتًا نظراتهِ عليه..
تحرَّكَ للخارجِ متَّجهًا إلى فريدة، بينما ظلَّت ميرال بمكانِها تطالعهُ بعينينٍ هالكتينِ من الحزنِ والندم، ذهبَ بنومهِ بسببِ الأدوية، اقتربت برأسها تضعها بجوارِ رأسهِ ورفعت ذراعها تحاوطُ جسدهِ لتذهب بنومها بقربهِ بعدَ مرورِ ساعاتٍ عصيبةٍ عاشتها وهي تكادُ تموتُ رعبًا عليه ..بعدَ فترةٍ تململت بسببِ نومتها، ابتسمت بعدما وجدتهُ استدارَ بوجههِ إليها، رفعت كفَّها تمرِّرُ أناملها على وجهه ثمَّ دنت تبعثرُ شهدَ حياتِها على خاصتِه، ومازالت ابتسامتها تُزينُ وجهها لتهمس:
بتكون زي الأطفال وإنتَ نايم، كان نفسي في طفل يكون شبهَك أوي، بس محصلشِ نصيب…مازالت تملِّسُ على وجههِ حتى اقتربت تهمسُ له:
آسفة عارفة إنَّك مضَّايق منِّي، بس غصبِ عنِّي، إنتَ جرحتني أوي ياإلياس، بس تأكَد كلُّه كان من ورا قلبي، مفيش حد في الدنيا دي كلَّها ممكن يملي عيوني غيرَك حبيبي،
أنا بس كنت محروقة من الكلامِ اللي سمعتُه منَّك، أفلتت ضحكةً ناعمةً قائلة:
مش أنا قرأت أمواجك المتلاطمة، طلع عندَك أسرار ياحضرةِ الظابط، بس فيه حاجات كتيرة مفهمتهاش، مفهمتش غير حبَّك ليَّا وبس، ودا اللي يهمِّني، أنا آسفة على غبائي بتمنَّى تسامحني ..استمعت إلى طرقاتٍ على بابِ الغرفة، دلفَ أرسلان:
مساء الخير..نهضت من مكانِها مبتسمة:
اتفضل، هوَّ فاق الحمدلله..اقتربَ وعينيهِ على جسدهِ ثمَّ اتَّجهَ إليها:
الدكتور قالِّي، وكمان سيادةِ اللوا، قولت أشوفُه..
استدارت بنظرِها إليهِ قائلة:
ممكن يصحى بعد شوية، اتفضل..نظرَ إلى ملابسها التي مازالت ملطخة بآثارِ الدماء:
ممكن تروحي تغيَّري وأنا هفضل معاه، وكمان أخوه برَّة..
هزَّت رأسها بالنفي ثمَّ اقتربت تمسِّدُ على رأسه:
مش مهم، المهم يفوق ويكون كويس..رفرفَ بأهدابهِ عدَّةَ مرَّاتٍ حتى استيقظَ متأوِهًا:
ياهلا ياهلا..قالها أرسلان بابتسامة، رفعَ عينيهِ ينظرُ إليه:
حمدالله على السلامة ياوحش، كدا شوية عيال تلعب معانا وتنضرِب..حاولَ الاعتدالَ ولكنَّها انحنت سريعًا:
استنَّى هرفعلَك السرير، ماتتحرَّكش،
أومأَ لها ثمَّ تشبَّث بذراعها متألِّمًا، إلى أن اعتدلَ بنومهِ بالكامل، نظرَ إليها ورسمَ ابتسامةً أمامَ أرسلان:
شكرًا حبيبتي…لمعت عيناها بالسعادةِ بعدما نطقَ تلكَ الحروفِ البسيطة، ورغمَ بساطتها إلَّا أنَّها توحي لديها بالكثير…
1
مين دول ياإلياس وكانوا عايزين يقتلوك ليه؟!..تساءلَ بها أرسلان..
رفعَ نظرهِ إلى ميرال:
روحي شوفي ماما فريدة، وابعتيلي إسلام..أومأت لهُ وتحرَّكت دونَ حديث..
شريف هتروحلُه وتقولُّه عايز ملف هيثم الشافعي..
مالُه دا؟..
الواد دا عايزَك تجيب عيلتُه كلَّها من أوَّل ماأبوه اتولَد لحدِّ الوقتِ دا،
يعني بسبب شُغلَك؟..ابتعدَ عنهُ وأردفَ بشرود:
هيبان كلُّه هيبان، اتَّجهَ إليهِ مرَّةً أخرى:
أنا من فترة بعت حد يجيب أخبارُه، بس فيه حاجات مش راكبة على بعضها، فيه حاجة مش مظبوطة ولازم أتأكِّد منها..
نهضَ أرسلان من مكانهِ بعدَ دلوفِ مصطفى مع أحدِ أصدقائهِ وأجابه:
تمام ..أشارَ إلياس إلى مصطفى:
أرسلان الجارحي هو الِّلي أنقذنا..
ابتسمَ مصطفى وشكرهُ بعرفان:
تسلَم ياحبيبي، ربِّنا يبارك فيك، هوَّ إنتَ ظابط ولَّا إيه؟..
قطعَ إلياس حديثَ والده:
ماما فريدة عاملة إيه؟..قالها وعينيهِ على أرسلان الذي تحرَّكَ بعدما استأذن..
عندَ فريدة فتحت عينيها تهمسُ اسمه:
إلياس، هرولت غادة إليها:
ماما حمدالله على سلامتِك حبيبة قلبي..أخذت تنظرُ حولها وحاولت الاعتدال إلَّا أنَّ تلكَ الإِبر المغروزة بكفِّها:
أنا فين؟!..
انحنت ميرال تقبُّلُ جبينها:
حمدالله على سلامتِك ياماما، كدا تخوِّفيني عليكي..
إلياس، إلياس عامل إيه؟..
ابتسمت وجلست بجوارِها تحاوطُ كتفها:
كويس وفاق كمان، وسأل عليكي..
نزلت بساقيها المرتجفةِ بعدما نزعت الإبر:
عايزة أشوفُه، ودُّوني لعندُه..أوقفتها ميرال تنظرُ إليها بصدمة:
حبيبتي مينفعشِ إنتِ تعبانة، بكت بشهقاتٍ كالأطفال:
ودِّيني عندِ جوزِك ياميرال عايزة أطمن قلبي يابنتي، طمني قلب أمُّه ياحبيبتي..تحرَّكت بتأرجحٍ لخطوةٍ وكادت أن تسقطَ لولا ذراعِ ميرال الذي حاوطها ترجعُ بها إلى الفراش..
حبيبتي اهدي هتوقعي، بينما هرولت غادة إلى والدها، دفعت البابَ سريعًا:
بابا ماما فريدة صحيت ومصرِّة تيجي تشوف إلياس ومش قادرين عليها، وقعِت منِّنا..هبَّ من مكانهِ سريعًا واتَّجهَ إليها، ظلَّت نظراتهِ على والدهِ الذي اختفى من أمامه بلحظة، اتَّجهَ لصديقهِ بذهنٍ شاردٍ وهو لا يعلمَ ماذا يقول، ظلَّ لدقائقَ وغادر..
رفعَ رأسهُ إلى إسلام:
مالها مدام فريدة ..طالعهُ بصمتٍ للحظاتٍ ثمَّ تحدَّث:
يهمَّك ياإلياس؟..
تصلَّبت تعابيرُ وجههِ ورسمَ البرودَ قائلًا:
عادي مهما كان دي أمُّكم وبتهتمِّ بيكُم، والحق يتقال بتخاف عليكُم أكتر من روحها..قالها وهو يتطلَّعُ أمامِه، وصلت بجوارهِم ومصطفى يحاوطُ جسدها بعدَ إصرارِها على رؤيتِه، ولكنَّها توقَّفت لدى البابِ عندما استمعت ماشقَّ صدرها..فكانت كلماتهٍ كأشواكٍ تخربشُ صدرها..
وإنتَ لأ، يعني مش هتزعل لو حصلَّها حاجة؟..أشارت إلى مصطفى بالتوقُّفِ وهي تنتظرُ ردِّهِ بلهفة..
أكيد هزعل عليها، مهما كان دي أكتر واحدة اعتنِت بينا، ابتسامةً شقَّت ثغرها وهي تستمعُ إليه.. إلى أن اختتمَ حديثهِ الذي سحبَ أنفاسها:
كانت في وقتِ من الأوقاتِ زي أمُّي، اختلافنا بالطريقة، بس لو بخاف عليها وبحترمها علشان خوفها عليكُم وحبَّها ليكمُ مش أكتر، أمَّا وجودها من عدمُه مش فارق معايا..
ترنَّحَ جسدها فدفعَ مصطفى البابَ ينظرُ إليهِ بنظراتِ عتاب، بينما هي طالعتهُ بلهفةِ أم، تجوَّلت بأنظارِها على جسدهِ كالأمِّ التي تفتِّشُ بجسدِ رضيعها عن إصابتهِ بمكروه..وصلت إليهِ وانحنت دونَ مقدِّماتٍ تحتضنُ وجههِ وقبلةً حنونةً فوقَ جبينهِ تهمسُ بأنفاسٍ متقطِّعة:
حمدالله على السلامة يانور عيني، كانت متوقفة بجوارِ غادة تنظرُ إليهِ بحزنٍ وقهرٍ على والدتها بعدما استمعت إلى حديثه، فهربت للخارجِ ودموعها تفترشُ طريقها، بينما جلست فريدة بجوارهِ على الفراشِ تحتضنُ أكتافهِ وتضعُ رأسها عليه، دمعةً انسابت من عيونها وأناملها ترفعُ كفَّيهِ وتطبعُ قبلةً عليهما..
اعتدلت تنظرُ إليه:
حاسس بإيه حبيبي موجوع ..كانت نظراتهِ إليها ضائعة، فمنذُ زمنٍ لم تحتضنهُ بتلكَ الطريقة، ناهيكَ عن أفعالها المؤذية لقلبه، نظراتها ولهفتها وبكائها جعلتهُ كالتائهَ بصحراءٍ خاويةٍ من البشر.
ماما أنا كويس..قالها دونَ وعي، لتتَّجهَ إليهِ بدموعها وشهقةً خرجت من أعماقِ قلبها تضمُّهُ بقوةٍ لأحضانها:
قلب ماما وحياتها فداك ياحبيبي..ارتعشَ قلبُ مصطفى ينظرُ إلى إسلام بخوفٍ من ردَّةِ فعلِ إلياس…
دقائقَ وهي تضمُّهُ بأحضانهِا تريدُ أن ينتهي العالم على ذلكَ الحضنِ وتلكَ الكلمةِ التي نزلت على قلبها كنسمةِ ربيعٍ بيومٍ شديدِ الحرارة، بكت بصوتٍ مرتفع ..وظلَّت تردِّد:
حبيب ماما إنتَ يابني، رفعَ ذراعيهِ يحاوطُ جسدها بعدما فقدَ السيطرةَ عن إبعادها وهناكَ شعورٌ يجذبهُ للربطِ على قلبها الحزين..
أنا كويس بطَّلي عياط، اعتدلت تحتضنُ وجههِ وقبلةً مطوَّلةً مرَّةً أخرى على جبينهِ ثمَّ نظرت إلى عينيهِ وابتسمت:
بعد كلمة ماما النهاردة مش محتاجة حاجة تانية صدَّقني، ربِّنا يسعدَك يابني يارب…
تراجعَ بجسدهِ بعدما تحكَّمَ بسيطرتهِ ليهتفَ بتقطُّع:
بس أنا مش ابنِك، أنا قولتها عادي..خرجت منِّي كدا..
هزَّت رأسها رغمَ حزنها من كلماته:
مش مهم، المهم إنَّك قولتها وبطَّل بقى هتفضل تعاندني لحدِّ إمتى يا ..قاطعها مصطفى سريعًا:
فريدة اطَّمنتي على إلياس ممكن نسيب إلياس يرتاح، إلياس عايز الراحة ..كأنَّ تكرارهِ لكلمةِ إلياس أعادها لأرضِ الواقعِ لتنهضَ بتثاقُل تومئُ برأسها:
حاضر يامصطفى هسيبُه يرتاح شوية، بحثت بعينيها عن ميرال:
فين ميرال؟..
بحثَ عنها يشيرُ إلى إسلام:
شوفها فين وخلِّي بالَك منها لحدِّ مانشوف مين اللي كان عايز يقتلنا..
التفتت إليه سريعًا:
يقتلكوا، وليه ومين دا ؟!..
تمدَّدَ وأغلقَ عينيه ..سحبها مصطفى:
تعالي ارتاحي حبيبتي..
بعدَ عدَّةِ أيامٍ وهو اليوم المقرَّرُ لخروجه، ساعدتهُ بالجلوسِ بالسيارة، ثمَّ استدارت إليه:
إنتَ كويس، تراجعَ برأسهِ يستندُ على المقعد:
قولي للسواق يودِّيني فيلَّا الشافعي..
فيلَّا الشافعي، فين دي؟..
هوَّ عارف..جلست بجوارهِ وتحرَّكت بهما السيارة إلى وجهتها..
تعاظمَ الوجعُ بداخلها وهي تراهُ يبتعدُ عنها…بسطت كفَّها تحتضنُ كفِّه، فتحَ عينيهِ ينظرُ إليها، دنت برأسها منه:
خوفت عليك أوي، مكنتش أعرف إنِّي بحبَّك أوي كدا..
لاحت ابتسامةً ساخرةً على وجهه، فأردف:
كتَّر خيرِك، ودا اكتشفتيه فجأة؟..
إلياس…وضعَ إصبعهِ على شفتيها لتغمضَ عينيها وتنسابُ عبرةً على وجنتيها..مرَّرَ إبهامهِ يمسحها قائلًا:
مبقاش فيه إلياس ياميرال، أوصل البيت وهكلِّم المحامي وأوثَّق طلاقنا أبدي، علشان ماتفكَّريش ناوي أرجَّعِك…
بترت حديثهِ تقبِّلهُ وتهمس:
مش عايزة أطلَّق، مش هقدر أعيش بعيد عنَّك..
أنا تعبان ومش قادر اتكلِّم، ممكن تبعدي شوية، عايز أتنفس وريحتِك بتخنقني..
أخنقَك!..استدارَ برأسهِ إلى النافذة واستأنف:
فوق ماتتخيَّلي، مبقتشِ طايقِك..
ابتعدت تنظرُ من النافذةِ الأخرى إلى أن وصلوا إلى فيلَّا الشافعي..
عندَ أرسلان:
دلفَ شقتهِ وهو على الاريكة، يدورُ بعينيهِ بأرجاءِ الشقةِ بحثًا عنها، زفرةً حادةً أخرجها من جوفه، ثمَّ ألقى بجسدهِ يضعُ كفَّيهِ تحتَ رأسهِ وذهبَ بذاكرتهِ منذُ عدَّةِ أيام..
فلاش باك:
وصلَ إلى المنزلِ الذي اتخذهُ لنفسهِ بأحدِ الأحياءِ الراقية، ترجَّلَ من سيارتهِ ينظرُ إلى والدته:
انزلي ياستِّ الكل، دلوقتي هعرَّفِك على أجمل بنت في الدنيا..
بنت، معاك بنت فوق يابنِ صفية
قهقهَ عليها واحتضنَ ذراعها متحرِّكًا إلى داخلِ المنزل:
شوفتي ظلمتيني إزاي من قبلِ حتى ماتعرفي حاجة، معرفشِ ياصفية ليه دائمًا ظلماني..
قهقهت عليهِ تلكزُه:
إنتَ يابنِ صفية تتظلِم..فتحَ بابَ المنزل وأشارَ إليها للداخل:
ادخلي ياصافي وسمِّي الله، علشان متحسديش مرات ابنِك.
توقَّفت ترمقهُ بصدمة:
إنتَ اتجوِّزت!!
صاحَ بصوتهِ عليها وجذبَ والدته:
اتجوزِت بس في ظروف غامضة، نمت وقومت لقيت نفسي متجوِّز إزاي اسألي إسحاق، بس أحسن جوازة ياصفصف..
غرام…قالها وهو يُلقي مفاتيحه على الطاولة..ثمَّ دلفَ للداخلِ يبحثُ عنها بكافَّةِ أرجاءِ الشقة، توقَّفَ يهمسُ لنفسه:
راحت فين دي، معقولة نزلت تشتري حاجة من تحت، إزاي من غير ماتقولِّي!..
نهضت صفية واتَّجهت إليه:
أرسلان مالك فين مراتك؟..هيَّ اسمها غرام أصلك كنت بتنادي بغرام.
رفعَ هاتفهِ وقامَ بالاتصال، استمعَ إلى صوتِ الهاتفِ بالداخل، خطا إليهِ وجدهُ على الكومدينو..
وبعدين بقى في القلق دا..خطا إلى جهازه وقامَ بفتحه، ضربَ بقوةٍ على الطاولة، ثمَّ ركلها بقوَّةٍ حتى تهشَّمت..
هاجَ كالوحشِ الكاسرِ ولم يتمالك نفسهُ وهو يركلُ كل مايقابلهُ ويزأر مما فعلته..
حاولت والدتهِ تهدئته:
ممكن تهدى، وليه الزفتة طمطم دي تجيلها ..حملَ أشيائه:
آسف ياماما بس لازم أخرج..أمسكتهُ من رسغه:
أرسلان ممكن تهدى، تمارا استفزِّتها بالكلام وطبيعي ياحبيبي يكون ردِّ فعلها كدا..
ماما هتيجي أوصَّلِك ولَّا اسيبِك وأمشي ..نظرت إليه بحنوٍّ تربتُ على ظهره:
أعذرها حبيبي، إيه رأيَك نروحلَها..إنتَ مش عارف عنوانها؟..
يالَّه ياماما علشان أوصَّلِك..حاولت معارضتهِ إلَّا أنَّهُ اعترض:
لو سمحتي مش عايز أسمع كلام تاني.
بعدَ فترةٍ وصلَ إلى منزلِ عمَّته، دلفَ للداخلِ وجدها تتسطَّحُ على الفراشِ لعملِ جلسةِ مسَّاج..
وصلَ إليها بخطوةٍ ورفعها من خصلاتِها أمامَ والدتها:
مش مرات أرسلان الجارحي اللي تنطرِد من بيتها ياتمارا، سكتلِك كتير، بس لحدِّ مراتي وهعمل وشِّك دا بلياتشو، رفعها وهي تلفُّ أحدَ الشراشفَ على جسدها مع صرخاتِ والدتها به، جذبها يجرُّها إلى غرفةِ نومها، ثمَّ دفعها بقوَّةٍ على الأرضية:
دقيقة واحدة وتكوني لابسة ..اقتربَ منها وعينيهِ ترمقها بنظراتٍ نارية:
يالَّه…صرخَ بها حتى انتفضت من مكانها تهزُّ رأسها خوفًا من حالتِه:
نزلَ للأسفلِ واقتربَ من عمَّتِه:
بنتِك دخلت بيتي بغيابي وأهانِت مراتي، أنا مش هعاقبها المرَّة دي إكرامًا لصلةِ الدم، بس أيِّ غلط تاني هنسفها من على وشِّ الأرض..
تغيرَّت ملامحها تهمسُ بتقطُّع:
إنتَ اتجوزت، إمتى؟..تحرَّكَ للخارج:
مُنتظرها بالعربية وعلى الله تتأخَّر..
بعدَ فترةٍ وصلَ إلى منزلِ غرام، أشارَ إلي المنزل:
انزلي اعتذريلها وتعالي أنا مستنيكي..
ترجَّلت بجسدٍ مرتجفٍ دونَ حديث، بينما ظلَّ هو على حاله..
فتحَ زياد البابَ يطالُعها باستفهام:
مين إنت؟..خرجت غرام ظنًّا أنَّهُ زوجها، وجدتها تقفُ على بابِ المنزل، اقتربت منها تطالُعها بأعينٍ استفهامية ثمَّ أردفت:
فيه حاجة نسيتي تقوليها ولَّا إيه؟..
أنا آسفة، بس قولتلِك كدا من غيظي من أرسلان، لأنُّه واعدني بالزواج وخلي بيَّا، اضيِّقت وخاصةً إنِّك مش بمستواه، حبيت أعمل معروف معاكي وأنبِّهك..ممكن الطريقة تكون غلط، بس مكنشِ قصدي أهينِك، ودلوقتي فيكي ترجعي بيتك..
قالتها واستدارت مغادرة، تحرَّكت غرام خلفها وجدتهُ جالسًا بالسيارة، رمقها بنظرةٍ ثمَّ نظرَ إلى السائقِ بعدما ركبت تمارا:
ارجع على بيت عمِّتي…تحرَّكت السيارة وغادرت المكانَ بالكاملِ ومازالت متوقِّفة بمكانها مصدومة، تنظرُ إلى مغادرةِ السيارةِ تحدِّثُ نفسها:
كان معاها ومنزِلش، حتى مقلِّيش كلمة، وسابني ومشي، معقول مبقاش عايزني..
عرفتي إنِّك غلطِّي، قولتلِك مكنشِ المفروض تُخرجي من بيتُه قبلِ ما يرجَع، البنتِ دي شكلها رامية نفسها عليه..
استدارت إلى أخيها تطالعهُ بشرود:
بس يجي لحدِّ هنا ويمشي من غير ولا كلمة..
بشقةِ آدم:
دلفَ للداخلِ يبحثُ عنها بعدَ غيابها عن محاضرتهِ اليوم، وجدها تغفو فوقَ الأريكةِ ووجهها يغزوه العرق، اقتربَ منها بلهفة:
إيلين مالِك..فتحت عينيها بوهنٍ تهمسُ بتقطُّع:
آدم بطني …انحنى وحملها إلى الداخل، وضعها بهدوءٍ على الفراش:
إيلين حبيبتي مالِك، أكلتي حاجة وحشة..
أغمضت عينيها ولم تقو على التفوُّه، ماذا ستخبره ..ازدادَ الألمُ مع ازديادِ عرقها تهمس:
عايزة أرَّجع، قالتها وهي تعتدلُ على الفراش، قامَ بإسنادها بعد رفضها بحملها، هوت بعدما فقدت التوازن، ليحملِها ويضمُّها لصدرهِ كالطفلِ الرضيع:
اهدي حبيبتي، هساعدِك، لم تتحمَّل آلامَ معدتها وقامت بالتقيؤ رغمًا عنها،
أمسكها باحتوائِها من خصرها، وقامَ بغسلِ وجهها..
واخدة برد شديد في معدتِك، ينفع كدا، قولتلِك مليون مرة بلاش درجة التكييف العالية دي.
وضعت رأسها على صدرهِ بوهن:
بردانة ياآدم ..اتَّجهَ بها إلى غرفتهما وقامَ بتغطيتها..
ارتاحي هعملِّك حاجة سُخنة..
أغمضت عينيها وهي تحتضنُ بطنها:
عايزة مسكِّن مش قادرة أتحمِّل الألم
مسَّدَ على خصلاتِها:
هشوفلِك حاجة لألمِ المعدة، شوية وراجعلِك..ضغطت على كفِّه:
ابعتلي مريم، عايزاها..انحنى لمستواها متسائلًا:
عايزة إيه وأنا أعملُه..ابتعدت بنظرِها قائلة:
عايزة مريم …بعدَ فترةٍ ساعدتها على الجلوس:
اشربي دا سُخن وهيريَّحك، وجبتلِك مسكِّن، خُديه ونامي، ومليون مرَّة أقولِّك حالتِك النفسية بتأثَّر في كلِّ حاجة، وطبيعي عصبيِّتك الزايدة تأثَّر على البريود، وألم المعدة ساعات بيكون من العصبية، متنسيش حضرتِك بتشتكي من القولون العصبي..
استمعَ إلى حديثهما بدلوفهِ إليهما:
أحلى ساندوتش لأحلى دكتورة، توقَّفت مريم مبتسمة:
هنزِل أنا علشان زمان أدهم معذِّب ماما تحت ..لو احتاجتي حاجة كلِّميني حبيبتي..
جلسَ بجوارِها وهي تحتسي مشروبَ الأعشاب..
لسة تعبانة؟..
ارتدت قناعَ البرودِ قائلة:
كويسة شكرًا..أمالَ بجسدهِ متكئًا على الوسادةِ حتى أصبحَ قريبًا منها ينظرُ بداخلِ مقلتيها:
إيه اللي بيوجعِك..تورَّدت وجنتاها، لترتجفَ عيناها:
مفيش إنتَ قولت شوية برد في المعدة..اقتربَ بيديهِ يضعها على بطنها، لتشعرَ بقشعريرةٍ تسري بعمودها الفقري من لمستهِ الحانيةِ ونظرَ لعينيها:
هي المعدة نزلت هنا..
علمت أنَّهُ فهمَ ما يُصيبها، دفعت يدهِ بعيدًا عنها:
أنا مأذنتِش إنَّك تلمسني، وياريت تخلِّي فيه حدود بينا لو سمحت..
أخذَ نفسًا عميقًا وزفرهُ على مراحل ثمَّ نهضَ قائلًا:
على العموم عايز أفهِّمك المضاد الحيوي بيضُر في الحالات دي، ياريت تقلِّلي منُّه أو تمنعيه خالص..ومفيش داعي للكسوف أنا جوزك..
وأنا مش مُعترفة بيك …قالتها سريعًا تشيرُ إلى بابِ الغرفة:
اطلع برَّة عايزة أرتاح، ومش معنى إنَّك ساعدتني يبقى سامحتَك، عمري ماهسامحك ياآدم مهما حصل، وعلاقتي بيك ما إلَّا مصلحة وبس..
خيَّمَ الحزنُ على وجهه، فانحنى يحاوطُ جلوسها بذراعيه:
إيلين مش طالب منِّك غير فُرصة واحدة.
معنديش فرص يادكتور..واتفضَّل أنا تعبانة وعايزة أرتاح.
باليومِ التالي:
نهضَ من فوقِ فراشهِ على صوتِ المكنسةِ الكهربائية، اعتدلَ يسبُّها بسرِّه ..ثمَّ جذبَ كنزتهِ وارتداها متَّجهًا للخارج ..وجدها تدندنُ مع الأغنية:
طب ليه بيداري كدا ولا يداري..
ركلَ المقعدَ بقدمه:
بتعملي إيه يابت؟..
نفثت بصدرها قائلة:
بسم الله الرحمن الرحيم ، بيطلعوا إمتى، خضِّتني..
اقتربَ منها يرمُقها بنظراتٍ كالطلقاتِ الناريةِ ثمَّ جذبَ منها المكنسة يركلُها بقدمهِ بقوَّة:
فيه ست محترمة تكنس الساعة تلاتة الفجر ..
أه لمَّا تبقى في كلية طب وعندها دكتور مفتري طالب منها أبحاث عشرين طالب، مُنتظر منِّي إيه بعدِ سبع ساعات متواصلة وأنا ببحث في أبحاثِ المفتري، إلهي ياربِّ ماينام شهرين..
جزَّ على أسنانهِ يشيرُ بسبباته:
متخرَّجيش عفاريتي عليكي..
إيه دا هوَّ إنتَ جوَّاك عفاريت، مش عيب تبقى دكتور طويل عريض ويبقى عندَك عفريت ..كدا الطلبة يخافوا منَّك يادكتور ..نظرت إلى المكنسةِ الكهربائيةِ وأشارت مستخفِّة:
كدا بوَّظتِ جهازي اللي أبويا مدفعشِ فيه غير إنِّي أتجوِّز واحد مغرور زيك.
بت بقولِّك ..تحرَّكت قائلة؛
مفيش بت هنا، مفيش غير دكتورة زي القمر قدَّامَك ودكتور زي الحيطة، معتقدتشِ اللي بتنادي عليها موجودة ..قالتها وتحرَّكت لداخلِ الغرفة وهي تدندنُ أغنيتها..
استمعت إلى التحطيمِ بالخارج،
فهوت بجسدِها على الفراشِ مبتسمة:
ولسة يادكتور الجثث، لو مخلتَكشِ تعمل مغادرة من مصر مايبقاش أنا الدكتورة إيلين..
عندَ أرسلان:
دلفَ إلى مكتبِ إسحاق وجدهُ منكبًّا على جهازه:
بتعمل إيه ياإسحاقو، وخير مبقتشِ أرتحلَك..أشارَ لهُ بالجلوس، ثمَّ أدارَ الجهاز:
احفظ الاشكال دي كويس..قطبَ جبينه:
اتحفظوا.. ليه؟..فتحَ أحدَ أدراجه، أعطاهُ فلاشة قائلًا:
المطلوب عندَك، مش عايز غلطة..
تمام..المهمة فين ياترى؟..
أسوان..
أووووه أسوان، ليه يامعلِّم..
لمَّا تشوف الفيديو هتعرف.
حكَّ ذقنهِ ينظرُ إليهِ بتفكير:
لو تهريب مش شُغلنا، ولو سرقة يبقى مش شُغلنا برضو..
ولا…مبحبِّش الرغي، الجواز علِّمك الرغي طلَّق وخلاص مش ناقص صُداع..
جواز مين ياسيدي قلبك أبيض هيَّ الأخبار ماوصلِتش من طمطم ولَّا إيه..
أخبار إيه يانابغة عصرَك؟..
ضيَّقَ عينيهِ مستفهمًا عمَّا يرميهِ من معنى، ثمَّ هتفَ متسائلًا:
تُقصد إيه يالا..قصَّ لهُ ماصار..
طرقَ بقوِّةٍ على المكتبِ يرفعُ كفَّيهِ يلطُمهما ببعض:
يخربيت عقلها، يبقى سمعتني وأنا بتكلِّم مع باباك، وأخدتُه من ميدالية مفاتيحي، أنا فكَّرتك إنتَ اللي أخدتُه، وقولت يمكن اتكسفتِ منِّي ومردتشِ تقولِّي.
إيه اللي عرَّفها بحوارِ غرام ياعمُّو؟..
هزَّ كتفهِ بعدمِ معرفة قائلًا:
هيَّ سمعتني بقول لباباك عن عنوانِ الشقة، وإنَّك اتجوِّزت ومُفتاحك معايا علشان سفرياتك وخُوفك على مراتك، بس مش مُتأكد إنَّها سمعت ولَّا لأ، علشان بعدها بكام يوم جاتلي..
فلاش باك:
دلفت تدفعُ البابَ وعينيها كاللهبِ المشتعل:
فين أرسلان؟..
نقرَ على سطحِ مكتبهِ يُطالِعها لبعضِ اللحظاتِ ثمَّ نصبَ عودهِ وتوقَّفَ متَّجهًا إليها:
بيقضِّي شهرِ العسل..
برقت عيناها وكأنَّهُ ألقى عليها دلوًا من الماءِ المثلَّج، ليرتجفَ جسدها، حاولت السيطرةَ على حُزنها ،اقتربت منه:
إنتَ مضَّايق منِّي وعايز تضايقني مش كدا ياخالو…
ابتسمَ بتهكُّم ثمَّ تراجعَ على مقعده:
وأنا هضَّايق منِّك ليه يابت، شيفاني عيل علشان ألعب معاكي..
لو مش مصدَّقة كلِّميه.
انسدلت عبراتها رغمًا عنها تهزُّ رأسها بعنف:
مابيرُدش..
أشعلَ سيجارتهِ وبدأ ينفثُها كأنَّهُ يحرقُ وقوفها، اقتربت منه تستعطفهُ ببكائها:
خالو علشان خاطري قولِّي مخبِّي أرسلان منِّي فين؟..
ارتفعت ضحكاتهِ يضربُ كفَّيهِ ببعضهما:
إنتِ عبيطة يابنتي!.. إنتِ مين علشان أخبيه ولَّا مفكَّراه علبة جبنة رومي هخبيها منِّك، روحي حبيبتي ربِّنا يهديكي..الموضوع مش ناقص غباوة.
استندت على مكتبهِ بعدما فقدت أعصابها، وهدرت بغضب:
طب اسمعني كدا ياحضرةِ العقيد ووصلُّه كلامي، انا مش هرحمه لو لقيتُه بيلعب بديلُه..
أخرجَ صوتًا من بينِ شفتيهِ يهزُّ رأسهِ وضحكاتهِ التي صمَّت أذنيها:
طب ماكان من الأوِّل ياتحية كاريوكا، ليه شُغل أمينة رزق دا ..
على العموم حبيبِك مع حبيبتُه في شهرِ عسل اشربي من البحرِ بقى..
ضربت أقدامها بالأرضِ وتحرَّكت للخارجِ تسبُّهُ بصوتٍ مرتفع..
ظلَّت نظراتهِ عليها إلى أن أغلقت البابَ خلفها..زفرةً حارقةً يمسحُ على وجههِ بغضب متمتمًا:
تافهة، معرفشِ الحلوف عايز منِّك إيه، رفعَ هاتفهِ ماهي الَّا لحظاتٍ وأجابه:
إنتَ فين يامتخلِّف بقالي يومين مش عارف أكلِّمك؟..
نهضَ معتدلًا من الفراش:
خير فيه حاجة، بابا كويس، خرجت من المستشفى وسافرت علشان أعرف هدخل إزاي..
مسحَ على وجههِ بغضبٍ وأردف:
طمطم كانت هنا وقرِّيت عليك.
عادي هوَّ إنتَ أوِّل مرَّة تعملها، ياترى من أوَّل قلم ولَّا من أوَّل دمعة ..قهقهَ إسحاق قائلًا:
مالي مركزك دايمًا ياصقورة.
عندك شك ..هزَّ رأسه:
أبدًا طول عمرَك أسد..طيِّب غرام معاك ولَّا لوحدَك؟..
اتَّجهَ بنظرهِ للفراشِ وجدها تغفو كالملاك، ابتسمَ قائلًا:
معايا، وهنرجع القاهرة الصُبح علشان بابا هيخرج من المستشفى.
طيِّب حبيبي خُد بالك من نفسك، وتيجي طيران بلاش سواقة علشان عارفك هطير بالعربية..
خايف عليَّا إسحاقو..
لا، ياحليتها خايف على عجلِ العربية مش هعرف أجيب بديله..
تصدَّق صح، والعجلِ غالي، بعد ارتفاعِ الدولار، هنفكَّر إسحاقو نغيَّر العجل بإيه..
تصدَّق حلال عليك طمطم يالا، واللهِ البتِّ دي تستاهِل حلوف زيك.
تشكرات إسحاقو، ولا يهمَّك حبِّي..
خرجَ من شرودهِ وقصَّ عليهِ ماصار..
نقرَ على المكتبِ عدَّةِ مرَّاتٍ ثمَّ توقَّف:
خلاص عرفت هعمل إيه، سلام..
ناوي على إيه؟..
على كلِّ خير، أجُرَّها لبيتِ الطاعة علشان تتعلِّم الأدب.
أُقف يالا إنتَ مجنون، عايز ترجَّع مراتك بالطريقة دي!..
لوَّحَ بكفِّهِ وتحرَّك.
باليومِ التالي بمنزلِ والدِ غرام، كانت تجلسُ أمامَ التلفاز، تقلِّبُ بهاتِفها، تنظرُ إليهِ وتتمنَّى أن يقومَ بمهاتفتها، تنهيدةٍ بأعماقها الحزينة:
كدا ياأرسلان، هُونت عليك أسبوع كامل، حتى مفيش تليفون، طيِّب يابنِ الحسب والنسب …استمعت إلى طرقاتٍ على بابِ منزلها، جذبت وشاحها، وتحرَّكَت للخارج:
نعم عايز مين؟..
نظرَ الرجلُ للورقةِ التي بيده:
غرام محمود الزهيري
أيوة ..بسطَ كفِّهِ بالورقة:
جوزِك طالبِك في بيتِ الطاعة يامدام، ولازم تتحرَّكي معانا.
إيه بيت طاعة!..خلاص يابني روح إنتَ وأنا هتصرَّف..
استدارَ الرجلُ متسائلًا:
حضرتَك مين…أخرجَ الكارت الخاصَّ به، فاستأذنَ الرجلُ معتذرًا بعدما أردفَ إسحاق:
البنت بنتي، وأنا هوصَّلها لجوزها..
توقَّفت تُطالعهُ بأعينٍ دامعة:
أرسلان عايز ياخُدني بالطريقة دي!..
زمَّ شفتيهِ ثمَّ رفعَ كفِّهِ يمسحُ على رأسه:
مشاكلِك مع جوزِك تبقى مع جوزك وبس يابنتي، نصيحة اتعاملي على إنِّك مرات أرسلان الجارحي..
أشارَ بسبَّباتهِ وتحدَّثَ بنبرةٍ حازمة:
غلطٍّي يابنتِ الناس، وغلطِك مع شخصية زي أرسلان مش مُرحَّب بيه، يالَّه علشان أرجَّعك بيت جُوزك..
عقدت ذراعيها وهتفت بحدَّة:
وأنا مش عايزة أرسلان ابنِ الحسب والنسب، خلاص فضِّيناها، وكلِّ الحكاية أنُّه اتجوِّزني علشان مهمِّتُه والمهمَّة خلصت..اقتربَ خطوةً وعينيهِ تُحاورها ثمَّ أردفَ بهسيس:
خمس دقايق بس وألاقيكي في العربية، أنا اتصلت بوالدِك وأخدتِ إذنه، وكمان هوَّ في الشُغل مالكيش حجَّة، أنا جيتلِك يبقى خلاص كلِّ حاجة ترجع لأصلها، ولولا شايف تعلُّق الولد بيكي الله في سماه ماكنت قرَّبتِ منِّك..قالها واستدارَ متحرِّكًا للخارج..
عندَ إلياس:
ترجَّلَ من السيارةِ حاولت أن تساعدُه، ولكنَّهُ أوقفها بحركةٍ من يديه:
شكرًا مش عايز مساعدة، تحرَّكت بجوارهِ بقلبٍ مهشَّم، عيناها عليهِ خوفًا أن يترنَّح..توقَّفَ يتنفَّسُ بهدوء، اقتربت منهُ وهمهمت بنبرةٍ عتابية:
معرفشِ ليه مش عايزني أساعدك..
مش عايز آثاري تكتر عليكي ومتعرفيش تزيليها كويس…قالها وتحرَّكَ يضعُ كفِّهِ موضعَ آلامه …دلفَ للداخلِ وجدَ مصطفى بانتظاره:
اتأخرت ليه يابني..خطا بوهنٍ يهمسُ بصوتٍ خافت:
كان عندي مشوار..تلفَّتَ يبحثُ عنها، ثمَّ جلسَ وتجلَّت على ملامحهِ الألم:
إسلام مرجِعش..تساءلَ بها وهو مُطبقُ الجفنين…جلسَ بجوارهِ ولفَّ ذراعهِ حول كتفهِ يجذبهُ لأحضانه:
ربِّنا مايحرمني منَّك ياحبيبي..فتحَ عينيهِ ينظرُ لوالدهِ بصمت، ثمَّ أردف:
كنت دائمًا أسمعك بتقول كدا لماما وأهي ماتت وعيشت حياتك ونسيتها..
ابتسمَ مصطفى وطبعَ قبلةً على رأسه:
غيران على أمَّك ياإلياس..
استفهمَ باستهجان:
مش من حقَّها ولَّا إيه ياحضرةِ اللوا، سمعت في مرَّة أنُّكم واخدين بعض على حب..والحبِّ اندفن معاها واتولد مع حدِّ تاني يمكن مايتساهِلش..
لوَّحت أعينُ مصطفى بالغضب، قائلًا:
هتفضل لحدِّ إمتى يابني واخد الموقف العدائي دا، رفعَ نظرهِ إلى ميرال التي دلفت للتوِّ بعد وقوفها بالخارجِ تتحدَّثُ بالهاتف..وصلت إليهم ثمَّ جلست بجواره:
أخلِّيهم يعملولك حاجة تاكُلها ..تشابكت عيناه بعينيها إلى أن لاحظَ مصطفى ذلكَ فهتفَ قائلًا:
كنت رايح تطلَّق مراتك، دي الأمانة اللي أمِّنتك عليها!!
تعليقات



<>