رواية شظايا قلوب محترقه
الفصل السابع والعشرون27
بقلم سيلا وليد
سيبقى كسر قلبي في ذمتكم للأبد..
ف ليت الحزن لم يُخلق ولم يسكن داري..
حزينة مدني وأريافي..
وكل ليلة تشيّع جنائز سكاني..
صرتم اليوم ضربةً كسرت قلبي.
فأصبحت قلب مقطوع الشريان
فؤاد معتل فيه الأبهران
كلام يغطيه كتمان
ونار دون دخان
بركان يوشك على الغليان
سفينة شرد عنها القبطان
ثم بعد
فوالله رأيتك كطفل يبحث عن ملجأ يحتمى فيه وحين أصبحت الملجأ لك كنت انت الزلازل الذى هدم أركاني
والآن ترحلُ بعدما استعمرتني
وتقول عذراً إنَّها الأقدارُ
ارتجفَ جسدها بانتفاضةٍ تطالعهُ مذعورة، ولم تشعر بعبراتها التي انسابت بغزارةٍ فوق وجنتيها، لتجذبَ روبها بأيدي مرتعشةٍ مع شهقاتها التي لم تقوَ على توقُّفها، ثمَّ تحرَّكت بخطواتٍ بطيئةٍ لخارجِ الغرفة، وكأنَّها تساقُ إلى غرفةِ إعدامها، دلفت غرفتهما، وأغلقت البابَ خلفها بهدوء، ومازال جسدها يرتعشُ كالتي أصابها حمَّى، خطت تستندُ على الأشياءِ التي تقابلها حتى وصلت إلى فراشها، وتمدَّدت تحتضنُ نفسها كالجنينِ في محاولةٍ لكتمِ شهقاتها ولكنَّها فشلت، إلى أن اعتدلت جالسةً تضعُ كفَّها على صدرها محاولةً أخذ أنفاسها..
عند إلياس بعد خروجها، جذبَ مفاتيحهِ مع جاكيتهِ واتَّجهَ مغادرًا للخارج، قاد السيارةَ ذاهبًا إلى منزله..دلفَ للداخلِ يلقي أشيائه، ثمَّ جلسَ على الأريكةِ يحتوي رأسهِ بين راحتيه..
قاطعهُ رنينَ هاتفه:
-إلياس إنتَ فين؟!.
أشعلَ سيجارتهِ يستمعُ إلى حديثه:
-أنا في البيت فيه حاجة ولَّا إيه؟.
كان يقودُ السيارةَ عائدًا إلى منزله، فأردف:
-عندك وقت، عايزك في موضوع مهمّ..نفثَ تبغهِ وأجابهُ بشرود:
-وأنا كمان عايزك، تعالَ على بيتي، فيه موضوع مهمّ محتاجك فيه..
-تمام عشر دقايق وأكون عندك.
بعدَ فترةٍ وصلَ إليه، دلفَ للداخل:
-مساء الورد ياجدع، فينك بقالك فترة مش ظاهر؟..
أشارَ إليهِ بالجلوسِ وتحدَّثَ بتهكُّم:
-مش عيب تستصغر عقلي ياحضرةِ الظابط..
مطَّ شفتيهِ يهزُّ رأسهِ مبتسمًا:
-هعمل مصدَّقك ومحاولتش تدوَّر عليَّا، ثمَّ عقَّبَ على حديثه:
-كنت في إجازة حبيت أبعد شوية عن دوشةِ الشغل..
-تبعد ودوشة شغل ياإلياس وهمَّا هنا هيتجنِّنوا عليك.
مسحَ على وجههِ بعنفٍ ثمَّ تنهَّدَ متسائلًا:
-تشرب قهوة ولا هترغي؟..
أومأ دون حديث، نهضَ إلياس إلى ماكينةِ القهوة، ليعدَّ قهوتهما قائلًا:
-مفيش حدِّ هنا، مااتصلتش بالخدامة، استحمل قهوتي واشربها بدون تريقة..
توقَّفَ أرسلان يتحرَّكُ بالمنزل، طافت عيناهُ على بعضِ الأركان:
-هوَّ إنتَ مش مستقرّ هنا ولَّا إيه، استدارَ إليهِ وهو يحملُ فنجانينِ من القهوة، ثمَّ اقتربَ منهُ مجيبًا:
-باجي هنا تلات أيام، وعند با..توقَّفَ عن نُطقها ثمَّ حاولَ تغييرَ الحديثِ قائلًا:
-كنت بتقول عايزني، في حاجة ولَّا إيه؟..
-المهندس يزن السوهاجي اللي ساعدنا في دخول شركات العمري..
ارتشفَ بعضًا من القهوةِ يستمعُ إليه باهتمام، إلى أن استطردَ أرسلان قائلًا:
-المهندس دا حاطينه في لستةِ الناس اللي عايزين يصفُّوها، فبقول لو قرَّبت منُّه وحاولت تشوفله شغل بعيد عن شركةِ العمري يكون أحسن.
دقَّقَ النظرَ إليهِ متسائلًا:
-مش فاهم، وليه عايزين يموِّتوه، وإنتَ تعرفه منين علشان خايف عليه؟..
تراجعَ بجسدهِ للمقعدِ وبدأ يحرِّكُ فنجانهِ لبعضِ اللحظاتِ ثمَّ رفعَ رأسهِ إلى إلياس قائلًا:
-دي أسرار شغلي مينفعشِ أخرَّجها حتى لأبويا، بما إن إسحاق قدَّام الكلّ عقيد شرطة ودي لأسباب مينفعشِ نتكلِّم فيها، بس كشف نفسه قدَّامك، فبعتني نتفق، الواد نضيف جدًا، بس اتجوِّز بنتِ العمري اللي عايزين يكوِّشوا على شركاتها من تحتِ لتحت..
فركَ جبينهِ عندما شعرَ بالصداع، رفعَ رأسهِ وطالعهُ بتشتُّت:
-مش فاهم همَّا مين دول؟..أخرجَ بعض الصورِ ووضعها أمامهِ واسترسل:
-إلياس اسمعني كويس، عارف اللي بطلبه منَّك صعب بس لازم نربط الأحداث، دلوقتي الأجهزة اللي حطناها مش لاقطة حاجة..
أومأ متفهِّمًا حتى يُنهي الحديث، فأردف:
-هشوف موضوعه بعدين، المهم الولد اللي اتقتل في السجن دا، هوَّ السبب في حادثة ابنِ اللوا، عايزك تجيب حياة الواد دا، أكيد له علاقة براجح الشافعي.
قطبَ أرسلان جبينهِ متسائلًا:
-مش فاهم قصدك، ايه اللي حصل ومال راجح بالولد..جذبَ سجائره:
-عايز كل اللي راجح بيتعامل معهم، دفتره كلُّه ياأرسلان، شغله، حياته، النفس اللي بيخرَّجه، مش هوَّ بس، ومراته وابنه..
طالعهُ بتساؤلٍ خرجَ من عينيه، منتظرًا الإجابة، حينما علمَ أنَّها مسألة شخصية،
أشعلَ سيجارة اخرى وأردف:
-تار قديم زي ماقولت لك قبل كدا، وزي ماقولت أنُّه من فترة انسحبت كلِّ أملاكه منُّه، وخرج من الوظيفة بفضيحة، منين الفلوس اللي شارك بيها مالك العمري، عايز كلِّ حاجة ياأرسلان، وياريت يكون سرِّي هكون شاكر، حمحمَ وابتعدَ بنظره:
-وأتمنَّى عمَّك مايعرفش..أومأ له ثمَّ أشارَ على الصور التي بيديه:
-طيِّب كنت عايزك تاخد الصور دي لمدام ميرال تشوفها، عايز أعرف لمَّا اتخطفت شافت حدِّ منهم، أنا عارف الموضوع صعب، بس لازم علشان العيال دي نزلت قبلِ الحادثة بكام يوم، وفيه كاميرات جابتهم وهمَّا قريبين من الجرنال اللي شغَّالة فيه مدام ميرال..
أمسكَ الصور بين يديه، ثمَّ رفعَ نظرهِ قائلًا:
-آسف مقدرش، أنا مصدَّقت أنَّها نسيت الحادثة، مقدرشِ أرجع أخليها تفتكر، الموضوع صعب ياأرسلان، مراتي حامل دلوقتي.
ابتسمَ له قائلًا:
-ألف مبروك، أنا كنت بعمل محاولة بس، علشان العيال دي اتمسكوا عندك من كام يوم، أكيد لسة شريف مخبَّركش، كنت مفكَّرك عارف، فأنا بربط الأحداث..توقَّفَ يغلقُ زرَّ جاكيتهِ قائلًا:
-هعمل اللي طلبته، بس مش الأسبوع دا، مش هكون موجود بالقاهرة..
أومأ متفهِّمًا ليتوقَّفَ بمقابلته:
-وقت ماتفضى، عارف إنَّك مشغول ربِّنا يوفقك..
أومأ مبتسمًا وسحبَ نفسهِ مغادرًا وهو يهتف:
-على تليفون بقى، متتخبَّاش تاني..
ارتفعَ رنينَ هاتفهِ فاستدارَ بعدما أشار له أرسلان:
-رد أنا مش غريب عارف الطريق كويس..قالها وتحرَّكَ مغادرًا، اتَّجهَ إلى هاتفه:
-أيوة …شهقةٌ متألمةٌ من حناياها وأجابتهُ بصوتٍ مفعمٍ بالبكاء:
– إنتَ فين يابني؟..
تنهيدةٌ عميقةٌ وآلامٌ محفورةٌ بنيرانِ الغضبِ ليجيبها:
-عايز أفضل لوحدي، مش عايز أأذي حد، لو سمحتي سبوني براحتي..
قاطعتهُ باكية:
-مراتك اللي هتموت وراك دي، طيِّب أنا خلاص اتعوِّدت هيِّ ذنبها إيه، إنتَ ناسي إنَّها حامل، ولَّا مش فارق معاك..
هزَّةٌ عنيفةٌ أصابت جسده، فقلبهِ لم يعد يتحمَّلُ الفراق، ولكن كيف له الاقترابَ وهي التي تزيدُ من التهابه..
لم يعد يشعر سوى بنيرانٍ سوداء تمنعُ تنفُّسهِ ليردفَ قائلًا:
-خلِّيها بعيد عنِّي، مش عايز أأذيها، قاطعته سريعا تزيل عبراتها
-مالهاش ذنب يابني، بلاش وحياتي علشان عارفة ماليش أهمية عندك، بس علشان ابنك ياحبيبي بلاش تاخدها بذنوبنا، هي مالهاش ذنب
-وعلشان هي مالهاش ذنب يامدام فريدة انا بعدت عنها، صدقيني لو قرينا من بعض دلوقتي هنأذي بعض، خليني بعيد بدل ماادمرها بانتقامي، قالها واغلق الهاتف
-استدارت إلى مصطفى بدموعها
-عنيد اوي وقاسي يامصطفى ..حاوط كتفها وتحرك إلى الفراش
-تعالي يافريدة، ارتاحي، أنا شايف أنُّه هوَّ صح، خليه يرتِّب أفكاره، مش سهل اللي مرِّ بيه، لو سمحتي بلاش نضغط عليه..
مرَّت عدَّةَ أيامٍ والوضعُ كما هو، سوى من تغيُّرِ ميرال التي نزلت عملها وبدأت تعملُ بنشاط، دفنت حياتها بشغلها حتى تتجرَّدَ من ذكرياتها المأساوية، لا تعلم عنهُ شيئًا سوى أنَّهُ يريدُ الانعزال عن الجميع، مرَّت ساعاتٍ وهي تعملُ إلى أن شعرت بالألم، فتراجعت بجسدها وأغمضت عينيها تحتضنُ أحشائها، استمعت إلى صوتٍ ارادت أن يصيبها اللهُ بالعمى والصممِ ولا أن تراهُ ولا تسمعَ صوته:
-إزيك يابنتي عاملة إيه..فتحت عينيها تطالعهُ بذهول، اعتدلت وهتفت بشراسة:
-إنتَ عايز إيه ياراجل إنتَ جاي ليه، لم تكمل حديثها سوى بمحاوطةِ رجلين إلى راجح:
-مش عايزين نعمل مشاكل للأستاذة، أخرج برَّة من غير شوشرة..قالها أحدهما وهو يجذبهُ من ذراعه، طالعهم بغضب، فلم يكن يتوقَّع بمراقبةِ إلياس لميرال، تحرَّكَ بصمتٍ على أن يعودَ مرَّةً أخرى..
خرجت سريعًا خلفه، ولكنَّهُ قادَ سيارتهِ وتحرَّك، توقَّفت أمامهم تصرخُ بوجههم:
-اللي مشغلكم فين؟!.
-معرفشِ يامدام ..سحبت سلاحهِ بلحظةٍ ووضعتهُ على رأسها:
-لو منطقتش هموِّت نفسي، ويبقى خليه يسامحكم..
-في بيت أستاذة رؤى، قالها سريعًا، تجمَّدَ جسدها لتشعرَ بالبرودة، ولم يعد لديها القدرة على الوقوفِ حتى ترنَّحَ جسدها، ليقتربَ أحدهم محاولًا مساعدتها:
-إنتِ كويسة ياأستاذة..أشارت إليه تهزُّ رأسها ثمَّ تحرَّكت بتخبُّطٍ ودموعٍ تنساب على خديها:
-روحت عندها ياإلياس، للدرجة دي شعوري مش فارق معاك..قادت سيارتها واتَّجهت إليه، وصلت بعدَ قليلٍ
وتوقفت تضغطُ على الجرسِ بأناملٍ مرتعشة، لحظاتٍ وفُتحَ الباب، توقَّفت تطالعها بصدمة:
-ميرال، إيه اللي جابك، جذبتها بقوَّةٍ للخارجِ ثمَّ دلفت للداخلِ بعدما أغلقت بابَ المنزلِ عليها بالخارج، ودلفت بساقينِ هلاميتين، تبحثُ بعينيها عنه، وجدتهُ جالسًا على أحدِ الأرائكِ يعملُ على جهازه، تعمَّقت بملامحه، طولت ذقنهِ بعض الشيئ وفقدَ بعضًا من الوزن، اقتربت تنظرُ إلى ثيابهِ البيتية، وأغمضت عينيها تريدُ أن تُزهقَ روحها..زوجها مع أخرى بملابسٍ منزلية، رفعَ رأسهِ عن جهازهِ بعدما تسلَّلت رائحتها أنفه:
-ميرال..لم تعد ساقيها تحملها لتهوى بركبتيها تحتضنُ بطنها وبكت وكأنَّها لم تبكِ من قبل.
طالعها كالطفلِ الضائع، داخلهِ يحترقُ بقوَّةٍ كبركانٍ ثائر، يضغطُ بقبضته ،حتى كاد أن يمزِّقَ أوردته، أطبقَ على جفنيهِ وصوتُ شهقاتها يصمُّ أذنيهِ إلى أن انتفضَ من مكانهِ واتَّجهَ إليها، اقتربَ منها حينما وضعت كفَّها تدلكُ صدرها ووجهها الذي شحبَ شحوبَ الموتى،، اقتربَ دون كلامٍ يعانقها عناقًا ساحقًا، لحظاتٍ ولم يقوَ السيطرةِ على حزنها وبكائها، جذبَ كوبَ المياهِ ثمَّ جلسَ محاوطًا جسدها:
-اشربي ياميرال، خدى نفسك بالراحة، قالها وعينيهِ على تفاصيلِ وجهها..
ارتشفت بعضَ المياه، ثمَّ همست من بين شهقاتها:
-بتعمل إيه هنا..نهضَ من مكانهِ وحملها بين ذراعيه، وضعها بهدوءٍ على الأريكة، ثمَّ دثَّرها بغطاءٍ خفيف، وأمالَ بجسده:
-إيه اللي جابك هنا، عانقت عينيهِ تهمسُ ببكاء:
-جاية أدوَّر على جوزي، وأقولُّه وحشتني، أعرَّفه ماليش دعوة..
جلسَ بجوارها وحرَّرَ خصلاتها من الحجاب:
-اتكلِّمنا في الموضوع دا ياميرال، ممكن مش تفتحيه تاني..
أغمضت عينيها عندما شعرت بوهن، وهمست مبتعدةً عنه بنظراتها:
-عايزة أنام ويارب ماأقوم تاني..قالتها وهي تتمدَّدُ تحتضنُ نفسها، تمدَّدَ بجوارِها حينما وجدَ حالتها ليست على مايُرام، رفعَ رأسها إلى صدرهِ وبدأ يمسِّدُ على خصلاتها:
-ماتنميش وإنتِ معيطة لو سمحتي، عايزك تسمعيني كويس وبعد كدا اختاري براحتك، أنا مستحيل أغضب ربِّنا مهما كان، بس أنا عاجز ياميرال وخايف من بكرة، إحنا دلوقتي مش زي الأوَّل، إنتِ شخص تاني وأنا كمان، رغم القرابة اللي جمعتنا، بس القرابة دي هتكون نار بينا، رفعَ وجهها وسبحَ بملامحها التي شحبَ لونها، مرَّرَ أناملهِ على وجهها يزيلُ عبراتها بإبهامه:
-لو حد قالي إيه اللي ممكن تتخيَّله أنُّه مايحصلش، عمري ماكنت أتوقع صلة القرابة اللي بينا، ولا عمري كنت أحلم حتى لو بكابوس إنِّي أكون غير الشخص اللي حياتي كلَّها عليه..
مالَ بجسدهِ يستندُ بجبهتهِ فوق جبهتها وسحبَ رائحةَ أنفاسها، مطبقَ الجفنينِ يهمسُ بنبرةٍ ممزوجةٍ بالعشق:
-أنا بختار بين حياتي وبين موتي ياميرال، لأنِّي اكتشفت انك حد مهم بالنسبالي، بس دا قدرنا، لازم ننفصل مفيش قرار غير دا..
شهقةٌ تمنَّت أن يأخذَ اللهُ بها أنفاسها:
-بتموِّتني ياإلياس، إنتَ بتدبحني بإيدك..
رفعها حتى أصبحت بأحضانهِ يدفنُ رأسهِ بحناياها:
-وأنا بموت قبلك لو سمحتي بلاش تصعَّبيها، مش هنقدر نكمل حياتنا مع بعض، أنا عرفت حاجات صعب تتحمِّليها ياميرال..رفعَ رأسهِ يطالعها بعيونٍ فاضت من الألم:
-كلِّ ماأبصّ في وشِّك هفتكر أبوكي اللي فرَّقنا، عارف أنُّه مالكيش ذنب، وضعَ كفِّهِ على أحشائها يمرِّرها:
-ابني هيكون جدُّه اللي خطف أبوه، جدُّه اللي عذِّب جدِّته ويتِّم ولادها، رفعَ كفَّيهِ يضمُّ جانبَ وجهها ودمعةٌ غادرةٌ انسابت على وجنتيهِ تحرقه:
-أبوكي كان بيغت…صب فريدة ياميرال،
شهقةٌ خرجت منها بصوتٍ مرتفعٍ تهزُّ رأسها بعنفٍ وعبراتها تتدحرجُ بغزارةٍ كالمطرِ تهتفُ بتقطُّع:
-لا لا..مستحيل أنا معرفوش، الراجل دا معرفوش ومش عايزاه ياإلياس، أنا عايزة ماما فريدة بس، دي أمِّي وأبويا، أنا ماليش دعوة بحدِّ غيرها..
قالتها ببكاءٍ مرتفع، ممَّا جعلهُ يضمُّها لأحضانهِ يربتُ على ظهرها:
-عندي الأصعب والأوجع، أنا جوايا نار ياميرال، ومش عايزاها تطولك، علشان أنا حبِّيتك، حبِّيتك أوي، وكنت أسعد راجل علشان هيبقى عندنا أطفال، بس حياتي اتهدِّت كلَّها، ماليش وجود ولا هوية، أنا مش أنا ولا إنتِ بقيتي بنتِ الستِّ اللي هيَّ في الأصلِ أمي، اللي طول الوقت كنت مفكَّرها أكبر عدوة..
خرجت من أحضانهِ تضمُّ وجههِ وأردفت:
-تعالَ نسافر أيِّ مكان ياإلياس، وننسى اللي حصل، نستقر برَّة مصر، ونربِّي ابننا وناخد ماما فريدة معانا، أنا مش عايزة حاجة غيركم أنتوا الاتنين.
-ميرال لازم تفهمي..وضعت كفَّها على فمهِ..تهزُّ رأسها قائلة:
-مش عايزة أسمع حاجة، إنتَ اللي لازم تسمعني وبعدِ كلامي دا مفيش كلام تاني، الراجل دا مفيش حاجة تُربطني بيه ولا أعرفه، معرفشِ غير بيت عمُّو مصطفى اللي هوَّ أبوك ماليش أهل غيركوا، إنتَ جوزي وأبو ابني وبس، الباقي ميهمِّنيش حتى لو هوَّ جه وقالي إنتي بنتي أنا مش معترفة بيه، أنا ماليش أب، أبويا مات غرقان في البحر ياإلياس واسمي ميرال جمال الدين وأمِّي اسمها فريدة، وجوزي إلياس السيوفي، غير كدا محدِّش له حاجة عندي.
تجاهلَ صراخَ قلبهِ بسحقها بين ضلوعهِ وارتوائها من العشقِ مايشعر، وتابعَ حديثه:
-يعني مش هتيجي في يوم تلوميني عملت في بابا كدا ليه، مش هتيجي وتقولي أنا مستحيل أفضل مع راجل بيعذِّب أبويا..
دنت منهُ ووضعت خاصَّتها تحتضنُ خاصَّتهِ حتى يصمتَ عن الحديث، كيف يخيِّرها بين الحياةِ والموت، تولَّى قبلتها بخبرتهِ علَّهُ يخرُجا ممَّا عليهِ هما الاثنين، دقائقَ ولم يشعر بما حولهما، يرتوي من لذَّةِ عشقها، بعد فترةٍ كان يضمُّها لأحضانه:
-متجيش في وقت توقفي قدامي ياميرال وتعاتبيني، بعد موافقتك مستحيل اغير كنيتك، أما لو انت عايزة الإنفصال
اعتدلت تستند على صدره
-إلياس بلاش تخيرني بين الموت والحياة لو سمحت، انا حياتي كلها كانت هنا، ومش ناوية أتنازل عن ميرال السيوفي، ومهما حصل ولو حاولت تعمل علشان تضايقني انسى مش هديلك فرصة لدا، إلا إذا انت كرهتني ومش عايزني في حياتك
ابتسامةٌ من بين أحزانهِ يمسِّدُ على وجهها، ثمَّ انحنى يهمسُ بجوارِ أذنها بعض الكلماتِ لتلكمهُ بصدره، حتى أفلتَ ضحكةً رجوليةً ورغم أنَّها ضحكةٌ ولكنَّها باهتةٌ لم يشعر بها، أشارت إلى حجابها:
-ياله بقى علشان نرجع بيتنا، بدل ماأتعصَّب وأعمل مجنونة زي زمان..
رفعَ حاجبهِ ساخرًا وتهكَّمَ قائلًا:
-تعملي مجنونة، يعني إنتِ مش مجنونة، استندت على ركبتيها تطالعهُ بعيونٍ هائمةٍ تخصُّهُ وحده:
-أنا مجنونة بيك وإنتَ عارف دا كويس..
بسطَ يديهِ يجذبها لتصبحَ بأحضانه:
-متأكِّدة من قرارك ياميرال، هتقدري تواجهي راجح، ولَّا..وضعت أناملها فوقَ شفتيهِ تنظرُ لعينيه:
-أنا منكرشِ إنِّي اتأثرت أوي، وأكيد إنتَ حاسس باللي أنا حسَّاه، بس مش معنى كدا أنا عايزاه في حياتي ياإلياس، ماما فريدة حكت لي كلِّ حاجة، منكرشِ اضَّيقت منها في الأوِّل إنَّها عملت كدا، بس لمَّا قعدت مع نفسي قولت دا قدري، كفاية إنَّها حافظت عليَّا، يعني لو كنت معاهم ممكن حياتي تكون مختلفة عن كدا..
سحبت نفسًا وابتعدت عنه:
-أنا تايهة أوي ياإلياس، أوي، بس اللي متأكِّدة منُّه، مش هقدر أعيش بعيد عن ماما فريدة، وأخواتك، إزاي يعدِّي يوم من غير مااتجنِّن مع غادة وأشاكس إسلام..
صمتَت وطالعتهُ قائلة:
-إزاي هقدر أبعد عنَّك بعد الحبِّ اللي بينا..احتوى كفَّيها بين يديه، ثمَّ رفعهما يقبِّلهما:
-حاسس باللي إنتِ بتقوليه، وعاذرك أكيد، علشان كدا بقولك فكَّري كويس، إنتِ قبل ماتكوني مراتي، انت جزء من العيلة اللي اتربِّينا وكبرنا فيها..
أومأت وحاولت تغييرَ الحديث قائلة:
-طيب مش هتقوم نرجع ولَّا بيت الزفتة دي عاجبك، وبعدين تعالَ هنا، ليه جاي هنا، إنتَ مش كنت في البيت التاني، ولَّا تنطيط الستِّ رؤى عجبك..
نهضَ من مكانهِ يشيرُ إلى حجابها:
-اظبطي حجابك علشان حدِّ من الشباب يوصَّلك.
هبَّت من مكانها تصرخُ بوجهه:
-إنتَ إيه ياأخي أنا جيت لك وبقولك نرجع بيتنا، وبرضو حضرتك مصرّ تحرق دمِّي..
رمقها غاضبًا، وأشارَ بسبَّباته:
-اتجنِّنتي، صوتك عالي ليه، وأنا قولت عندي شغل لمَّا أخلَّصه هرجع، مش مُنتظر مراتي تقولي أعمل إيه..
دفعتهُ بغضبٍ ووضعت حجابها بعشوائيةٍ تبحثُ عن هاتفها وهي تلقيهِ ببعضِ الكلماتِ القاسية..
بالخارجِ قبل قليل،
بعد دخولِ ميرال، وإغلاقها البابَ خلفها، أمسكت رؤى هاتفها:
-عمُّو مصطفى الحقني ميرال عرفت إنِّ إلياس عندي، ودخلت وقفلت الباب أنا خايفة يعمِل فيها حاجة..
نهضَ من مكانهِ يشيرُ إلى أحدِ الضباط:
-ابعت دا للواء نشأت يابني، ثمَّ جمعَ أشيائهِ واتَّجهَ إلى سيارته:
-تمام يارؤى نصِّ ساعة وأكون عندك، أنا في ستة أكتوبر، قدَّامي شوية، بس متخافيش هوَّ مش هيئذيها، هوَّ عايز ياخد قرار في حياته، بلاش نضغط عليهم، شوية وأكون عندك.
فتحت ميرال البابَ وجدت مصطفى أمامها:
-عمُّو مصطفى فيه حاجة..بسطَ كفَّيهِ إليها:
-تعالي حبيبة عمُّو بتعملي إيه هنا، رفعت عينيها إلى رؤى وأجابته:
-كنت عند جوزي ولَّا مش من حقِّي، ذهبَ ببصرهِ للداخلِ متسائلًا:
-إلياس جوا؟..خطت متَّجهةً إلى السيارة:
-هيكون فين، الأستاذ عاجبه القعدة هنا.
دلفَ للداخلِ بعدما أشارَ للحرس:
-ورا المدام ، قابله إلياس على بابِ المنزل:
-بابا فيه حاجة؟!..
دفعهُ لداخلِ الغرفة،توقَّفَ يضعُ كفوفهِ بخصره:
-فيه إنِّي كنت مربِّي عيِّل كلِّ شوية أدوَّر عليه، أنا مبقتشِ هتكلِّم تاني، اللي مصبَّرني عليك إنَّك نزلت شغلك، استدارَ للمغادرة، ولكنَّهُ توقَّفَ مستديرًا:
-اسمع أنا مش هطبطب عليك، علشان لو طبطبت يبقى كنت بربِّي بنت، سواء رضيت ولَّا لأ ياله إنتَ إلياس ابنِ مصطفى السيوفي، أنا مكنتش خاطفك، إنتَ القدر كان رحيم بيك، وبدل ماتحمد ربِّنا وتشكره ياللي بتصلِّي ومؤمن بالقضاء والقدر، احمده إنَّك مطلعتش ابنِ شوارع أو بلطجي، أنا لقيتك على باب ملجأ غادة، يعني مش حرامية، هتفوق وتصلب نفسك يابنِ مصطفى ولَّا تمشي وتثبت للناس إنِّ مصطفى السيوفي قذر وحرامي وخطفك من أمَّك و أبوك زي مالزبالة فهِّمك..اقتربَ يغرزُ عينيهِ بعيني إلياس:
-اسمعني كويس علشان وربِّ المشارق ياإلياس يابنِ السيوفي، وحُطّ تحتِ السيوفي دي مليون كلمة، لو مافوقتش من التوهان اللي إنتَ فيه دا، لآخد أمَّك وأغادر البلد ومش هتعرف مكانَّا، لأنِّي تعبت من عنادك، أنا مكنتش أعرف إنَّك ابنِ فريدة غير بعد كتب كتابك من ميرال، يعني مكنتش عارف أهلك، ولا فريدة كانت تعرف يابنِ مصطفى وخلِّيك كدا لحدِّ ما تروح تدفنها..لكمهُ بصدرهِ صارخًا به:
-فوق ياله دول عايزين ينتقموا من أمَّك عن طريقك ياغبي، واللي متعرفوش أنا زمان دمَّرت راجح من قبلِ ماأعرف إنَّك ابنِ فريدة، خرَّجته بفضيحة من وظيفته، ومش بس كدا خلِّيته على الحديدة، وكلِّ أملاك أبوك حتى بيته أنا اشتريته وأجَّرته للناس هناك، علشان قهرة أمَّك وهيَّ كلِّ يوم تخترف باسمِ ولادها، أمَّك كانت بتقوم تتفزِع من النوم على اللي كان بيعمله فيها،
سنة وإحنا عايشين مع بعض زي الأخوات وأكيد فاهم كلامي ياحضرةِ الظابط، كانت بتترعب منِّي كلِّ ماأقرَّبلها، وتصرخ من عمايل الحيوان فيها، إيه أكمِّل ولَّا كفاية كدا..
تفوق وتدوَّر على أخوك ولَّا تهرب علشان هوَّ يعرف يلعب..
حاوطَ ذراعيهِ يضغطُ بقوَّةٍ عليهما، وهتفَ من بينِ أسنانه:
-إلياس مصطفى السيوفي، طول ماإنتَ كدا محدِّش هيقدر يكسرَك، أمَّا هتَّاطي للموج هيغرَّقك يابنِ مصطفى..
تنهَّدَ بمرارةٍ وأردفَ بنبرةٍ منكسرة:
-بحاول أتماسك صدَّقني، بحاول بس صعب، بحاول واللهِ يابابا علشان مراتي وابني، اقتربَ منهُ وبعينينِ تجمَّعت بها غيومَ الدموع:
-أنا طلبت من مراتي تنزِّل ابني يابابا، شوفت أنا عملت إيه…
لكمة قويةٌ من مصطفى بصدره يطالعهُ بذهول:
-فين إيمانك يالا، مستحيل تكون الشخص اللي ربيته وعملت منُّه راجل يسندني وقتِ ماأقع، دفعهُ بقوةٍ مرة
حتى تراجعَ بجسدهِ للخلف:
-فين قوِّة إيمانك، فين الرجولة اللي فيك على حمايتك لإخواتك وأمَّك لو أنا مت، تطلب من مراتك تنزِّل روح، علشان إيه، قولِّي علشان إيه..
-عارف غلطت بس مكنشِ قصدي أغضب ربِّنا، ولا عمري فكَّرت في كدا، حُطّ نفسك مكاني، بس هو جده
ضربَ مصطفى على صدره:
-أنا جدُّه، ومفيش حدِّ تاني، وزي ماربِّيت أبوه هربِّيه لو ليَّا في العمرِ بقية ياحضرةِ الظابط، اقتربَ منهُ وأمسكهُ من تلابيبه:
-ميرال مش بنتِ راجح ولا عمره هيوصلَّها، فريدة ومصطفى اللي ربُّوا ميرال، والبنتِ قالتها أنا بنتكم أنتوا، ومراتك، عايز أكتر من كدا إيه…
-بابا لو سمحت..قالها متراجعًا للخلف..
ابتعدَ مصطفى وصدرهِ يعلو ويهبط من كثرةِ الانفعالِ مردِّدًا:
-إنتَ قولتها ياحضرة الظابط، بابا، يعني هفضل أبوك حتى لو عقلك مش مُعترف بدا، أنا حاولت بكلِّ الطرق متعرفشِ حاجة، ورغم إصرار فريدة رفضت، علشان ماتوقفشِ قدامي كدا وأشوف لمحةِ الإنكار في عيونك..
-إنكار!!..أنا بنكر حضرتك!..
استدارَ مصطفى وخطا إلى أن وصلَ إلى بابِ الغرفةِ وتوقَّفَ عليه:
-أنا مبقتشِ هغصب عليك إنتَ كبير وواعي ومش محتاج لحدِّ يعرَّفك الصح من الغلط، استدارَ برأسهِ وتابعَ حديثه:
-فريدة مالهاش ذنب يابني، حاول تعاملها على إنَّها أمَّك مش مرات أبوك زي زمان..قالها مصطفى وغادرَ المنزل بأكمله..جلسَ على المقعدِ بعد خروجِ والدهِ وشريطَ ذكرياتهِ منذ الطفولةِ إلى أن عرفَ حقيقةِ نسبه، تراجعَ على المقعدِ وأغلقَ عينيهِ وكلماتها تتردَّدُ بأذنه، معاملتهِ القاسيةِ لها، كلَّ أفعالهِ بها جعلَ صدرهِ كتلةً ناريةً كادت أن تنفجر، دلفت رؤى تطالعهُ بصمتٍ لدقائق، ثمَّ اقتربت منه:
-إلياس..
اعتدلَ ينظرُ اليها للحظاتٍ ثمَّ نهضَ من مكانهِ واتَّجهَ إلى الغرفةِ التي اتَّخذها مسكنًا، رفعَ هاتفه:
-شريف فيه جديد في موضوع المهندس؟..
-لسة بندوَّر وراه ياباشا، الناس كلَّها بتشكر في أخلاقه..
بعد عدة أيام
عند راجح:
أنهت زينتها وتوقَّفت تنظرُ لنفسها بالمرآة، أوقفها راجح متسائلًا:
-رايحة فين بالشياكة دي؟..
حملت حقيبتها واقتربت منهُ تطبعُ قبلةً على وجنتهِ تهمسُ له بجوارِ أذنه..
رايحة لفريدة، لازم أباركلها برجوع ولادها، أفلتت ضحكةً شيطانية:
-ضربة معلِّم يارجحوتي، الولد صدَّقك وكره أمُّه، ودلوقتي عند عشقيته، وبكدا نعرف نكرَّه البتِّ فيهم ونجذبها بنفسِ الطريقة اللي خلِّينا الولد ينفر منهم، نفسي أشوف فريدة وأفرح فيها زي ماجت هنا وفرحت فينا..
شيَّعها بنظرةٍ خبيثة، وهتفَ بفظاظته:
-سلِّميلي عليها يارانيا، وسلِّميلي على حبيبة أبوها، وقولي لها أبوكي جايلك قريب..ارتفعت جفونهِ وتابعَ حديثهِ بغلّ:
-أمَّا بقى حبيب أمُّه اللي وقف وعمل راجل عليَّا، بكرة أجيبه زاحف على رجله، هخلِّيه يبوس رجلي كمان..
سحبت نفسًا قويًّا، ثمَّ أخرجتهُ قائلة:
-أنا عايزة بنتي وبس، وإنتَ وابنِ أخوك أحرار، توقَّفت مستديرة:
-اعرفلنا بس الولد التاني فين، كانت بتقول ظابط مخابرات، دا هيكون صعب توصلُّه خلِّي بالك..
بمنزلِ أرسلان:
أنهت زينتها تنظرُ بساعةِ يدها، توقَّفت متأفِّفة، لقد تأخَّرَ الوقتُ كثيرًا ولم يعد إلى الآن، أمسكت هاتفها لتحاكيه، ولكنَّها فشلت بسببِ تلك الرسالةِ الغبية..
اتَّجهت إلى المطبخِ كي تُلهي نفسها بإعدادِ المائدة، دقائقَ واستمعت إلى فتحِ الباب، هرولت إلى أحضانه:
-أرسلان، واللهِ زعلانة منَّك، دا كلُّه غياب، رفعها إلى مستواه، يستنشقُ رائحتها بهيام:
-وحشتيني ياروحي، قالها وهو ينظرُ إلى ملامحها الجميلةِ باشتياق، تحرَّكَ بها إلى الأريكةِ ليجلسها بأحضانه:
-وحشتيني كنتي بتعملي إيه،
لاتريدُ شيئًا سوى أن تطمئنَّ أنَّها بين ذراعيه..
خبَّأت آهاتها المؤلمة، وظلَّت بأحضانهِ دون حديثٍ حتى شعر بأنَّها أصابها شيئًا..تأجَّجَ صدرهِ من صمتها، ليُخرجَ رأسها يحتوي وجهها:
-غرام إيه اللي حصل؟..خرجَ صوتها بأنينٍ ودَّت لو أطلقت العنانَ لدموعها أمامهِ، كي تُخرجَ وجعها المكبوتِ بداخلها..
-مفيش ياأرسلان، بتوحشني بس..
هوى قلبهِ بين قدميهِ من حالتها، وتسرَّبَ بداخلهِ شعورٍ قاسٍ بأنَّهُ أصابها مكروهٌ بغيابه..
-معقول دا من غيابي عنِّك كام يوم ولَّا فيه حد أذاكي؟..
تآذر الوجعُ لتشعرَ بأنَّهُ ثقيلٌ مثل ثقلِ الجبل، ورفعت عينيها الغائمةِ بالدموع:
-هوَّ فيه أوجع من إنِّي أكون محتاجة لحضنَك لأحس بالأمان ياأرسلان..
حروفٌ بسيطةٌ خرجت من بين شفتيها، ولكن توحي بكمِّ الألمِ الساكنِ بثنايا روحها، ممَّا شعرَ وكأنَّ كلماتها وقودًا حارقةً تلهبُ قلبه، رغم محاولتها إخفاءَ حزنها، شدَّدَ من عناقها حتى كادَ أن يذيبَ ضلوعها، مطبقَ الجفنينِ يستنشقُ أكبرَ قدرٍ من رائحتها ليجعلَ رئتيهِ مكتظَّةً بعبقها، أخرجها من أحضانهِ وأقبلَ على ثغرِها ينثرُ ترانيمَ عشقه، لم يكتفِ بذلك، ليحملها ويتَّجها بها إلى غرفتهما، ومازالت هناك علاقةٌ منفردةٌ تخصُّ ثغرها الذي جعلهُ أيقونة حياته..
بعد فترةٍ غطَّت بنومٍ عميقٍ وكأنَّها لم تنم منذ شهور، نهضَ بهدوء، يجذبُ هاتفه، ثمَّ اتَّجهَ للخارج:
-أيوة ياعمُّو، عامل إيه، أنا وصلت الحمدُ لله، وبعتِّلك الداتا، يبقى احفظ كلِّ اللي عليها..
أجابهُ على الجانبِ الآخر:
-مال صوتك حبيبي..أرجعَ خصلاتهِ للخلفِ وزفرةً قويةً أخرجها من أعماقهِ الحزينةِ قائلًا:
-مفيش، لمَّا تشوف اللي على الداتا هتفهم، المهمّ لازم نكون مصحصحين الفترة الجاية، ياريت يبقى فيه علم بكلِّ كبيرة وصغيرة بتدخل البلد، متنساش الدولة مش مستقرِّة، وكلِّ من هبَّ ودبَّ عايز يثبت نفسه للشعب..
-عُلم ياحضرةِ الظابط، اسمعني فيه خبر لازم تعرفه..
استمعَ إليه باهتمامٍ إلى أن تحدَّثَ إسحاق:
-أنا استقلت من الشرطة، خلاص مبقاش ينفع شغلي هناك، أكيد فاهم قصدي..
-تمام..أنا هنام دلوقتي وبالليل هخرج أتعشَّى برَّة مع مراتي، بلاش شغل حراسة الجيش دا، انا بتخنق.. قاطعه اسحاق:
-لازم أطمِّن عليك، ومش عايز دوشة، ياله روح ارتاح ونتكلِّم بكرة، سهرة سعيدة، سلِّملي على غرام..
عند يزن:
وضعت إيمان الطعامَ على الطاولة، ثمَّ اتَّجهت إلى أخيها، طرقت البابَ ودلفت للداخل:
-حبيبي العشا جاهز، قوم علشان نتعشى، هروح أصحي راحيل..
اعتدلَ يمسحُ على وجهه، ثمَّ جذبَ ساعتهِ ينظرُ بها:
-لسة بدري على العشا، ليه بدري كدا؟..
استدارت قائلة:
-راحيل مااتغدِتش، معرفشِ أكلنا مش عاجبها ولَّا إيه، خليت معاذ يجيب شوية فواكه من عمُّو غالي وشوية جبن منزوعة الدسم، شكلها مابتكلشِ الزيوت دي..
نهضَ من مكانهِ متَّجهًا إلى حمامه:
-يبقى شوفيها بتحبِّ إيه وعرَّفيني أجيبه لها..
-لا بجد!! قالتها باعتراضٍ ثمَّ اقتربت منه:
-دي مراتك يايزن، يعني إنتَ أولى إنَّك تسألها ليه تدخَّلني في حواراتكم..
رمقها بنظرةٍ ثابتة، ثمَّ التوى ثغرهِ بابتسامةٍ عابثة:
-لا والله، على أساس إنِّك مش عارفة طبيعة جوازنا، عيب يامنمن، هزعل منِّك وأستغباكي..
نفخت بضجرٍ واستدارت مغادرةً الغرفة، تهمهمُ بكلماتٍ غيرُ مفهومة، خرجت متَّجهةً إلى غرفتها التي تشاركها مع راحيل، بسطت كفَّها لتفتحها، ولكن قابلتها راحيل على بابِ الغرفة:
-كنت لسة داخلة أصحِّيكي..ابتسمت لها تضعُ كفَّها على بطنها:
-أنا فعلًا كنت جعانة أوي، كنت هسألك طابخة إيه بس مكسوفة..
قهقهت إيمان تجذبها من يديها واتَّجهت إلى المائدةِ تشيرُ على أنواعِ الطعام..
-بصِّي ياستي، دا رز معمَّر بالسمنِ البلدي، واللي جنبه دي بطاية، ودي سلطة، ودي طحينة، ودا لسان عصفور..
أمَّا بقى اللي في الجنبِ دا، جبن منزوعةِ الدسم وعملت لك سلطة كمان، وشوية خُضار بدون سمن وزيوت، ولحمه مشوية، عارفة إنِّك بتحبِّي الأكل الصحِّي..
اتَّجهت تجذبُ المقعدَ وجلست تنظرُ إلى البطةِ مبتسمةً كالطفلة:
-بطة يعني إيه، قصدك فرخة..قهقهت تضربُ كفَّيها ببعضهما بخروجِ يزن، أشارت إليه:
-تعالَ شوف مراتك بتقول إيه، بتقول يعني ايه بط..
ردَّدَ بينهِ وبين نفسه:
-مراتي، وكأنَّهُ نسيَ ما تعنيهِ الكلمة، خطا إليهما وعيناهُ تحاصرُ جلوسها، نقيةٌ مثلَ المياه، لامعةٌ مثل الذهب، بريئةٌ مثل الطفلة، تقابلت نظراتهما للحظاتٍ ممَّا تورَّدت وجنتيها تسحبُ عينيها عن ملتقى عينيه، انسدلت خصلاتها الناعمةِ حول وجهها، لتغطِّى عينيها الساحرة، حمحمَ وجلسَ على رأسِ الطاولةِ الصغيرة، ورغم صغرها إلَّا أنَّها تشعرهُ بأنَّهُ ملكٌ لتلك العائلة، بحثَ بعينيهِ عن أخيهِ الأصغر ثمَّ تساءل:
-فين معاذ، مش هياكل؟..
سحبت إيمان المقعدَ قائلة:
-جه من الدرسِ ونام، جسمه كان سُخن، إديتله خافض وغطِّيته ونام..
هبَّ فزعًا من مكانه:
-اتجنِّنتي إزاي مش تعرَّفيني، قالها وتحرَّكَ سريعًا إلى غرفته، دفعَ البابَ ودلفَ إليه ينظرُ إلى نومهِ الهادئ، يتلمَّسُ وجههِ كالأبِ الذي يفحصُ طفله..وصلت إليه تربتُ على ظهره:
-دور برد عادي ياحبيبي متخافش، هوَّ أصلًا كان مرهَق، صحي بدري وراجعنا مع بعض قبلِ الامتحان، وطبيعي أنُّه عايز ينام..
استدارَ إليها يطالُعها بعتاب، ويشعرُ بتأنيبِ الضميرِ قائلًا:
-يعني كان عنده امتحان ومتعرَّفنيش ياإيمان، للدرجة دي مابقاش ليَّا أهمية..
احتضنتهُ تهزُّ رأسها بالنفي:
-أبدًا ياحبيبي والله، أنا شوفتك مشغول محبتشِ أضغط عليك، وبعدين هوَّ كان عنده إنجليزي وهوَّ شاطر فيه ماشاءالله متعبنيش..
احتوى وجهها بين راحتيه:
-بعد كدا إياكي تفصليني عن حياتكم، حتى لو كان فوق دماغي همومُ الدنيا.. أنتوا عندي أهمِّ من أيِّ حاجة..
كانت تقفُ على بابِ الغرفة، انسابت دموعها من مشهدهما، تمنَّت لو لها أخًا لحماها من غدرِ الزمن، آه وألفِ آه عن بنتٍ بدونِ سند، فالأخ السند هو القوة..
فإذا سألوكَ عن النقاءِ قل هو قلب أخت، واذا سألوكَ عن الأمانِ قل هو عطفُ أخ.
وكما قال أحدُ الشعراء:
أخاك أخاك إنَّ من لا أخًا له كساعٍ إلى الهيجا بغيرِ سلاح..
ماأجملَ الأخوَّة التي تُبنى على المحبةِ والسلامِ وطيبةِ النفسِ ونقاءِ القلب،
تراجعت إلى الطاولةِ تزيلُ دموعها، لمحَ تحرَّكها فجذبَ كفَّ أختهِ وتحرَّكَ للخارج، وجدها جالسةً تنظرُ بشرودٍ بنقطةٍ وهمية، حمحمَ قائلًا:
-بقى مش عارفة البط، كدا تضحَّكي إيمان علينا، رسمت ابتسامةً تنظرُ إليهِ ثمَّ أردفت:
-معرفشِ واللهِ يايزن أوَّل مرَّة أشوفه هوَّ البتاع دا..
ارتفعَ صوتُ ضحكاتهِ الرجوليةِ يشيرُ إلى الأرز قائلًا:
-اسمه البتاع دا، جذبَ الصحنَ وسكبَ لها بعضهِ يشيرُ إليها:
-طيِّب ممكن تدوقي البتاع دا، ومتخافيش همشِّيكي كتير يعني مش هتتخني.
نظرت إلى الملعقةِ التي يرفعها أمامَ عينيها لتأخذها من يديه، ثمَّ إلى الطعام، أشارت إيمان إليها:
-ياله ياحبيبتي دوقي حاجة بسيطة، الأكل اللي بتاكليه دا مالوش فايدة..
أمسكَ البطَّةَ وقامَ بتقطيعها، كانت تراقبُ تحرُّكاتهِ مبتسمةً وهي تهزُّ رأسها كالطفلة:
-أوعى تقولي هتاكلي منها دا كلُّه..
-أششش، اسكتي إنت، لازم نزغَّطوكي مثل البطَّة دي، ضحكت تضعُ كفَّها على فمها قائلة:
-إيه نزغَّطوكي، يعني إيه، لم يستطع التوقُّفَ عن الضحكِ حتى تضجرَّ وجههِ بالدموية، ينظرُ لأخته:
-عارفة بتفكَّريني بمسرحيةِ المتزوجون، بس أنا مش أهبل علشان أجبلها فرخة تطبخها، ممعيش فلوس الفرخة اللي هتبوظ..
ارتفعت ضحكاتهما إلى أن قاطعهم طرقاتٌ على بابِ المنزل، اتَّجهت إيمان لفتحه، وجدت مها تقفُ أمامها بدموعِ عينيها:
-يزن اتجوِّز ياإيمان، يعني كان بيتلاعب بيَّا..
بمنزلِ الرفاعي وخاصةً بغرفته، جالسًا على جهازهِ يشاهدُ بعض الفيديوهات التي تخصُّ عمله، استمعَ إلى طرقاتِ الباب، دلفَ والدهِ بفنجانِ قهوته، نهضَ من مكانه:
-بابا حضرتك اللي جايب القهوة بنفسك، وضعها أمامهِ وأشارَ إليهِ بالجلوس:
-اقعد ياحبيبي، فيه موضوع مهمّ عايز أتكلِّم معاك فيه..
تابعهُ بنظراتهِ منتظرًا حديثه، سحبَ نفسًا وأخرجهُ يشعرُ باختناقه:
كلَّمت أخوك ومراته وابنِ عمِّتك النهاردة، ابنِ عمِّتك قال قدامه كام شهر كمان لمَّا يخلص، وأخوك قالي بيخلَّص شوية شُغل واحتمال ينزل على آخرِ الأسبوع..
عقدَ مابين حاجبيهِ متسائلًا:
-مش فاهم حضرتك، ماينزلوا وقتِ ماظروفهم تسمح..
رفع عينيهِ إليه قائلًا:
-متعرفشِ إنِّ إيلين بعتت لأخوها وأختها علشان تسافرلهم، وأنا خلِّيت أخوك ينزل علشان يقطعلها السفر..
نهضَ من مكانهِ وولى والدهِ ظهرهِ متَّجهًا إلى شرفةِ غرفته، فتحها وعينيهِ شاردة، قاطعهُ والده:
-إزاي مش قادر تاخد مراتك في حُضنك وتخلِّيها تتمسِّك بيك يابنِ زين، للدرجة دي البنتِ كارهاك ومش طايقة قُربك، طيب لو مش..استدارَ مقاطعًا والده:
-بابا لو سمحت خلِّيك عند كلمتك، حضرتك قولت مش هتتدَّخل بينا، توقَّفَ واتَّجهَ إليه:
-كنت قولت كدا على أساس اعتمدت على راجل، بس دلوقتي البنت هضِّيع منَّا، استمعوا إلى صوتٍ بالخارج، تحرَّكَ زين بعدما علمَ مصدرَ الصوت، توقَّفَ ينظرُ إليها:
-خير ياسهام، دفعت الخادمة من أمامها، واقتربت من زين وعينيها على آدم:
-عايزة بنتنا ياباشمهندس، إيه ينفع البنت تفضل في بيت طلقيها ولَّا كنتوا مفكَّرين إنِّنا مش هنعرف أنُّكم مقدرتوش عليها، تطلَّعت على آدم وتبسَّمت متهكِّمة:
-إيه يادكتور، صدَّقتني لمَّا قولتلك إنَّك مش قدَّها، أهو البنت طلعت..بترَ حديثها صائحًا بنبرةٍ غاضبة:
-متنسيش نفسك يامدام سهام، إنتِ بتتكلِّمي على مراتِ آدم الرفاعي..
جلست تضعُ ساقًا فوق الأخرى وتابعت حديثها ساخرة:
-بالرَّاحة يادكتور، مراتك منين، أبوها جاي بكرة من السفر وقالي أنزل ألقيها في بيت أبوها، ماهو لازم يربِّيها، البنت محدش قادرها، ثارت جيوشُ غضبهِ وتوهَّجت عيناهُ مقتربًا منها ممَّا جعلها تتراجعُ بجسدها، أوقفهُ زين مقتربًا منها:
-أنا اتحمِّلتك كتير ياسهام، تدخلي البيت وتهيني مرات ابني دا مش مسموح لك أبدًا، لو قصدك على موضوع الطلاق، فدا مالكيش دخل فيه، بنتِ أختي في بيت خالها، هبَّت من مكانها وأردفت بنبرةٍ قاسية:
-يعني البنت اطلَّقت فعلًا يازين، ابنك طلَّق البنت حتى قبل ماتكمِّل سنة، ليه إذا كانت معيوبة..لطمةٌ قويةٌ فوق وجهها ثمَّ جذبها من خصلاتها:
-اتحمِّلتك مافيه الكفاية، واللي كان مصبَّرني إيلين، إنما تيجي وتهينيها في بيتها دا أدفنك ياسهام، فوقي وشوفي اللي بتكلِّميه مين، ومش معنى سكت زمان هسكُت دلوقتي، بنات أختي تحت إيدي دلوقتي يعني إنتِ وجوزك على الشوز بتاعي، وياله برة، وإياكي تقرَّبي من البيت دا تاني..قاطعهم دلوفُ الخادمة تنظرُ بارتباكٍ لآدم ثمَّ إلى زين مع وقوفِ إحداهنَّ بجوارها:
-مرحبا كيفكم، نظرت إلى آدم ثمَّ اقتربت من وقوفه:
-ايه يادكتور نسيتني ولَّا إيه، رحت لك الجامعة وسألت عليك هناك قالولي إنَّك إجازة، وحدِّ وصَّلني لعندك، استدارت سهام تطالعها بغموضٍ لتقتربَ منها:
-إنتِ مين؟..ابتسمت تنظرُ لآدم بوصولِ إلين لتجيبها بابتسامة:
-أنا حنين مرات آدم…هزة عنيفة أصابت جسدها، ناهيك عن شعورها بالدوران وهي تنظر لتلك الفتاة التي تعتبر أيقونة من الجمال الاوربي بعينها الزرقاء وخصلاتها الصفراء، ترتدي تنورة قصيرة باللون الاسود تصل لفوق الركبة، وكنزة بيضاء من الستان الابيض الناعم يعكس جمالها، ولا يخلو وجهها من اللمسات التجميلية الناعمة، لتصبح انثى متفجرة، يقف أمامها أعتى الرجال يوقرون بجمالها ورغم لمساتها التجميلية الا جمالها الرباني ملفت لمحط الانظار، دارت الأرض بأيلين بعدما استمعت إلى صوت سهام
-كدا عرفت ليه طلقت ايلين عندك حق حد يشوف الحور ويسيبه ويروح للماشطة ..نظرت إلى ايلين بعيون شامتة
-ليك حق يادكتور تغيب بالسنين، لم تشعر سوى بالألم الذي افتك احشائها لتطلق انين بخروج سائل دافئ من بين ساقيها
فيلَّا السيوفي:
خرجت إلى سيارتها، توقَّفَ أحدُ الحرسِ أمامها:
-مدام ميرال لو سمحتِ بلاش تئذينا في شغلنا، الباشا مانع سواقتك..
تأفَّفت ممتعضة، ثمَّ اتَّجهت إلى البابِ الخلفي ليفتحهُ لها، استقلَّت السيارةَ تهاتفهُ بغضب، كان منهمكًا بعملهِ استمعَ إلى رنينِ الهاتفِ بنغمتهِ الخاصة بها، ابتسمَ يجذبه:
-دا إيه الصباح الحلو دا، هدأت رغمًا عنها، استمعَ الى أنفاسها في بدايةِ الأمر، تراجعَ بجسدهِ على المقعد:
-سامعك..سحبت نفسًا محاولةً السيطرةَ على غضبها وأردفت بتقطُّع:
-ليه مانعني من السواقة، متقولشِ خايف عليَّا؟..
نقرَ بأناملهِ على المكتبِ وأجابها بنبرةٍ هادئة:
-جدًا عندك شك؟ فتحت فاهها لتوبِّخهُ ولكنَّها توقَّفت عندما شعرت بنبرتهِ الحزينةِ ليتابعَ حديثه:
-سايبك براحتك علشان بعد قرارك مفيش رجوع للخلف، لو زعلانة من قعدتي عند رؤى عندي أسبابي، ولو مش واثقة فيَّا وفي حبُّي يبقى مالوش لازمة نكمِّل مع بعض، معاكي وقتك فكَّري كويس، وحطِّي في عقلك إنِّك في الأوَّل والآخر:
“ميرال راجح الشافعي في الحقيقة، زي ماأنا في الحقيقة يوسف جمال الشافعي، واللي حوَّل حياتنا للجحيم دلوقتي هوَّ راجح الشافعي اللي هوَّ أبوكي يابنتِ عمِّي، أنا معاكي في أيِّ قرار وصدَّقيني مهما يكون قرارك هعذرك، لأنِّك مالكيش ذنب، ذنبك الوحيد إنِّك وقَّعتيني في شباك ميرال مرات إلياس وبس..
انسابت دموعها تضعُ أناملها على الهاتفِ تبتعدُ عنه؛ حتى لا يستمعَ إلى شهقاتها ولكن كيف لم يستمع وقلبهِ الذي ينبضُ إليها بجنون، همسَ بنبرتهِ الرخيمةِ اسمها:
-ميرال بلاش أشوفك ضعيفة، إنتِ قوية ويمكن إنتِ أقوى منِّي حاليًا..همست بشفتينِ مرتجفتين:
“هترجع إمتى لحضنِ مراتك ياإلياس”
توقَّفَ عمَّا يفعله، وهمساتها التي تسلَّلت إلى قلبه، ممَّا جعلهُ يرتجفُ لأوَّلِ مرَّةٍ بتلك الطريقة، ليشقَّ ثغرهِ بابتسامة، فقد فاضَ الشوقُ وطغى الوجدانُ؛ مما جعلهُ يردفُ بنبرةٍ هادئةٍ بعدما راقَ له حديثها:
-في أقرب وقت صدَّقيني، المهم تكوني مقتنعة بردِّك، ومترجعيش تندمي..حاوطت بطنها قائلة:
-ابنك بدأ يتحرَّك ياإلياس، وعايزة أروح للدكتور اطَّمن عليه، مش عايز تشوفه؟..
أظلمت عيناهُ بنيرانِ رغبتهِ بسحقها بين ضلوعهِ الآن، ممَّا جعلهُ يتوقَّفُ يجمعُ أشيائه:
-تمام بعدين نتكلِّم عندي شغل مهمّ دلوقتي..ابتلعت غصَّتها من برودِة ردِّه، وأغمضت عينيها تعودُ برأسها إلى النافذة، أمَّا هو فقامَ بمهاتفةِ السائق:
-هتجيب المدام على المستشفى، وتأكَّد مفيش حدِّ بيراقبك من غير ماهيَّ تحس..
-تؤمر ياباشا…لم تشعر بشيئٍ وهي غارقةٌ بأحزانها لانقلابِ حياتها وتذكَّرت حديثهِ وحديثُ فريدة، تهمسُ لنفسها:
-معقول أكون بنتِ الراجل الواطي دا، لا أنا عجبني ميرال جمال الدين، قلبت صور هاتفها لتجدَ العديدَ من صورها في مراحلها العمرية، إلى أن توقَّفت على صورةِ زفافها وهو يحتضنُ خصرها وينظرُ لعينيها بعشق، مرَّرت أناملها على ملامحِ وجهه قائلة:
-الموضوع مش حبَّك بس اللي خلَّاني آخد القرار دا، الموضوع الحنان والأمان اللي حسِّيتهم معاك، رغم قسوتك بس جوَّاك طفل ياإلياس، بتحاول تقنعني إنِّي بنته وجوَّاك تتمنَّى رفضي له، رفعت رأسها ومازالت تحدِّثُ نفسها:
-هعرَّفك ياإلياس مين هيَّ ميرال السيوفي..
بعد قليلٍ وصلت السيارةُ إلى المشفى، ترجَّلت تنظرُ حولها، ثمَّ رفعت عينيها إلى السائق:
-إنتَ جايبني هنا ليه؟..تراجعَ بالسيارةِ مع وصوله، يحاوطُ أكتافها، استدارت مفزوعة، تضعُ كفَّها على صدرها:
-خضِّتني، فكَّرتك حدِّ تاني، ضمَّها لأحضانه، يدفثُ وجههِ بحجابها يستنشقُ رائحتها بولها، مردِّدًا بنبرتهِ المبحوحة:
-مراتي وابني وحشوني، بلاش أطَّمن عليهم..
تسابقت أنفاسها مع دقَّاتِ قلبها الهادرةِ من أنفاسهِ الحارَّةِ التي تضربُ عنقها رغم ارتدائها الحجاب، ارتجفَ جسدها على إثرها لتهمسَ بتقطُّع:
-إلياس بتعمل إيه؟..اعتدلَ محمحمًا، لأوَّلِ مرَّةٍ يضعفُ بتلك الطريقة، أمسكها من رسغها بعدما ارتدى نظَّارتهِ وتحرَّكَ للداخل، وكلهِ لهفةٍ واشتياقٍ أن يطمأنَّ عليهما، كانت تحتضنهُ بنظراتها، كيف يتقلَّبُ بتلك الطريقة، خربشَ الشكُّ جدرانَ قلبها من حركاتهِ الغيرِ معهودة لتتوقَّفَ أمامه:
-ممكن أعرف إنتَ ناوي على ايه، ماهو ماتجنِّنيش، ازاي هاجرني ودلوقتي ملهوف علينا بالشكلِ دا؟!..
راقَ له غضبها فالتمعت عيناهُ بابتسامة:
-مش قولتي وحشت ابني، كان لازم آجي أشوفه، إيه مش عايزة أشوف ابني، قالها وهو يحاوطُ أحشاءها بكفِّه..
جزَّت على أسنانها تتلفَّتُ حولها:
-تقوم تجبنا الساعة حداشر علشان تشوفه، مش متعوِّدة أروح لدكاترة الصبح..
-ليه همَّا الدكاترة الصبح بيكونوا أغبيا، وبالليل بيكونوا ولاد ناس، امشي مش عايز غباء..
بفيلَّا السيوفي:
وصلت رانيا إلى الفيلا، أوقفها الحرس:
-ممنوع يافندم، خلعت نظارتها قائلة:
-قول لمدام فريدة رانيا الشافعي بنتِ عمِّك عايزة تشوفك.
بعد قليلٍ دلفت إلى الداخل، تطوفُ بعينيها على المكان، نزلت فريدة بأناقتها، من يراها يظنُّ أنَّها ابنةُ الخمسةَ وعشرونَ عامًا، رغم مرضها، وصلت إلى وقوفها:
-أهلًا يارانيا، التفت تطالعها بنظرةٍ شامتة، ثمّّ دنت إليها:
-إزيك يابنتِ عمي، تراجعت فريدة تجلسُ على المقعدِ تضعُ ساقًا فوق الأخرى..
-جاية ليه يارانيا، عايزة إيه؟..
جلست بمقابلتها وفعلت مثلها، تنظرُ إلى مقلتيها:
-جاية أشوف بنتي يافريدة، وبارك لك على ولادك، إيه مش من حقِّي، تراجعت فريدة بجسدها وتقابلت نظراتُ الحربَ بينهما:
-بنتك..قالتها متهكِّمة رغم ارتعاشةِ قلبها..ثمَّ رمقتها بسخريةٍ وأجابتها بثقة:
-بنتك مين يارانيا، أنا مش حرامية سرقت بنتك، ولو مش مصدَّقة قومي دوَّري عليها، أما عن اولادي مالكيش دخل مباركتك مش مقبولة
ألقت كلماتها التي أشعلت صدرَ رانيا، فهبَّت من مكانِها واقتربت من مقعدِها:
-بنتي هاخدها يافريدة، وهترجعي زي ماكنتي مالكيش ضهر، فرحانة فيكي
ابنك سابك ومش مصدَّقك، وبنتي بكرة تعرف أدِّ إيه إنِّك قذرة حقيرة..
لم يرفَّ لها جفنٌ وظلَّت كما هي صامدةً شامخة، وكأنَّ ثرثرتها لم تعنيها، شبكت أناملها تهزُّ أقدامها وهاتفتها مستهزئة:
-أيوة هيَّ مين بقى اللي حقيرة إنتِ أكيد، الناس الواطية يارانيا مفكَّرة الناس كلَّها زيها..
انحنت بجسدها تحاصرُ مقعدها بيدها
وتعمَّقت تسبحُ بعينيها:
-أوعي تفكَّري مش عارفة إنِّ ابنك الباشا اتصدم ياحرام، وساب البيت وراح لعشيقته، تخيَّلي فيديو حلو لبنتي كدا وهو في حضنِ عشيقته هتعمل إيه..
رفعت فريدة حاجبها باستهزاء:
-هتعمل إيه، إنتِ عارفة؟! ، لو عارفة ياريت تقوليلي، أهو يمكن أساعدك..
أثارت حنقها فجزَّت على أسنانها تضغطُ بقوَّةٍ وهي تهمسُ بهسيسٍ مرعب:
-ابنك هيطلَّق البنتِ يافريدة، وغصب عنُّه ياإما..توقَّفت فريدة تتحرَّكُ بخطواتٍ بطيئةٍ إلى أن وصلت إلى طبقِ الفواكهِ وتمتمت وهي تواليها ظهرها:
-ياأمَّا إيه يارانيا، هتقتلوه، ولَّا هتخطفوه زي زمان..احتوت التفاحةَ تنظرُ إليها ثمَّ استدارت إليها:
-فاكرة الكارتون بتاعنا المفضَّل يارانيا، رفعت التفاحة إليها:
-هأكلِّك التفاحة دي، زي ماإنتِ أكَّلتهالي زمان، أنا أخدتها منِّك بطيب خاطر، مكنتش أعرف إنِّ أمِّنا الشريرة مسمَّمة التفاحة، اقتربت من رانيا ومازالت التفاحةُ بيدها:
-هبلة متعرفشِ مهما تأكِّلني من تفاح مسموم هفضل ملكة في قلبِ الكلّ..اقتربت تهمسُ بجوارِ أذنها:
-فاكرة جنان راجح بيَّا يارانيا وكلامه اللي زي السم، ورغم كدا كنت بفرح فيكي أوي علشان النَّار اللي بتحرق قلبك..وهوَّ مش شايف غير فريدة وبس، وهلوسته وهو عندُّه حمَّى باسمي، علشان كدا اتجنِّنتي وخطفتي جمال، بس هبلة أهو اتجوِّزني ياغبية وبقيت ضرتك
مرَّرت أناملها على صدرِ رانيا:
-وانحفرت انا هنا، ماهو أنا فريدة، واسم على مسمَّى، وزي ماجنِّنت جمال زمان وخطفته منِّك وقهرتك جنِّنت راجح، دارت حولَ رانيا وتابعت حديثها بكبرياء انثى:
-عارفة راجح مجنون ليه يارانيا وبيخدعك أنُّه عايز ينتقم منِّي ومن ولادي، علشان يرجَّعني تاني له، ماهو جالي هنا وقالي كدا، قالي اتجوِّزت كتير يافريدة ومحستشِ بستّ غير معاكي، أفلتت ضحكةً هازئةً تضربُ كفَّيها ببعضهما:
-شوفتي الهبل، رغم إنِّي مدتلوش وش وكنت بتقزِّز منُّه واتجنِّن كدا، تخيَّلي بقى لو رجعت تاني..
قهقهت تجلسُ مرَّةً أخرى:
-أنا شيفاه مش راجل أصلًا..اختتمت جملتها تشيرُ إلى الحرسِ الذي توقَّفَ على البابِ وأشارت إليه:
-خد الزبالة دي إرميها برَّة، البيت دا نضيف، أنا بس حبيت أوصَّلها هيَّ وجوزها رسالة، توقَّفت تقتربُ من رانيا المصدومة:
-أنا عندي أربع رجَّالة يارانيا يدفنوا جوزك في المجاري، إنتِ عندك مين، ابنِ سمية، هه أخرجتها مستهزئة، وتحرَّكت بعض الخطواتِ لتوقفها رانيا:
-هندِّمك على كلِّ كلمة يافريدة، ورحمة جمال اللي بكَّاني بدل الدموع دم لأجيبك ذليلة ليَّا..
التفتت فريدة ونظرت إليها باستخفاف
-اتكلمي على قدك يامدام رانيا، انت وجوزك اللي خافوا على نفسكم مني ومن ولادي
عند إلياس:
توقَّفَ بجوارها، تشبَّثت بكفِّهِ والطبيبةُ تضعُ السائلَ على بطنها وهي تنظرُ إلى الشاشةِ بتمعُّن، لحظاتٍ واستمعوا إلى نبضِ الجنين، التمعت عيناهُ بخطٍّ من الدموع، حاولَ السيطرةَ على نفسهِ والطبيبةُ تشيرُ إلى الجنينِ الذي لم يكتمل أعضائه بعد، ابتسمت الطبيبةُ تطالعها:
-زي ماقولت لك قبلِ كدا ياميرال، البيبي ولد، المرَّة دي واضح أوي، استدارت تنظرُ إلى إلياس وأشارت إلى بعضِ أعضائه، كدا باقي عشر أيام وندخل الخامس أهو، فيه أجزاء مكملتش طبعًا، علشان كدا مش واضح، بس المفروض المدام تهتمّ شوية بأكلها، علشان الوضع يكون أحسن.
-تمام ..قالها وهو يساعدها بالاعتدال، بعد رفضهِ للممرضةِ أن تقتربَ منها، جلست لبعضِ الدقائقِ للحديثِ عن الضرورياتِ الموجبِ فعلها أثناءَ فترةِ حملها..
خلَّلَ أناملهِ بأناملها وتحرَّكَ بجوارِها متَّجهًا إلى السيارة، توقَّفت تطالعه:
-رايحين فين..أشارَ إليها بالركوبِ مجيبًا:
-هوصَّلك على الشغل، وأنا عندي شُغل مهمّ هخلَّصه ونتقابل بالليل عند بابا، فيه موضوع مهمّ لازم نتكلِّم فيه..
أومأت له مقتربةً منه، تعانقُ ذراعه:
-هترجع البيت النهاردة، حاوطَ كتفها ينظرُ لعينيها:
-ميرال هتكمِّلي معايا مش عايز أسئلة في أيِّ حاجة، كلِّ اللي عايزه إنِّك تثقي فيَّا وبس، وقبلِ أيِّ حاجة،
مش هرحم راجح لو انتِ عايزة تروحي لعنده هوصلِّك وأنا عند وعدي..
-هتقدر تعيش من غيري ياإلياس..سؤال خرج من بين شفتيها تتمنى أن يبرد قلبها، استدارَ إلى بابِ السيارةِ ينظرُ إليها من تحتِ نظراته:
-ماأنا كنت عايش من غيرك ياميرال ماممتِّشِ ولا حاجة ..
توسَّعت عيناها باتساعِ مابين السماواتِ والأرض، غمزَ لها يشيرُ إلى الباب:
– اركبي حبيبتي ربِّنا يهديكي، وبلاش كلامك العبيط بتاع أشعار الجاهلية، هموت من غيرك ياعنترة..
-كلماتهِ كفيلةٌ لتحطيمِ فكِّه، ليصمتَ عن الحديث، سبَّتهُ بسرِّها واستقلَّت السيارةَ بصمت، داخلها نارٌ تريدُ أن تصفعهُ على فمهِ الذي يبتسمُ به.
بعدَ عدَّةِ ساعات:
جلسَ على طاولةٍ دائريةٍ يتناقشونَ في قضيَّتهم الهامة، التي تمسُّ أمنَ البلد، وقامَ بوضعِ خطَّةٍ للهجومِ عليهم دون خسائرَ من أرواحهم، خرجَ الجميعُ وظلَّ هو جالسًا، لايعلمُ أيُّ جرمٍ ارتكبهُ ليبتليهُ بشخصٍ مثل راجح، فبعدَ حديثِ أرسلان إليه، يبدو أنَّهُ متورِّطًا مع القضايا التي يشاركها الجماعات الإرهابية..
دلفَ المسؤولُ عن مكتبهِ ووضعَ كارت أمامه:
-دا عايز يقابل حضرتك ياباشا..
رفعهُ بين أناملهِ وابتسمَ بسخريةٍ يشيرُ إلى الرجل:
-دخَّله المكتب أنا جاي وراك، بعد قليلٍ دلفَ إليه، توقَّفَ راجح على دخوله:
-أهلًا ابنِ أخويا..ثنى أكمامهِ وجلس مجيبًا عليهِ بنبرةٍ باردة:
-مش أهلًا ولا سهلًا، عايز إيه ياراجح، اللي بدَّور عليه مش هنا، استندَ راجح على المكتبِ مقتربًا منه:
-إلياس ياسيوفي، أنا ممكن أودِّيك في داهية، إنتَ وأمَّك.
حرَّكَ رقبتهِ يمينًا ويسارًا، محاولًا السيطرةَ على غضبه:
-لو غلطت مش هرحمك، أقف عوج واتكلِّم عدل، متنساش نفسك.. ثار راجح ونفرت عروقه مرددًا بنبرة استيائية:
-بتكلِّم عمَّك ياله نسيت نفسك، نصبَ عودهِ وتوقَّفَ مستديرًا:
-يالا دي تقولها لابنك، مش لإلياس السيوفي، جذبَ سجائرهِ مستندًا على مكتبهِ وعينيهِ تحاصرُ جلوسَ راجح:
-جاي وعايز إيه ياراجح؟..
-بنتي..ارتفعت ضحكاتُ إلياس:
-هيَّ بنتك عندنا في قضية ولَّا إيه؟.،
-إلياس ..قالها من بين أسنانه، أمالَ بجسدهِ يردفُ بخفوت:
-إلياس باشا ياراجح متنساش نفسك، ولو أنا رضيت إنَّك تقعد فدا كرم أخلاقي اللي اتعلِّمته من أبويا ومراته اللي حضرتك بتقول عليها أمِّي، يعني أنا المفروض أوزَّع فلوسي كلَّها لله إنِّي اتربيت على أيديهم مش على إيدين راجل واطي.. هب من مكانه، يرمقه بنظرات نارية وتمتم بنبرة حادة:
-اتجنِّنت يالا، إزاي تكلِّمني كدا، دا أنا أودِّيك ورا الشمس..
استدارَ لمقعدهِ وأردفَ بنبرةٍ محذِّرةٍ وهو يشيرُ بسبَّباته:
-صوتك ولسانك هقصُّه متنساش نفسك، جلسَ على مقعدهِ وتراجعَ بجسده:
-روح دوَّر على بنتك بعيد عنِّنا، مش ناقص صداع..قالها وهو يلوِّحُ بكفِّه..
إنتَ أهبل يالا، مفكَّر معرفشِ أخدها منَّك، دي بنتي ياغبي، أقلِّ حاجة قضية نسب، أودِّي فيها أمَّك ورا الشمس..
هترجع تطول لسانك مش هسكت، انا بحاول امسك نفسي، اصلي لو قومت من مكاني هطيرك عند رانيا بتاعتك، وياريت تروح تدور عليها بدل ماانت مش لاقي شغل
استند راجح على المكتب ونظر لعيناه
-هخرج من هنا على القسم وهفضحك يابن فريدة، هجرسك بين زمايلك، واعرفهم انك مش ابن السيوفي
ارتفعت ضحكات بطريقة جنونية، ثم دنى برأسه:
-منتظر يارجوح، منتظر اشوفك هتعمل ايه، لو عايز تاخد عينة دم مني ومن وسيادة اللوا الشريف اللي ليا الفخر أنه رباني اتفضل، بس خايف دمي متقدرش تشيله، أصله تقيل، ولسة هيتقل ياراجح لما يطلبوا مني اتبرعلك بالدم، اااه معلش نسيت اقولك، اصلي ناوي اصفي اعضائك، وابيع كل عضو في دولة علشان ميعرفوش يلموها
ضرب راجح على المكتب:
-إنت مش قدي يابن السيوفي، ولو خرجت من هنا على القسم يعتبر كتبت شهادة وفاتك:
-يا شريف ..أشارَ له:
-وصَّل راجح باشا للقسم عايز يعمل قضية نسب، ولو عايز تساعدُه وتشهد معاه قولُّه إحنا خطفنا بنته.
نصبَ عودهِ بعدما أطفأ سيجارته، واستندَ بكفوفهِ على المكتب:
-راجح باشا أنا مش هسجنك، عارف ليه، علشان لو سجنتك ببقى برحمك منِّي، وإنتَ عارف أنا راجل قانون ومينفعشِ أدخل في سلطةِ القضاء، هسيبك برَّة علشان انا وانت نكون احرار،. اه وخد دي علشان تعرف أنا ديمقراطي ومتقولشِ سلطة ومش سلطة، استقالتي ناقصة الإمضاء، كدا عداني العيب وقزح لعندك، ماهو إنتَ العيب كلُّه..استدارَ مبتعدًا عن مكتبه:
-زمان كنت بشوف أشرار الكارتون مقتنعتش بيهم بس إنتَ عدِّيت سكار، ومراتك الحيزبونة الأم جاثويل، بس مش هتعرف تقول لميرال دلدلي شعرك، لأنَّها مش غبية ولا عبيطة، وياله اطلع برَّة أخدت من وقتي وسحبت الهوا من المكتب، روح كل اقسام مصر ولو عايز محامي أكبرهم هيكونوا عندك، أما شهادة وفاتي اللي بتقول عليها، توقف مائلا بجسده يرمقه بنظرة حادة
-أنا كدا كدا ميت ومش باقي على حاجة، وحياة بكى امي كل ماكنت بترعبها بقربك، لاخليك تتمنى الموت ومتلقهوش، واسأل عن الياس السيوفي، انا مش بتاع كلام ياراجح، ولو سمعتك في مرة بتقول كلمة عمي دي هفصل راسك عن رقبتك، لو جالي نفس استهزئ هقولها، ياله اطلع برة مبقاش غير المجرمين اللي ياخدوا من وقت إلياس السيوفي
صمتًا مريبًا بالمكتبِ لم يخلُ من حربِ النظراتِ القتالية، ليقتربَ راجح منه:
-بتعلن الحرب عليَّا يابنِ جمال، طيِّب شوف مين اللي هيضحك في الاخر.
عند أرسلان توقَّفَ أمام أحدِ الفنادقِ المشهورة بالعاصمة، وهناك ما يريدهُ أن يوصلَ مابجبعته، توقَّفَ ينظرُ بذهولٍ لتلك التي دلفت أمامهِ بجوارِ أحدهما، لحظة فقط لالتقاطِ صورة، ليرسلها إلى مصدرها، ثمَّ صعدَ إلى واجهته، دقائقَ إلى أن انتهى من عملهِ متَّجهًا للخارج، ولكن لسوءِ حظِّهِ وحسنِ حظِّها أن تصطدمَ به، رجعَ معتذرًا، لتتوقَّفَ مصدومةً تطالعهُ وتهمسُ اسمًا جعلهُ يطالعها بغموضٍ ثمَّ أردفَ بنبرةٍ هادئةٍ معتذرًا:
-آسف ماأخدتش بالي، قالها وتحرَّكَ سريعًا من جوارها كالزئبق، تركت الواقفَ بجوارها وتحرَّكت سريعًا خلفهِ تبحثُ عنه بلهفةٍ ولكنَّهُ لم يكن له أثر..
-رانيا فيه حاجة، واقفة كدا ليه؟،،
بعد اسبوع:
بفيلَّا السيوفي دلفَ إليها وجدها تغطُّ بنومٍ هادئ، انحنى يطبعُ قبلةً على جبينها يمسِّدُ على خصلاتها بحنان، نزعَ جاكيت بذلته، وتمدَّدَ بجوارها يدفنُ رأسهِ بصدرها، تململت تفتحُ عينيها وتغلقها، شعرت به، تراجعت تبتعدُ عنه وجلست على الفراش:
-لسة فاكر حضرتك إنِّ ليك ست وكمان حامل، حاوطَ جلوسها بذراعيهِ وجذبها إلى أحضانه:
-وحشتيني على فكرة، وأنا مفهَّمك انِّي كنت مشغول، ليه زعلانة دلوقتي
اندلعَ الغضبُ من حدقتيها، وأشارت إليهِ بالابتعاد:
-ابعد عنِّي علشان مطلَّعشِ الجنان عليك، ياله روح للستِّ رؤى بتعتك..
ثبَّتَ عينيهِ يطالعها بنظراتٍ باردةٍ رغم توَّهجِ صدرهِ بنيرانه:
-اسمعيني ياميرال علشان أنا معنديش خلق للكلامِ الكتير، هنروح لراجح وتوقفي قدَّامه وتقولي الكلام اللي إنتِ عايزة تقوليه، عايز أشوف ميرال مرات إلياس السيوفي، أكيد فاهمة كلامي..
ارتسمَ الألمُ داخلَ مقلتيها، أردفت بنبرةٍ حزينة:
-أنا الراجل دا مش عايزة أقابله ياإلياس، اقتربت بركبتيها منهُ واحتضنت كفَّيه:
-أنا عرفت الراجل دا بلاويه كتيرة ياإلياس، تعرف أنُّه بيراقبنا، أنا شوفت عربية بعد ماوصَّلتني على الجريدة، حدِّ مشي وراك، يعني عايز يئذيك، تعالَ نهاجر ياإلياس، أنا خايفة منُّه أوي، أنا مستحيل أعترف به أب، مش بعد هجومي للمنظَّمات الإرهابية، يكون الراجل دا أبويا..
احتضنَ وجهها ولثمَ جبينها، ورسمَ ملامحها بعينيه:
-حبيبتي اسمعيني كويس، طول ماإنتِ متمسِّكة بميرال جمال الدين، واللهِ لو جابلي مين محدِّش يقدر يقرَّب منِّك..
مرَّرَ بأناملهِ على وجهها وعينيهِ تسطرُ وجهها:
-جوزك مش ضعيف ولا هيِّن علشان يهرب من واحد ضعيف زي دا..
هشوف بابا تكوني جهزتي، الزيارة دي مهمَّة أوي ياميرو، وعندي خطط عليها، لازم اغلطه ياميرو، بس خايف عليكي، خايف تضعفي
-لا متخافش، انا معرفوش ومش عايزة اعرفه، انتوا اهلي
-مش اسمها انتوا ياميرال، اسمها انت اهلي وحياتي
رفرفت اهدابها تنظر إليه بذهول
-حبيبي انت متقلب ليه، جننتني وراك
-أنا عايزك تتجنني كمان ..قالها وهو يطبعُ قبلةً بجانبِ شفتيها هامسًا:
-حبيبتي يامرمر…دفعتهُ وهي تضحك:
-منتهز زعلي عارفة..نهضَ متَّجهًا إلى الباب:
-نصِّ ساعة ونمشي…إلياس…
-توقَّفَ مستديرًا إليها:
-عدِّي على ماما فريدة، مبقتشِ تخرج من أوضتها..أومأ واستدارَ يفتحُ البابَ إلَّا أنَّهُ توقَّفَ على صوتها:
-بحبَّك يابنِ عمِّي..تجمَّدَ بوقوفه، وشعرَ ببرودةٍ تجتاحُ جسدهِ حتى فقدَ القدرةَ على الحركةِ لدقائق، نهضت واقتربت منهُ تضعُ كفَّها على كتفه:
-حقيقة ومينفعشِ ننكرها، التفتَ قائلًا:
-إنتِ مراتي وبس ياميرال، مش عايز كلمة تاني..خرجَ متجهًّا إلى جناحِ والده، طرقاتٍ هادئةٍ على البابِ إلى أن أُذنَ له بالدخول..
بالداخلِ كانت جالسةً على سجَّادتها وبيدها مسبحتها تردِّدُ الذكر، رفعت عينيها المغيَّمةِ بالسُحبِ بعدما استنشقت رائحته، توقَّفَ للحظاتٍ وهو يرسمها بعينيه، نهضت من مكانها تستندُ على المقعدِ تهتفُ بتقطُّعٍ وبكاء:
-يو..سف، ردَّدتها عدَّةِ مرَّات..اقتربَ منها بعدما وجدها تترنَّحُ بخطواتها، وصلَ إليها ولم يعد بينهما سوى خطوةً واحدة، توقَّفت تنظرُ إليهِ باشتياقٍ وكأنَّهُ غائبًا منذ سنوات، ارتجفَ جسدها تتمتم:
-عامل إيه ياحبيبي، دقائقَ وهو ينظرُ إليها دون حديث، هربت حروفهِ وكأنَّهُ لم يدرك نُطقها، دقيقةٌ اثنتان وهو متوقِّفٌ ينظرُ إليها حتى أخرجَ آااه من جوفِ قلبه:
-استحملتيني السنين دي كلَّها إزاي، إزاي قدرتي تتحمِّلي قساوة قلبي وجحودي عليكي، انسابت عبرةً غادرةً عبر وجنتيهِ يضربُ على صدره:
-قلبي مرحمشِ ضعفك وإنتِ بتترجِّي فيَّا إنِّك تحضنيني، وأنا حيوان ومعرفشِ إنِّي بأذي أقرب الناس لقلبي..
شهقةٌ أخرجتها وهي تجذبهُ لأحضانها:
-متقولشِ كدا ياحبيبي، أنا كنت راضية، واللهِ كنت راضية يابني، إنتَ نور عيوني ياإلياس، عمري ماأزعل منَّك..حاوطَ جسدها وبكى لأوَّلِ مرَّةٍ بشهقاتٍ قائلًا من بين بكائه:
-أنا كرهتِك علشان خُنت ماما غادة، كان دايمًا يجيلي إحساس انِّي بحبِّك أكتر منها، علشان كدا فكَّرت إنِّي بخون امي، وأنا معرفشِ إنِّي بخونك إنتِ ياماما..
آااه وآااه من كلمةٍ تعني الكثيرَ من الآلام، كلمةٌ تمنَّتها منذ سنواتٍ أنَّ أحدًا من أولادها ينادونها بها، بكت وهي تضمُّهُ إلى صدرها، لتهوى على الأرضِ وهو يحاصرُ جسدها مع صوتِ بكائها مردِّدةً
“أحمدك وأشكر فضلك يارب، أحمدك وأشكر فضلك يارب”
ظلت الدموعُ تهطلُ كزخَّاتِ المطر، دموعٌ غسلت قلوبهما من كمِّ الألمِ الذي مرَّا بهما، دموعٌ بسنينِ فراقهما، شدَّدت من عناقهِ خوفًا من الابتعادِ عن أحضانها كأنَّهُ سيهربُ ولن يعود، أخرجت وجههِ وظلَّت تقبِّلُ كلَّ إنشٍ بوجهه..رفعَ كفَّها وقبَّلهُ ثمَّ رفعَ وجههِ إليها:
-سامحيني ياأمِّي..جذبتهُ لأحضانها مرَّةً أخرى:
-مسامحاك ياحبيبي، عمري ماأزعل منَّك ياإلياس..لم تشعر سوى بالتي تدثَّرت بينهما:
-احضنيني أنا كمان ياماما، علشان ابنك البارد دا محضنِّيش..قالتها ميرال لتخرجَ حزنهما الذي سكنَ بروحهما، ضمَّتها فريدة بذراعٍ وضمَّت إلياس بذراعها الأخرى:
-عمري ما فكَّرت إنِّك تتجوِّزي حدِّ من ولادي ياميرال، تعرفي أوَّل ما مصطفى قال نجوِّزكم كنت زعلانة، اتمنِّيتك ليوسف، مكنتش أعرف إنِّ ربِّنا ربط على قلبي..
نهضَ يمسحُ دموعه، وابتعدَ عنهم:
-كدا يامدام فريدة بكيتيني، ابتسمت تطالعهُ بحب، وحشتني مدام فريدة منَّك ياحبيبي..
انحنى يجذبُ كفَّ ميرال:
-طيب هنروح مشوار، ولازم نقعد مع بعض، كان لازم نقعد من زمان، بس مشوار النهاردة هيحطّ النقط على الحروف، قالها وعينيهِ على ميرال..أومأت له فتحرَّكَ يجذبها وغادرَ المكان…وصلَ بعد قليلٍ أمامَ فيلَّا الشافعي، دلفَ للداخلِ بعدما أخرجَ هويته، دقائقَ وكان بداخلِ البهو، لحظاتٍ وتوقَّفَ راجح ورانيا أمامه، أسرعت رانيا تجذبُ ميرال لأحضانها، إلَّا أنَّها توقَّفت متجمِّدةً كلوحِ الثلج، ضمّّت وجهها:
-مروة حبيبتي أخيرًا جيتي لماما..ابتعدت عنها وعانقت ذراعَ إلياس ..وزَّعَ نظراتهِ عليهما بشماتة:
-انا جبتلك بنتك أهو ياراجح لحدِّ عندك، علشان تعرف تاخد راحتك بالقضية.. مش عايز ترفع قضية نسب، بنتك معاك أهي، أشارَ إليها:
-إيه ياروحي مش عايزة تسلِّمي على باباكي؟..
-دي مروة بنتي؟!..
اقتربَ وعلى وجههِ ابتسامةً لعوب ثمَّ غرزَ عينيهِ بعينينِ راجح:
-معاك دلوقتي كلِّ الأسلحة وأنا قدامك أعزل أهو، أشارَ على الفيلَّا بيدهِ وتابع:
-وهيلمان عيلةِ الشافعي كلُّه تحتِ رجلك، أنا لسة مجتشِ عنده، إنتَ ناسي انا ليَّا مِلك عندك ياراجح..استنكر راجح حديثه قائلًا:
-بس معنديش حاجة من بتاعة أبوك يابنِ جمال..
حكَّ ذقنهِ يدورُ حولهِ وتمتم:
-أممم، قولت لي ماليش حاجة، طيِّب أومال من أين لكَ هذا ياراجح، إيه كسبت ورقة اليانصيب ولَّا إيه؟..
-عايز إيه يابنِ جمال؟..
-روحك ياراجح، بس مش هاخدها بسهولة..
-ميرال صاحَ بها مستديرًا برأسه:
-ردِّي زيارة المدام، واشربي قهوتها..
اقتربت من رانيا وتعمَّقت بالنظرِ إلى عينيها:
-إنتِ والراجل دا أنا مش معترفة بيكم،
معنديش غير أم واحدة بس وهيَّ فريدة السيوفي، وأب واحد وهوَّ جمال عز الدين، أنتوا في نظري ناس واطية سلبوا حقوق ناس بريئة، ابعدوا عنِّي بدل ماأعملُّكم قضية السبِّ في شرفي،
ولو الدنيا كلَّها فارقتني ومابقاش غيركم مستحيل أقرَّب منكم، ماما أشرف ستِّ في الدنيا، حتى لو أنا بنتكم فليَّا الشرف إنَّها خطفتني وربِّتني، لفَّت إلى إلياس وتابعت حديثها وعينيها تطالعهُ بهيام:
“والراجل دا أغلى من روحي”ولو حاولتوا تقربوا مني، هحكي كل حاجة يامدام رانيا، وعندنا أدلة كتيرة، توقف إلياس بينهما
-سواء حاولت تقرب مننا ولا لا، انا هقرب واخد روحك وروح الحيزبونة مراتك، اقتربت ميرال منه
-طول عمري بمشي براس مرفوعة قدام الكل، ليا حسب ونسب وسيرة طيبة، وربنا انعم عليا بزوج وام يجننوا، مش على اخر الزمن تبقوا انتوا اهلي..دلف طارق يوزع نظراته بينهم متسائلًا:
-ايه اللي بيحصل هنا، تقابلت نظرات ميرال معه، ولم تشعر سوى بتلك الرجفة التي انتابت جسدها، ورغم ذلك اقتربت منه تنظر إليه
-إنت!! يعني انت ابن الراجل دا، حاول تذكرها لتقترب رانيا تحاول نزع فتيل الغضب بينهما، ولكن قرب إلياس إليها متسائلًا:
-تعرفيها منين ياميرال؟!
لطمة قوية على وجهة طارق، ثم بصقت بوجهه واردفت بتقطع:
-هستنى ايه من أب وأم عديمي الاخلاق إلا أنهم يخطفوا بنت، نظرت باشمئزاز وتراجعت إلى إلياس قائلة:
-خدني من المكان المقرف دا ياالياس،
-يبقى تموتي أحسن يابنتِ راجح ..قالها وهو يُخرجُ سلاحه يتوجَّهُ إليها وأطلق طلقةٍ نارية اخترقت أحدهم
هو حكاية قدر جميله …
تصادفك مرة واحدة في حياتك ولن تستطيع تكرارها ..
وتبقي أجمل حكاية إن استمرت ..
او حتي إن انتهت ..
تبقي ساكنة في أعماق روحك كعطر ورد ..
ان غفوت ايقظتك ..
وإن اخمدت مشاعرك ستنعشك ذكرياته ..
و تسالني ماذا أريد منك ؟
دعني أفسر لك :
أريد منك أمانا” و حنانا” و وطنا”
و بيتا” و ظلا” و دفئا”
أريد منك حياة
ماضي و حاضر و مستقبل
نظرة عين تخبرني أني حبيبتك
لمسة يد تعيد الأمان لقلبي
دموعا ﻻ تسيل إلا من شدة الفرح
و آلاما تزول بمجرد رؤياك
أريدك أنت فحسب
ثم ماذا بعد..!!
قلبك لقلبي لينصاع له طوعا
ويعقد معه صفقة العمر ..
اقتربَ راجح وهو يجذبُ سلاحه، وهتفَ بهسيسٍ أعمى:
-بدل أنكرتي وجودنا يابنتِ راجح يبقى الموت حلال عليكي، قالها وهو يوجِّهِ سلاحهِ لتخرجَ طلقتهِ باستدارةِ إلياس الذي يَبعدهُ بخطوة، ودفعهُ بقدمهِ لتخترقَ الطلقةَ كتفَ رانيا، ثمَّ انحنى وبدأ يلكمهُ كالمجنونِ كلَّما تخيَّلَ أنَّهُ سيصيبُ زوجته، شعرت ببرودةٍ تجتاحُ جسدها لتتسمَّرَ بوقوفها وكأنَّها أصيبت بشللٍ كامل، كلَّما تذكَّرت أنَّ والدها هو الذي حاولَ قتلها، حاول طارق إزاحةَ إلياس من فوق راجح ولكنَّهُ لم يقوَ إلا بتدخُّل أمنِ الفيلا، ابتعدَ يبصقُ عليه:
-حيوان، شوفت الحيوانات ظلمتها لأنَّك متستهلشِ تكون أب..قالها واستدارَ إلى زوجتهِ التي ارتعشَ جسدها بالكامل، وانهارت قواها وكأنَّها الحاضرة الغائبة بهذا المكان، وهي تنظرُ إلى رانيا التي سقطت بالأرضِ تمسكُ ذراعها صارخةً باسمها:
-ماتمشيش يامروة، مستعدَّة أفديكي بحياتي ياحبيبتي، ابنِ فريدة بيضحك عليكي يابنتي..عيونًا خاويةً بنظراتٍ باردةٍ تطالعها بها، توقَّفَ إلياس يتعمقُ بنظراتهِ إليها، احتلَّ الضيقُ ملامحهِ وهو يرى ضعفها، واشتعلت حقولُ النيرانِ داخلهِ ظنًّا أنَّها ستحنُّ إليهما، وقفَ كالمشاهدِ ولم يتحرَّك من مكانه، توقَّفت رانيا بمساعدةِ طارق تحتضنُ ذراعها واقتربت منها وعينيها تذرفُ الدموع، تراجعت للخلفِ تحتضنُ ذراعَ إلياس تهتفُ بنبرةٍ قويةٍ عكسَ حالتها:
-إلياس خدني من هنا، اقتربَ و حاوطَ جسدها وتحرَّكَ بعض الخطوات، مع وقوفِ راجح وتناولهِ السلاحَ الذي ركلهُ إلياس بعيدًا عنه، وزمجرَ غاضبًا:
-هموِّتك يابنِ جمال، قالها بإطلاقه الرصاصة، ولكن لم تصب أحدًا سوى اختراقها للجدار، بعدما دفعهُ طارق:
-بابا لو سمحت..قالها طارق ممتعضًا، توقَّفَ إلياس مستديرًا بعدما تعاظمَ غضبه، وغلت الدماءَ بعروقهِ يشيرُ إليهِ بتهديد:
-مش هرحمك، احفر قبرك واستناني.. النهاردة كنت عندك بصفتي إلياس السيوفي راجعلَك بصفتي يوسف الشافعي، ياراجح ياشافعي، قالها وغادرَ المكان..
وصلَ إلى سيارتهِ فتحَ بابها وساعدها بهدوء، ثمَّ أغلقَ الباب واستدارَ متَّجهًا ليستقلَّ السيارةَ بجوارها، أغمضت عينيها وهي تشعرُ بألمٍ يشحذُ جسدها بالكامل، استدارَ إليها بكاملِ جسدهِ وحاوطَ وجهها يزيلُ دموعها بإبهامه:
-ميرو اهدي خلاص، طالعتهُ بتشتُّت:
-مين دول ياإلياس، الناس دي مجرمة..قالتها بشهقاتٍ مرتفعةٍ مع ارتجافةِ جسدها ليضمَّها بحنانٍ هامسًا لها بعضَ الكلمات، ظلت فترةً إلى أن استكانت بأحضانه، ليقودَ السيارةَ بذراعٍ والآخرُ يضمُّها به، وصلَ بعد فترةٍ قليلةٍ فيلا السيوفي، ترجَّلَ متَّجهًا إليها، كانت جالسةً بجسدٍ خاوي، وروحًا مسلوبة، وهناك مايوسوسُ لها، ترجَّلَ واتَّجهَ إليها، ساعدها بالنزولِ وحاصرها بين ذراعيه..
-ياله حبيبتي ، نظرت للمنزلِ بعيون مكدَّسةٍ بالدموع، ثمَّ اتَّجهت بأنظارهاٍ إليه، وأحست بأنها طفلة تائهة، دنى يحاوط جسدها متمتمًا بنبرة حنونة:
-يالة ياميرال أنا معاكي..انهارت باكية ببقهرٍ لسنوات وتركت عبراتها التي عبرت عن كم آلامها، سكت هنيهة تاركًا إياها بإخراج قيح مايخنقها من جروحٍ تنغز بالقلب كالسكين البارد
ظلت لفترة واقفة كالطائر الذي تركه سربه بموطن غير موطنه، شعر بها ليضمها لأحضانه:
-ليه الضعف دا، من إمتى وأنتِ ضعيفة كدا ..عانقت نظراته واخترق صوتها الباكي جدران قلبه المدمي قائلة:
-كان ممكن تكون راجع بيَّا ميتة صح، الراجل كان هيموِّتني ياإلياس، هوَّ فيه واحد ممكن يقتل بنته!..يعني كنت زماني ميتة دلوقتي؟!..
كلمات ماهي سوى كلمات ولكن كادت أن تُزهقَ روحه، لم يشعر بنفسهِ سوى وهو يضمُّها بقوةٍ لأحضانه، كاد أن يذيبَ ضلوعها مع ارتجافةِ جسدهِ ذعرًا وخوفًا من حديثها، مما جعلهُ يهمسُ بنبرةٍ عاشقةٍ متنحيًّا عن كبريائهِ وصموده، فهنا مفترقَ المعنى بين العشقِ والكبرياء:
-ليه بتقولي كدا،وأنا روحت فين، بكت بشهقاتٍ مرتفعةٍ عاجزةٍ عن تحمُّلِ الألمِ الذي اخترقَ روحها
-مش هتبعد عنِّي ياإلياس مش كدا، مش هتاخدني بذنبهم؟.
احتضنَ وجهها بين راحتيه، وتجوَّلَ بعينيهِ فوقَ ملامحها بشغف، وهتفَ بنبرةٍ خشنةٍ ممزوجةٍ بالعشقِ الدفين:
-مقدرشِ أعيش من غيرك، مش إلياس اللي ياخد حد بذنبِ حد، تخيَّلي بقى لو الحدِّ دا روحهِ وعشقه..
ابتسمت من بين دموعها تطالعهُ بنظرةٍ هائمة:
-روحه وعشقه!!
ارتجف جدران قلبه، فابتسمت عيناه قبل شفتيه، وعانقها بنظرة ممزوجة بالعشق الضاري، ليردف بنبرة تخصها وحدها
-عندك شك في كدا..كم مرة اتكلمنا في الموضوع دا
ارتفعت يديها تحتضن وجهه بحنان وعشق متمتمة بنبرة ممزوجة بالعشق
-ممكن تضمِّني اوي، هزَّ رأسهِ بالنفي وانحنى يحملُها بين ذراعيهِ دالفًا بها للداخل، وقلبهِ عبارةٍ عن مضخَّةٍ من دقات عنيفة، قابلتهُ غادة وهي تراهُ يحملها..
توقَّفت تطالعهما واستفهمت عمَّا بها:
-مالها ميرال ياأبيه؟!
تحرَّكَ قائلًا:
-كويسة، هرولت خلفهِ وتساءلت مرَّةً أخرى:
-طيب شايلها ليه..التفتَ لها:
-غادة خفِّي عن دماغي، قالها وصعدَ للأعلى دون حديث..توقَّفت وعينيها على تحرُّكهما إلى أن اختفيا، دلفَ لجناحهما، وأغلقَ البابَ بقدمه، اتَّجهَ إلى فراشهما ووضعها بهدوء:
-ميرو حاولي ترتاحي وتنسي أيّ حاجة تمام ..تشبَّثت بذراعه:
-متسبنيش، أنا محتاجاك أوي، ربتَ على كفِّها:
-أنا معاكي، هغيَّر هدومي وأجبلك حاجة تلبسيها..
هزَّت رأسها بالرفض، مبتلعةً غصَّتها التي بطعمِ مرارِ ماشعرت به:
-متسبنيش ياإلياس مش عايزة أغيَّر، عايزاك تاخدني في حضنك وبس، أنا خايفة..
كان وقعُ كلماتها عليهِ كبيرًا ليشعرَ بالعجزِ أمامها، حينها عاتبَ نفسهِ على ما فعلهُ بها، تمنَّى أن يدفنها بين ضلوعه، حرَّكَ أناملهِ على وجهها يرسمها بحنو..يحفرُ كلَّ إنشٍ بها داخل قلبهِ بعشقٍ هامسًا لها بنبرةٍ مبحوحة:
-تخافي وحبيبك معاكي، كدا تزعَّلي المسكَّر منِّك..ابتسمت وهي تضعُ كفَّيها على وجهه، قاطعهم طرقاتٌ على بابِ الغرفة، سمحَ بالدخولِ لتدخلَ غادة متسائلة:
-هيَّ ميرال كويسة ياأبيه، استدارَ يرمقها بغضبٍ يشيرُ إليها:
-غادة، ميرال كويسة، ممكن تسيبيها ترتاح شوية، اقتربت من نومِ ميرال:
-حبيبتي إلياس عمل فيكي حاجة، تحرَّكَ من أمامها متَّجهًا إلى غرفةِ الملابسِ يسبُّها بداخله، بينما ابتسمت لها ميرال:
-أنا كويسة ياغادة بس عايزة أنام، انحنت تطبعُ قبلةً على جبينها:
-قلقت عليكي، وبعدين ماله أبيه إلياس ، لسة متأثَّر باللي حصل؟..
هزَّت ميرال رأسها بالنفي وأجابتها:
– لا حبيبتي هوَّ بس مرهق، جلست بجوارها وتساءلت:
-ماما قالتلي إنِّك بنتِ عمِّ إلياس صح؟.. وقالت اسمه راجح، وكمان شوفت والدتك كانت هنا، بصراحة متزعليش منِّي دي ستّ كنت عايزة أشتمها، كلِّمت ماما فريدة بقلِّة ذوق، معرفشِ إزاي واحدة جميلة زيك بنتها، ياريتك كنتي بنتِ ماما فريدة، هموت..إزاي الستِّ دي تخلِّف واحدة قمر وطيوبة زيك، لا ياميرال الستِّ دي اتبرِّي منها، بترت حديثها عندما رفعها إلياس من ذراعها، وتحرَّكَ بها إلى خارجِ الغرفةِ ثمَّ أغلقها خلفها يسبَّها، متَّجهًا إلى زوجته:
-ميرال ياله علشان تغيَّري، مينفعشِ تنامي كدا، قالها وهو يضعُ ملابسها فوقَ الفراش، ثمَّ انحنى وساعدها بتبديلِ ثيابها، كانت كالجثَّةِ بين يديه، شعرَ بالحزنِ عليها، وذهبَ بذاكرتهِ ماذا كان سيفعلُ لو كان أهلهِ مثلها، أو أنَّ أحدًا غير مصطفى أخذه، وأصبحَ شخصًا غير سويًا، ارتفعَ تنفُّسهِ وهو يساعدها حتى انتهى ممَّا يفعله، ضمَّها لأحضانهِ يمسِّدُ على خصلاتها ثمَّ هتف:
-يعني طلعنا في الآخر ولاد…
-عارفة المفروض تحمدي ربنا إنِّ ماما فريدة خطفتِك منهم، علشان لو فضلتي هناك مكنَّاش هنتقابل ولا كنتي هتكوني مراتي دلوقتي..
اكتفت برسمِ ابتسامة، ودفنت رأسها بصدرهِ تبتعدُ عن نظراته، لأوَّلِ مرَّةٍ تشعرُ بصقيعٍ بكافةِ جسدها، دسَّ أناملهِ بخصلاتها يرفعها لتنظرَ إليهِ حينما شعرَ بدموعها، أزالها بإبهامهِ وسبحَ بجمالِ عينيها..
-طيِّب ليه العيون الحلوة دي تبكي، أكيد زعلانة علشان أنا طلعت ابنِ عمِّك صح؟..
-حياتنا كلَّها طلعت سراب ياإلياس، الأم اللي طول حياتي بفتخر بيها طلعت مش أمِّي، وبابا اللي رسمته بأحلامي مطلعشِ بابايا.
رفعَ ذقنها وعاتبها بعينيهِ قائلًا:
-طيب مش كفاية أنا حلمك واتحقق، دا لوحده المفروض تحمدي ربِّنا عليه، يابنتي إنتِ متجوزة أحسن راجل في مصر..
أفلتت ضحكةً من بينِ شفتيها، حتى التمعت عيناها، دنا من شفتيها يلمسها بخاصته:
-طيب واللهِ المسكَّر زعلان من البايرة ولازم تراضيني، ياإما..قابلت عيناها عينيهِ القريبة منها هامسةً بنبرةٍ متقطَّعةٍ على غير عادتها:
-المسكَّر ممكن يتخلَّى عن روحه، مش أنا روحك، زي ماإنتَ روحي ياإلياس؟..
لم يظلّ هنا لشفتيهِ حديثًا سوى أن تسكبَ عشقًا يروي به قلوبهما الظمآنة، لقد فاضَ القلبُ وارتفعت دقَّاتهِ وأُلهبت المشاعرَ بنيرانِ العشقِ الجارف، ليظلَّا فترةً لم يشعرا بما حولهما ولم يعلما كم سرقَا من الزمنِ من تلك اللحظاتِ والهمساتِ التي تُعتبرُ ميزانَ الحياة، دقائقَ ربَّما ساعاتٍ وغرفتهما مغلقةً عليهما كأنَّهما انعزلا عن العالمِ، بهروبهما من كابوسهما الواقعيّ الذي سيقلبُ حياتهما..بعد فترةٍ كانت عيناهُ تغازلُ ملامحها المستكينةِ فوق ذراعه، نظراتٌ تقطرُ عشقًا ضاريًا، تمنَّى أن يعودَ به الزمن لقبلِ سنواتٍ حتى يُشبعَ روحهِ من قربها، مرَّرَ أناملهِ على ثغرها الذي يشبهُ عنقودَ العنب وابتسمَ كلما تذكَّرَ لحظاتهِ السعيدة بقربها، لقد دغدغت قلبهِ وانهارت حصونهِ ودوافعهِ بحبِّها الذي زلزلَ أركانهِ بالكامل ..
فتحت عينيها على حركةِ أنامله، لترفعَ رأسها تدفنهُا بحنايا عنقه، لتضربَ أنفاسها الناعمةِ جلده، ليرتجفَ جسدهِ بنيرانِ الرغبة، فلقد فاضَ الشوقُ
جلسَ وقامَ باعتدالها، محاوطها بذراعيه، وضعت رأسها على كتفه، ثمَّ مدَّت كفَّها لتتشابكَ أناملها بأنامله، لديها شعورًا بداخلها أنَّ هذا الرجلَ فاقَ حدودَ الروعة التي فقدت المعاجمَ في سردِ صفاتهِ وحنانه، من يراهُ يقسمُ أنَّهُ هالةٌ من الغرورِ والكبرياء، ولكنَّ الكبرياء هنا كبرياءَ العشق، لأوَّلِ مرَّةٍ ترى بعينيهِ بريقُ الحنان، وكأنَّهُ يضعُ قلبهِ بين راحتيها لتفعلَ به ماتريد، فجميعُ لمساتهِ يمتلكها ذراعَ الحنان، ليثبتَ لها أنَّ قلعتهِ حصنها الآمن وليس سواه..
-بقيتي كويسة؟..رفعت رأسها:
-زهقت ولَّا إيه؟..
-هزهق من إيه بس، أنا بطَّمن عليكي، هتفضلي حبساني كدا، عايز أشوف شغلي، وحضرتك عاملة زي الأطفال، اللي محتاجة والدتها..
-مش يمكن بعتبرك أكتر من كدا..
-وأنا مش عايزك طفلة، عايزك ميرال الواعية، مبحبش ضعفك دا..
أجابتهُ بعبث:
-عايزة أقعد في حضنك، مستكتر عليَّا حضنك شوية..ثبَّتَ نظراتهِ عليها لبعضِ اللحظات ثمَّ أردف:
-وبعدِ ماتقعدي شوية في حضني هيحصل إيه؟..هنفضل طول اليوم في تبادل الأحضان، ميرال عندي شغل، فوقي مش عايز أيِّ حاجة تأثر عليكي..
-دا كلُّه علشان قولتِ لك عايزة أفضل في حضنك ياإلياس، علشان محتاجاك..
زفرَ بحنقٍ ووضعَ كفَّيهِ بخصره:
-خلاص أقعد دادة لسيادتك، ولَّا أقولك نحكي حواديت إيه رأيك؟..
طالعتهُ بتذمُّرٍ قائلة:
-لو رديت زي أيّ راجل بيحبِّ مراته هيدفَّعوك ضريبة مثلًا؟..
رفعَ حاجبهِ وأجابها بتخابث:
-الراجل اللي بيحبِّ ياميرال، هبَّت معتدلةً بمقابلتهِ وأشارت ملوِّحةً بيديها متمتمة:
-متستفزِّنيش ياإلياس، إنتَ بتقلب بسرعة ليه؟..حرام تقعد ساعتين حبيب من غير ماتقلب لبرودك دا ياأخي، نفسي تسلِّفني منهم شوية..
زوى مابين حاجبيه، مستنكرًا حديثها:
-تقصديني بكلامك دا ولَّا حدِّ تاني؟.،
جزَّت على أسنانها متراجعةً تستندُ على سريرها تهمسُ لنفسها:
-يالهوي لو ابنه طلع ببروده، هيدخَّلوني مستشفى المجانين، يارب مايطلع زيه يارب، أنا غلبانة عليهم..
دنا يتنصَّتُ على حديثها، ثمَّ وضعَ كفِّهِ على جبينها
-إنتِ سخنة، صح هعتبر دا هلوسة حمى..أغمضت عينيها حتى لا تطبقَ على عنقه:
-امشي من قدَّامي، اطلع برَّة وسبني بدل ماأقلب عليك..
توقَّفَ قائلًا:
-أنا هطلع بس مش علشان المجنونة طلبت علشان لو قعدت هزعل وأنا زعلي وحش..
رفعت إحدى حاجبيها ساخرة:
-تزعل، هوَّ إنتَ بتفرح أصلًا، نفسي تضحك، أشارت على بطنها:
-حبيبي في هنا بيبي، وإنتَ أبوه اضحك شوية الولد هينزل يشتمنا..
راقَ له دلالها، فتراجعَ يهزُّ رأسهِ مبتسمًا، ودلفَ إلى الحمَّامِ دون حديثٍ آخر..
بفيلَّا الجارحي:
خرجت ملك من غرفتها متَّجهةً إلى الحديقة، قابلها إسحاق:
-ملوكة عاملة إيه ياعمُّو؟.،اتَّجهت إليهِ بعيونٍ حزينة:
-الحمدُ لله ياعمُّو، هوَّ أرسلان مش هيجي النهاردة كمان؟،،حاوطَ أكتافها وتحرَّكَ إلى أرجوحتها وأجلسها وبدأ يحرِّكها بهدوء:
-طيِّب عمُّو مينفعشِ بدل الولد أبو غمازات دا، أه أنا كبرت شوية بس برضو لسة حليوة.،
ابتسمت كالطفلة، ثمَّ تشبَّثت بأرجوحتها واستدارت برأسها تطالعه:
-لا حضرتك زي القمر، معرفشِ الستات أغبية علشان سايبينك سينجل إزاي..
قهقهَ عليها بصوتٍ رجولي، وحاوطَ جسدها قائلًا:
-أخوكي مشغول جدًا، أنا كمان مبقتشِ أشوفه حبيبتي، وهمَّا ساعات اللي بيكون موجود هنا في مصر، مش معقول هنقولُّه تعالَ وسيب مراتك بظروفها دي، متنسيش أنَّها كانت حامل..قاطعَ حديثهما صوتُ الحارس:
-أسحاق باشا، نصبَ عودهِ يطالعهُ باستفهام، اقتربَ منهُ قائلًا:
-فيه واحد طالب يشوف حضرتك والباشا، ودا الكارت بتاعه..
أمسكَ الكارت مابين أناملهِ يردِّدُ ماعليه..
اتسعَ بؤبؤُ عينيهِ متحرِّكًا للداخل سريعًا، ارتسمَت ابتسامةٌ عريضةٌ على محيَّاه، واقتربَ بتحيَّته:
-أهلًا وسهلًا سيادةِ اللوا، مصدَّقتش لمَّا قالولي إن حضرتك شرفتنا..
أومأ له قائلًا:
-أهلًا بيك سيادةِ العقيد، يارب تكون بخير..
أشارَ إليهِ بالجلوسِ مجيبًا:
-ليَّا الشرف طبعًا يافندم إنِّ حضرتك تنوَّرنا..قاطعهم دخولُ فاروق يوزِّعُ نظراتهِ بينهما، ورغم تخبطِ مشاعرهِ إلَّا أنَّهُ ابتسم:
-أهلًا وسهلًا بسيادةِ اللوا، الفيلا نوَّرت..
توقَّفَ مصطفى وحيَّاهُ بنبرتهِ الرخيمةِ والوقورة:
-أكيد بأهلها وناسها، ليا الشرف بمقابلتك..بعد التحية، وزَّعَ فاروق نظراتهِ بين إسحاق الذي صمتَ ومصطفى وتساءل:
-تحت أمرك يامصطفى باشا..تراجعَ مصطفى بجسدهِ ووزَّعَ نظراتهِ عليهما قائلًا بنبرةٍ هادئة:
-عندكم أمانة تخصِّنا ياإسحاق، فتحَ فاههِ للتحدُّثِ إلَّا أنَّهُ أشارَ بيده:
-قبل أيِّ حاجة أنا مش جاي أعاتبكم أو آخد ابنكم، عارف إنِّ ليكم فيه أكتر مننا، بس متنسوش إنِّ دي أم، ومهما السنين مرِّت عليها عمرها ماهتتنازل عن ابنها، أنا جاي نتِّفق وطبعًا تحتِ أمركم، وزي ماقولت أنتوا ليكم فيه أكتر مننا، هسيبكم تفكَّروا بالأبوَّة اللي ربتوه بيها، عارف الموضوع صعب، ويمكن مؤلم أوي، لكن قبلِ أيِّ حاجة مفيش حاجة هتفضل متخبية، حاولت قبلكم وللأسف جه الوقت اللي اتكشفت فيه كلِّ الحقايق، أرسلان كدا كدا هيعرف، فلو عرف منُّكم هيبقى أفضل بكتير أنُّه يتصدم من حدِّ تاني..
-حضرتك بتهدِّدنا ياسيادةِ اللوا..هكذا تساءلَ بها إسحاق؟..
هزَّ رأسهِ باعتراضٍ على حديثه:
-أبدًا لا سمحَ الله ولا ليا حق ولا عين أقف وأطالب بحاجة كان ليكم الفضل الأكبر فيها، بس أنا بناشد قلوبكم وعارف ومتأكد اللي يربي واحد زي أرسلان عمره مايكون أناني، وبكرَّر كلامي للمرَّة التالتة، الولد ليكم فيه أكتر مالينا، الأب هوَّ اللي ربَّى مش اللي خلِّف، بس من حقُّها إنَّها تاخده في حضنها، حقَّها ومنقدرشِ ننكره، وطبعًا أكيد هوَّ مش صغير وهيتفهَّم جدًا، وخاصةً لما يعرف إنِّ إلياس أخوه اللي حضرتك حاولت تبعده عنُّه ياسيادةِ العقيد..
صمتَ للحظاتٍ وتابعَ حديثهِ عندما وجدَ تغيَّرِ وجوههم:
-كان لازم أعرف انقطاع أرسلان بعد زيارة والدته..مسح اسحاق بكفيه على وجهه كي يهدأ من ارتفاع أنفاسه المرتجفة، ورغم ذلك توقّّفَ أخيرًا بعدما فشل في محاولَ تهدئةَ نفسه، ساحبًا نفسًا عميقًا ثم أشار بسبباتهِ
بعدما فقدَ تحكُّمه بالكامل:
-متقولشِ أمُّه دي ياسيادةِ اللوا، أرسلان مالوش غير أم واحدة، أنا مقدَّر مجية حضرتك اللي أكيد اتشرَّفنا بيها، بس حضرتك جاي في بيتنا وبتقول عايز ابننا، الولد مالوش غير أب واحد وأم واحدة ودا آخر كلام عندي..
توقَّفَ فاروق مع ارتجافةِ جسدهِ وهو ينظرُ لأخيهِ بعتاب، ثمَّ التفتَ إلى مصطفى وحاولَ الحديث، إلَّا أنَّ لسانهِ ثقلَ ولم يعد لديهِ قدرةً على التفوُّه، شعرَ به مصطفى فنهضَ من مكانهِ واقتربَ منه محاولًا تهدئته:
-واللهِ أنا ماجاي علشان أحرمكم منُّه، وأطالب بحقِّنا فيه، لأنِّنا مالناش حق فيه غير أنُّه أخو إلياس، اللي مهما الحقيقة اختفت هتظهر، وأكيد إسحاق عرف إنِّ إلياس أخو أرسلان، فبلاش نضحك على بعض يافاروق، أقعد مع نفسك وحطِّ نفسك مكان والدته، دي أم خطفوا ولادها تلاتين سنة ويوم ماتلاقيهم نحرمهم منها، حاولت قبلك أبعده مايعرفشِ حاجة، بس عرف، وإلياس غير أرسلان، خايف عليه من الصدمة، هيكون صعب صعب أوي..
قالها متنهِّدًا بحزنٍ ثمَّ استأذنَ وتحرَّكَ إلى أن وصلَ إلى بابِ الغرفةِ يطالعهم قائلًا:
-أنا جيت قبلِ ماإلياس يعرف، عنده عم سم وبيحفُر في كلِّ مكان علشان يوصلُّه قبلنا، وأكيد إنتَ عارف ياإسحاق دا ممكن يعمل إيه، ياريت تتفهِّموا الوضع..قالها وغادرَ المكان بأكمله، ليهوى فاروق على المقعد، بعدما فقدَ اتزانهِ يتمتم:
-يعني كدا النهاية، الولد مبقاش ابني، ابني اللي بكبَّره بقالي سنين علشان يكون سندي هيروح لحدِّ تاني، رفعَ عينيهِ الخاويةِ إلى إسحاق الذي يدورُ بالغرفةِ مثل الأسدِ الجريح:
-أنا كنت عارف أنُّه جاي يهدِّدنا، لازم ألاقي حل، لا لازم يكون فيه حل، أنا لمَّا دوَّرت ورا إلياس من أوَّل ماعرفت أنُّه ماسك قضيةِ الخلية قبل ماعرَّفته بأرسلان عرفت أنِّ رأسه سم، متأكِّد مش هيسكت، دا راح السويس يوم ماعرف أنُّه مش ابنِ مصطفى وراجع على شغله وكأنّ ماحصلشِ حاجة، الولد دا بيخطَّط لحاجة وخاصةً أنُّه معرَّفشِ أرسلان بأيِّ حاجة..
نهضَ فاروق وتحرَّكَ بخطواتٍ بطيئةٍ وكأنَّهُ طفلًا يتعلَّمُ المشي يستندُ على الجدار، إلى أن وصلَ بابَ الغرفةِ وسقطَ فاقدًا الوعي..
عند أرسلان بأحدِ مدنِ المعمورةِ التي تجمعُ بين التاريخِ والطبيعة، خرجَ من إحدى الكنائسَ لينهي ماوصلَ إليه، استقلَّ سيارتهِ مع رنينِ هاتفه:
-أيوة حبيبتي، قدَّامي ساعتين تلاتة وأكون عندك بإذنِ الله..
كانت تجلسُ بجوارِ أخيها، نهضت مبتعدةً عنه:
-أرسلان أنا عند بابا لمَّا تيجي عدِّي عليَّا هناك، كنت زهقانة فقولت أعدي عليهم علشان أطَّمن عليهم..
توقَّفَ بالسيارةِ وصمتَ لبعضِ اللحظات، ورغم صمتهِ إلَّا أنَّ أنفاسهِ صمَّت أذنها:
-يعني جاية تعرَّفيني بعد ماروحتي ياغرام ولَّا إيه، مالكيش راجل تاخدي الإذن منُّه؟..كلِّمتك الصبح ولَّا لأ، ليه مقولتيش إنِّك رايحة لباباكي؟..
-أرسلان…
-مش عايز أسمع حاجة…قالها وأغلقَ الهاتفَ متحرِّكًا من المكانِ ولم يشعر بتلك السيارةِ التي تراقبه..
بمنزلٍ بإحدى الأماكنِ المتطرِّفةِ بضواحي القاهرة، نهضت من مكانها تشعرُ بوهن، وجسدها الذي أصابهُ الخمول، نادت على خادمتها، فهرولت إليها:
-نعم يامدام..أشارت إلى هاتفها:
-هاتي التليفون، واعمليلي كوباية لبن..
أومأت لها بطاعةٍ واتَّجهت إليها بالهاتفِ قائلة:
-الغدا جاهز يامدام أجبهولك الأوَّل ولَّا تشربي اللبن؟..
تراجعت بجسدها على الفراش تشيرُ إليها بالخروجِ قائلة:
-هاتي اللبن وأخَّري الغدا لحدِّ ماالبيه يرجع..أومأت وتحرَّكت إلى الخارج، رفعت هاتفها تهاتفه:
-إسحاق إنتَ فين اتأخرت ليه؟..
أجابها وهو يتطلَّعُ إلى الطبيبِ الذي يقوم بالكشفِ على فاروق قائلًا:
-دينا بعدين أكلِّمك…قالها وأغلقَ الهاتف..
زفرت بحنق، ونهضت متعثِّرةً بخطواتها تحتضنُ أحشاءها تهمسُ لنفسها:
-هنفضل عايشين لوحدنا حبيبي، باباك اللي كان بيقولِّي هرسملك الدنيا ورد، معبرناش، ياله ناخد شاور لحدِّ ما نشوفه هيرجع ولَّا لأ..
عند إسحاق توقَّفَ أمامَ الطبيبِ الذي هزَّ رأسهِ بأسى وهو يقطعُ تلك الورقة التي يدوِّنُ بها الأدوية:
-حذرتك قبل كدا ياإسحاق، للأسف جلطة ولازم يتنقل مستشفى ومتقولشِ مينفعش، جذبَ إسحاق تلك الروشتة وأشارَ لأحدِ رجالهِ عليها، فالتقطها وخرجَ دون حديث، ثمَّ اتَّجهَ إلى الطبيب:
-متسألشِ في حاجة إنتَ عارفها يادكتور، عايز ممرِّضة ثقة تكون تحتِ رجله أربعة وعشرين ساعة وتكون عندها خبرة كافية، وتقولِّي خلال أسبوع هيرجع يقف، دا اللي عايز أسمعه مش حاجة تانية..
بمنزلِ يزن:
قبلَ ساعاتٍ دلفت مها تنظرُ إلى جلوسهم، ثمَّ اقتربت ودموعها تنسابُ على وجنتيها:
-ضحكت عليَّا يايزن، أخدتني انتقام علشان تشتري أسهم الشركة وتتجوِّزها؟..توقَّفت راحيل تطالعهم باستفهامٍ تجلى بنظراتها، دنت منها وأشارت عليه:
-اتجوِّزتيه، ياترى قالك أنُّه استخدمني علشان يشتري أسهم الشركة ويدخل شريك معاكم؟..تركتها واقتربت منهُ وتوقَّفت تنظرُ إليه:
-ليه عملت كدا، أنا إزاي مفهمتش إنَّك عايز تنتقم منِّي ومن طارق، دارت حولهِ وهمهمت بكلماتٍ غير مفهومةٍ إلى أن رفعت عينيها إليه:
-إزاي مسألتش نفسي عن فلوسِ الأسهم دي، مش معقول تكون بعت نصيبك في الورشة، دي روحك، وياما اتحيلت عليك تبيعها علشان نتجوز اقتربت ورمقتهُ بنظراتٍ ناريةٍ وصاحت تهدرُ بغضب:
عملت فيَّا كدا ليه، عملت لك إيه يايزن؟..
-إيمان خدي راحيل وادخلوا جوَّا..قالها وهو ينظرُ إلى مها نظراتٍ جليدية..
تغضَّنَ وجهها بعبوسٍ ثمَّ ضحكت باستخفاف:
-ليه ياعريس مش عايز المدام تعرف إنَّك رجعتلي؟..
-إيمان، صاحَ بها بصوتٍ صاخبٍ لتجذبَ راحيل من كفِّها، إلَّا أنَّ رحيل نزعت يدها واقتربت منهُ تطالعهُ بترجِّي:
-إيه اللي بتقوله البنتِ دي، وأسهم إيه اللي بتتكلِّم عنها، أطلقت مها ضحكةً صاخبةً تلطمُ كفَّيها ببعضهما:
-كنت عارفة ومتأكدة أنُّه ماقلكيش حاجة، أصله واطي..لطمةً قويةً على وجهها حتى شعرت بتخدُّرِ خدِّها، ثمَّ سحبها من ذراعها بقوةٍ وألقاها بالخارجِ لتهوى على الأرضيةِ متأوهةً تبكي بشهقات، ثمَّ أشارَ بسبباته:
-أنا فعلًا واطي إنِّي ضيَّعتِ وقتي مع واحدة زيك، واحدة زي الكلبة بتجري للي يدفعلها أكتر، عايزة تعرفي عملت فيكي إيه، انحنى مستندًا على ركبتيهِ وغرزَ عينيهِ بمقلتيها:
-أه استخدمتك علشان أشتري الأسهم، علشان أعرَّفك أنا بقيت إيه والكلبِ اللي بعتيني علشانه بقى إيه، ضحكت عليكي.. أه ضحكت عليكي زي ماإنتِ ضحكتي عليَّا قبلِ كدا، اقتربَ يدفعُ رأسها بأنامله:
-عبيطة يابت علشان يزن يرجع لواحدة باعِته، فوقي ياماما، دا أنا كنت بقرف من نفسي من كام دقيقة بكون معاكي فيها علشان أوصل للي أنا عايزه، ودلوقتي حبيبِ القلب فلِّس ياحلوة، ماهو مش الأسهم بس، فيه واحدة رخيصة زيك لفِّت عليه وسحبت كلِّ اللي حيلته، وهوَّ كلب بيجري على أيِّ حتِّة لحمة معفِّنة،
ودلوقتي لو شوفتك في يوم من الأيام قدَّامي حتى لو صدفة هدوس عليكي بجزمتي، قالها وأغلقَ البابَ بوجهها..
تقابلت النظراتُ مع ارتفاعِ أنفاسه، بصعودِ صدرهِ وهبوطهِ من كثرةِ انفعالاته، إلى أن نطقت راحيل:
-معنى الكلام دا إيه يايزن؟..تحرَّكَ إلى غرفته:
-معناه مايخصُكيش ومتفكَّريش إنِّك مراتي علشان تسألي في حاجة خاصة بيا، قالها وصفعَ البابَ خلفهِ بقوَّةٍ حتى أفزعتها، لتهوى على المقعدِ بدموعٍ ممزوجةٍ بخيبةِ الأمل، فالموضوع لا يحتاج لعقلٍ لترجمته..
عندَ آدم قبلَ ساعات:
توقَّفت حنين بجوارِ آدم وأجابت على سهام قائلة:
-أنا حنين مرات آدم..رفعت عينيها لآدم مبتسمة، وتابعت حديثها:
-بقالنا سنتين متجوِّزين، كان عايز يجبني هنا من زمان بس كنت مشغولة بالدكتوراة، ولمَّا نزل طلب مني أخلص وأحصَّله..ألقت كلماتها التي أصبحت كالطلقاتِ الناريةِ..بعد كلماتِ سهام التي أصابت قلبها بنزيفٍ يمزِّقهُ دون رحمة…لتشعرَ بآلامٍ مبرحةٍ تفتكُ جسدها ناهيكَ عن آلامٍ أسفلَ ظهرها مما جعلها تحتضنُ أحشاءها وتهوى على الأرضِ بعدما شعرت بسائلٍ دافئٍ ينسابُ على ساقيها، ورغم كبحِ آلامها ومعاناتها ومحاولتها التماسك بألَّا تضعفَ بحضورها، إلَّا أنَّها انهارت وشقَّ جوفها صرخةً زلزلت جدرانَ الغرفة، ليلتفتَ مذهولًا ينظرُ إلى جسدها الذي سقطَ على الأرض، والدماءُ التي لطَّخت ثيابها، وصلَ إليها بخطوةٍ واحدةٍ وهتفَ بفزع:
-إيل. ين، قالها وانحنى يحملها بين ذراعيهِ متَّجهًا سريعًا إلى سيارته، بوقوفِ زوجتهِ الأخرى تطالعهُ بذهول، كيف يتحرَّكُ بتلك الطريقةِ دون أن يراعي شعورها ويقدِّمها إلى والده، الذي لم يقلّ عنهُ عدمَ تقديرها ليهرولَ خلفهِ يصرخُ باسمِ إيلين..فاقتربت من سهام متساءلةً مين دي؟..
رفعت سهام حاجبها تحرِّكُ فكَّها يمينًا ويسارًا،ولطمت على كفَّيها بعدما وضعتها فوق بعضهما بحركةٍ تنمُّ عن التهكُّم:
– دي مرات آدم المسهوكة ياجميلة مش قدرت توقف قدام جمالك فوقعت وأُغمى عليها، ثمَّ جذبتها واتَّجهت إلى الأريكة:
-تعالي احكي لي ..إزاي اتعرفتي على آدم؟..
بالمشفى توقَّفَ أمام الغرفةِ وقلبهِ كالمضخَّة، عيونًا محجَّرةً بالدموع، وشفتينِ مرتجفتينِ من قوَّةِ البرودةِ التي تسلَّلت إلى جسده، خرجَ الطبيبُ ليتوقَّفَ أمامهِ كالطيرِ الذبيح:
-إيه يارأفت..رفعَ عينيهِ وصمتَ لبعضِ اللحظاتِ حتى تجلَّى الوجعُ على وجهِ آدم ليهتف:
-ربنا يعوَّض عليك، أنا فهِّمتك إنِّ حالة الجنين غير مستقرة، وممنوع الحركة، للأسف ياآدم مقدرناش ننقذه، المهم دلوقتي حالةِ الأم، أتمنَّى تتجاوز المحنة دون مخاطر..قالها وتحرَّكَ من أمامه، التفتَ لوالدهِ كالذي فقدَ الحياةَ متمتمًا:
-كان آخر أمل يابابا، دلوقتي خسرت إيلين للأبد، ربتَ زين على كتفهِ وتحرَّكَ للداخلِ دون حديث، أمَّا هو فهوى على المقعدِ شاردًا حزينًا، يتجوَّلُ بنظراتهِ بالمكانِ كالطفلِ الذي فقدَ والديه..
بعد قليلٍ فتحت عينيها تتأوَّهُ وهي تضعُ كفَّها على بطنها، تتمتم:
-ابني، ابني نزل ياخالو، ابني نزل صح؟..
مسَّدَ على خصلاتها:
-ربنا يعوَّض عليكي يابنتي، المهم تكوني كويسة، أطبقت على جفنيها عندما شعرت بأنينٍ يتسرَّبُ لأعضائها بالكامل، فتحَ البابَ ودلفَ بهدوئهِ المعهود، جذبَ المقعدَ وجلسَ ونظراتهِ ترسمها، التفتت إلى الجانبِ الآخرِ قائلة:
انا عايزة أمشي من هنا، هروح أقعد عند صاحبتي لحدِّ الامتحانات، ولو سمحت ياخالو مش عايزة اعتراض.
نهضَ من مكانهِ دون حديث، يومئُ لوالده، ثمَّ تحرَّكَ للخارج..
بعد عدَّةِ ساعات، وصلت السيارةُ أمام منزلِ رؤى، ترجَّلت بمساعدةِ زين، توقَّفت بين ذراعيه:
-سامحني ياخالو، لازم أبعد عن كلِّ حاجة، عايزة أبني إيلين اللي ابنك دمَّرها..
احتضنَ وجهها وقبَّلَ جبينها قائلًا:
-أسبوع واحد يابنتِ محمود، تغيَّري فيه مودك وهرجعلك وأخدم غصبِ عنِّك، ومش عايز كلمة لا دي، أنا مضطَّر أوافق علشان مسافر مع عمُّو مالك هيعمل عملية، ولازم أكون موجود معاه، أرجع ياإيلين وألاقي إيلين بنتِ أختي اللي محدِّش يقدر يكسرها، أنا خليت آدم يرجَّعك..جحظت عيناها وفتحت فاهها للاعتراض..
-مش عايز كلمة واحدة، مش هستنَّى لمَّا سهام ومحمود يدمَّروكي، اعتبريه مش متجوِّزك، كأنِّك حرَّة ومش هيقرَّب منِّك ودا حفاظًا عليكي يابنتِ أختي، لحدِّ ماتخلَّصي السنة دي وتسافري لأختك وأخوكي، كدا متفقين، أشارَ على منزلِ رؤى التي تقفُ تنتظرها وأردف:
-ادخلي ياله وهكلِّمك لمَّا أوصّل لرحيل..
تراجعت خطوةً للخلفِ وهتفت بنبرةٍ اعتراضية:
-وأنا مش موافقة، نار مرات أبويا ولاجنة ابنك.
-وأنا بقول ادخلي ياإيلين، إنتِ لسة خارجة من المستشفى مش عايز أزعَّلك منِّي، قالها و اتَّجهَ إلى سيارته، ثمَّ توقَّفَ وسألها:
-كنتي تعرفي إن رحيل اتجوِّزت؟..
قطبت جبينها متسائلة بذهول:
-هيَّ اتجوِّزت، إمتى، وإزاي؟!..
أشارَ إليها بالدخول..
-طيب ادخلي علشان ماتوقعيش، خطت إليه
-ابنك يطلقني دون رجوع، ضحكت عليا ياخالو
-ادخلي يابنت محمود، متخلنيش أفقد أعصابي ..قالها واستقل السيارة
بعد أسبوع:
خرجت من عملها واستقلَّت سيارتها وهي تهاتفه:
-أنا خلَّصت شغل الجريدة، بس عندي مقابلة شغل تانية، وأتمنَّى تلمِّ حرسك عنِّي، أنا بتخنق.
كان واقفًا أمام النافذة يرتشفُ قهوتهِ وينظرُ للمارةِ بالشارع، ظلَّ صامتًا إلى أن أنهت حديثها:
-مينفعشِ ياميرال، مقدرشِ أأمِّن لراجح، معرفشِ بيرتِّب لإيه..سكوته مش مطمِّني..
تنهَّدت بصوتٍ عالٍ ثمَّ زفرت بغضبٍ حتى استمعَ إلى صوتِ أنفاسها، أردفَ بملامحٍ جامدة:
-مش عايز دلع وكلام كتير، خلَّصي شغلك وعربية الحراسة معاكي وإياكي تحاولي تعملي حاجة تانية..
انا مش موافقة على الخنقة دي، متخلنيش اهرب منك، ومتعرفش مكاني، عايزة اتنفس زي الناس الطبيعية
-ميرال كلمة كمان وهقلب عليكي واقولك بلاها شغل خالص
قالها وأغلقَ الهاتفَ بدخولِ شريف، جلسَ وانتظرَ قدومه، اتجه إليه يشير برأسه
-ايه الجديد؟..وضعَ أمامهِ بعضَ الأوراق:
-راجح مالوش أيِّ حاجة تثبت أنُّه شغَّال شمال، الورق دا يثبت أنُّه كان شريك مالك، بس من فترة ابنه باع عشرين في المية من أسهمِ الشركة، بس لحدِّ دلوقتي هوَّ المسيطر في مرض مالك العمري، مصنع اللحوم بتاعه إنتَ شمَّعته بالشمعِ الأحمر، رغم أنُّه كان سليم بس معرفشِ ليه استعملت سلطتك في كدا..وعلى فكرة هو سافر هو مراته من يومين السعودية
ارتفع جانب وجهه بابتسامة ساخرة
-ليه ناوي يحج ولا ايه، تفتكر اللي زي راجح دا نقول عليه ياحج، طب والله خايف على الكعبة منه، دا عدى أبرهة الحبشي، ياترى بتخطط لأيه ياراحج
قهقه شريف يهز رأسه
-ليه يابني مايمكن حس بالذنب وعايز يتوب
-يتوب!! دا هيخلي الشيطان يتوب لانه عداها يابني
-المهم الولد ابنه دا فين
-في الشقة إياها!! وزي ما أمرت ياكبير
-برافوو..عايز ملفه اللي كان في الشرطة مع جوازته، واياك يا شريف تجيب سيرة رؤى في الموضوع، خليها لوقتها
-ليه بس مش قولنا هنظبط الدنيا
نقرَ على المكتبِ وذهبَ بأنظارٍ شاردةٍ متسائلًا:
-فكرت في الموضوع ومعجبنيش، خليها دلوقتي ممكن تكون طعم قدام
-المهم شركائهِ الأجانب بتوع المصنع والورشة دول دوَّرت وراهم..تراجعَ شريف بظهرهِ وطالعهُ بنظراتٍ استفهامية:
-ليه دا كلُّه، إنتَ عارف لو اللوا عرف إنِّنا بندوَّر ورا حد من غير إذن دا إيه؟..
توقَّفَ مستديرًا إلى مقعده:
-شريف الراجل دا أكيد من الجماعة إياها، عايز نفسه كدا، ومالكش دعوة إنتَ بحد، شغلي أجهزة التنصُّت وأيِّ جديد عرَّفني بيه، أكيد هنطلع بحاجة منُّه..وكويس انك سحبت من تحته البساط، دلوقتي زي المجنون، انا متاكد سفره دا وراه حاجة كبيرة، كمل بس المستندات اللي بعتهالك وابعتها للناس اللي قولت لك عليهم، خليهم يرموه تحت رجلي
زم شفتيه معترضًا:
-إلياس راجح بعد اللي عملته مش هيسكت انت فتحت عليه النار من كل الجهات وفي نفس الوقت بتحاول تبرئه قدام الحكومة ممكن اعرف راسك فيها ايه
-كل خير ياشريف، انا قاعد معاك أهو لسة معملتش حاجة، المهم الواد اللي اسمه طارق دا، اسحب منه كل اللي عايزينه صوت وصورة ياشريف، واياك الحاجات دي توقع في ايد حد غيري
عندَ ميرال دلفت لأحدِ المؤتمراتِ السياسيةِ التي تضمُّ عددًا من الأحزاب، ظلَّت لبعضِ الوقت إلى أن أتمَّت عملها بعملِ بعضِ اللقاءات بما يخصُّ عملها.
خرجت بعد قليلٍ متَّجهةً إلى المصعد، ولكنَّها شعرت بالغثيان، اتَّجهت إلى المرحاضِ بعدما فقدت اتزانها، دلفت للداخل، وبدأت مرحلةُ القيئ التي سحبت أنفاسها، جلست لبعضِ اللحظاتِ تسحبُ أنفاسها منتظمة، استمعت إلى طرقاتٍ على بابِ الحمَّام:
-مدام إنتِ كويسة، أغمضت عينيها وحاولت أن تجيبهُ باتزان:
-أيوة وابعد عن الحمَّام عيب كدا، شوية وخارجة..ابتعدَ لبعضِ الخطواتِ وعينيهِ كالصقرِ في كلِّ الأرجاء، استمعَ إلى بعضِ النقاشاتِ والألفاظ الحادة، تراجعَ ليكتشفَ ماذا يحدث، بعدما تردَّدَ اسمَ أحدِ الأشخاصِ الذين يعملون معه، اقتربَ على سبابِ سيدة تشيرُ لأحدِ الرجالِ بأنَّهُ يقتربُ منها بطريقةٍ مقزَّزة..
سحبهُ الرجلَ قائلًا:
-تعالَ معانا للمدير، هرولَ الحارسُ الخاصَّ بميرال إليهما ليخبرهما بهوِّيتهما، استغلَّت رانيا ذلك المشهد، لتشيرَ لأحدِ الرجال بالدخولِ إلى الحمَّام..دفعت البابَ ودخلت تنظرُ للتي تقومُ بتعديلِ حجابها، التفتت على صوتِ دفعِ الباب، تنظرُ إليها بذهول:
-إنتِ…لحظات ولم تشعر بشيئ..
عند فريدة
أنهت صلاتها وجلست على سجادتها كعادتها، ابتسمت برضا كلما تذكرت حديثهما معًا، ليلة الأمس ليلة حانية رطبة على قلبها بعد سنين عجاف، نظرت لذاك المصحف الذي ترتديه بسلسالها بعنقها، لمسته بأناملها وذهبت بذكرياتها الجميلة لأول مرة، نعم لأول مرة سيكتب بذكرياتها ابنها الحنون
“جبت لك هدية عربون محبة، اتمنى متخلعهاش ابدا، إلا وأنت داخلة الحمام، مينفعش طبعًا علشان دي آية الكرسي، حبتها علشان منجية من كل شر، لو ليا معذة عندك متخلعيهاش
قالها وهو يحتضن كفيها يقبلهما
ربتت على ظهره
-تسلملي مجايبك حبيبي، لابس ورايح فين كدا، انت لسة راجع
ابتسم قائلًا:
-لا يامدام فريدة مش علشان عربون المحبة تفكري انك تسيطري عليا، انا راجل وكبير كمان مش لسة طفل
لمعت عيناها بالدموع تهز رأسها مبتسمة
-واحسن راجل في الدنيا ياحبيبي
انحنى يقبل جبينها
-عايزك تسامحيني ودايما دعواتك تسبق خطواتي، احنا هنقعد مع بعض كتير اكيد، بس الوقت دا عندي ضغط شغل، خلي بالك من ميرال، انا وافقت على شغلها علشان متفكرش كتير، هي تعبانة وبتحاول تبين أنها كويسة، بس هي مش كدا
-بتوصيني على بنتي ياالياس ..
ابتسامة متهكمة تشق ثغره قائلًا:
-أيوة صح دا أنا أهبل..قاطعته سريعًا
-لا ياحبيبي متقولش كدا، قاطعهم دخول مصطفى
-ايه قطعت خلوتكم الحلوة..استدار متحركًا وأجابه
-لا ياحبيبي، أنا عندي شغل وكنت بوصي مدام فريدة على مراتي
-مدام فريدة ومراتك يابن مصطفى مش هتتغير ..لوح بكفيه وتمتم
-لازم امشي ياسيادة اللوا، اشوفك بكرة …قالها وغادر المكان..قطع شرودها هاتفها
-آلوووووو…قالها مقهقهًا
ارتجف جسدها بالكامل لتهب من مكانها فزعة
-عايز ايه ياراجح ؟!
-عايزك يافريدة، ومش هسكت غير وانت في حضني
-في كوابيسك إن شاءالله ياراجح
التوى زواية فمه وابتسامة هازئة
-مش يمكن تغيري رأيك يافيري
لو اتصلت تاني ..بتر كلامها قائلا بنبرة باردة قاسية
-مرات ابنك عندي يافريدة، وكمان حامل، نص ساعة لو مجتيش من غير ماابنك وجوزك يعرف، اقسم بالله لافتح بطنها وابعتلك حفيدك ملفوف في شاشة
شهقت بذعر تضع كفيها على فمها حتى لا يستمع إلى ضعفها، استمعت إلى صوته البغيض
-تلاتين دقيقة يافريدة وبس، يااما ..قاطعته قائلة:
-مش هتقدر ياراجح، هو فيه واحد يعمل كدا في بنته
ضحكات صاخبة حتى شعرت بالصمم، وكأن صوت ضحكاته صوت عويل، لتصرخ منددة بحقارته
-مش هتقدر ياراجح، مش هتقدر
-مابلاش تكوني زي بنت عمك يافريدة وتفكروني غبي، هي مين دي اللي بنتي، مش عيب يافريدة تلبسوني طرحة
هنا سقطت جاثية على ركبتيها بعدما فقدت اتزانها مع دموعها التي حفرت وجنتيها وكأنها نيران وليست مياه، تهز رأسها وتصرخ به
-إنت مجنون..صاح بغضب واتجه إلى غرفة ميرال ، امسكها من خصلاتها
-كلمي امك ياحلوة، واحمدي ربنا أنها ربتك
شعرت بأنفاسها ثقيلة وكأن هناك جبل أطبق على صدرها، لتهتف بتقطع
-ماما فريدة !!
هزة عنيفة وكسقوط نيزك يضرب الكرة الأرضية، لتبتلع غصتها التي شعرت وكأنها اشواك تشحذ جوفها متمتمة بنبرة متقطعة:
-مير..ال ..جذب راجح الهاتف
-عايزة بنتك وحفيدك تسمع هقولك ايه وتنفذيه بالحرف الواحد يافري
عند إلياس
خرج من مكتبه، بعد عدة ساعات بعدما فشل في الوصول إلى زوجته، والى حرسه، اتجه إلى سيارته مع رنين هاتفه:
-إلياس مدام فريدة دخلت فيلا راجح دلوقتي، وفيه فويس لسة سامعه، عصابة راجح اخرجوا أمر تصفيته حالًا..توقف عندما فقد القدرة على الفهم فتسائل:
-ازاي مدام فريدة دخلت فيلا راجح، هو مش مسافر،
-اجابه ارسلان
-معرفش مين قالك مسافر، انا شايف في الصور اللي قدامي بس، لسة معرفش أنه مسافر ولا هنا
-اتأكد ورد عليا واه راجح محدش يلمسه، عايزه حي، عارف لو مات همو تك وراه، حمحم ارسلان وهو يقود سيارته ينظر بجهازه:
-وفيه خبر كمان معرفش وصلك ولا لأ، فيه قرار بإستقالة اللوا مصطفى
-بابا استقال ليه؟!
حمحم معتذرًا:
-اجباري ياإلياس، معرفش مين ورا دا، بس أوعدك خلال ساعات وكل الأخبار هتكون عندك
مرَّ يومينِ كالمجنونِ يريدُ أن يهدمَ الكونَ وماعليه، فتحَ البابَ على صوتِ مصطفى:
-إنتَ عايز مين يابني؟.،
-إلياس السيوفي..أستاذة ميرال رافعة دعوة طلاق..قالها مع رنين هاتفه، فتحه حينما وجد مكالمة غير مسجلة عبر شبكات التواصل
-أيوة !
-إلياس امضي على ورقة الطلاق، وقبل ماتقول حمل ابنك بعد دقايق مش هيكون موجود..رددتها بنبرة باردة وصلت إلى قلبه ليسقط بين قدميه، تابعت الضغط على جروحه متمتمة
-لو مش مصدق افتح فيديو، حقي اني أعيش بدون ضغوط، انت طول الوقت خانقني، بأنامل باردة كبرود الثلج فتح الشاشة وليته لم يفتحها، شعر حينها أنه فتح قبره لدفنه حيًا، أمامه بعيونها السوداء المنطفأة، وخصلاتها التي تحاوط وجهها، نظرت لمقلتيه وتابعت بكل جبروت
” شايف الاوضة دي، هنا هتخلص من كل حاجة تربطني بيك، بلاش ندخل في قضايا انت الخسران فيها، طلقني وبلاش اوصل لوقت اذلك فيه يابن عمي”
كلمات ماهي سوى كلمات ولكنها كالطلقات النارية، ليس فقط كأنها طوق من النيران يلتف حول عنقه يحرقه ولم يرحمه من قسوة الألم، لحظات من النظرات حتى تراجعت تتمدد على الفراش، ويغرز بورديها ذاك المخدر، ليرفع ذاك الطبيب المقنع عيناه إليه مبتسمًا:
-هذا المشهد سينال إعجابك كثيرًا سيدي”
وكم تمنيت لو أنّ الحياة اختبرت صبري في أشياء أخرى غير قلبي ..
وكم تمنيت لو أنك ترى ذلك الجدال المكتوم في عيناي ، وتقطع شك الكلام بيقين الفعل..
…………
إليكِ كم تمنيت أن تضع لي السبعين عذرًا ثم تضاعفهنّ حتى ابقى بأجمل صورة في عينك..
ف ليتك فهمت الكلمة المحذوفة في حديثي..
فإني والله أحبك بقدر المسافات التي تفصل بيننا …
فكم تمنيت ..وكل هذا تمني
بعدما استمع وشاهد الفيديو..تخلَّلت كلماتها فتيلَ نيرانه، وكأنَّها قيَّدت عنقهِ بقيودٍ حديديةٍ من النيران، كيف تقبلُ أن تفعلَ ذلك بابنه، أنفاسًا مرتفعةً بنيرانِ روحهِ التي كادت أن تُزهقَ مع كلماتِ ذاك البغيض، ظلَّ للحظاتٍ وهو ينظرُ لتلك الشاشةِ وهو يشعرُ بالاختناق.. وكأنَّ الهواءَ انسحبَ من حوله، لتتحوَّلَ عيناهُ حمراءَ حادةً وعروقهِ بارزةً، وكأنَّ الشيطانَ يروادهُ على فعلِ جريمةٍ شنعاء، أطبقَ على الهاتفِ وهو يرى ذاك الطبيبَ البغيض يقتربُ منها ويدسُّ يديهِ الغليظةَ أسفلَ ثيابها وهو يشيرُ إليهِ بآلةٍ حادةٍ تساعدهُ على فتحِ بطنها..
وآه وآه أخرجها كنيرانٍ يريدُ أن يحرقَ بها كل مايقابله، هرولَ للخارجِ بعدما أغلقَ هاتفه، وهو يهمسُ بهسيسٍ مرعب:
-أقسم باللهِ لأموِّتك ياراجح، هرولت فريدة بأقدامها الحافيةِ خلفه، بعدما أخبرها مصطفى ببعضِ الكلمات، لتهرولَ فزعةً تتشبَّثُ بذراعه:
-علشان خاطري ياحبيبي، متروحلوش هوَّ عايزك إنت..
تراجعَ بعدما شيَّعها بنظرةٍ عميقةٍ ممزوجةٍ بكمِّ الألمِ الذي يحرقُ روحه:
-ابني ومراتي، لو عايز يقتلني خليه يموِّتني، بس مستحيل أسيبه يعمل كدا في ابني ومراتي..
نيران نشبت بضلوعها مما جعلها تهزُّ رأسها بهستيريا:
-مستحيل أسيبك تروح له، فتحَ باب سيارتهِ يشيرُ إلى حرسه:
-دخَّلوا مدام فريدة جوَّا، جذبها الحارس من أكتافها مع وصولِ مصطفى وهي تصرخُ بجنونٍ بعدما شعرت بذهابَ عقلها:
-هيقتله يامصطفى أنا عارفة أنُّه عايز يقتله..
تخبَّطَ بقلقٍ يروادُ عقلهِ محاولًا الثباتَ يجيبُ بتردُّدٍ تجلَّى بعينيه:
-ابنك راجل يافريدة، إحنا مربيين راجل لوقتِ المحن، سبيه يتصرَّف..
دفعتهُ صارخةً وبدت تهزي بتخبُّطِ مشاعرَ الأمومة، فأصبحَ القلقُ والخوفُ كأشواكٍ تغرزُ بفطرةِ أمومتها، ناهيكَ على الفزعِ من افتقادهِ الذي أصبح سيدها الأوَّل:
-طيب خلِّي إسلام مكانه كدا، عايزة أشوف برودك وقتها زيه كدا..
كلماتٌ قاسيةٌ اخترقت قلبه، ليشعرَ برجفةٍ أصابت جسدهِ بالكامل، رفعَ عينيهِ التي تحوَّلت لسحبٍ مغيَّمةٍ كالأمطار:
-وإيه الفرق يافريدة بين الاتنين، دنا منها وتعمَّقَ بعينيها الشاردةِ لينطقَ بقسوةٍ لأوَّلِ مرَّةٍ منذُ سنواتٍ لها:
-إيه الفرق بين إسلام وبين إلياس، دول ولادي الاتنين، دا إلياس السيوفي يامدام فريدة يعني مالكيش فيه قد ماليَّا فيه، بلاش تعملي فيها أم بتخاف على ابنها أكتر منِّي..قالها واستدارَ للداخلِ يأكلُ الأرضَ بخطواتهِ الذي جعلت الأرضَ تهتزُّ تحت قدميهِ من شدَّةِ غضبهِ وثورانِ عنفه.
هوت على درجِ المنزلِ وانفجرت عيناها ببكاءٍ كزخات ٍمطر سقطت فوق نهر، ولم تستطع توقُّفها كأنَّها لم تبكِ منذ فترة، شعرت بأحدٍ بجوارها، استدارت لليدِ الحانيةِ التي تربتُ على كتفها:
-هيرجع صدَّقيني وهيرجَّع ميرال، متزعليش من بابا..
حاوطت جسدها الصغيرَ لتضعَ رأسها فوق رأسِ غادة ومازالت شهقاتها بالارتفاع، تتذكَّرُ منذ يومينِ بعد اتصالِ راجح لها..
فلاش قبل يومين:
أغلقت الهاتفَ وبدأت تدورُ بالغرفةِ كالمجنونة، ماذا عليها فعله..هل تتصلَ بزوجها، أم أنَّ ذاكَ المختلَّ سيضرُّ ابنته..هنا تذكَّرت حديثه، لتحدِّثَ نفسها كالمجنونة:
-المتخلِّف دا بيشك في ميرال متكنشِ بنته، متخلِّف ياراجح، ياترى يارانيا عملتي إيه علشان الحيوان دا يقول كدا..هرولت إلى ملابسها لتقومَ باستبدالها سريعًا، ثمَّ اتَّجهت إلى خزانةِ مصطفى لتجذبَ سلاحهِ وتضعهُ بحقيبتها تهمسُ لنفسها:
-هموتك ياراجح إنتَ ورانيا، شياطين على الأرضِ مالكُمش الحياة في الدنيا دي..
وصلت بعد قليلٍ إلى فيلَّا راجح، لتدلفَ للداخل، توقَّفَ الرجل أمامها ثم أشارَ إليها بعدما علمَ بهوِّيتها، لتستقلَّ سيارةً تجلبُ مستلزمات الفيلا من خضرواتٍ وفواكه، نظرت لتلك السيارةِ متسائلة:
-راجح فين؟..
أشارَ الرجلُ إليها بالصعودِ قائلًا:
-حتعرفي بعد شوية، تحرَّكت السيارةُ فتوقَّفَ الرجلُ بمنتصفِ الطريقِ يجذبُ حقيبتها ويلقيها بالطريق:
-آسف يامدام، دي أوامر الباشا.
صاحت هادرةً به بغضبٍ أعمى:
-إنتَ إزاي تتجرَّأ ياحيوان وترمي شنطتي، لم يجب على حديثها، وظلَّ يتحرَّكُ لمدةِ ساعةٍ إلى أن وصلَ إلى إحدى المناطقَ النائيةِ بمحافظةِ القاهرة، ترجَّلت تتلفُّتُ حولها، منزل ريفي يحاوطهُ الكثيرُ من الأراضي الزراعية، دلفت بعدما أشارَ إليها الرجلَ بعدما قامَ بتفتيشها، خطت للداخلِ وجدت راجح ناصبًا عودهِ وبيدهِ كوبًا من الخمرِ يطلقُ صفيرًا:
-أووه مدام فريدة الشافعي في بيتي يادي الهنا والسرور، اقتربت توزِّعُ نظراتها حولها ثمَّ نطقت متسائلة:
-فين ميرال ياراجح؟..
تجرَّعَ الكأسَ مرَّةً واحدة، ثمَّ أطلقَ من فمهِ صوتًا مشمئزًّا مقتربًا منها ليهمسَ بهسيسٍ مرعب:
-مستعجلة ليه يافري، بنتك جوَّا، بس لازم أرحَّب بيكي الأوَّل..قالها مقتربًا ليقبِّلها إلَّا أنَّها لطمتهُ على وجههِ بقوَّة، ليتراجعَ ينظرُ إليها بذهول:
-بتمدِّي إيدك عليَّا يافريدة، طب يافريدة الصبر حلو، والقلم دا هدفَّعك تمنه كتير أوي، اصبري عليا، الأيام بينا، وإنتِ مجرَّبة راجح كان بيعمل إيه..
بصقت بوجههِ وندَّدت بحقارتهِ قائلةً بلهيبٍ انبثقَ من عينيها:
-كان كلب حيوان، شوفت الكلاب بتعمل إيه في الميتين، إنتَ كنت كدا ياراجح، كلب حقير بتسضعفني، دنت ولم تكترث لاقترابهِ ونظرت بلهيبِ عينيها المشتعلِ ونطقت بنبرةٍ قويَّة:
-بس الكلب بيجي له وقت وبيموت ذليل في أيِّ قذارة، ووعد من فريدة السيوفي ياراجح لتترمي زي الكلب في قذارة،
لكزتهُ بصدرهِ وتحوَّلت لشرسةٍ غير معهودةٍ لم تعلم كيف اكتسبت تلك القوَّة، لتردفَ بقوة:
-أوعى تفكَّر مجيِّي هنا ضعف وخوف، لا ياراجح، أنا جاية علشان أعرَّفك إن فريدة السيوفي عندها قوَّة تقدر تدوس عليك، ومتأكدة من رجالتي هيهرسوك ياقذر، اقعد واتفرج ياراجح وشوف مصطفى لمَّا يعرف إنَّك جبتني هنا هيعمل إيه، رفعت نفسها ودنت وكأنَّها تهمسُ له:
-إلياس هيحرقك ياراجح، الولد عرف كلِّ قذارتك، تخيَّل لمَّا يعرف إنَّك خاطف مراته وأمُّه هيعمل إيه..
قهقهَ بصوتٍ مرتفعٍ وكأنَّها ألقت عليهِ بعض الكلماتِ المزاحية،ليضربَ كفَّيهِ ببعضهما ثمَّ بسطَ ذراعيه:
-أنا أهووو، تعالَ يابنِ جمال علشان أموِّتك، ماهي رانيا غبية معرفتشِ تستخدم عقلها كويس، لو بس كانت قالت لي كنت رميته في البحرِ للسمك،
انحنى مقتربًا من وجهها وعينيهِ الخبيثة تتجوَّلُ على وجهِ فريدة:
-مش عايز أيِّ ذكرى لراجل تاني يافريدة، ذكرياتك تكون لراجح وبس، ووعد، ابنك هبعته لأبوه، أمَّا مصطفى اللي بتنفخي نفسك عليَّا بيه، رصاصة على ابنه بس وشوفي هيعمل إيه، هيطلَّقك بالتلاتة، وخصوصًا لمَّا يشوف فيديو حلو وإنتِ بترضي راجح يافريدة..فركَ يديهِ يشيرُ إليها بالدخول:
-ودلوقتي أهلًا بيكي في جنتنا الصغيرة يافريدة.،
نظرت لبابِ المنزلِ وارتعدت مفاصلها، كادت أن تصرخَ ولكنَّ صوتها لم يخرج وكأنَّها بقبر، غيَّمت عيناها بدموعِ الحسرة، لتدلفَ بساقينِ مرتعشتينِ تنظرُ بأرجاءِ المنزل، أشارَ على غرفةِ ميرال:
-سلِّمي على بنتك قبل ماأرجَّعها لجوزها، شوفتي أنا راجل معاكي إزاي.
دفعت البابَ سريعًا، لتجدَ ميرال غافيةً على الفراش، وكأنَّها غائبةً عن الوعي، انفجرت عيناها بالدموعِ وهي تلمسُ وجنتيها:
-ميرو عملوا فيكي إيه ياعمري، ظلت تربتُ على وجهها علَّها تستفيقُ من تلك الغيبوبةِ ولكنَّ كأنَّ حياتها سُرقت ولم تشعر بشيئ، مرَّت دقائقُ كالسيفِ عليها وهي عاجزةٌ عن التفكير، قطعَ تفكيرها فتحُ راجح البابَ ثمَّ سكبَ كوبًا من الماءِ المثلجِ على وجهِ ميرال، لتدفعهُ فريدة غاضبةً وبدأت تلكمهُ بصدرهِ وتصرخُ بجنون..دقائقَ معدودةً بدأت تتململُ بنومها، تفتحُ عينيها رويدًا رويدًا وضوءُ الغرفةِ يضربها بقوَّةٍ لتغلقَ عينيها وتضعُ أناملها عليها من انزعاجها من إضاءةِ الغرفة، عادت مرَّةً أخرى تفتحها ببطئٍ لتقعَ عينيها على فريدة التي بحوزةِ راجح، فتحت عينيها وأغلقتها عدَّةَ مرَّاتٍ لتتأكَّدَ أنَّها ليست بكابوس، لتهبَّ فزعةً تنظرُ إليهما بذهولٍ أصابَ عقلها بالجنون، وهو يجذبُ فريدة من عنقها:
-مفاجأة يابنتي مش كدا، جبت لك ماما أهو إيه رأيك، شوفتي أنا بحبِّك قد إيه..
هزَّت راسها رافضةً مايصيرُ رغم قلقها البائنَ على وجهها من هجومهِ المتوحش، شعورٌ بالعجزِ لديها وهو يشيرُ إليها:
-ايه رأيك تختاري أيِّهما أفضل لك، ماما الحلوة ولَّا جوزك المتقنعر اللي عامل ديك البرابر؟..
احتجزت الدموعَ بعينيها وارتجفت شفتيها قائلة:
-إنتَ مستحيل تكون بني آدم أنا بكرهك وياريتك تموت..وصلَ إليها بخطوةٍ وهو يجذبها من حجابها بقوَّة، لتسرعَ فريدة تلتقطُ تلك الفازة وتضربهُ على رأسه، ليترنَّحَ بجسدهِ مستديرًا إليها:
-عايزة تموِّتيني يافريدة علشان بنتِ الحرام دي..ركضت ميرال اتِّجاهَ فريدة تحتضنها بفزع:
-ماما فريدة خديني من هنا، مش عايزة الراجل دا.،
أشارت إلى الباب:
-ياله حبيبتي لازم نمشي من هنا، نهضَ من مكانهِ وهو يترنَّحُ بجسدهِ يصرخُ بهما:
-دا موتك يافريدة، لو مشيتي من هنا هتمشي على قبرك، صرخَ على أحدِ رجالهِ الذي هرولَ إليه، فأشارَ إلى ميرال:
-البتِّ دي ودِّيها المكان التاني وإياك رانيا تعرف إنتَ أخدتها فين، استدارَ إلى فريدة يجذبها بقوَّة:
-أما إنتِ يافريدة، هنلعب مع بعض..مش إنتِ بتحبِّي الضرب واللعب، وأنا بحبُّه وخصوصًا من ستِّ ناعمة زيك..
دفعت ميرال الرجلَ بقدمها، وهرولت إلى فريدة وبدأت تصلُ إلى وجههِ بأظافرها تسبُّهُ..تريدُ أن تخنقهُ فكلَّما تذكَّرت أنَّ ذاكَ والدها يصيبها الجنون..
دفعها بقدمهِ بقوَّةٍ حتى سقطت على الأرضِ متأوِّهةً وهي تحاوطُ أحشاءها لتصرخَ فريدة عليها:
-ميرال..نظرَ راجح إلى يديها التي تحتضنُ جنينها ليرتفعَ صوتَ ضحكاته:
-الله الله كمان حامل، دا إنتَ أمَّك داعية عليك بالقوي يابنِ جمال، اقتربَ منها يدفعها بقدمهِ لتصرخَ فريدة به:
-خلاص ياراجح أنا موافقة آجي معاك بس ابعد عن البنت وأوعدني إنَّك ترجَّعها لجوزها، ووعد هروح معاك..
توقَّفَ يرفعُ رأسهِ إليها ثمَّ اعتدلَ يحكُّ ذقنه:
-موافقة على أيِّ حاجة..هزَّت رأسها سريعًا وهي تنظرُ بدموعٍ إلى ميرال التي تهزُّ رأسها بعنفٍ رافضةً ماتقوله واستطردت:
-ابعت البنت لبيت جوزها ياراجح، وأنا من إيدك دي لإيدك دي.
أشارَ للرجلِ قائلًا:
-رجَّعها يابني..التفتَ إلى فريدة:
-علشان تعرفي أنا كريم وبحبِّك قد إيه.،
توقَّفت ميرال واقتربت منها:
-وأنا مش موافقة، مستحيل أسيبك هنا لو على جثتي.،
ضمتها باكية وهي تترجاها
-ارجعي حبيبتي لإلياس بدل مايتجنِّن، إنتِِ أهمِّ منِّي، ياله متنسيش ابنك، أنا هتصرَّف..
اتَّجهت بأنظارٍ جحيميةٍ إلى راجح؟ وطالعتهُ بنظراتٍ قاسيةٍ تريدُ أن تضعهُ بين فكَّيها صارخة:
-إنتَ أقذر انسان شوفته، وإلياس عنده حق أنُّه يموِّتك حي..أشارَ بيدهِ للرجل:
-خدها بدل ماأفضِّي طبنجتك في راسها..ركضت من أمامهِ متَّجهةً إلى فريدة الذي جذبها راجح إلى الغرفة، بعدما أشارَ للرجلِ بعينيهِ ليدركَ مايفعله..دفعَ فريدة للداخلِ وأغلقَ البابَ عليها متَّجهًا إلى ميرال يسحبها بقوَّةٍ إلى سيارته:
-تعالي معايا يابنتِ فريدة علشان أنا خلقي ضيَّق، استقلَّ سيارتهِ ليستمعَ إلى رنينِ هاتفه:
-الحق ياباشا، إلياس السيوفي اقتحم البيت من البابِ الداخلي..توقَّفَ كالمشلول، كيف علمَ بمكانهم، التفتَ بنظرهِ سريعًا إلى ميرال التي فقدت وعيها بعدما دفعها بقوَّةٍ لترتطمَ رأسها ببابِ السيارة، شغَّلَ المحرِّكَ وخرجَ سريعًا بها من البابِ الآخر..
دلفَ إلياس بمصاحبةِ أرسلان وشريف،
تجوَّلَ بالمنزلِ يبحثُ كالمجنون، إلى أن وصلَ الغرفةَ التي كانت يحتجزُ بها ميرال، استنشقَ رائحتها ليقفَ عاجزًا حائرًا..وقلبهِ يوحي له أنَّها بالقرب، استمعَ إلى صوتِ أرسلان:
-إلياس مدام فريدة هنا، خرجَ سريعًا وجدَ فريدة بأحضانِ أرسلان تبكي بشهقاتٍ متقطِّعةٍ، وحالُ لسانها يردِّدُ باسمِ ميرال ثمَّ سقطت بين ذراعيهِ فاقدةَ الوعي..
بعد فترةٍ بالمشفى فتحت عينيها وجدت مصطفى بجوارها يحتضنُ كفَّها:
-عاملة إيه دلوقتي..اعتدلت تتحرَّكُ بجسدها للخلفِ تنطقُ اسمَ ميرال، ثمَّ تجوَّلت بعينيها متسائلة:
-فين إلياس؟..
ظلَّت نظراتهِ تحاوطها بصمتٍ إلى أن توقَّفَ قائلًا:
-راح يدوَّر على ميرال، لو عرَّفتينا مكنشِ دا حصل، إلياس بيقول ميرال كانت موجودة هناك، بس فين دلوقتي منعرفش..
نزلت بساقيها من فوقِ الفراش:
-هيموَّتها يامصطفى، دا مجنون ومفكَّر البنت مش بنته، التفتَ إليها سريعًا، ينظرُ إليها بذهول، هنا تذكَّرَ ما فعلهُ منذ ذهابها إلى راجح ومعرفتهِ بحقيقةِ ميرال، ممَّا جعلهُ يراقب راجح لفترةٍ إلى أن تقابلت رانيا بها، ظلَّ يراقبهما حتى علمَ أنَّهما يقومان بتحليلِ DNA،
وتدخَّلَ بتغييرِ النتيجةِ حتى يصلَ إليهم أنَّها ليست ابنتهم ولم يتوقَّع أن يصلَ تفكير راجح لذاكَ الأمر..
هنا استوطنَ القلقُ ملامحه، مما جعلهُ يهزُّ رأسهِ بتأنيبٍ على مافعله، هو أرادَ أن يبعدها عن طريقهم ولم يكن يعلم وصولهم لتلك المعضلة..زفرَ باختناقٍ وهو يدورُ بالغرفةِ بتفكُّرٍ تجلَّى على جميعِ خلاياه، كيف يخرجُ من ذاك المأزقَ دون إصابةِ ميرال بشيئ.
قاطعهم دلوفُ إلياس، خطى للداخلِ يطالعُ فريدة بصمت، إلى أن توقَّفَ أمامها، ظلَّت النظراتُ المتألِّمةُ بينهما إلى أن تساءل:
-ميرال كانت هناك؟..
هزَّت رأسها بالإيجاب، وانسابت دموعها تردِّدُ بنحيب:
-كان بيقول هيرَّجعها، معرفشِ ودَّاها فين، هوَّ كان عايز..صمتت ولم تكمل حديثها حينما اقتربَ مصطفى ينتظرُ بقيةِ حديثها، انحنى إلياس بعيونٍ متلهفة:
-احكي لي عمل إيه، وليه روحتي هناك من غير ماتعرَّفيني؟..دا وعدك ليَّا، أعمل إيه دلوقتي، طيب أنا كنت هوصلِّك حتى لو كنتي تحت الأرض، أما هيَّ ماتوقعتش أنُّه يضربني فيها، دي بنته ماتخيلتِش أنُّه يعمل كدا، رغم كذبي على نفسي، كنت مخلِّي الحرس يلازمها، وأهو خطفها من وسطهم، أنا هتجنِّن عايز منها إيه..
بكت بشهقاتٍ مرتفعةٍ وتابعت:
-عايزني أنا، قالِّي تعالي وأنا هرجَّعها بس معرفشِ مرجَّعهاش ليه..
-لأنُّه بيضحك عليكي يامدام، قالها مصطفى وهو يرمقها بنظراتٍ نارية، دنا منها يهزُّ رأسهِ بغضب:
-كان عقلك فين وإنتِ رايحة لحيوان زي دا يافريدة!..قوليلي أعمل فيكي إيه دلوقتي؟..
قالها بأعصابٍ مشدودةٍ وغيرتهِ العمياء سيطرت عليهِ، ليقتربَ منها متناسيًا مامرَّت به:
-يعني إيه عايزك دي يامدام، نسيتي نفسك إنِّك متجوِّزة، إيه يافريدة معندكيش راجل يعرف يوقف لحيوان زي دا، للدرجة دي معتبراني ماليش لازمة؟!..
رفعت عينيها الباكيةِ الممزوجةِ بدموعِ الألمِ وهتفت بنبرةٍ تتجرَّعُ الوجعَ أضعافَ مايشعرُ به:
-بنتي كانت بين إيديه يامصطفى وهدِّدني هيفتح بطنها ويبعت حفيدي، كنت منتظر منِّي إيه..
آاااااه..أخرجها إلياس وهو يلكمُ الجدار، حينما تملَّكَ منه شعورُ العجزِ والقهرِ ممَّا يمرُّ به..رفعَ كفَّيهِ على خصلاتهِ يرجعها بعنفٍ وكأنَّهُ يريدُ أن يقتلعها:
-أقسم بالله مش هرحمك ياراجح، استدارَ إلى فريدة واقتربَ منها:
-افتكري أيِّ حاجة كلِّم حد قال أيِّ حاجة ، حاولي تساعديني علشان أوصل لمراتي ياماما لو سمحتي..
طالعتهُ بدموعٍ تجري على وجنتيها كالأنهارِ تهزُّ رأسها بالنفي..
لم يقوَ على الصمود، ليشعرَ بوحوشٍ ضاريةٍ كمن تلبَّسهُ شيطانًا ليوسوسَ لهُ بارتكابِ أبشعِ الجرائم، ليتحرَّكَ مغادرًا المكانَ وهو يهدِّدُ بما سيفعلهُ به:
-شريف شوفلي طارق فين، هاتوه من تحتِ الأرض، وعايزك تجبلي الستِّ اللي اسمها سمية دي..
-تمام خلال ساعة هكلِّمك، بس مفيش جديد ولَّا إيه..تذكَّرَ المنزلَ فأردف:
-هروح البيت تاني يمكن أوصل لخيط يوصَّلني لحاجة..
استفاقت من شرودها على صوتِ غادة:
-ماما فريدة قومي ندخل جوا مينفعشِ تفضلي كدا، نهضت تسحبُ كفَّيها تساعدها على الوقوف، بينما فريدة عيناها كانت شاردةً تجاهَ البوابةِ التي خرجَ منها إلياس…
مرَّت الساعاتُ كالسيفِ على العنق وهو يدورُ كالمجنون بكلِّ الأماكنِ المرتبطةِ براجح إلى أن توصَّلَ إلى طارق.
قبلَ عدَّةِ ساعاتٍ جالسًا بمكتبهِ يتواصلُ مع فريقهِ البحثي، تحدَّثَ شريف:
-وصلنا لطارق ياإلياس، إيه أجيبه الجهاز ولَّا..قاطعهُ وهو يحملُ سترتهِ قائلًا:
-أيوة هاته على الجهاز، وعايز خبر القبضِ عليه في كلِّ المواقع..
-تمام نصِّ ساعة والكلِّ يعرف..تحرَّكَ سريعًا للأسفلِ مع وقوفِ مصطفى مع أحدِ الرجال:
-عايز مين يابني؟..
نظرَ الرجلُ بالورقةِ قائلًا:
-إلياس السيوفي مراته رافعة دعوة طلاق، اتفضل امضي هنا..
بمنزلِ يزن قبل أيام:
ألقى كلماتهِ القاسيةِ عليها ثمَّ دلفَ إلى غرفته، ظلَّ يدورُ حول نفسهِ ونيرانًا مشتعلةً بداخلهِ على ما فعلتهُ تلك الشمطاء، كيف نسي أمرها، جلس بعدما شعرَ بانفلاتِ أعصابهِ عن حدَّها المسموح، وبدأ يمسحُ على وجههِ بغضب، رفع عينيهِ بدخولِ إيمان تطالعهُ بتخبُّطٍ على حالتهِ التي لأوَّلِ مرةٍ تراهُ بها، ظلُّت النظراتُ العتابيةِ بينهما، ممَّا جعلهُ يتوقَّفُ يجمعُ أشيائهِ ونطقَ بكلماتٍ حادةٍ على غيرِ عادته:
-مش عايز مواعظ من عيِّلة، روحي شوفي مذاكرتك، قالها وتحرَّكَ للخارجِ سريعًا، وقعت عيناهُ على تلك المنكمشةِ على الأريكةِ تنظرُ بشرودٍ بنقطةٍ وهمية، جسدًا خاويًا من الروح، تحرَّكَ سريعًا من أمامها بعدما رفعت عينيها المتلألئةِ بالدموعِ تنظرُ إليه بخيبةِ أمل، وصلَ إلى بابِ شقته، فهبَّت من مكانها:
-استنى عندك..توقَّفَ يواليها ظهره، اقتربت منهُ وهي تسألهُ باستنكارٍ وعيونٍ مليئةٍ بالدموع:
-إنت عملت فيا كدا؟!..لم يجيبها وظل كما هو
-طلَّقني…
كوَّرَ قبضتهِ بعنفٍ مع اهتزازِ فكه، عندما ألقت كلماتها عليه، يريد أن يهدأ اولًا، فلا يستطيعُ الانجرافَ وراء طلبها بهذا الوقت، استدارَ برأسهِ قائلًا:
-عندي مشوار لمَّا أرجع نتكلِّم.
ثارت كرامتها تحرقُ داخلها لتهتفَ مستنكرةً إجابته:
-مفيش خروج إلا لما تطلقني، مش محتاجة وقوفك معايا، وزي ماقولت أنا مش مراتك، يبقى ماليش حق أقعد هنا، خليك راجل للآخر وطلَّقني وكدا كدا كلِّ حاجة ضاعت..
فتحَ البابَ وخرجَ يغلقهُ بقوةٍ خلفهِ وحديثها لم يعيرهُ أهمية..
احترقَ داخلها من فعلتهِ لتفتحَ البابَ وتركضَ خلفهِ تردِّدُ بصوتٍ عالٍ إلى حدٍّ ما:
-مش هنتظر لرجوعك ياباش مهندس، استقلَّ دراجتهِ البخاريةِ وارتدى خوذتهِ يشيرُ بعينيهِ إلى دخولها:
-ادخلي وهنتحاسب لمَّا أرجع على صوتك العالي وخروجك بالشكلِ دا، إنتِ قاعدة هنا في حارة مش فيلا بابي ومامي..
قالها وقادَ دراجتهِ وتحرَّكَ سريعًا من أمامها حتى لا يُخرجَ غضبهِ بها، ظلَّت لدقائقَ متوقِّفةً بجسدٍ متصلِّب، مذهولةً لا تصدِّقُ ما فعلهُ وقاله، خرجت إيمان تنظرُ إليها بحزن:
-رحيل ادخلي حبيبتي مينفعشِ وقوفك في الشارع كدا، التفتت إليها تردِّدُ بعجز:
-شوفتي أخوكي عمل إيه، هوَّ كان كدا وأنا كنت عمية؟!.
هزَّت رأسها بالنفي وتحرَّكت إلى وقوفها تجذبها للداخل:
-لا حبيبتي هوَّ مش كدا أبدًا، دا يزن كلُّه رجولة وأصول واللهِ بس الزمن اللي قلبه، تعالي معايا بس..
تحرَّكت سريعًا للداخلِ تجمعُ أشياءها وتلملمُ كرامتها التي بعثرها بكلِّ جبروت، انتهت من جمعِ ملابسها وكلَّ مايربطها بهذا المنزلِ ثمَّ سحبت حقيبتها:
-أنا ماشية وخلي أخوكي يبعت لي ورقة طلاقي، ومش معنى أنا وافقت على الجواز منه يبقى ضعيفة، أبدًا أنا يمكن أقوى منه، أنا وافقت علشان حسيت برجولته بس بعدِ اللي حصل الليلة أثبت لي أنه إنسان انتهازي، انتهز حاجتي لمسائل شخصية.
اتَّجهت إيمان إليها تنظرُ إلى حقيبتها بعدمِ رضا، مستنكرةً ماتفعله، حاولت سحبَ الحقيبةِ إلا أنَّها تراجعت تجذبها وتحرَّكُت مغادرةً المكانَ بالكامل..
بعد عدَّةِ ساعاتٍ عادَ إلى منزلهِ وعلمَ بما فعلته، اهتزَّ داخلهِ من فعلتها، نظرَ إلى ساعتهِ وجدها تخطَّت الثانيةَ عشر رفعَ هاتفهِ وحاولَ مهاتفتها ولكنَّ هاتفها مغلق ..استمعَ إلى رنينِ هاتفهِ أجاب سريعًا ظنًّا أنَّها هي..
-مدام فريدة مرات مصطفى السيوفي دا لواء شرطة، عندها ثلاثة أولاد يايزن، منهم ظابط أمنِ دولة واتنين في الجامعة، لو عايز العنوان أبعتهولك..
-ابعته ياكريم، متعرفشِ الولاد دول ولادها ولا ولاد جوزها؟..
-مش فاهم تقصد إيه؟!
كنيتهم إيه ياكريم؟..
-إلياس السيوفي يعني ابنِ مصطفى السيوفي والتوأم نفس الكنية..
دسَّ أناملهِ بخصلاتهِ يرجعها للخلفِ بعنف وأردف:
-يعني ولادها لسة ماوصلتشِ ليهم، طيب ياكريم هتعبك معايا، فيها حاجة تعرف تسأل الظابط دا عن واحدة اسمها سمية العلايلي الستِّ دي كانت ممرضة وشغالة في السويس، بس نقلت القاهرة من عشرين سنة، وكان عندها بنت وولد، ياريت تعرف توصلَّها ضروري..
استمعَ كريم إليهِ باهتمام:
-تقصد إيه وليه الستِّ دي تقرب لك؟!.
سحبَ نفسًا وزفرهُ على مهل:
-الستِّ دي كان راجح متجوزها، عايز أعرف ماتت ولَّا لسة عايشة، وبنتها وابنها فين، ولو طارق وهيثم ولاد رانيا فين بنتها اللي ماما قالت عليها، دماغي مبقتشِ قادر أفكَّر، الراجل دا بلاويه كتيرة، لازم أجمع اخواتي ياكريم وقبل دا كلُّه لازم أقابل طنط فريدة..
-صوتك ماله يايزن؟!
-مفيش، يمكن مرهق وعايز أنام، ياله نتكلِّم بعدين..قالها وأغلقَ الهاتف، واتَّجهَ إلى أحدِ الحرسِ بالمشفى:
-أيوة يابني مدام راحيل في المستشفى؟،،
أجابهُ الرجلَ بهدوء:
-أيوة يابشهمندس، جت من ساعة ولسة جوا..هزَّ رأسهِ يفركُ جبينهِ وأردف:
-لو خرجت عرَّفني، وخلِّي حد معاها..
-تمام ..زفرةٌ حادةٌ خرجت من جوفهِ يعاتبُ نفسهِ على ما فعلهُ بها..
مرَّ عدَّةِ أيامٍ والحالُ كما هو، عادت رحيل إلى الفيلا الخاصة بها، رغم محاولتهِ معها بعودتها منزلهِ إلا أنَّها رفضت قائلة:
-أنا مش مراتك علشان أقعد في مكان إنتَ فيه.
دنا منها يجزُّ على أسنانهِ وتمتمَ بنبرةٍ حادة:
-رحيل بلاش تخرَّجي منِّي إنسان يئذيكي..
عقدت ذراعيها على صدرها وطالعتهُ بتهكُّم:
-متهمِّنيش ياباشمهندس، ليه أطلَّع منَّك إنسان وإنتَ جوَّاك الإنسان دا..
جذبها بقوَّةٍ ولفَّ ذراعهِ حولَ خصرها بتحكُّمٍ وتقابلت عيناهُ السوداءَ بعينيها الزيتونية، يضغطُ بقوَّةٍ على خصرها:
-الإنسان دا عرفته لمَّا قرَّبتِ منِّك، حاولت الفكاكَ من قبضتهِ الفولاذية وتمتمت غاضبة:
-يزن ابعد عيب كدا إنتَ اتجننت..ظلَّ يتجوَّلُ بنظراتهِ على وجهها الملائكي إلى أن احمرَّت وجنتيها من أنفاسه ِاللاهبة، التي بدأت تضربُ عنقها، حينما دنا برأسه يهمسُ لها:
-إنتِ مراتي ياآنسة، قالها مبتسمًا بسخرية، ثمَّ رفعَ أناملهِ يمرِّرها على وجنتيها وغابَ بزيتونتها ليتخدَّرَ جسدها من لمستهِ؛ إلى أن نسي كلاهما ماحولهما ليدنو للحدِّ الغيرِ مسموح يضعُ شفتيهِ على ثغرها لتشعرَ بماسِ كهربائيٍ ورعشةٍ بجسدها، أغمضت عينيها بضعفٍ منها ليقطفَ أوَّلَ قبلةٍ له متذوِّقًا عسلها المذاب على ثغرها، ابتعدت كالملسوعة، حينما شعرت بشفتيهِ الساخنةِ على ثغرها، بلعت ريقها بصعوبة، ولكنَّ رجفةَ جسدها جعلت سيقانها هلاميتين فلم تقوَ على الوقوفِ مما جعلها تستندُ على المقعدِ بجوارها تهربُ من نظراتهِ الخارقةِ لها، لم يرحم ضعفها ليدنو منها حتى التصقَ بجسدها، رفعت عينيها المرتجفةِ إليه:
-يزن عايز توصل لإيه؟..
-نتمِّم جوازنا يارحيل، أنا مش هطلَّقك ودا قرار نهائي، ومالكيش رأي عندي، هنرجع من السفر بعد عملية باباكي، وهنعمل فرح ونتمِّم جوازنا زي أيِّ اتنين متجوزين، أنا مش هطلَّق، رفعَ أناملهِ يبعدُ خصلاتها عن عينيها واستطردَ حديثهِ وعينيهِ تخترق زيتونها:
-بس ممكن أتجوِّز تاني عادي، لو اتعوجتي ومشكرتيش ربنا عليَّا، قاطعهم دخول زين:
-رحيل …التفتت إليهِ سريعًا ثمَّ ركضت إليه:
-خالو حبيبي..
بمنزلِ أرسلان:
بداخلِ مكتبه، كان جالسًا يعملُ على جهازهِ وهو يرتدي نظارتهِ الطبيةِ يتابعُ بهمةٍ ونشاطٍ آخر ماتوصَّل إليه، دلفت بقهوتهِ بعدما طرقت الباب، خطت بخطواتها الهادئةِ تضعُ قهوتهِ على مكتبه، ظلَّت تطالعهُ لبعضِ الوقتِ دون حديث..
-مطلبتش قهوة، عايز كوباية عصير لو مش هتعبك معايا، قالها ولم يرفع عينيهِ من فوقِ جهازه..
-حاضر..نطقت بها ثمَّ دنت من جلوسه:
-أرسلان عايزة أرجع شغلي، وأتمنَّى ماترفضش..رفعَ عينيهِ إليها سريعًا، ثمَّ أشارَ إلى بابِ مكتبه:
-روحي اعمليلي عصير يامدام ومش عايز كلام كتير..
-أرسلان..خلعَ نظارتهِ ونهضَ قائلًا:
-على ماأعتقد اتكلِّمنا في الموضوع دا قبلِ كدا، شغل مفيش مش مرات أرسلان الجارحي اللي تشتغل، ليه ناقصك حاجة؟..
سحبت نفسًا بمحاولةٍ منها أن تهدأ ثمَّ اقتربت حتى حاوطتهُ بذراعيها:
-أرسلان لو سمحت أنا بزهق من القعدة، وإنتَ بتسافر أكتر مابتقعد في الشقة، والشغل مش احتياج بس..
حاوطَ أكتافها وتحرَّكَ بها إلى الأريكة، جلسَ وأجلسها بأحضانهِ محاوطها بحنانِ ذراعيهِ ثمَّ أردف:
-عارف اليومين اللي فاتوا ضغط عليكي، بس دا من غلطك، قبل كدا فهَّمتك حياتنا تمشي إزاي، ومينفعشِ تخرجي من بابِ الشقة من غير علمي، أومال لو متعرفيش طبيعة شغلي، تخيَّلي لو حد عرف شغلي الرئيسي حياتك هتكون في خطر، فلازم أعمل حساب لخطواتنا، احتضنَ وجهها بين راحتيهِ وسبحَ بجمال سوداويتها مردِّدًا:
-ممكن حبيبتي تسمع الكلام، ووعد هفكَّر في موضوعِ الشغل دا، بس مش شغلك القديم، ممكن نشوف شغل مريح وقريب من هنا إيه رأيك؟..
دفنت رأسها بعنقهِ تحاوطُ خصره:
-أنا بحبَّك أوي ياأرسلان، وآسفة إنِّي ضيقتك، بس حقيقي بقيت أتخنق من القعدة لوحدي.
سحقها بين أحضانهِ مطبقَ الجفنين، مستمتعًا بحديثها الذي أروى قلبهِ المتصحِّر، ليتمتمَ بنبرةٍ مبحوحةٍ من كثرةِ مايشعرُ به في حضرتها:
-وأرسلان بيعشقك ياغرامي، أخرجها من أحضانهِ وتابعَ حديثه:
-غرام إنتِ مش مجرَّد واحدة عرفتها واتجوزتها، إنتِ هدية كبيرة ربنا أنعم بيا عليها، ربنا يكمِّلك بعقلك حبيبتي ويباركلي فيكي، قومي هاتيلي العصير حاسس الضغط عالي من قربك المضني اللي ببلاش دا ولازم أنزِّله..
لكمتهُ بصدرهِ بخفَّة، وتورَّدت وجنتيها من مغذى حديثه:
-بس بقى إيه الكلام دا..
غمزَ بعينيهِ يمرِّرُ أناملهِ على وجنتيها:
-مش دي الحقيقة؟..طيب قولي إنتِ إزاي أقعد زي الكرسي والجميلة معايا..
استنكرت حديثهِ قائلة:
-متقولشِ كدا، إيه زي الكرسي دي، إنتَ مش كدا دا إنتَ كلِّ جسمك شغَّال نفسي تدِّيني حاجة منهم..
قهقهَ عليها بصوتٍ مرتفعٍ يضمُّها بقوَّةٍ قائلًا:
-يالهوي البتِّ بتحسد جوزها..رفعت إحدى حاجبيها وأجابت ساخرة:
-وإنت َتتحسد ليه ياروحي؟.
-لا والله يعني جوزك مش حلو وأمور والبنات هتموت عليه؟..
لكمتهُ بقوَّةٍ ونهضت من أحضانهِ وهدرت به بحدَّة:
-مين ضحك عليك وقال عليك أمور، إنتَ مغرور وبارد وو ..ضربت قدمها بالأرضِ كالأطفالِ وركضت من أمامه، قهقهَ عليها يضربُ كفَّيهِ ببعضهما:
-واللهِ أمور والبنات هيموتوا عليَّا حتى اسألي الكاتبة..
قاطعهُ رنينَ هاتفه، رفعه:
-أيوة ياعمُّو؟..
-ليه ماقولتش ياحيوان إنَّك مع إلياس بتدوَّر على مراته؟..
أجابهُ بنبرةٍ باردة:
-زي ماحضرتك ماقولتش إنِّ جدتي محجوزة في المستشفى، وليه مصطفى السيوفي استقال بعد زيارته..
بص ياإسحاق علاقتي بإلياس زي علاقتي بيك، أتمنَّى تعرف أنُّه مهم ليا جدًا، ليه معرفشِ ومتسألش، لأنِّي قرَّرت وانتهى الموضوع هتقولِّي أختار هزعل منَّك وإنتَ عارف زعلي وحش وممكن توصَّلني لطريق مسدود ومتعرفشِ توصلِّي، فخليك دايمًا معايا العاقل الرزين وبلاش فكرةِ الغباء اللي بتحاول توصَّلها لي، فيه سر وهعرفُه قريب، بس لو السرِّ دا متعلِّق بيا صدَّقني هزعل منَّك وهتكون آخر علاقتنا، أرسلان راجل ويتحمِّل أي حاجة ياعمُّو..
-هبعتلك عنوان مرات إلياس ياأرسلان، مش قدَّامك كتير، علشان عرفت فيه دكتور نسا دخل المكان، أظن إنتَ عارف قصدي إيه..
جذبَ مفاتيحهِ وغادرَ سريعًا قائلًا:
-بسرعة لو سمحت ياعمُّو، إلياس هيتجنِّن..جذبَ سترتهِ فوق ملابسهِ البيتيةِ وصاحَ باسمِ زوجته:
-غرام..عندي شغل مهم حبيبتي شوية وراجع..قالها وخرجَ سريعًا قبلَ ردَّها.
عندَ آدم:
خرجَ من قاعةِ المحاضراتِ متَّجهًا إلى مكتبه، أنهت محاضرتها واتَّجهت إليه، طرقت البابَ ودلفت قائلة:
-ممكن أدخل يادكتور..رفعَ عينيهِ إليها يشير لها بالدخول، اقتربت من مكتبهِ وجلست بمقابلته:
-إزاي رجَّعتني وإنتَ مطلَّقني عند المأذون ياآدم؟..أكيد مرجَّعتنيش وخالو قال كدا علشان مرات أبويا مش كدا؟..
رجعَ بجسدهِ وطالعها بهدوء:
-أنا مطلَّقتكيش ياإيلين، رميت عليكي اليمين وبس.
ابتسمت ساخرةً ونطقت بتهكُّم:
-لعبتو عليَّا ياآدم إنتَ وخالي، هوَّ قالِّي قسيمة طلاقك عندي، وإنتَ تقولِّي طلَّقتك..اومال ليه دخلت للمأذون، وخرجت وقولت طلقتك
-السؤال دا لخالك مش ليَّا، ودلوقتي ممكن تسبيني أشوف شغلي، نظرَ بساعتهِ وأردف:
-عندك محاضرة دلوقتي ولا مش ناوية تحضيرها؟.
تلألأت الدموعُ بعينيها:
-طيب أنا عايزة أطلَّق ياآدم لو سمحت، حاسة جوازنا طوق بيخنقني..
نهضَ يجمعُ أشيائهِ بعدما فقدَ برودهِ الذي حاولَ استخدامهِ معها وأردفَ دون النظرَ إليها:
-إحنا مطلَّقين ياإيلين، بس كورقة مينفعشِ وخاصةً بعد كلام باباكي ليَّا امبارح، ووجودك مع صاحبتك بناءً على موافقتي، رفعَ عينيهِ إليها وتابعَ حديثهِ المدمي لقلبها:
-مفيش بينا غير ورقة ودا وصية عمِّتي لبابا، وقت ماتخلَّصي كُليِّتك وتشتغلي هطلَّقك، غير كدا مالكيش حاجة عندي..
هبَّت مقتربةً منهُ كالمجنونة:
-أكيد اتجنِّنت أنا مستحيل أوافق على المهزلة دي.،
حملَ حقيبتهِ وأجابها:
-بس أنا موافق، انحنى بجسدهِ ينظرُ لرماديتها:
-إيلين متلعبيش بمشاعرنا، علشان مقلبشِ عليكي، وعيوني عليكي أيِّ غلط منِّك وحياة قلبي اللي اتحكِّمتي فيه وخلِّتيه لعبة في إيدك ماهرحمك، إنتِ مراتي سواء رضيتي ولَّا لأ، ولو مش عاجبك الكلام اشربي من البحر.
قالها وتحرَّكَ من أمامها وكأنَّهُ لم يقل شيئا، لتهتفَ بحدَّة:
-وأنا عندي أموت ولا أكون زوجة تانية..
توقَّفَ مبتسمًا حتى لمعت عيناهُ بعشقها، ليضعطَ على حقيبتهِ يمنعُ ابتسامتهِ واستدارَ برأسه إليها:
-وأنا متجوِّزتش غيرك، ولا عيوني شافت غيرك يابنتِ عمتي، ولو قصدك على جوازي من حنين كان مصلحة وبس، بدليل سنتين ومتمِّمتش جوازنا، استدارَ بكاملِ جسدهِ وتعمَّقَ بعينيها المتلألئةِ بالدموعِ وأكمل:
-بس إنتِ مقدرتش أتحكِّم في مشاعري حتى أربع شهور، وربِّنا حب يقرَّب بينا بجنين، بس للأسف مالناش نصيب فيه، بس أكيد المرَّة الجاية هيكون نصيبنا أحسن ياحبيبي، أنا داخل المحاضرة وهقفل الباب مبحبِّش الطالب اللي يدخل بعدي، وخاصةً لو كانت حلوة وتاخد العقل زي مراتي العسل دي …قالها غامزًا بطرفِ عينهِ وتحرَّكَ من أمامها، تطلَّعت إليهِ بذهولٍ تشيرُ على مكانِ تحرُّكه:
-إيه الراجل البارد دا، طيِّب واللهِ لألعب لك في الأزرق يابنِ خالي..اصبر عليَّا كنت بتعامل معاك باحترام، واللهِ ياآدم لأكرَّهك في نفسك..
بمنزل دينا
دلف للداخل يبحث عنها، سأل الخادمة
-فين المدام؟!..أشارت إلى الحديقة وأجابته
-لسة خارجة من شوية…تحرك إلى جلوسها وجدها تجلس على حافة المسبح، انحنى وطبع قبلة على رأسها
-وحشتيني!!
ابتعدت بنظرها عنه ولم تكترث لوجوده..جلس بجوارها ثم جذبها إلى أحضانه
-عارف مقصر معاكي، فاروق تعبان عنده جلطة، وارسلان ميعرفش كمان
رفعت رأسها تسأله
-وليه مخبي على ابنه، ليه دايما قرارتك لنفسك يااسحاق
سحب نفسًا وزفره ببطئ مغير الحديث
-عاملة ايه والبيبي عامل ايه
تنهدت بعدما علمت بهروبه فأومأت برأسها
-كويسة والبيبي كويسة، عايزة اروح للدكتور نطمن عليه، خلاص داخلة على السابع لازم اعرف المفروض هتعامل ازاي الفترة الجاية
خلل أنامله بأناملها ودنى يضع رأسه فوق كتفها
-لو فاروق فاق هنعمل حفلة ونعلن جوازنا، مبقاش ينفع اخبي، ابني لازم يجي للنور يادينا
ابتسمت حتى لمعت عيناها بالدموع
-حقيقي يااسحاق …ملس على خصلاتها واعادها بعيدا عن وجهها
-أنا خايف عليكوا يادينا مش مخبي علشان حاجة
-طيب ومدام احلام هتوافق
نهض من مكانه يضع كفوفه بجيب بنطاله ينظر للبعيد
-دي حياتي يادينا انا مكنتش خايف من مدام احلام
قاطعه رنين هاتفه رفعه سريعا بعدما وجده حرسه الخاص
-أيوة يابني
-ألحق ياباشا، فاروق باشا صحي وركب العربية وهو بيقول ارسلان ومقدرناش نوقفه
ركض سريعًا إلى سيارته يصرخ به
-ازاي ياحيوان تخليه يطلع لوحده، دا مريض، اوعى تقولي ركب العربية وساقها لوحده
-رفض ياباشا حد مننا
ااااه صرخ بها وهو يستقل السيارة بسرعة جنونية، توقفت تنظر إلى خروجه
-استر يارب، ياترى مخبي ايه يااسحاق قالب حالك كدا
عند فاروق ظل يقود السيارة بجسد واهن وكلمات مصطفى تتردد بذهنه، رفع هاتفه وحاول مهاتفة ارسلان ولكن لم يجيب، تلاشت الرؤية أمامه رويدا رويدا حتى فقد الرؤية ولم يستمع سوى بارتطدام السيارة
عندَ إلياس وصلَ إلى المكانِ الذي يحتجزُ به طارق:
-كلِّم أبوك وخلِّيه يجي يطلَّعك ياله..
-ويطلَّعني ليه، هوَّ أنا عملت حاجة، عايز أعرف أنا هنا ليه؟..
لطمةٌ قويةٌ حتى شعرَ بأنَّ رأسهِ التفتَ للجانبِ الآخرِ من قوَّتها، وكأنَّهُ تحوَّلَ إلى شيطان، ليمسكهُ من تلابيبهِ يضربُ رأسهِ بالحائطِ وصورةِ زوجتهِ تمرُّ أمامَ عينيه، ظل يضربهُ حتى تلاشى جسدهِ وهوى على الارضية، انحنى يجذبهُ يجرُّهُ إلى أن تدخَّلَ شريف محاولًا السيطرةَ على غضبِ إلياس:
-إلياس اتحكِّم في نفسك شوية، الولد ممكن يموت، دفعَ شريف بعيدًا عنهُ وأطبقَ على عنقه:
-فين أبوك ياله، حاولَ الحديث، إلَّا أنَّهُ خطفَ هاتفهِ ودفعهُ بقوَّةٍ وبدأ يقلِّبُ فيه إلى أن وصلَ إلى رقمٍ يدوَّنُ بالهاتفِ بحروف، أمسكَ الهاتفَ واتَّصلَ على تلك الحروف، أجابَ راجح سريعًا:
-طارق إيه اللي بيحصل عندك، قضية إيه اللي اتمسكت فيها؟..أشارَ لشريف لمراقبةِ المكالمة حتى يتوصًَّلوا إلى مكانه، وضعَ الهاتفَ على أذنِ طارق وأشارَ بيدهِ أن يتحدَّث:
-بابا مسكوني في الشقة، ومعرفشِ جابوني هنا ليه، تعالَ طلَّعني..
-مين اللي مسكك ابنِ السيوفي؟..نظرَ إلى إلياس وهزَّ رأسهِ بالنفي مجيبًا:
-لا دا ظابط تاني..
يعني إيه ياله..أغلقَ إلياس الهاتفَ بعدما أشارَ إليهِ شريف بمعرفةِ المكان، دفعهُ إلياس بقدمهِ قائلًا:
-برافوو عليك ياطاروقة، أمَّا أبوك دا حسابه تقل معايا..قالها وجذبَ سلاحهِ متحرِّكًا سريعًا مع رنينِ هاتفهِ برقمِ أرسلان:
-إلياس عرفت مكان راجح، أنا في الطريق هبعتلك اللوكيشن..
-وأنا كمان نتقابل هناك، قالها وأغلقَ الهاتفَ وقادَ سيارتهِ بسرعتهِ الجنونية، بتحرُّكِ شريف خلفهِ يسبُّه:
-واللهِ نهاية وظيفتي على إيدك ياابنِ السيوفي، وصلَ بعد قليلٍ إلى المكانِ الذي يحتجزُ به ميرال، دفعَ البابَ مع تبادلِ الأعيرةِ الناريةِ بكافةِ الأرجاء..
تمكَّنَ إلياس بمعاونةِ أرسلان وشريف من اقتحامِ المنزلِ يبحثُ بلهفةٍ والفزعُ يجعلُ قلبهِ يتقاذفُ بأنينٍ مكتوم، يتلفَّتُ يبحثُ عنها بنبضِ قلبهِ الذي يهمسُ بحروفها، دفعَ البابَ بقدمه، ليُفتحَ على مصراعيه..هزةٌ عنيفةٌ كزلازلٍ قويٍّ وهو يراها متمدِّدةً بوجهٍ شاحبٍ على الفراشِ كالتي فارقت الروحُ الجسد، واشتعلَت داخلهِ وصلةُ جنونٍ وهو يقتربُ منها يرفعُ جسدها بين ذراعيهِ بعيونٍ ترقرقت سحبها، لتنسابَ دمعةٌ غائرةٌ حارقةٌ على وجنتيه، ضمَّها وخرجَ بها سريعًا متَّجهًا إلى سيارته، وصلَ إلى السيارةِ مع ركوبِ أرسلان وتحرُّكهما سريعًا متَّجهينَ للمشفى، ساعاتٍ عصيبةٍ وكأنَّ دقائقها خنجرٌ يشحذُ صدره، وهو يتوقَّفُ أمام النافذةِ ينظرُ إلى سكونِ جسدها، أين تلك التي كانت تتحرَّكُ كالطفلةِ برشاقة، هل هذه زوجتهِ التي أشعلت لهيبَ قلبهِ بعشقها..
استمعَ إلى صوتِ والدهِ خلفه:
-حبيبي أقعد شوية، والحمدُللهِ إنَّك لحقتها في الوقتِ المناسب، استندَ بظهرهِ على الجدارِ ينظرُ لمصطفى بصمت، لم يقوَ على النطق، فلقد انطفأت عيناهُ
أغمضَ عينيهِ متراجعًا برأسهِ يستندُ على الجدار، كلما تخيلَ ماصارَ لزوجتهِ
يشعرُ بنزيفِ روحه، وداخلهِ نيرانٌ ملتهبةٌ تحرقهُ بقسوة، ولا تبرِّدها سوى القبضَ على عنقِ راجح ولا يتركهُ إلا وهو يلفظُ أنفاسهِ الأخيرة.
ربتَ مصطفى على كتفه:
-إن شاء الله هتكون كويسة حبيبي، والجنين هيكون كويس.
فتحَ عينيهِ يطالعهُ بتيه:
-هوَّ فيه حد طبيعي يابابا يعمل كدا؟. استدارَ مصطفى يواليهِ ظهرهِ قائلًا:
-أنا آسف كنت مفكَّر لما أغيَّر التحليل هيبعد عنها، مكنشِ في بالي أبدًا أنه يعمل فيها كدا..
التفتَ إليهِ واستطردَ قائلًا:
-وهوَّ فين الحيوان دا، التفتَ إلى النافذةِ ينظرُ إلى زوجتهِ وأجابه:
-معرفشِ ومش عايز أعرف دلوقتي، دا أحسن له، حقير لعبها بمهارة، بس ورحمة أبويا ماحدِّ هيرحمه من نارِ قلبي..خد ماما وارجع على البيت، شكلها تعبان ومايطمنش..
بعدَ عدَّةِ ساعاتٍ فتحت عينيها تهمسُ بخفوتٍ اسمَ زوجها، نهضَ من مكانهِ مقتربًا منها:
-حمدالله على السلامة، اتَّجهت بعينيها إلى الصوت، ارتعشَ جسدها وانسابت دموعها بأنين:
-إلياس..تجوَّلت بأنظارها على الغرفة، وابتسامةٍ من بين دموعها:
-أنا فين!! دسَّ كفوفهِ بجيبِ بنطالهِ مردفًا:
-إنتِ في أمان، وضعت كفَّيها على بطنها تتساءلُ بلهفة:
-ابني فين؟! نزِّله، تراجعَ إلى النافذةِ ينظرُ للخارج:
-ابنك كويس وإنتِ كويسة، احمدي ربنا..
أغمضت عينيها تحمدُ ربها:
-الحمدُ لله، الحمدُ لله يارب، اتَّجهت بنظرها إلى وقوفه:
-إنتَ أنقذتني قبل مايجهض البيبي، دلفت الممرضةُ ووصلت إليها:
-حمدَ الله على سلامتك يامدام..أومأت وحاولت الاعتدال ولكنها شعرت بألمٍ ببطنها، حرَّكت كفَّيها تنظرُ إلى إلياس بذهول:
-إيه دا!..أشارَ للممرضة:
-لو كويسة جهِّزيها علشان هنخرج..
-هبعت الدكتور تشيِّك عليها وتشوف إن كان ينفع تخرج ولا لأ؟..قالها إلياس وتحرك سريعًا من أمامها
باليومِ التالي بفيلَّا الشافعي:
نهضت بكسلٍ من نومها تنظرُ إلى نومها الثقيل، احتضنت رأسها عندما شعرت بالألمِ محاولةً التذكُّر، هبَّت سريعًا تحاول تذكر ماصار، ولكن ألم رأسها جعلها غير متوازنة
فلاش قبل وصول إلياس بساعة إلى ميرال
وصلت إلى المنزلِ الذي يحتجزُ به ميرال، دلفت للداخل:
-إيه ياراجح، خلَّصت لازم نمشي قبل ماابنِ السيوفي يوصلِّنا..
رفعَ ساقيهِ على المكتب، ونفثَ تبغهِ قائلًا:
-لا خلاص مش هنسافر، ومتخافيش من ابنِ السيوفي علشان هو هيطلَّقها ومالوش علاقة بيها.
اقتربت منهُ متسائلةً يعني إيه، البنتِ حامل ، إزاي هيوافق كدا، نهضَ من مكانهِ واقتربَ منها ومازال ينفثُ سيجارته:
– لا ماهو مبقاش فيه ولد، كلُّه بح، الدكتور جوا، والفيديو وصل لابنِ السيوفي ومش بس كدا، ودعوة الطلاق كمان، علشان يعرف هوَّ واقف قصاد مين..
-اتجنِّنت ياراجح عايز تموِّت البنت، دفعتهُ وتحرَّكت سريعًا وجدت الطبيبَ يقوم بعمله لفتح بطنها
-استنى إنتَ بتعمل إيه؟،،نظرت إلى ميرال المتمدِّدةِ على الفراشِ لا حول لها ولا قوَّة لتصرخَ بالطبيب:
-برَّة يامجنون، دلفَ راجح بعدما أشارَ للطبيب ِبالخروج:
-اتجنِّنتي يارانيا، عايزة البنت تجيب الولد!..
وصلت إليها وانحنت تقبِّلها بحنانٍ أمومي..تنظر لذاك الجرح السطحي
-حبيبة ماما، آسفة يابنتي..
-رانيا ..صاحَ بها راجح لترفعَ نظرها إليه:
-خليه يجي يداوي الجرح دا ياراجح، والله اموتك سمعت
-متجننيش أنا مستحيل أوافق على كدا، إنتَ قولت هنسافر إيه اللي خلاك تغيَّر رأيك، مش قولت استوليت على شركةِ العمري والدنيا بقت تمام ليه رجعت في كلامك؟..
وصلَ يجذبها من ذراعها:
-تعالي معايا يارانيا..دفعتهُ صارخة:
-راجح متخلِّنيش أقلب عليك، إياك تقرَّب من البنت، والولد اللي عايز تنزِّله دا ياغبي هو اللي هيكوِّش على كلِّ حاجة، اعقل ياراجح ومتخليش غضبك من فريدة وابنها تموِّت بنتنا الوحيدة..
ابتعدَ يحكُّ ذقنهِ بتفكيرٍ ثمَّ أجابها ببرودٍ مهلكٍ قائلًا:
-سبيني أفكَّر يارانيا، أشوف الولد دا فعلًا هيكوِّش على العيلة ولا هيكون جهنم ..
ضغطت على شفتيها بعنفٍ وهدرت به:
-بنتي مش هتقرَّب منها ياراجح..
-ماهو علشان بنتك يارانيا لازم أخلص من الولد.
-يعني إيه؟..تساءلت بها بغضب..
اقتربَ يسحبُ ذراعها وخرجَ بها من الغرفة:
-حاضر يارانيا، مش هعمل فيها حاجة، تعالي معايا علشان أقولِّك كلمة سر
ابتعدت عنهُ تطالعهُ بغموض:
-مفكَّرني عبيطة ياراجح، قالتها واقتربت تترجاهُ محافظةً على هدوئها البارد حتى تخرجَ بابنتها، حاوطت عنقهِ واستخدمت أساليبها:
-رجوحة حبيبي مش كفاية اتحرمنا من هيثم، مابقاش عندي إلا ميرال، علشان خاطري حبيبي متعملشِ حاجة، ووعد هخلِّيها تبعد عن ابنِ السيوفي علشان عارفة إنَّك خايف على شغلنا، أنا فاهمة وعارفة تفكيرك، بس وحياتي ياراجح بلاش تئذي بنتك..
صمت لبعض الوقت قائلًا:
-موافق يارانيا،
-اشارت على ميرال:
خليه يدخل يداوي البنت لتموت من النزيف، البنت حامل حرام عليك
سحبَ كفَّيها وتحرَّكَ للخارج:
-طيب تعالي لازم نمضي عقودنا، قبلِ مابنتك تفوق، ولَّا عقود راجح مابقتشِ تنفع، أطلقت ضحكةً صاخبةً وتحرَّكت معهُ للخارجِ تنظرُ إلى الطبيب:
-تدخل تدواي جرح بطنها، وإياك تقرَّب منها، وامشي متنازلين عن خدماتك..
أومأ راجح بعدما غمزَ له بطرفِ عينهِ بعيدًا عن رانيا، ثمَّ اتَّجهَ إلى سيارتهِ يحاوطُ خصرها:
-لمَّا الهانم تفوق هاتوها على فيلا المريوطية لازم نحتفل بوجودها مش كدا يارانيا؟.
ابتسمت تهزُّ رأسها:
-كدا ياحبيبي، خلُّوا بالكم منها، مش عايزة حد يقرَّب منها، وانت اياك جرحها يكون فيه غلطة، وشوف دوا قوي يعالج الهباب اللي عملته..قالتها واستقلَّت السيارة، لتتحرَّكَ السيارة بعض الكيلومترات، وصلت إلى الفيلاَ وترجَّلت وهو بجوارها:
-ليه جينا هنا ياراجح مرحناش الفيلا ليه؟..
دلفَ للداخلِ وأجابها:
-علشان ابنِ السيوفي زمانه قالب الدنيا بعد ماوصل لفريدة، وطبعًا بعد قضيةِ الطلاق لو لقاني هيولَّع فيا..
قهقهت تخلعُ حذائها:
-نفسي أشوف وشِّ فريدة دلوقتي ، اتَّجهَ إلى أحدِ الباراتِ، وجذبَ كاسًا وسكبَ به بعضَ المحرَّماتِ والتفتَ إليها وجدها تتجوَّلُ بعينها بالفيلا متمتمة:
-حلوة الفيلا أوي ياراجح، إنتَ شاريها من زمان؟..
سكبَ مابداخلِ ذاك الكاس، وقامَ بتقليبهِ سريعًا متَّجهًا إليها وبسطَ كفيهِ إليها:
-بصحة الحبِّ اللي بينا ياروحي، أخذتهُ وتجرَّعتهُ ثمَّ اتَّجهت إلى هاتفها وقامت برفعِ صوت أغنيةٍ شعبيةٍ قائلة:
-الليلة فرحانة أوي، ولازم أسعدك معايا، هرقص لك زي زمان لحدِّ مابنتنا ترجع لنا واحصَّر فريدة عليها، قالتها وصعدت فوق الطاولة وبدأت تتمايلُ بجسدها إلى أن شعرت بالدوار، ليتلقَّفها بين ذراعيهِ هامسًا بفحيح:
-لولا ارتباط شغلنا مع بعض يارانيا كنت زماني دفنتك من زمان، بس أخلص من الناس الحقيرة دي وأعلِّمك إزاي تضحكي عليا يابنتِ الرفاعي..
استمع الى هاتفه
-ألحق ياباشا الظابط وصل واخد مراته، وقبضوا على الدكتور وهو بيعمل العملية
-الله يخربيتكوا كلكم، التفت إلى رانيا التي غفت
-غبية كنت زماني خلصت، ازاي هعرف اجيبها تاني ياغبية، أه يافريدة مستحيل ارحمك
بعد يومين من تحسن ميرال والأطمئنان عليها خرج بها من المشفى وصلَ إلى منزله، وضعها بهدوءٍ بالفراشِ ودثَّرها، دلفت فريدة إليها متلهفة:
-عاملة إيه ياحبيبتي، كانت عيناها عليه، تعلمُ أنَّهُ لن يرحمها بما فعلتهُ وما قالته، استدارت إلى فريدة قائلة:
-أنا كويسة ياماما، بس عايزة أنام..
انحنت تطبعُ قبلةً عميقةً فوق جبينها:
-دايمًا ياحبيبة ماما..احتضنت بطنها وبكت:
-شوفتي عملوا إيه، فتحوا جزء من بطني ياماما، كان عايز يموِّت ابني..
تراجعَ إلياس إلى غرفةِ الملابس قائلًا:
-مش هم اللي كانوا عايزين يموِّتوا ابنك يامدام، توقَّفَ واستدارَ إليها:
-إنتِ اللي كنتي عايزة تموِّتيه محدِّش غيرك، بلاش تحمِّلي ذنبك لغيرك، معلش العيب مش فيكي، العيب فيَّا إنِّي اخترت ست متستهلش تكون ام ولا تستاهل تكون مراتي، بس أوعدك قريبا اصلح غلطي
هبَّت فريدة تطالعهُ بذهول:
-إنتَ بتقول إيه ياإلياس، إنتَ اتجنِّنت..
-أيوة أنا فعلًا اتجنِّنت علشان رغم أغلاطها كنت بسامح وأعدي، البنت دي اللي بيربطني فيها ابني وبس، نظرَ لعينيها التي انفجرت بالبكاءِ وتابع:
-إنسانة تافهة ماتنفعشِ تتحمِّل مسؤلية، متنفعشِ تشيل اسمِ إلياس السيوفي، هيَّ فعلًا أثبتت أنَّها بنتِ راجح بياعة، ممكن تبيع الغالي بالرخيص في أي وقت، واللهِ لولا إنِّك حامل كنت طلَّقتك بلا راجعة، علشان تفكَّري مليون مرَّة إزاي تتطاطي لواحد واطي..
دفعت الفراش وتوقفت متجهة إليه وهي تحتضن بطنها:
-وكان مطلوب مني ايه ياحضرة الظابط، قولي كان مطلوب مني ايه وهو بيخيرني بين البيبي وبين امي
ركل الباب ودلف للداخل يصفعه خلفه بقوة، محاولًا ألا يخرج غضبه بها، خطت إليه توقفت فريدة أمامها
-ميرال بلاش دلوقتي اللي مر به مش قليل..أزالت دموعها بعنف وتمتمت ببرود وانا كمان اللي مريت بيه مش هين ياماما وحضرتك شوفتي
صاحت بصوت مرتفع حتى وصل إليه
-مش قولتي له ليه كان عايز يموتك، مش قولتي ليه أنه ضربني في بطني وقال هيجيبه زاحف
كور قبضته ونفرت عروقه بقوة من يراه يظن أنه سيفتعل جريمة لا محالة
دفعت الباب ودلفت إليه وانسابت دموعها كمجرى نهري
-ايه قافل على نفسك ليه، خايف تموتني ياله أنا قدامك موتني، على الأقل ارتاح منك ومن الراجل دا، ولا اقولك ايه رأيك اموت انا نفسي، ماانا عملتها قبل كدا، ذهب ببصره سريعًا على سلاحه مع نظراتها ليصل إليها بخطوة واحدة ولكنها رفعت السلاح إليه
-أنا مش عايزة الحياة دي ياالياس، ابويا مجرم وامي بتخون ابويا، انا سمعت ارسلان وهو بيقولك، انا خلاص تعبت مش عايزة حاجة من الدنيا دي
-هاتي السلاح ياميرال
-ابعد ياإلياس انا تعبت منكم كلكم، اعيش ليه والراجل دا ابويا..ظلت تلوح بالهاتف وتصرخ بدخول اسلام وغادة على صراخها، اقترب اسلام من الخلف محاولا السيطرة على حركاتها باقتراب إلياس يشير إلى اسلام بالابتعاد بعدما علم أنها لا تشعر بما تفعله استدارت مع اقتراب إلياس والتفاتها إليه مع ضغطها على الزناد
بالمشفى عند ارسلان
ابتعد اسحاق بعدما استمع إلى رنين هاتفه:
-اسحاق ألحقني، والدتك جت على الفيلا بناس معاها، أنا خايفة
ركض سريعا إلى سيارته
-دقايق وأكون عندك، روحي على الملحق، اوعي توصلك لحد مااوصلك
بعد قليل
خرج الطبيب من غرفة العناية، فتوقف ارسلان مبتعدًا عن والدته، نظر إلى الطبيب منتظر حديثه فتحدث قائلًا
-هيدخل عمليات تاني ومحتاجين دم، زمرته مش موجودة بالمشفى للأسف، اقترب ارسلان قائلًا
-أنا ابنه خد اللي انت عايزه
