رواية شظايا قلوب محترقه
الفصل السادس عشر16
بقلم سيلا وليد
صرخةً من غادة باسمها وهي تتدحرجُ على الدرجِ حتى وصلت لآخره، آه خفيضة خرجت من بينِ شفتيها وهي تضعُ يديها على أحشائها متألمةً وغمامةٍ سوداء تحاوطها لتهمس:
“يارب اموت ”
التفتَ سريعًا على صوتِ أختهِ باسمها، ارتعشَ جسدهِ بالكاملِ حتى اهتزَّ من قوةِ الصدمةِ التي تلقَّاها وهو يراها بتلكَ الحالة، لم يعرف كيفَ وصلَ إليها…
جثا على رُكبتيهِ يرفعها سريعًا، يهتفُ بتقطُّع:
ميرال…هزَّ جسدها ولكنَّها كانت بينَ يديهِ كالتي فقدت الحياة، نهضَ وهو يضمُّها لصدرهِ بتملُّك يصرخُ بأخته:
هاتيلَها لبس بسرعة، بينما فريدة التي توقَّفت وكأنَّها أُصيبت بشللٍ في خلايا جسدِها وهي ترى الدماء التي لطَّخت ملابسَ ميرال، همست:
ميرال حامل..تحرَّكَ بها لبعضِ الخطواتِ إلَّا أنَّها أوقفته:
إلياس ..توقَّفَ محاولًا السيطرةَ على ثباتهِ حتى لا يسقطَ بها بسببِ اضطرابهِ رغمَ برودهِ الذي تتميَّزُ به شخصيتهِ، لكن هنا انهارت جميعَ حصونهِ ببرودهِ وتجمُّدهِ ليهمسَ بتقطُّع:
هاخدها المستشفى..وصلت إليهِ تنظرُ إلى ميرال التي بينَ يديهِ برعبٍ تجلَّى بعينيها، ثمَّ إليه:
ميرال حامل؟..رجفةً تخلَّلت جسدهِ ينظرُ لفريدة بذهولٍ وعيونٍ متسعةً يهزُّ رأسه:
لا لا ..أكيد مش حامل، وصلت غادة بإسدالها مع خروجهِ سريعًا إلى السيارةِ يضعها بهدوءٍ عكسَ نبضاتِ قلبهِ التي تُقرعُ كطبولِ حربٍ من الخوف.
جذبَ إسدالها وألبسها إياه ولم ينتبه للدماءِ الملطَّخة بيده ..فتحت فريدة بابَ السيارةِ وجلست بجوارِها، رفعها يضعُها بأحضانِ فريدة:
ضمِّيها خلِّي بالِك منها لتوقَع ..قالها برجاءٍ انبثقَ من عينيه واتَّجهَ للقيادةِ يقودُ سيارتهِ بسرعةٍ كبيرةٍ كعاصفةٍ رعديةٍ غزيرةَ الأمطار، وصلَ إلى المشفى بدقائقَ معدودة، حملها ودلفَ للداخل، وقلبهِ يسبقهُ حتى وصلَ إلى الطبيبِ ووضعها..
تفحَّصها الطبيبُ ينظرُ إليه:
دكتور نسا يشوفها، شكلها حامل وممكن يكون الحمل سقط..هزَّةٌ عنيفةٌ كرعدٍ أصابَ طفلٍ ليهبَّ فزعًا من مكانه:
حامل..أشارَ الطبيبُ إلى يديهِ وثيابه:
مش أخدت بالَك من الدم..نظرَ بتوهانٍ ليديهِ التي تلطَّخت بالدماء، سحبها المسعفون باتِّجاهِ كشفِ النساء، وظلَّت عيناهُ تتابعها، احتضنت فريدة ذراعهِ بعدما وجدت حالته،رغمَ ماقالهُ إليها ولكن حالتهِ الآن توحي الكثير والكثير، توقَّفَ ينظرُ إلى دخولها بتوهانِ طفلٍ أضاعَ أبويه، نظرت إليهِ بحنوٍّ أمومي، وعينيها تتابعُ وجعهِ الذي يخفيهِ بملامحهِ الجامدة، أطبقَ على جفينيهِ بعدما أُغلق البابَ ليشعرَ ببرودةٍ تجتاحُ جسده، تمنَّت لو تحتضنهُ وتربتُ على ظهرهِ كي تخفِّفَ عنه، ظلَّ متجمِّدًا بمكانهِ محاولًا أن يستوعبَ ماحدث..لم تقوَ على أن تراهُ ضعيفًا لأوَّلِ مرَّةٍ بتلكَ الحالة، وأقسمت بداخلها أنَّ حديثهِ ماهو إلَّا هُراء..جذبتهُ من ذراعهِ وتحرَّكت بهِ إلى غرفةِ الطبيب، تحرَّكَ معها دونَ حديثٍ وكأنَّ الصدمةَ جعلتهُ فاقدًا الوعي ولايشعر بمايدورُ حوله، دلفَ للداخلِ لتقابلَهُ الممرضة:
إجهاض، هتدخل عمليات، بس الموضوع بسيط لأنُّه لسة ثمان أسابيع، ترنَّحَ جسدهِ محاولًا السيطرةَ على نفسه، حاوطت فريدة خصرهِ تنظرُ إلى الممرضة:
هيَّ كويسة أخبارها إيه، والإجهاض دا هيأثَّر على صحتها؟..
الدكتور معاها لسة يافندم، هنا فاقَ من صدمتهِ يبتعدُ عن فريدة وانحنى يُمسكُ رسغَ الممرضة يحدجُها بنظرةٍ مرعبةٍ قائلًا:
شوفيلي دكتورة، لو راجل دخل على مراتي هولَّع في المستشفى، يالَّه بسرعة، متخلِّيش راجل يلمس مراتي..
تحرَّكت الممرضة للداخل، بينما ظلَّ كما هو يتابعها بعينه ..
إلياس ..ردَّدتها فريدة، استدارَ إليها متسائلًا:
الإجهاض دا هيئذيها؟..ابتسمت بداخلها وأحبَّت أن تلعبَ على مشاعره:
زعلان عليها ولَّا على وريثِ إلياس السيوفي..عليها طبعًا قالها سريعًا ولم ينتبه لما تفوَّهَ به، ابتسمَ داخلها وتابعت حديثها وضغطت بكلماتِها وهي تتابعُ ملامحَ وجهه:
أكيد، فيه ستَّات بتموت وفي اللي تفقُد الحمل طول العُمر..وفيه اللي بتكون كويسة..
أشارَ لها قائلًا:
هيَّ هتكون كويسة، أيوة هتكون كويسة
جلست على المقعدِ ترمقهُ بنظرةٍ معاتبة:
وكان لازمتُه إيه الكلام اللي قولتُه، علشان تدبحني وخلاص ..أحكمَ قبضتهِ يكوِّرُها بغضبٍ فهو في حالةٍ لا تُجدي النقاش..بعد فترةٍ دلفَ إلى الغرفةِ وجدها متسطِّحةٍ على الفراش، دلفت فريدة خلفِه، ثمَّ اقتربت منها وانحنت تطبعُ قبلةً على جبينها:
ميرو سلامتِك حبيبة ماما، ابتعدَ إلى النافذةِ يضغطُ على نفسهِ حتى لا يقتربَ منها ويسحقها بين ذراعيهِ يستنشقُ رائحتها ليطمئنَّ أنَّها بخير..تحرَّكت إليهِ فريدة تُربتُ على ظهره:
مراتَك كويسة ياحضرةِ الظابط، يارب تكون مرتاح بعد ماقولتِ كلام دبحها، إنتَ كنت عايز توجعني بس غبي وجعتها هيَّ، خلِّيك كدا لحد ماتخسرها، قالتها وتحرَّكت من الغرفةِ لأنَّها تعلمُ أنَّهُ لن يقتربَ منها سوى بخروجها، استدارَ مقتربًا منها ولم يتحمَّل احتراقَ العشق، لتسحبهُ أقدامهِ وعينيهِ تتأمَّلُ تفاصيلها بعناية، يدعو ربِّهِ بسريرتهِ أن لا يصيبها أذى، يكفي فقدانَ جنينهم..
ردَّدها بينهُ وبينَ نفسه، جنين، ذهبَ ببصرهِ إلى بطنها وبسطَ كفِّهِ الذي ارتعشَ وهو يعضُّ كفِّهِ الآخر ندمًا على ماقاله، كيفَ ستغفرُ لهُ إذا استمعت لحديثهما، يعشقُها حدَّ الجنون، ولكن كبريائهِ وكرامتهِ فوقَ قلبه، ملسَ على بطنها بحنانٍ ثمَّ انحنى يضمُّها إلى صدرهِ لتنسابَ دمعةً رغمًا عنه، طبعَ قبلةً فوقَ رأسها:
آسف، سامحيني، ياريت الزمن يرجع بيَّا مكنتش وافقت على جوازنا، سنين وأنا بضغط على نفسي لحدِّ مابقتشِ قادر، خوفت تكوني لغيري، وآدي النتيجة، لمسَ عنقُها الذي مازالت آثارُ قبلاتهِ عليه..انحنى يدفنُ رأسهِ وأغمضَ عينيه:
حُبِّي بيدمَّرِك أكتر مابيسعدِك، صدَّقيني بضغط على نفسي علشان أصلَّح منها بس عندِك مابعرفشِ أسيطر، إنتِ مش مجرَّد بنت أُعجبتُ بيها ياميرال إنتِ حياة إلياس كلَّها، من الطفولة للشباب حتى المشيخ، رفعَ رأسهِ ينظرُ لوجهها الذي انطفأَ بريقه، وحرَّكَ أناملهِ على وجهها إلى أن وصلَ لشفتيها التي يعتبرها شهدَ الحياة، أغمضَ عينيهِ ولحظاتهم الجميلة تمرُّ أمامَ عينيه، ابتسامةً حزينةً وهو يتذكَّرُ شقاوتها بين أحضانهِ ليهمسَ دونَ وعي:
وأنا أموت من غيرِك، ..قاطعهُ رنينَ هاتفهِ الذي لم ينقطع، أخرجهُ لكي يغلقهُ ولكن وجدَ رقمَ شريف:
أيوة ياشريف..قاطعهُ قائلًا:
إلياس باباك عمل حادثة واتنقل للمستشفى..هبَّ من مكانه:
إنتَ بتقول إيه، طيِّب أنا جاي..تحرَّكَ خطوةً فتراجعَ بعدما تذكَّرَ أمرَ معشوقته، انحنى يدمغُ جبينها بقبلةٍ قائلًا بصوتٍ خافت:
هروح أشوف بابا وراجعلِك، ظلَّت نظراتهِ عليها للحظاتِ إلى أن طبعَ قبلةً فوقَ شفتيها يهمسُ لها:
ربِّنا يصبَّرني عليكي لمَّا تفوقي ..نصبَ عودهِ واعتدلَ متَّجهًا للخارج ..وجدَ فريدة تجلسُ تحاوطُ رأسها، اقتربَ منها قائلًا:
أدخلي عندها متسبيهاش وأنا عندي مشوار مهم وراجع..
نهضت تطالعهُ بذهول:
إنتَ إيه ياأخي جبروت، أنا كذِّبتِ كلامَك ليَّا من بعدِ ماشوفت لهفتَك عليها، وقولت دا عايز يحرَق دمي وبس، مستحيل يكون بيكرهها وهيموت عليها..
انحنى ينظرُ بعينِ فريدة:
أه كذبتِ عليكي علشان اللي جوَّا دي أغلى من روحي ارتحتي كدا، خلِّيكي معاها لحدِّ ماأرجع هيَّ مش بنتك..قالها واستدارَ للمغادرة، أطبقت على ذراعه:
طيِّب لمَّا إنتَ بتحبَّها كدا ليه يابني بتعمل معاها كدا..نظرَ لكفِّها الذي يتشبثُ بذراعهِ ثمَّ إليها:
وبعدهالِك ليه مصرَّة تخلِّيني أوجعِك بالكلام، إبعدي عنِّي لو سمحتي كفاية اللي حصل لمراتي، وابني اللي حتى معرفتش بوجوده، عايزة منِّي إيه؟..
عايزة إلياس الطفل البرئ اللي أوِّل مرَّة شوفته فيها:
استدارَ بكاملِ جسدهِ وغرزَ عيناهُ بها:
اندفن يوم ماضحكتي عليَّا أنا وبابا وماما بإيدك دي دفنتيه، خلِّتيني مأمِّنشِ لأي ست، أشارَ على بابِ غرفةِ ميرال:
شوفي بنفسِك، أُدخلي وشوفي نتيجة كُرهي ليكي، دنا خطوةً ومازالت عيناهُ تحرقها..
حاولت آذيها وأبعد عنَّها ومقدرتِش، حاولت آذيكي وبرضو مقدرتِش معرفشِ ليه بعد ماأبقى مُصر أدمَّرِك واقف عاجز ومقدرش، عرفت بموضوع عمِّ ميرال من سنين ورغم كدا ماحاولتش حتى أخلِّيه يقرَّب منَّها، ليه يامدام يافريدة، يمكن حبِّك ليَّا في الأوِّل دا اللي بيشفعلِك، ولَّا يمكن علشان ميرال، يمكن خُفت ياخدُها منِّك، حقيقي معرفش..
لمست وجنتيهِ وانسابت عبراتها:
بتحبَّها أوي كدا..قالتها وهي تهزُّ رأسها..
ابتعدَ كالملسوعِ يهزُّ رأسهِ وتحرَّكَ قائلًا:
مراتي أمانة عندِك يامدام فريدة..توقَّفَ واستدارَ إليها:
رُدي الجميل اللي عملتُه معاكي ..بعدَ فترةٍ وصلَ إلى المشفى، وجدَ شريف بالخارجِ يتحدَّثُ مع الطبيب:
فين بابا وحادثة إيه دي؟..
سحبَ كفِّهِ ودلفَ للداخلِ بعدما وجدَ لهفتهِ وخوفه:
أهو نايم، كويس، بس مصاب في دراعه، الطلقة الحمدلله ماصابتوش..
طلقة، ليه بابا مضروب بالنار ولَّا حادثة!..
ابتعدَ بنظراتهِ هامسًا:
مضروب بالنار، وقبل ماتقول حاجة عربية الحراسة أنقذتُه بصعوبة، حدِّ كان عايز يموتُه.
إيه ..يموتُه، أبويا..ليه ومين له مصلحة في قتلِ لوا شرطة ..بابا حد يموِّته طيِّب إزاي ..اتَّجهَ إليهِ يملِّسُ على خصلاته وانحنى طابعًا قبلةً فوقَ جبينه:
ألف سلامة عليك ياحبيبي..رفرفَ بأهدابهِ يهمسُ اسمه:
إلياس ..جذبَ المقعدَ وجلسَ محتضنًا يديه:
أنا هنا جنبَك ياحبيبي..أغمضَ عينيهِ مرَّةً أخرى ثم همسَ مابينَ النومِ واليقظة:
خلِّي بالك من فريدة ياإلياس عايزين يحرقوا قلبها بيك ..قالها وذهبَ بنومهِ مرَّةً أخرى:
أرجعَ ظهره متكئًا على المقعدِ يردِّدُ حديثَ والده:
يوجعوها بيَّا، ليه، ياترى بابا يُقصد إيه؟..نهضَ من مكانهِ فجأةً واتَّجهَ إلى النافذة:
شريف عايز أعرف مين اللي ورا حادثة بابا، وإبعت لمعتصم ملف ابنِ راجح الشافعي، خلِّيه يرجعوهلنا تاني.
نظرَ لخارجِ النافذة:
فريدة وراجح ..وأنا وبابا، راجح عايز يوقَّع بابا علشان فريدة بعد زيارتي، طيب أنا اللي هدِّدتُه..استمعَ إلى طرقٍ على الباب ثمَّ دلفَ إسلام بلهفةٍ وخوف:
بابا..استدارَ ثمَّ اتَّجهَ إليه:
إهدى حبيبي بابا كويس، هوَّ نايم بس..ضمَّ كفَّيه وقبَّلهُ ونزلت دمعةً من عينيه:
حبيبي مين عايز يبعدَك عنِّنا..ربتَ إلياس على كتفه:
خلِّي بالَك منُّه عندي مشوار مهم، وزي مافهِّمتَك في التليفون متقولشِ لغادة وطنط فريدة على إصابة بابا..
همَّ بالمغادرة:
إلياس رايح فين وسايب بابا ..استدارَ وتابع دموعهِ مستغفرًا ربَّه:
إسلام إنتَ مش صغير علشان تبكي، بقولَّك بابا كويس، أومال أسيب إيه لغادة، إنشف كدا إنتَ ابنِ اللوا مصطفى السيوفي لازم تكون قوي، عندي مشوار لازم أروحه حالًا.
طيِّب لازم ماما فريدة تعرَف هتزعَل أوي..
زفرةً حارقةً ألهبت جوفهِ فاقتربَ منه:
يابني إنتَ مش عايز تكبر، بابا قدَّامك كويس، ليه نقلقها على الفاضي، وكمان هيَّ مع بنتها في المستشفى..
قصدَك مراتَك ياحضرةِ الظابط.
أووف ..قالها وتحرَّكَ دونَ حديث..وصلَ بعدَ قليلٍ إلى فيلَّا الشافعي، دلفَ من البوابةِ الرئيسية بسيارته دون أن الاذن مع هرولة الحرس خلفه، توقف، ترجل من سيارته يشير اليهم ببطاقة تعريفه
-مش عايز اشوف حد فيكم هنا، امشو من قدامي، قالها واتَّجهَ إلى الداخل
قابلته الخادمة ..خلع نظارته وتحرك للداخل راجح الشافعي عايز أقابلُه الاقي في انهي مذبلة هنا..قطبت جبينها ، دفعها وتحرك للداخل أسرعت خلفه:
نقولُّه مين يافندم؟..
قوليلُه قدرَك …قالها وهو يدفعُها ودلفَ للداخل، وجدهُ على طاولةِ الطعام يتناولُ الطعامَ برفقةِ رانيا وطارق، هبَّ من مكانهِ حينما استمعَ إلى صوته::
هاتيلي طبق يابنتي، شكلكُم عاملين غدا يفتَح النفس..قالها وهو يجذبُ المقعدَ بجوارِ رانيا ثم رمقها متسائلًا:
مدام رانيا جيت لحدِّ عندِك مكنشِ فيه داعي تروحي تسألي عنِّي.. كان تليفون صغير وأجيلِك، حضرتِك غالية،
زوت مابين جبينها متسائلة:
حضرتَك مين؟،،،،
رفعَ كوبَ عصيرِ راجح الذي مازالَ متوقِفًا يطالعهُ برهبةٍ شديدةٍ والخوفُ يتملَّكهُ بأنَّهُ علمَ بأمرٍ مصطفى..
نظرَ إلى كوبِ العصيرِ ثمَّ رفع نظرهِ إلى راجح
العصير المسكَّر بيجيب السكر وخاصةً للناسِ اللي بلاويها كتيرة، قالها وهو يُفلتهُ من يديهِ ليسقطَ فوقَ الطاولة، ثمَّ توقَّفّ يستندُ بكفَّيهِ على الطاولةِ يطالعهُ بنظراتٍ مستهزئة:
لعب العيال اللي بتحاول تعملُه مع عيلة السيوفي إنتَ والمدام بتاع تنضيف بشرةِ الستات ومسح كعوبهم دي تلعبوها هناك في السويس مع شوية قطاعين الطرق..
إنتَ مين ياجدع ماتحترم نفسك، قالها طارق بغضب، وهو يقترب منه، بينما توقَّفت رانيا:
إنتَ مجنون إزاي تدخل بالهمجية دي!..
التفتَ إليها يحدجُها بنظرةٍ جحيمية:
صوتِك يامدام، أنا مش راجح الشافعي علشان تنسي نفسِك وتعلِّي صوتِك، ثمَّ رمقَ طارق:
وإنتَ ياله يابتاعِ البنات مسمعشِ صوتَك، تقعد زي الكرسي اللي إنتَ عليه..اقتربَ طارق يدفعه:
دا إنتَ قليل الأدب وعايز تتربَّى، أطبقَ على عنقهِ يدفعهُ على طاولةِ الطعام:
مبحبِّش كلام العيال الشمَّامة يالا، مش قولت إخرس..
قالها وهو يضعُ رأسهِ بطبقِ السلطة ثمَّ رفعَ عينهِ إلى راجح وهو مازال يضغط على عنق طارق:
وحياة أبويا اللي في المستشفى علشان جلسة استجمام لصحتُه ماهو الصراحة لازم أشكرَك بس أتأكد إنَّك السبب في أنه يسمَع كلامي يعمل تشييك على صحته، جاي أشكرَك، لحدِّ دلوقتي بشكرَك بوق، بس طبعًا لمَّا أتاكِّد لازم أهاديك، ثمَّ التفتَ إلى رانيا:
وإنتِ لمِّي شوية العيال اللي بيراقبوا مراتي أصلًا قسمًا عظمًا أعمل معاكي الغلط، والغلط عندي مش تقدري عليه..
إنتَ إلياس السيوفي..رفعَ رأسَ طارق:
أكلت سلطة ياحيلة أمَّك حلوة صح ومفيدة على الصحة، المرة الجاية هحط راسَك في الشوربة المغلية، يوم ماتعمل راجل إعملُه مع البنات اللي بتحشش معاهم يالا مش مع أسيادَك، قالها ودفعهُ ليسقطَ على المقعد، ثمَّ اقتربَ من رانيا التي ارتجفَ جسدها من هيئته، إلى أن وصلت تختبئُ خلفَ راجح ، ارتفعت ضحكاتُ إلياس يهزُّ رأسهِ:
خبيها حلو ياراجح باشا، وياريت تتخبَّى معاها قبلِ مارجع أشكرَك تاني..
قالها ينظرُ للطعامِ ثمَّ اتَّجهَ إليه:
أكلكُم ريحتُه وحشة يمكن من ظلمِ الناس، خطا خطوةً أخرى وغرزَ عيناهُ بأعينِ راجح:
ماما فريدة هربت منَّك ليه ياراجح ياشافعي..توسَّعت أعينُ رانيا وارتفعت دقَّاتها بعنف ..
إسألها مش هي أمَّك مش المفروض تسألها، قولَّها ليه قتلتي بنتي، وليه بيعتي ولادِك، مش يمكن بتخطَّط علشان توصل لأبوك..
أطبقَ على عنقهِ واحمرَّت عيناه:
ياويلَك منِّي لو قرَّبت منها تاني، همحيك من على وشِّ الأرض، أنا زي نفسك، ماما فريدة خط أحمر بالنسبالي لو قرَّبتِ منها كأنَّك خرَّجت شياطيني عليك..أفلتَ يديهِ يرمقهُ باحتقارٍ ثمَّ اتَّجهَ بنظرهِ إلى طارق وتحرَّكَ مغادرًا يقطعُ المكانَ بخطواتهِ الثابتة من يراهُ يظنُّ أنَّهُ حاكمَ الكرةِ الأرضية.
هوت رانيا على المقعدِ تشيرُ لسرابِ خروجه:
مين دا، دا اللي أسمه إلياس، يعني دا اللي فريدة مربياه..
جلسَ راجح بعدما فقدَ اتزانهِ يردِّد:
لو وصل لحاجة هروح في داهية..
إنتَ عملت إيه يابابا؟..نهضَ من مكانهِ سريعًا وأمسكَ هاتفه:
إنتَ فين ياحيوان، مصطفى السيوفي لسة عايش وأنا مش قولتلَك الاتنين يكونوا في نفسِ الوقت، ليه مضربتِش إلياس؟..
أجابهُ الآخر:
ياباشا دا محاوطُه جيش من الأمن، غير أنُّه مش سهل عربيتُه مصفَّحة، أمَّا مصطفى الأمن بتاعُه قوي، إحنا يادوب عرفنا نخترِق العربية وكنَّا خلاص هنوصل لولا الظابط اللي اسمه شريف دا عرف أنُّه هيموت ولحقُه معرفشِ مين اللي بلَّغه..
يعني إيه مين اللي بلَّغُه، أوعى تقولِّي فيه خاين…آااااه صرخَ بها وهو يُلقي الهاتف ليتهشَّمَ وصلت إليهِ رانيا:
إنتَ كنت عايز تموتهم، إنتَ اتجننت ياراجح،دا ظابط أمنِ دولة، عارف يعني إيه، ضربت على ركبتيها:
يالهوي ابني هيضيع في السجن بسبَبك ياراجح ليه دا كله علشان إيه، أيوة فريدة هنرجع لفريدة تاني..
إخرسي بقى أيوة علشانها، إنتِ نسيتي عملت إيه، دي خلِّت سُمعتي زي اللبانة، ضربت كفيَّها:
لا ياراجح اللي واقفة قدَّامك دي رانيا مش حد غريب، إنتَ نسيت اللي عملناه فيها..
دفعها بقوِّةٍ يصرخُ فيها:
إخرسي مش عايز أسمع صوتِك، أنا بعمل كدا علشان أعرف أوصل لبنتنا، فريدة طول ماهيَّ قوية مش هنعرف مكان بنتنا.
مسحت على وجهها بغضبٍ تضعُ أناملها فوقَ جبينها تدورُ كالمجنونة:
دا ابنِ جوزها عامل زي التنين، إنتَ مش شايف دخل البيت إزاي وسط الأمن ومحدِّش قدر يوقفه، أومال جوزها هيكون عامل إزاي…
نفثَ سيجارتهِ بغضب:
أسكتي لازم نفكَّر بطريقة نخلص من الواد قبلِ مايوصلُّه، دا لو عرف إحنا ورا ضربه مش هيرحمنا.
إحنا، إحنا مين.. إنتَ ليه بتجمعنا، شيل شيلتك أنا ماليش دعوة ..تذكَّرَ راجح شيئًا فتوقَّفَ متسائلًا:
إنتِ كنتي بتراقبي مراتُه ليه؟..
جلست بقهرٍ وأجابته:
قولت يمكن تكون مروة بنتنا، وقولت أعمل أي فيلم علشان آخد منها أي حاجة وأعمل تحليل ..جحظت عيناهُ بصدمةٍ فاقتربَ متسائلًا:
مروة، وإيه اللي خلَّاكي تقولي كدا؟..
ابتلعت غضبها تطالعه:
حسِّيت من الشبه، واخدة منَّك ومن جمال..أطبقَ على كفيها:
لو جبتي إسمه هموتِك، حقيرة..قالها وتحرَّكَ للخارجِ وهو يصرخُ بأمنه..
عندَ إلياس ..وصلَ إلى المشفى التي بها أبيه وجدهُ استيقظَ وبجوارهِ إسلام وأحدِ أصدقائه، ألقى تحيةَ السلام، وقامَ بالترحيبِ لصديقه، ثم تساءلَ:
وصلتم لحاجة، الكاميرا لقطت حاجة؟..
فيه ظابط متابع وكمان شريف ياسيدي على الخطوة، لمُّوا ظباطكم ياإلياس، ليكم شغلُكم ولينا شغلنا قالها بمزاح، اقتربَ من والدهِ يطبعُ قبلةً فوقَ رأسه:
حاسس بإيه حبيبي؟..
أومأَ مبتسمًا :
كويس يابابا..استأذنَ صديقه وتحرَّكَ
بينما جذبَ مقعدًا وجلسَ بجوارِ فراشه:
الحادثة حصلت إزاي ..أغمضَ عينيهِ متراجعًا على الوسادة:
معرفشِ فجأة عربية دخلت بين الحرس وبين العربية، وضربوا نار على السواق، وحاولوا يفجَّروا عربيتي، لولا الحراسة كنت زمانَك دفنت أبوك.
ابتسمَ يربتُ على كتفه:
ألفِ سلامة عليك ياحبيبي، لسة في العمر بقية ياسيادةِ اللوا، مش مجرَّد الحرس..
فين فريدة إنتَ معرَّفتهاش؟..
هزَّ رأسهِ بالنفي قائلًا:
مرضتشِ أقولَّها، محبتشِ تقلق وتخاف على الفاضي.
هزَّ مصطفى رأسه:
عين العقل ياحبيبي، شوف الدكتور علشان نخرُج ..دلفَ إسلام بجوارٍ غادة الباكية:
بابا..قالتها بلهفةٍ ورعبٍ وهي تُلقي نفسها بأحضانهِ وارتفعت شهقاتها..
مسَّدَ على خصلاتها متألِّمًا:
حبيبتي أنا كويس إهدي مفيش حاجة.
توقَّفَ إلياس يطالعُها باستفهام:
دودي عرفتِ منين، قالها وعيناهُ لإسلام الذي رفعَ كتفهِ ينفي إخبارها.
رفعت رأسها من أحضانِ والدها تُزيلُ دموعها كالأطفال:
شوفت الخبر وأنا رايحة لميرال وماما في التليفون، كلِّمت حارس بابا قالِّي إنَّك هنا معرفشِ إن إلياس يعرَف فكَّرته عند ميرال.
اعتدلَ مصطفى: ليه هيَّ ميرال فين؟..
توقََفَ ينظرُ بساعته:
هشوف الدكتور قالها وهمَّ بالمغادرة إلى أن أوقفهُ مصطفى:
مراتَك مالها وفين؟..صمتَ وابتعدَ عن نظراتِ والده، طرقاتُ الباب أخرجتهم عن الحوار، ودلوفِ بعضَ أصدقاءِ مصطفى للأطمئنانِ عليه،
تحرَّكَ للخارجِ يرفعُ هاتفه:
إيه الأخبار:
مفيش جديد يافندم، اللي أسمه طارق دا خرج من شوية..
تمام أيِّ جديد عرًَفني..خرجَ للحديقةِ وبدأ ينفثُ سيجارتهِ يهمسُ بصوتٍ خافت:
ليه راجح مسألشِ عن ميرال، دي بنته اللي مراتُه هربت منُّه…زفرَ وهو يضعُ مبرِّراتٍ غيرُ مقنعة، احتضنَ رأسهِ وسيجارتهِ بيديه حتى انتهى رمادها ولم يشعر بها سوى على صوتِ إسلام:
الدكتور رفض بابا يخرُج الليلة، وبابا عايز ماما فريدة، بيقولَّك روح لمراتَك وأنا هجيب ماما فريدة..
نصبَ عودهٍ وتوقَّف:
تمام بس خلٍّيك جنبُه كمان، متنفعش لوحدها
وصلَ بعد قليلٍ إلى المشفى، توقَّفَ لدى البابِ على صوتِ بكائها:
عملت إيه ياماما علشان يعمِل معايا كدا، دا أنا حبِّيتُه أكتر من نفسي، ليه يدبحني ياماما..
ضمَّتها فريدة تمسِّدُ على خصلاتها:
إهدي حبيبتي، الكلام اللي سمعتيه مش حقيقي، هوَّ كمان بيحبِّك.
صرخت تهزُّ رأسها رافضةً حديثها:
كدب كلُّه كدب، طلع كدَّاب وواطي..
إشش إهدي حبيبة ماما، فيه حد يقول على حبيبُه وجوزُه واطي، عيب ياقلبي
ضربت على صدرها تبكي:
قلبي موجوع ياماما، أنا بتحرِق، حبيبي اللي بقالي سنين مش شايفة غيرُه دبحني بسكينة باردة، طلع بيرسِم عليَّا ياماما أنا بكرهُه..
احتضنت فريدة وجهها:
ميرو قلبي، والله إلياس بيعشقِك يابنتي هوَّ تارُه معايا مش معاكي..
تراجعت على الفراشِ وارتفعت شهقاتها تحضنُ نفسها:
أنا كرهتُه، بكرهُه مش عايزة أشوفُه، طلَّقيني منه زي ماجوِّزتيني، مستحيل أفضل على ذمِّة البني آدم دا لحظة واحدة ..طلَّقيني منُّه ..قالتها صارخةً فدفعَ البابَ وتوقَّفَ فجأةً أمامها، رفعت عينيها وتعلَّقت الأعينُ بحربِ النظراتِ
هتفَ قائلًا:
إسلام مستنيكي في العربية، هياخدِك لبابا قالها وعيناهُ على ميرال التي تطالعهُ بنفور، وكم شعرَ باحتراقِ روحهِ من نظراتها ..اقتربت فريدة منُّه:
ليه باباك فين يابني ..استدارَ برأسهِ إليها:
عمل حادثة وهوَّ في المستشفى..شهقةً خرجت من فمها وهرولت إلى حقيبتها:
لازم أروح أشوفُه، لسة جاي تقولِّي دلوقتي إنتَ إيه ياأخي ..سحبَ نفسًا وزفرُه:
أنا مكنُتش هعرَّفك بس هوَّ اللي أصر إنِّك تروحيلُه..زحفت ميرال على الفراشِ تتوقَّفُ هامسةً بخفوتٍ عكسَ صياحها منذ قليل:
عايزة أروح معاكي خُديني، التفتت إليها:
مينفعشِ ياقلبي لازم ترتاحي، اقتربت فريدة منها تجمعُ خصلاتِها على جنب:
روحي ارتاحي، وأنا مش هتأخَّر عليكي، هطَّمن على عمُّو وأجيلِك ..شعرت بالدورانِ فجلست تهمس:
ابعتيلي غادة ياماما ولَّا إسلام يوصَّلوني، مش عايزة البني آدم دا
التفتت فريدة إلى إلياس اتصِل بإسلام يوصلَّها وأنا هروح مع السواق..
اتأخرتي يامدام فريدة ..قالها واقتربَ يعدِّلُ وضعيتها على الفراش:
نامي وارتاحي، مفيش خروج لمَّا الدكتورة تشوفِك ..دفعت يديه:
إبعد عنِّي إيَّاك تلمسني، رفعَ رأسهِ إلى فريدة التي تطالعُهم بصمت..تحرَّكت للخارجِ بعدما وجدت نظراتَ إلياس:
حاسة بإيه فيه حاجة بتوجعِك؟..
بأنفاسٍ غيرُ منتظمةٍ من قربهِ وذراعهِ الذي يحاوطُ جسدها بهِ هدرت باقتضاب:
حاسة بخنقة من قُربَك، إبعد عنِّي مش طيقاك..
ضمَّ رأسها إلى صدرهِ وتحكَّمَ بحركاتها القويةِ محاولةً التملصَ من أحضانهِ
بنفاذِ صبرٍ.. محاولًا السيطرةَ على مشاعرِ الغضبِ التي نفرت عروقِه، ضمَّها بقوَّةٍ حتى رفعها من فوقِ الفراشِ لتصبحَ بأحضانهِ بكاملِ جسدها:
إهدي بقى، خُلقي ضيَّق ..لكزتهُ بصدره:
إبعد بقولَّك ..قالتها بصراخ، عايز منِّي إيه لسة ناوي تدبَح فيَّا لحدِّ إمتى، مخادع ياإلياس ..أطبقَ بخاصتهِ على شفتيها حتى تصمتَ ويُطفئَ لهيبَ اشتياقه، حاولت التحرُّرَ ولكنَّهُ كانَ الأقوى ليقبِّلها بقبلاتٍ عنيفةٍ كسابقتها، ابتلعَ دموعها التي جعلت صدرهِ كتلةً نارية، ورغمَ ماشعرَ بهِ أخنقها بقبلاتهِ لعدَّةِ دقائقَ كادت أن تسحبَ أنفاسها، ابتعدَ عنها يحرِّرُ كرزيتها ولكنَّهُ مازال يستحوذُ على جسدها بأحضانه، انحنى يهمسُ بجوارِ أذنها يلمسُ بخاصتهِ أذنها:
أكتر كلمتين بكرهُهم وأتمنَّى ما أسمعهُمش منِّك”بكرهَك وطلَّقني” دول إبعدي عنهم دا لو خايفة على نفسِك سمعتيني …قالها وابتعدَ يسندُ بذقنهِ على كتفها يضمُّها باحتواءٍ لأحضانهِ وكفِّهِ يتحرَّكُ بحريةٍ على بطنها قائلًا بخفوت:
هنا كان فيه ابننا وضاع، ابننا ياميرو، فاهمة معنى الكلمة، ممكن الكلمة تكون بسيطة بالنسبالِك، بس بالنسبالي أهمِّ حاجة في الدنيا..
لكزتهُ بصدرهِ بقوَّةٍ وهدرت بغضب:
علشان تعاقبني بيه، علشان تحسَّرني عليه، ولَّا علشان تفضَل تدوس على أمي …قبلةً مطوَّلةً على وجنتيها:
علشان كان هيكون ابني وابنِك، ابني اللي عمري مااتمنِّيت من الدنيا حاجة غير إنِّك تكوني أمُّه وبس..
هزَّت رأسها تنظرُ بازدراءٍ وتلكزهُ حتى شعرَ بانكسارِ ضلوعهِ من شدَّةِ ثورانها:
جاحد ياإلياس بس ربنا قالَّك إنزل بغرورَك ياسيادةِ المغرور،ربنا كسر غرورَك وعرف قدِّ إيه إنَّك ظالم وواطي فحرمَك من ابنَك حتى قبلِ ماتفرح بخبرُه، شوفت كُره من ربِّنا أكتر من كدا ..اختتمت حديثها وهي تلكزهُ بقوَّةٍ أكبر بصدرهِ ليشعرَ وكأنَّها كسرت عضلاتِ صدره بالكامل ليته من ضرباتها ولكن من كلماتها التي أصبحت كالرصاص..ابتعدت مستديرةً وبعيونٍ مملوءةٍ بالنفورِ والإشمئزاز:
ربِّنا أخد حق امي و حقِّي منَّك، كان عارف قدِّ إيه نفسَك في البيبي فحرمَك منُّه قدَّام عيونَك وبايدك دي قتلته..انحنت بجسدها وهمست بهسيس مرعب
-إنت السبب في موت ابنك، وان شاء الله مش هتشوفه تاني
لمس وجهها ينظر إليها
-طيب اهدي، علشان ماتتعبيش
هاجت عيناها وفقدت تحكُّمها مقتربةً منهُ تنقضُّ عليهِ تدفعهُ بجبروتِ غضبها منهُ على الفراش:
بكرهَك وبكره نفسي وبكره كلِّ حاجة ربطتني بيك، بكرهَك ياحضرةِ المغرور اللي مفكَّر نفسُه ملك الكون، ربنا ياخدَك وأرتاح منَّك…حقيييير
صرخت بهِ بعدما شعرت بتمزُّقِ قلبها الملعونِ الذي مازال ينبضُ باسمه..
تجمَّدَ جسدهِ وهناكَ نيرانٌ داخلهِ تريدُ أن تحرقَ المكان، شعرَ بالقهرِ من نظراتها ونفورها وحديثها الذي مزَّقهُ لأشلاء ..ظلَّت نظراتهِ جافيةً على غضبها ..أُنهكَ كاملَ جسدها حتى هوت على الفراشِ أمامهِ تبكي بمرارِ ماتشعرُ به …انحنى وجذبها يضعها على الفراشِ يمسِّدُ على خصلاتها يهدِّئُها بصوتهِ الحنونِ لأوَّلِ مرَّة:
بطَّلي عياط، راضي الحمدلله إن ربِّنا عاقبني بحرماني من الولد، المهم تكوني بخير
إبعد إيَّاك تلمسني، إمشي اطلع برة، مش عايزة أشوف وشَّك قدَّامي..أكتر بني آدم بكرهُه ومش عايزة أشوفُه قدَّامي.
استندَ على الفراشِ يلمسُ وجنتيها:
من قلبِك ياميرال، رغمَ رعشةِ قلبها منهُ ولكن كلَّما تذكَّرت حديثهِ انشطرَ قلبها، رفعت عيناها:
من أعماقِ قلبي ياإلياس، رفعت رأسها ونظرت إلى عينيهِ بجبروتٍ بل دنت من شفتيهِ تلمسُها بخاصتها مما جعلتهُ يُغلقُ عينيهِ متأثرًا من لمستها لتهمس:
قلبي دلوقتي بيكرهَك أكتر واحد في الدنيا…فتحَ عينيهِ التي تحوَّلت لِلَّونِ الأحمرِ بسببِ تلاعبِها بمشاعره، هبَّ من مكانهِ مبتعدًا ثمَّ أعدلَ من وضعيةِ ثيابهِ من لكماتها وهجومها عليه، وضغطَ على الزرِّ الذي يُوجدُ بفراشها..
وصلت الممرضة:
نعم يافندم …أشارَ إليها:
شوفي المدام هنخرج، وياريت تساعديها لحدِّ العربية، قالها وارتدى نظارتهِ متحرِّكاًا للخارج..
بشقَّةِ أرسلان:
دفعتها ودلفت للداخلِ وجدتهُ نائمًا على الأريكة، طالعتهُ غاضبةً تشيرُ إليها:
سيدِك نايم هنا ليه، انحنت تلمسُ وجنتيه، ثمَّ انحنت تطبعُ قبلةً عليها وهو غارقًا بنومه:
راسو حبيبي ..أنا جيت..
فتحَ عينيهِ بتملُّلٍ ظنًّ أنَّها زوجته، ابتسمَ بنومهِ ولكنَّهُ هبَّ من مكانهِ حينما استمعَ إلى صوتها:
طمطم!..إنتِ إيه اللي جابِك؟!..
دفنت رأسها بصدرهِ تهمس:
وحشتني أوي حبيبي كدا ماتجيش تشوف حبيبتَك…
كانت تقفُ بعيونٍ مترقرقةٍ على ذاكَ المشهدِ الذي أحرقَ روحها..
