رواية شظايا قلوب محترقه الفصل الثامن والعشرون28 بقلم سيلا وليد

رواية شظايا قلوب محترقه 
الفصل الثامن والعشرون28
بقلم  سيلا وليد

مِل بكتفك عليَّ سأعطيك أمانا أفتقده..
رغما عن تكدّس الأشياء السيئة داخل صدري..
رغما عن تخبطي المتكرر في اماكن عديدة
ثابت أنا لكن داخلي ينتفض ويبكي ويحترق..
أود أن أخبرك أنك تسكنني فكرا وحبا،،
أحببتك بإفراط للحد الذي شعرت أنني لا أصلح لأحد غيرك..
وبأن الحب الذي في صدري خلق لك وحدك…
لكن كم هي قاسية تلك التراكمات التي تجعلنا نقسو رغم حناننا ونبتعد عنهم رغم حاجتنا لهم…
ونصمت رغم تكدس الكلمات في صدورنا..
كم هي قاسية تلك التراكمات التي تجبرنا أن نكون على غير حقيقتنا..
ف العشق ُ إنْ ملَكَ القلوبَ أذلّها
حتى يطولَ عناق ُ مَن تهواه
فوق الرموش ِ أراكَ طيفا ً ساكنا
لكنَّ حبَّكَ في الحشا سُكناه ُ
حبي لوجهك خالد ٌ ومخلد ٌ
أيموت ُ حبٌُّ في دمي مجراهُ…
اتَّجهَ يحاوطُ ذراعيها مع ضغطها على الزنادِ لتتَّسعَ حدقتيهِ بفزعٍ وهو يرى أنَّ الرصاصةَ استقرَّت بكتفِ إسلام.
ألقت السلاحَ وبدأت بوصلةِ صراخٍ تضعُ كفَّيها على أذنها، اتَّجهت فريدة بنظرها إلى مصطفى:
-إسلام..نطقت بها بذعرٍ وهي ترى الدماءَ التي لوَّنت قميصه، أشارَ مصطفى بيدهِ إليها:
-اهدي يافريدة، هوَّ كويس..قالها مع احتوائهِ لذراعِ ابنه، دنا إلياس وعينيهِ على موضعِ جرحه، جثا أمامه:
-ورَّيني كدا اتصبت فين..قالها بلسانٍ ثقيلٍ وهو يسحبُ ذراعه، ليطبقَ على جفنيهِ محاولًا الضغطَ على أعصابهِ حتى لا يلتفتَ إليها ولا يتركها سوى قتيلة.
ضمَّتها فريدة لأحضانها محاولةً السيطرةً على بكائها قائلة:
-حبيبتي اهدي ياعمري، إسلام كويس، ميرو اهدي، جثت على الأرضيةِ تبكي بشهقاتٍ مرتفعة..توقَّفَ إلياس متَّجهًا إليها بعدما فقدَ اتزانهِ والتَّحكمَ في أعصابه:
-عجبك كدا، بتعيطي ليه دلوقتي، هتفضلي لحدِّ إمتى متهورة، قوليلي لحدِّ ماتموِّتي حدِّ فينا..
توقَّفت فريدة أمامهِ وهدرت بهِ بعنف:
-ممكن تسكت، إنتَ مش شايف حالتها عاملة إزاي، خد أخوك وروح المستشفى بدل ماحضرتك واقف تعاتبها خدها في حضنك وهدِّيها..
كزَّ على أسنانهِ وتحوَّلت عيناهُ لنيرانٍ جحيميةٍ يشيرُ على إسلام:
-أروح المستشفى وياترى لو سألوني أقولهم إيه، مراتي مجنونة وكانت عايزة تنتحر، كلِّ ماتغلط وتزهق تمسك المسدس وعايزة تموت، انحنى إليها ولم يكترث إلى صياحِ مصطفى عليه:
-إنتِ جبتي أخرك معايا، أنا مش متجوِّز مجنونة ولا طفلة علشان كلِّ ماتضايق تجري تمسك المسدس وبتهدِّدنا بيه، إنتِ كبيرة يامدام والمصيبة هتكوني أم، إيه لمَّا تغضبي من ولادك هتموِّتيهم..نظراتٌ قاسيةٌ يرمقها بها كمن تلبَّسهُ شيطانٌ وليس معشوقِ قلبها..رفعت عينيها لتقابلَ عينيهِ القاسيةِ، ليستوطنَ الألمَ بداخلها ونيرانًا تأكلُ صدرها، استندت على فريدة ونهضت بتخبُّطٍ متحركةٍ للخارجِ بقلبٍ محترقٍ من قساوةِ كلماته، دلفت إلى غرفتها القديمة وأغلقت الباب خلفها، ثمَّ هوت خلفه، تبكي بشهقاتٍ مرتفعةٍ تضعُ كفَّيها على فمها تمنعُ صوتَ بكائها، ظلت لدقائقَ وعيناها خيرُ دليل على ماتشعرُ به..حتى ارتجفَ جسدها بالكامل، استمعت إلى طرقاتِ غادة على بابِ الغرفة:
-ميرو افتحي الباب ياقلبي طمِّنيني عليكي، نهضت من مكانها وأردفت بصوتٍ متقطِّعٍ باكي:
-عايزة أقعد لوحدي ياغادة لو سمحتي، قالتها وخطت إلى غرفةِ ملابسها، تبحثُ عن شيئٍ ترتديه، جذبت أحد قمصانها وارتدتهُ ومازالت كلماتهِ تتردَّدُ بأذنها، اتَّجهت إلى فراشها تتمدَّدُ عليه، حينما شعرت بالخدرِ يتسرَّبُ إلى جسدها وكأنَّها ستفقدُ الوعي..لم يمرّ دقائقَ معدودة وغرقت بغيبوبةِ فقدانها للوعي، مرَّت فترةٌ بعد الاطمئنانِ على إسلام وإحضارِ الطبيبِ وإخراجِ الرصاصةِ من ذراعه، توجَّهت فريدة إليها، جلست بجوارها تمسِّدُ على خصلاتها، مرَّرت أناملها على وجنتيها تزيلُ آثارَ دموعها ثمَّ انحنت تقبِّلُ جبينها:
-عارفة اللي بتمرِّي بيه صعب يابنتي، ربنا ينتقم من راجح ورانيا، ظلت تمرِّرُ كفَّها على خصلاتها إلى أن دلفَ إلياس إليها:
-نامت؟..أومأت متوقِّفةً ثمَّ دنت منه وأخبرتهُ بعتاب:
-اللي عملته غلط وغلط كبير، إنتَ مكنتش هناك وشوفت اللي اتعرضناله..
زفرةٌ بقوةٍ وردَّ بنبرةٍ حادة:
-ومين اللي وصَّلكم لكدا، حضرتك اللي رحتي هناك وكأنِّك مقطوعة من شجرة، ولَّا المدام اللي أهمِّ حاجة عندها إنَّها تعاندني وخلاص، إيه يامدام فريدة تغلطوا الغلط وتلبسهوالي، خمس دقايق بس لو اتأخَّرت فيهم كان ممكن يكون بدفنها دلوقتي، دا واحد مجرم وحاولت أفهِّمها الوضع وبلاش شغل لحدِّ ماأشوف هعمل إيه معاه، قالت بتحرمني وبتخنقني، وأهو دي نتيجة عمايل المدام..
-إلياس حبيبي اهدى المواضيع مبتتاخدش كدا، خطا إلى نومها مستغربًا سكونها بتلك الطريقة، رفع ذقنها بأنامله:
-ميرال!! ردَّدها عدَّةِ مرَّاتٍ ولكن لا رد،
جذبَ عطرها وقرَّبهُ لأنفها ينظرُ لوالدته:
-مغمى عليها، هاتي لها عصير..قالها وهو يرفعُ نصفَ جسدها؛
-ميرو ..فوقي..ردَّدها وبدأ يلمسُ وجنتيها مع تقريبِ عطرها من أنفها، رفرفت أهدابها عدَّةِ مراتٍ تتأوَّهُ بألمٍ يضربُ رأسها، استدارَ يضعُ الزجاجةَ على الكومدينو، ثمَّ اتَّجهَ إليها يمرِّرُ أناملهِ بحنانٍ على وجهها:
-ميرال سمعاني، فتحت عينيها لتقعَ على عينيهِ القريبة، كانت حالتها مزرية، عيونها المنتفخةِ من البكاء، مع احمرارِ شعيراتها الدموية، وأنفها المحمَّر، اعتدلت مبتعدةً عنه تحتضنُ رأسها مغلقةً عينيها بدخولِ فريدة تحملُ كوبًا من العصير، نهضَ من مكانهِ حينما بسطت فريدة كفَّها بكوبِ العصير، وتحرَّكَ للخارجِ دون حديث..جلست بجوارها تنظرُ إلى خروجهِ بتنهيدةٍ حزينة، ثمَّ حاوطت ميرال بذراعها:
-حبيبتي اشربي العصير، أكيد عندك هبوط..
وضعت رأسها على كتفِ فريدة:
-ماليش نفس واللهِ ياماما، إسلام عامل ايه؟..رفعت رأسها وبدأت تساعدها بارتشافِ العصير قائلة:
-إسلام كويس حبيبتي، الدكتور طمِّنا، ياله اشربي عصيرك كلُّه، أنا خليتهم يعملولك الأكل اللي بتحبيه..
تمدَّدت مرةً أخرى بعدما شربت نصفَ كوبها قائلة:
-عايزة أنام ياماما مش عايزة آكل أو أشرب، لازم أرتاح علشان أعرف آخد قرار في حياتي الجاية.
توقَّفت فريدة تجذبُ غطاءً خفيفًا ودثَّرتها به قائلة:
-نامي ومتفكَّريش غير في ابنك وبس، تمام حبيبة ماما.. هروح أجهزلك الأكل
ترقرقت عيناها بالدموع:
-بس أنا مش بنتك، ليه مطلعتش بنتك ياماما، ليه حظِّي كدا، حتى الراجل اللي حبيته طلع قاسي أوي، ليه بيحصل معايا كدا؟..
مسَّدت على خصلاتها وردَّدت مستنكرةً ماقالته:
-ليه بتقولي كدا حبيبتي، هوَّ أنا مش ماما، محدش له حق فيكي قدِّي ياميرال، وجوزك مفيش أحنِّ منه بس الضغوط اللي عليه كتيرة يابنتي، عايزة منِّك تهدي وبلاش تسرُّعك، مينفعشِ كلِّ حاجة نهدِّد بإنهاء حياتنا فين إيمانك يابنتي، عايزة تقابلي ربنا كافرة ياميرال!..
عند إلياس خرجَ للحديقة، توقَّفَ أمام المسبح يضعُ كفوفهِ بجيبِ بنطاله، رفعَ عينيهِ لضوءِ القمر الذي يسطعُ نورهِ ويغطِّي الكرةَ الأرضيةِ بتمامِ اكتمالهِ بمنتصفِ الشهر..ظلَّ لعدَّةِ دقائقَ ينظرُ لنورهِ وذكرياتٍ تمرُّ أمامَ عينيهِ من كلماتهِا عن جمالِ الليالي القمرية للعاشقين، التوت زوايةِ فمهِ وابتسامةٍ ساخرةٍ تجلَّت على وجهه:
-القمر والبحر والحب..إيه الارتباط معرفش، ستَّات هبلة..استمعَ إلى رنينِ هاتفه، أخرجهُ ينظرُ للمتصل:
-أيوة !!
عرفت لك مكان راجح فين، في فيلا بالمريوطية، الفيلا باسمِ طارق ابنه، فيه حاجة كمان عايز أقولك عليها،
فيه ظابط بيعمل تحرِّيات عليك وعلى مدام فريدة..ضيَّقَ عينيهِ متسائلًا:
-مين دا ؟!
ردَّدَ اسمَ الضابط إليه، فتراجعَ إلى المقعدِ قائلًا:.
-الصبح تعرف لي ليه بيدوَّر ورايا، وإيه حكايته أكيد وراه راجح، بس قبلِ الحكم هاتلي قراره..
قالها وأغلقَ الهاتفَ ينظرُ أمامهِ بشرود:
-وبعدهالك ياراجح، بتعجِّل بموتك ليه، أنا مش عايز أموِّتك دلوقتي..حكَّ ذقنهِ وتذكَّرَ أمرَ قتله:
-ودا أبعده إزاي عن القتل، أنا لازم أعذِّبه في حياتهِ زي ماعذَّبنا، ياترى هعرف اوصل لأخويا، ياترى هو عايش ولا ..اغمض عيناه ونيران متقدة بصدره كلما تذكر له ولأخيه، استند بظهره على المقعد محاولًا التفكير بشؤنه القادمة، ماذا سيفعل، هل سيظل بكنيته ام سيغير إلى والده الحقيقي، بدأ يحدث نفسه
-إزاي بعد العمر دا كله أغير اسمي، غابت ذكرياته وبدأ الألم فريسته التي تنهش بداخله، وبدأ يردد بلسانه
-يوسف جمال الشافعي
-إلياس مصطفى السيوفي، معقول العمر دا كله باسم غير اسمي، معقول حياتي كلها سراب، ازاي ..بدأ يفرك جبينه وألم رأسه يسيطر عليه
-راجح، الراجل المتقلب، ياترى ياراجح هتكون السبب في موت اخوك، ولا هيكون قضاء وقدر، استمعَ إلى صوتِ مصطفى:
-مراتك عاملة إيه؟..
-كويسة هتعمل إيه..جلسَ بجوارهِ يربتُ على كتفه:
-اعذرها حبيبي، البنت كانت في موقف صعب..
التفتَ إليه ينظرُ بصمتٍ للحظاتٍ ثمَّ نطقَ مستنكرًا ما فعلتهُ فريدة وميرال:
-أنا مش عارف ليه حضرتك بتحسِّسني أنُّهم كانوا بيتفسحوا، مراتك كانت بين إيدين مجرم، تخيَّل لو أرسلان معرفشِ مكانها كنت هتعمل إيه..توقَّفَ وابتعدَ عن نظراتهِ واستطرد:
-بابا مش هفضل أسامح لحدِّ ما في يوم تموِّت نفسها وتموِّت حد من البيت، استدارَ يطالعه:
-ميرال اتجاوزت كلِّ الحدود، عارف إنَّها مضغوطة وحالتها متسمحش، بس لازم تعرف إنَّها مش ستِّ عادية دي مرات ظابط أمنِ قومي، يعني لا قدَّرَ الله ممكن في أيِّ وقت توقع بين أيدي الارهابين اللي بنحاربهم، وقتها لازم تدافع عن نفسها متكنشِ مطمع يابابا، مراتي ماتتهدِّدش، ومش معنى أنا مجرتشِ ورا راجح يبقى اتقبِّلت اللي عمله، لا مكنشِ ابنِ مصطفى السيوفي إن مخلِّتوش يكره اليوم اللي قابلني فيه، يبقى وقتها اعرف إنَّك معرفتش تربيني..
توقَّفَ بمقابلته، وحدقهُ بعيونٍ مستفهمة:
-ناوي على إيه يابنِ السيوفي؟..ماتضغطشِ على البنتِ ياإلياس، البنتِ مالهاش ذنب..
-ولا أنا ليا ذنب، ذنبي إيه أعيش طول حياتي باسمِ غير اسمي، ذنبي إيه وأنا حاسس إنِّي سارق حياة مش حياتي، ذنبي إيه ولادي يجوا على الدنيا وجدُّهم واحد حقير ممكن يكون قاتل أبو باباهم، دنا يتعمَّقُ بعينيهِ بعينِ مصطفى وتابعَ بنبرةٍ منكسرة:
-ذنبي إيه وأنا بعامل أمِّي بمنتهى القسوة علشان أثبت لقلبي إنِّي مابحبَّهاش علشان خايف أخون أمِّي الميتة، ذنبي إيه وأنا ليَّا أخ وبحاول أتذكَّر أيِّ حدِّ أكون عاقبته ويكون قريب مني أو من أمِّي بالشبه، ذنبي إيه وأنا بقوم بالليل مفزوع خايف ليخطف مراتي أو يموِّت حد من أخواتي..دا وصل لقلبِ بيتنا مرة، والمرَّة التانية سحب أمي ومراتي، منتظر مني أصقف له..
تراجعَ بجسدهِ للخلف وهو يهزُّ رأسهِ بالنفي مستنكرًا هدوءَ مصطفى:
-معرفشِ ليه لمَّا ضرب عليك نار نكرت دا قدام النيابة!..
-علشان دا اللي حصل، إحنا رجال قانون ياإلياس، أنا غيرك لازم دلائل يابني، وقتها كان هيخرج، ماهو مفيش حاجة تدينه، كنت هتقولُّهم شكِّيت فيه، زي خطفه لفريدة وميرال إيه اللي يثبت، لو قولت مراتك أو والدتك هيعمل مليون حيلة علشان يطلَّع والدتك بتتبلَّى عليه، وهيقلِّب في القديم، ومحدِّش هينضَّر غيرك إنتَ وأخواتك، عرفت ليه أنا محبِّتش أعمل شوشرة..
-بابا ..صاحَ بها بعنفٍ وأشارَ بسبباته:
-أنا مش هرحمه، وكنت مستحيل أقدِّمه للشرطة، بالعكسِ أنا ببعده عن كلِّ التهم، ومش بس هسحبه من تحتِ المنظَّمات اللي بيعمل فيها، عايزه نضيف علشان أشرَّبه المر اللي شرَّبه للكل..
-إلياس..رفعَ كفَّيهِ معتذرًا:
-آسف مش هسمع كلامك، ولا كلام أيِّ مخلوق، ولو ليَّا معزَّة عند حضرتك زي مابتقول، حياتي الخاصة محدش يتدَّخل فيها، علشان مزعلش..قالها واستدارَ متحرِّكًا للداخل، وصلَ إلى غرفةِ ميرال، دلفَ للداخلِ وجدَ فريدة تطعمها، رفعت عينيها وتقابلت نظراتهما إلى أن سحبت عينيها من مرمى نظراتهِ القاسية..
-اسمعيني كويس يابنتِ مدام فريدة، وعايزك تُحطِّي تحت كلمة مدام فريدة ملايين الخطوط، علشان لو سمعتك في وقت تنسبي نفسك لراجح هموِّتك بإيدي، ومتعشيش دور المظلومة، إحنا الاتنين في الهوا سوا، يعني إحنا الاتنين اتحطِّينا تحتِ أمر واقع ولازم نتقبِّله، اقتربَ منها وعينيهِ مازالت تحاوطُ جلوسها وتابعَ حديثه:
-ابنك اللي في بطنك دا أغلى منِّي شخصيًا، ميرال السيوفي لازم تكون قدِّ الكلمة مش مجرَّد زوجة أضواء وبس، عايز ست أقدر أعتمد عليها في أقسى ظروفي، مش واحدة مجرَّد ماأيِّ حيوان يهدِّدها تجري تعيَّط وتضعف وتنتنحر، أنا الستِّ دي متلزمنيش..أنا قولت لك قبل كدا أنا مستحيل أطلَّقك إلَّا إذا إنتِ طلبتي، بس قبل ماتتنططي وتقولي طلَّقني متنسيش إنِّك حامل في ابني..
طالعتهُ بعيونٍ متلألئةٍ بالدموعِ اللؤلؤية، وارتعشَ جسدها بقلقٍ وخوفٍ من قسوةِ كلماته..سحبَ نفسًا وابتعدَ عن نظراتها حتى لا يضعفَ وتابع:
-مفيش خروج من البيت إلَّا وأنا معاكي، الكلب دا مش هيسيبك غير لمَّا يحرق قلبي بابني، متفكريش إنِّك تهمِّيه، هوَّ عايز يدوس عليَّا أنا وأمِّي وبس، ياريت تسمعي الكلام وتعقلي، أنا عمري ماوقفت قدام مستقبلك، بالعكس كنت داعم من أوِّل ما دخلتي الكلية لحدِّ دلوقتي، بس دلوقتي خلاص مبقاش ينفع نطاطي..
أغمضت عينيها محاولةً الضغطَ على أعصابها حتى لا تصرخَ بوجهه، ظلت تستمعُ إلى كلماتهِ أو بمعنى أصح قسوة سجنهِ إلى أن انتهى..
رفعت عينيها أخيرًا إليه وأخرجت حروفها متقطِّعةً مثل حالِ قلبها الذي انشطر:
-أنا مش مسجونة قدامك ياحضرةِ الظابط، علشان تكلِّمني بالطريقة دي، وزي ما سمعت كلامك لازم تسمعني..
-مالكيش كلام عندي..
اشتعلت حدقتيه كجمرات ملتهبة، حاول تمالك اعصابه، ولكنه كان كالذي يقف فوق تل من النيران، ليقترب منها
-الكلام دا تبليه وتشربي ميته، مالكيش رأي بعد رأيي واحمدي ربنا اني لسة هتقبلك في حياتي بعد بلاويكي
اخترقت كلماته صدرها كالرمح المشتعل، فسحبت نفسًا قويًا لتثبط نوبة بكاء أوشكت على الانفجار واردفت بهدوء رغم الضجيج الذي يحاوط دواخلها
-وأنا مش موافقة..
-مش مهم توافقي أو ترفضي، رأيك مايهمنيش
هبَّت فريدة من مكانها تطالعهُ بذهولٍ وتمتمت بعتاب:
-لا واللهِ ودا قانون مين؟..
قانوني..قالها وهو يضعُ سلاحهِ على الكومدينو، ثمَّ رمقَ ميرال بنظرةٍ سريعة:
-قربت لك المسافة يامدام، علشان ماتجريش عليه زيِّ الطفلة..
تنهَّدت فريدة مستديرةً إليه:
-هوَّ إنتَ يابني جايب القسوة دي منين، مش معقول تكون ابنِ جمال.
-ومين قالِّك أنا ابنِ جمال..قالها بدخولِ مصطفى وتوقُّفهِ على بابِ الغرفة، أشارت إليه:
-مصطفى خد الواد دا من قدامي..
-واد وياخدني، ليه عايز الرضعة،
إيه يامدام فريدة تغلطوا الغلط وتلبسوهالي، ولَّا بتسبقيني علشان معقبكوش على اللي عملتوه إنتِ وباربي هانم..
تعاقبني، لدرجة دي ياإلياس عايز تعاقب أمَّك؟!..
دنا منها وانفجرَ بكلماتهِ التي حاول كبتها:
-منتظرة منِّي إيه، أنا دخلت لقيت مراتي بطنها مفتوحة يامدام وهي حامل وباعتة تقولِّي بلاش توصَّلني أذلَّك، اتَّجهَ ببصرهِ إلى ميرال وجزَّ على أسنانه:
-عايز أعرف المدام هتذلِّني إزاي، دنا ونسي ما تشعرُ به وانحنى بجسدهِ يحرقها بنظراتهِ، وكبريائه اللعين يحرقه من كلماتها التي ذبحت رجولته، كيف يصمد أمام ذلك حتى لو كان كان عشقها موشوم بوريده، لابد أن يدعس على ذاك النبض حتى لا يفقد كبريائه ورجولته، فهدرَ بصوتٍ اهتزَّت له جدرانَ المنزل:
-ياله يامدام عايز أعرف هتذلِّيني وتكسريني إزاي، هوَّ فيه أكتر من واحد زبالة يصوَّرك وهوَّ بيحرَّك إيده على جسمك ويقهرني، أنا اتذلِّيت بيكي يامدام وأنا عاجز ومش عارف أوصلِّك ودماغي هتنفجر من العجز..
وضعَ كفَّيهِ على عنقها يقرِّبها إليه يهمسُ إليها بهسيسٍ مرعبٍ، عندما اشتعلَ فتيلُ غضبهِ ليحرقَ قلبه:
-فيه اكتر من كدا ذل ومراتي تحت إيد واحد ***
أبعدتهُ فريدة تدفعهُ بغضبٍ بعيدًا عنها بعدما ازدادَ بكاؤها، وصرخت باسمِ زوجها:
-مصطفى ..قالتها وهي تطالعُ ميرال بعيونٍ حزينة:
-برضو هتقولي مصطفى، مصطفى دا يجي علشان ياخدك من أوضتي مش علشان ياخدني ياماما، حياتنا الخاصة محدش يدَّخل فيها، وياريت حضرتك تسبيني مع مراتي شوية..
توسَّعت عيناها بذهولٍ متمتمة:
-للدرجة دي ياإلياس!..التفتَ إليها:
-لدرجة إيه يامدام فريدة، حضرتك لغيتي وجودنا وجريتي ورا تهديد واحد جبان بيستخبَّى ورا الستات، خايفة منُّه ليه؟..مش لمَّا يكون راجل نعملِّه حساب..
نيرانٌ فقط لا يشعرُ سوى بنيرانٍ تسري بجسدهِ وهو يتخيَّلُ وجودهما بين قبضته، ضغطَ بقوَّةٍ على الكوبِ الموضوعِ بقربهِ حتى تهشَّمَ بكفِّه، وصرخَ بصوتٍ جهوري:
– مش عايز أسمع صوت، متبقوش غلطانين وتيجوا توقفوا قدامي وتقولوا أعمل إيه، المدام سمعت شروطي ودا لو عايزة نكمِّل مع بعض..
-وأنا مش عايزة أكمِّل معاك يابنِ عمِّي.
اتَّسعت ابتسامته، ورغم أنَّ كلماتها أصابتهُ كسهمٍ مسموم، إلَّا أنَّهُ هزَّ رأسهِ مردفًا:
-حاضر، بس مترجعيش تعيَّطي، أنا هكون معاكي راجل لصلةِ الدم وعلشان الستِّ دي مش أكتر، إنَّما إنتِ متهمِّنيش، مببكيش على الستِّ اللي تحاول تدوس على رجولتي، قالها وتحرَّكَ يصفعُ البابَ خلفه.
رفعت عينيها التي امتلأت بالدموعِ إلى فريدة:
-عجبك كلامه، شوفتي بيقول إيه..
ضمَّتها لأحضانها ولم تجبها، ولكنَّها تنهَّدت بألمٍ تشعرُ بثقلٍ يطبقُ على صدرها، ظلت تربتُ على ظهرها إلى أن غفت بأحضانها.
عند يزن:
خرجَ من الورشةِ يرتدي نظارتهِ الشمسية، وتوقَّفَ أمام صاحبِ الورشة:
-شوف حضرتك عايز تعمل إيه ياعمُّو وأنا معاك، بس فكَّر في الفكرة اللي قولت عليها، نكبَّر الورشة دي، ونشتري المخزن اللي جنبك ونعمله أجنس كبير..
أومأ الرجلُ برأسه،
-هفكر يابني بس الموضوع هيكلف يايزن
-على قد مايكلف ياعمو بس هيجزي بعد كدا، فكر ورد عليا ..قالها ثمَّ اتَّجهَ إلى دراجتهِ البخاريةِ وتحرَّكَ متَّجهًا إلى الشركة، وصلَ بعد قليلٍ إلى مكتبِ رحيل، دفعَ البابَ ودلفَ وجدها تجلسُ مع أحدِ المهندسين، ألقى السلام واتَّجهَ إلى المقعدِ وجلس منتظرًا انتهاءها، توقَّفت تنهي حديثها قائلة:
-نكمِّل في وقتِ تاني ياباش مهندس، ثمَّ اتَّجهت إلى جلوسِ يزن:
-أهلًا بحضرتك ياباشمهندس، أخرجَ جوازَ سفرها وألقاهُ أمامها:
-جواز سفرك جدَّدته واجهزي علشان هنسافر بكرة، باباكي هيسافر النهاردة بالليل..
اتَّقدَ الغضبُ كالنيرانِ التي تشتعلُ تحت مرجلٍ ليغلي صدرها مثل مياههِ وهدرت:
-ومين اللي أمر بكدا؟. تراجعَ بجسدهِ للخلفِ والتقطَ غضبها وصوتها المرتفع بهدوئهِ الباردِ وهو ينقرُ فوق المكتب:
-مابحبش أعيد كلامي، بلاش تخلِّيني أوصل لمنعك من السفر، نهضَ من مكانهِ وعينيهِ تحاورها قائلًا:
-هستناكي بالليل في بيتنا، أحست بارتفاع ضغط دمها، فتوقَّفت بمقابلتهِ معقِّبةً على حديثهِ قائلة:
-يزن أنا مش معترفة بجوازنا، ودلوقتي طلَّقني، دا لو اتجوِّزتني علشان تنقذني زي مابتقول، أنا دلوقتي متنازلة عن المساعدة..قالتها بمرارةٍ استشعرها بنبرتها، استدارَ إلى مكانها وحجزها بين ذراعهِ والجدار، وطافَ بعينيهِ على ملامحها البريئة:
-ومين قال أنا بساعدك، مش يمكن كنت بستغلِّك يارحيل؟..كتمت صرخة مهتاجة جاشت بصدرها، ورمقته بملامح مضجرة قائلة:
-يمكن!! يعني مش حقيقي.
-رحيل ممكن تسمعيني..
-لأ مش عايزة أسمع حاجة، واتفضَّل أنا عندي شغل، انحنى يهمسُ لها:
-قعدتك مع الباشمهندس دا لوحدكم مش مقبول، اتَّسعت حدقتها بالغضب، تدفعهُ بعيدًا عنها..أمسكَ كفَّها ووضعهُ على صدرهِ ليرتجفَ جسدها بالكامل، هربت الحروفُ من بين شفتيها، تطالعه بعيونًا ممزوجة بخط من الدموع، شعرَ برجفةِ جسدها فاقتربَ منها حتى اختلطت أنفاسهما:
-رحيل لازم تسمعيني، أنا مش وحش زي ما بتقولي.. كانت نبرته لينة ورغم ذلك شعرت بها بنيران انتقامية، فدفعتهُ بقوةٍ وابتعدت عنه تلفظ الهواء المكبوت بداخل صدرها وردت:
-ميهمنيش أعرف حاجة، اللي يهمِّني ورقة طلاقي وإنَّك تبعد عني..
شعر بثقل كلماته، ورغم ذلك بدا تصميمه جلي بعينيه، ليسحب نفسًا و
تنهَّدَ قليلًا، محاولًَا التماسكَ وكأنَّهُ مجبورًا على أن يصبرَ عليها، اقتربَ وعينيهِ تعلَّقت بها يخبرها:
-انا مضحكتش عليكي أنا اتجوِّزتك علشان أحميكي فعلًا، وكمان علشان فيه حاجة هتعرفيها بعدين..
تسمَّرت بمكانها وشيَّعتهُ بنظرةٍ أشبه بنيرانها التي تحرقُ صدرها ثمَّ تمتمت:
-لو كنت صريح معايا من الأوَّل يمكن كنت أدلتك عذر، بس دلوقتي للأسف إنتَ قدامي انتهازي واستغلالي، وانتقامي بشع ياباشمهندس، ولو سمحت حرَّرني أنا مش محتاجاك..
-تمام يارحيل، نرجع من السفر وبعدها أطلَّقك.
-سفر!! وانتَ تسافر معايا بصفتك إيه إن شاءالله؟..
-جوزك..عقدت ذراعيها وردَّت بغضب:
-وأنا مش معترفة بيك زوج هترضاها على نفسك..
اغتاظَ من قسوةِ كلماتها ورغم ذلك رسمَ ابتسامةً باردةً وحاول الثبات هاتفًا:
-لمَّا ترجعي يارحيل، مقدرشِ أسيبك في فمِّ الديب، ارجعي وبعدين نتكلِّم..
استندَ بكفِّهِ على المكتبِ وغرزَ عينيهِ بمقلتيها:
-متفكريش هموت عليكي، أنا اتجوِّزتك علشان شوفتك ست ومحتاجة حماية، وعندي سببي الخاص، أكيد هتعرفيه بس في وقته إن شاءالله..قالها واستدارَ إلى البابِ قائلًا وهو يواليها ظهره:
-خلِّيهم يجهزولي مكتب علشان بقيت شريك 20٪؜من الاسهم، توقَّفَ والتفتَ برأسه:
-مفيش اجتماع للشركة من غير علمي، روحي اطَّمني على مالك بيه وبعدين لينا كلام غير دا خالص..
بإحدى القاعاتِ التي تحضرُ بها إيمان دروسها، خرجت متَّجهةً لأحدِ الوسائلِ المشهورةِ بذاك المكانِ ويُعرف بالتوكتوك..أشارت إليه ليتوقَّف، ولكن وقعَ بصرها على كريم، خطا إلى وقوفها يشيرُ لصاحبِ التوكتوك:
-شكرًا يابني، الأستاذة عندها درس تاني..تهكَّمَ الولدُ وهو يوزِّعُ نظراتهِ عليهما بسخرية:
-وياترى درس أخلاقي ولَّا ثقافي ياأخينا، بقولِّك ياحلوة أنا بدِّي دروس ثقافية إنما إيه مدروسة بدقة، ماتسيبك منُّه وتعالي أنا أدِّيكي الدروس واحدة واحدة..غلت أوردتهِ فاقتربَ منهُ وجذبهُ يخرجهُ ليلطمهُ على وجهه، صرخت إيمان باسمه:
-خلاص ياكريم، كريم ..ظلت تصرخُ ولكنَّهُ فقدَ سيطرتهِ واشتعلت عيناهُ بالغضبِ وهو يلكمهُ حتى تجمَّعَ بعض الشبابِ للخلاصِ بينهما ..حملت حقيبتها بعدما ابتعدَ عنه، وركضت بعيدًا عن الجمع، والكلّ يرمقونها بنظرةٍ اتهاميةٍ ساخطة، ركضت مسرعةً بخطواتها وانسابت عبراتها، هرولَ خلفها يصيحُ باسمها إلى أن وصلَ إليها يجذبها من ذراعها، رفعت يديها تشيرُ إليه بالابتعادِ ونطقت بنبرةٍ منزعجة:
-ابعد إيدك يادكتور، إيه شغل البلطجية دا، أومال لو مش حضرتك دكتور، كنت عملت إيه، خرَّجت مطوة وشوَّهت الولد..
قالتها واستدارت من أمامه، إلى أن هتفَ قائلًا:
-كنتي منتظرة منِّي إيه، إنتِ مش شوفتي كلامه..التفتت تحدقهُ بنظراتٍ جامدةٍ وردَّت بنبرةٍ حادةٍ قائلة:
-هوَّ قال إيه مش حقيقة، إنتَ مشفتش الناس بتبصِّ عليَّا إزاي، فكَّروكوا بتتخانقوا عليَّا، ليه تحطُّني في موقف زي دا..لا إنتَ ولا هوَّ تهمُّوني، أنا بفكَّر بنظراتِ الناس والمستر ليا هيفكَّرني بنت منفلتة، محدِّش يعرف إنَّك صديق أخويا، واللي هيعرف هيفكَّر فيه علاقة بينا..
اقتربَ مزمجرًا كأسدٍ يريدُ أن ينقضَّ على فريسته، وجذبَ رسغها بعنف:
-بت أنا اتحمِّلت لسانك مافيه الكفاية، غير دفعت من أعصابي علشان آخد الإذن من أخوكي البارد أقعد معاكي نصِّ ساعة، وضيَّعتي النصِّ ساعة في تفاهات، دا عيِّل زبالة ومفكَّرنا مقضينها..
تغضَّنَ وجهها بعبوسٍ تطالعهُ بعيونٍ مستفهمة، أنا معرفش حضرتك بتتكلِّم عن إيه، بس اللي فهمته إنَّك عايز تقعد معايا وأنا مش موافقة، مستحيل أقعد معاك برَّة بيتنا، وكمان من غير مايزن يعرف.
ثارت جيوشُ غضبه، حتى نفرت عروقهِ ليكوِّرَ قبضتهِ بعنف، يشيرُ على سيارتهِ وهو يسحبها من كتفها متَّجهًا إلى السيارة:
-عدِّي الطريق معايا بدل ماأرميكي قدام العربية وأرتاح منِّك، توقَّفت تنظرُ لكفِّهِ المتشبثَ بذراعها ونزعتهُ بقوة:
-إنتَ صاحب أخويا أه، بس دا ميدكشِ الحق إنَّك تقرَّب منِّي كدا ولا تمسكني بالطريقة دي.
-إيماااان..قالها من بين أسنانهِ واقتربُ يخطفُ كفَّها الصغير بين كفِّه الكبير ويسحبها إلى سيارته..
-وآدي اللي يحبِّ عيِّلة، يستاهل اللي يجرى له..لم تستمع إلى مايقوله، كلَّ ماشعرت به دفءَ كفِّهِ وكأنَّهُ يحتويها بين أحضانهِ وليس بين كفَّيه، التفتت تنظرُ إلى وجههِ القريبَ منها، كان ينظرُ إلى حركةِ السياراتِ السريعةِ ليعبروا الطريقَ للجهةِ الأخرى، لا تعلمَ ماهذا الشعورُ الذي طغى عليها حتى جعل
جعلَ قلبها مضخَّةً عنيفة، حينما التفتَ إليها قائلًا:
-عدِّي بسرعة، قالها وعانقَ ذراعها ليتحرَّكَ بها سريعًا الى أن وصلَ الجهةَ الأخرى، كلَّ هذا ولم تشعر بما يدورُ حولها سوى من مسكةِ يديه..تركها بعدما وصلَ إلى سيارتهِ يشيرُ إليها:
-اركبي فيه كلمتين هقولهم وهوصَّلك للبيت أنا مستأذن من يزن ياإيمان، مش معقول هجي لك هنا وأقابلك من غير ماصاحبي يعرف.
-عايزني ليه يادكتور..فتحَ بابَ السيارةِ يشيرُ إليها:
-ماهو لمَّا تركبي هتعرفي..نظرت إليه ثمَّ إلى السيارةِ، فهمَ ماتفكِّرُ فيه فأردف:
-خايفة منِّي ولا شاكة فيا..هزَّت رأسها رافضةً كلماته، ثمَّ تمتمت:
-الموضوع مش كدا..لازم أكلِّم أبيه يزن أولًا، ثانيًا متعوِّدتش أركب مع حدِّ غريب..
اقتربَ منها وتوقَّفَ على بُعدِ مسافةٍ ليست بالقليلة، وردَّدَ وهو يستندُ على السيارة:
-أنا مش زي أيِّ حد، دا أولًا ، ثانيًا اتصلي بيزن مع إنِّي كلِّمته قبل ما آجي لك..
بفيلا إسحاق:
ظلت أحلام تدورُ بالمنزلِ كالمجنونة، تردِّد:
-مستحيل أخلِّي بنتِ بياع الخضار تجيب حفيدي، أنا حفيدي يكون أمه بتاعة خضار، ظلت تدورُ في الغرف، تشيرُ لرجالها:
-تجبوها من تحتِ الأرض، البنت دي لازم تكون تحتِ رجلي حالًا قبل ماإسحاق يعرف لعبتنا، نزلت إلى الحديقة تدورُ بعينيها في المكانِ إلى أن وقعت عيناها على الملحقِ المجاورِ لحارسِ الفيلا، فهمت من نظراتهِ أنَّها تختبئُ هناك، هرولت تنادي على أحدِ الرجالِ متَّجهةً إليهما، توقَّفَ الرجل أمامها:
-رايحة فين يا هانم، بنتي تعبانة ونايمة، لو سمحتي بلاش تخوِّفيها، نظرت للرجلِ الذي دفعهُ بقوةٍ حتى سقطَ على الارضِ ثمَّ أشارت على الباب:
-اكسروا الباب..أطلقَ الرجلُ طلقةً واحدةً لينفتحَ البابَ بوصولِ إسحاق يقتحمُ البوابةَ بسيارتهِ المصفحة، ليخرجَ سلاحهِ من النافذةِ ويطلقَ على من يحاوطها، بلحظاتٍ وهو يدورُ بالسيارةِ إلى أن تخلَّصَ منهم جميعًا، ثمَّ ترجَّلَ من السيارةِ بخروجِ دينا تحتضنُ أحشاءها، وتردِّدُ اسمهِ ببكاءٍ لتهوى على الأرضِ مغشيًا عليه، هرولَ إليها يحملها بين ذراعيه، لتستغلَّ أحلام انشغالهِ بها، فركضت إلى سيارتها وغادرت المكانَ سريعًا، رفعَ نظرهِ إلى سيارتها التي غادرت البوابة ، ثمَّ انحنى يضعُ زوجتهِ بالسيارةِ وهو يهاتفُ أحدهم:
-العربية رقم (. )تراقبها من غير ماتحس، شوفها هتوقف فين..
عند أرسلان:
دلفَ للداخلِ متَّجهًا لعملِ التحاليلِ اللازمةِ لأخذِ الدماء، انتهى بعد قليل، وخرجَ بوصولِ إلياس يربتُ على كتفه:
-حمدَ الله على سلامة باباك، أومأ له دون حديثٍ وجلسَ على المقعد، جلس بجوارهِ متسائلًا:
-مش فاهم إزاي خرج ويدخل عمليات تاني، أغمضَ عينيهِ قائلًا:
-بابا عنده لوكيميا، الدكتور لسة معرَّفني دلوقتي لمَّا سألته السؤال دا، وعملت تحاليل علشان نشوف تطابق الأنسجة، بس بيقولي هتتأجِّل أسبوع، لازم يفوق الأوَّل من الغيبوبة، وبعد كدا نشوف موضوع المرض..
-إن شاء الله هيفوق ويكون كويس، من رأيي تسافر بيه برَّة، هنا العناية مش قد كدا..
هزَّ رأسهِ بالرفضِ مردِّدًا:
-مينفعشِ إنتَ ناسي عمُّو وشغله، رفعَ عينيهِ إليهِ وهمسَ بصوتٍ خافت:
-عمِّو اتكشف دلوقتي، بعد ماخلصنا من الكلاب، وطبعًا العين كلَّها وقعت عليه، ومينفعشِ أخاطر ونسافر برة مصر،
-أممم، علشان كدا كان مبيِّن أنُّه عقيد بالشرطة..
مسحَ على وجههِ وزفرةً حارةً أخرجها يتلفَّتُ حولهِ ينظرُ إلى أختهِ ووالدتهِ ثمَّ اتَّجهَ بنظرهِ الى إلياس:
-نسيت أسألك مدام ميرال عاملة إيه والبيبي؟..
-الحمدُ لله كويسين.
-ربنا يحفظهم لك..أومأ له قائلًا:
-متشكِّر، المهم لو احتجت حاجة يبقى كلِّمني، أنا لازم أمشي عندي شغل مهم..
توقَّفَ متحرِّكًا معهُ إلى خارجِ المشفى حتى وصلَ إلى سيارته:
-هتعمل إيه مع راجح؟..فتحَ باب سيارتهِ وارتدى نظارتهِ ينظرُ إليه:
-ولا حاجة، أخلَّص قضيتي وأفضى له..
اقتربَ منه متسائلًا:
-إنتَ هتستقيل فعلًا، عرفت إنَّك مقدَّم استقالة، وكمان أنا معرفشِ إيه الموضوع كلِّ ماآجي أسألك أنسى..
أشارَ إلى المشفى وردَّ عليه:
-ادخل لوالدتك وأختك، متسبهمش لوحدهم، وإن شاءالله الدنيا تتحسَّن ونتكلِّم، لو احتاجت حاجة أكيد هتكلِّمني مش كدا؟..
ابتسمَ يومئُ له:
-أكيد هكلِّمك، مش علشان إنتَ جدع، لا علشان معنديش غيرك..
أفلتَ ضحكةً رجوليةً يهزُّ رأسهِ ثمَّ صعدَ إلى سيارته…
بشقةِ رؤى على طاولةِ الطعامِ تقلِّبُ بطعامها، رمقتها رؤى قائلة:
-بتلعبي في الأكلِ ليه يالينو؟..حبيبتي لو مش جعانة نامي شوية ولمَّا تقومي كلي..رفعت عينيها وتنهَّدت قائلة:
-مش عارفة، بس ماليش نفس للأكلِ ولا للنوم، صمتت ثمَّ هتفت:
-إنتِ هتخرجي إمتى؟..ابتلعت طعامها مجيبة:
-نصِّ ساعة كدا، مش عايزة أروح وإلياس هناك علشان ميرال متزعلش..
مطَّت شفتيها للأمام ثمَّ ابتسمت ساخرة:
-لا كتَّر خيرك والله، تعرفي أنا لو منها كنت موِّتك من غير مايرفلي جفن..
رفعت رؤى حاجبها ساخرة:
-ليه إن شاءالله، ماهي عارفة ومتأكدة إن إلياس أخويا وبس، وعارفة طبيعة العلاقة بينا، غير أنَّها كانت تعرف علاقتي بسيف..
اقتربت بجسدها مستندةً على طاولةِ الطعام:
-يابت حرام عليكي، دا إنتِ كنتي هتتجوِّزي جوزها،أنا معرفشِ إزاي ليكي عين تروحي هناك.
وضعت شوكتها ورفعت عينيها التي حجبت الدموعُ رؤيتها:
-أنا عمري ماكنت هعامل إلياس كزوج أبدًا، وهوَّ اتفق معايا على كدا، كان عايز يكتب عليَّا بعد مالحيوان سيف ضحك عليَّا بالجوازِ العرفي، انسابت دموعها وأكملت حديثها بصوتٍ باكي:
-اليتم وحش أوي ياإيلين، أنا ماليش حدِّ غيرهم، عارفة أنها زعلانة، وعارفة اني غلطت، بس هوَّ كان عايز يداويني علشان بعد كدا لمَّا أتجوِّز. ماهو مش هفضل طول حياتي كدا، وكمان كان عايز يفوَّق مراته، إلياس بيحبِّ ميرال أوي، مستحيل يشوف غيرها حتى لو مش بيعترف بدا، بس أنا متأكدة أنُّه بيحبَّها يمكن أكتر من أيِّ حاجة في الدنيا، ولو حطونا إحنا الاتنين هيدوس عليَّا علشانها، بدليل بعد الموضوع وفكرة انتحارها وقتها مافتحشِ الموضوع تاني..
-أيوة يارؤى أيِّ حدِّ مكانه هيعمل كدا، وبعدين هوَّ جاب لك ورقة من زفت سيف عقد جواز، ووثَّقه في الشهرِ العقاري وكمان ورقة طلاق، ليه كنتي عايزة جوازك من إلياس؟..
تنهَّدت بقلةِ حيلة وامتلأت عيناها بدموعِ الألمِ وردَّت قائلة:
-انا لسة على علاقة بيه علشان عايزة الحماية ياإيلين، نفسي أحس إنِّ ليا عيلة وأهل، واللهِ إلياس أخويا وعمري ما فكَّرت فيه غير كدا.
-طيب ماهوَّ بيحميكي ومحدش بيقرَّب منك، بلاش تدخلي حياته يارؤى لو سمحتي، إلياس على كلامك شخص كويس، بلاش تهدِّي حياته.
جحظت عيناها تشيرُ على نفسها بذهول:
-أنا أهدِّ حياة إلياس..لا طبعًا، أنا بس كنت عايزة لمِّة العيلة وبس.
زفرت إيلين بغضبٍ ونهرتها بحدة:
-ولمِّة العيلة دي هتكون إزاي يارؤى، حبيبتي دا واحد بيحبِّ مراته، وفكرة جوازه منِّك كانت للسترة وبس، وخلاص شاف ورقة الجواز والطلاق حلك، يبقى ليه نخرب حياته، مفيش مشاعر يارؤى حتى لو أخوية، حطِّي مليون خط، متعرفيش كسرةِ الستِّ بتكون إزاي من مجرد أنَّها تعرف إن جوزها فكَّر في غيرها..
تجمَّدَ جسدها تهزُّ رأسها بعنف:
-لا أبدًا أنا مستحيل أعمل كدا ياإيلين، مستحيل أهدم حياته، ولولا معرفتي بخلافه مع ميرال وكان عايز يفوَّقها، مكنتش وافقت عليه، معنى كلامي دلوقتي مش ارتباط بيه أبدًا..أنا قصدي بحبِّ أروح لهم علشان جوِّ العيلة مش علشان حاجة تانية.
اقتربت تربتُ على كتفها:
-حبيبتي متزعليش منِّي، خفت تكوني لسة حابَّة فكرة جوازه منِّك.
نكست رأسها بأسفٍ وتمتمت:
-يبقى متعرفيش مين هيَّ رؤى ياإيلين..
تأمَّلت حزنها البادي على وجهها ثمَّ حمحمت متسائلة:
-قوليلي إيه سر قرابته منِّك، يعني إزاي بقى مسؤول عنَّك؟..
استندت على كفِّها وبدأت تتلاعبُ بطعامها وهي تخبرها:
-كنت في ملجأ والدته، اتربيت وكبرت فيه، عمُّو مصطفى اتولَّى تعليمي علشان كنت كويسة، رفض أكون لوحدي دايمًا كنت تحت رعايته، قالي مش هسيبك ولازم تكمِّلي تعليمك وأراعيكي ومش هسيبك للدنيا تلطَّش فيكي، في الوقتِ دا طنط فريدة عملت مشغل في الدار وبدأت تعلِّم فيه البنات الصغيَّرين واللي في سنِّي، أنا كنت هاوية أوي الحاجات دي، اعتمدت عليَّا في حاجات كتيرة، لحدِّ في مرَّة كنَّا عاملين حفلة في الدار، والكلِّ حضرها ومنهم إلياس وإسلام، كنت شوفته كذا مرة بيجيب ميرال وغادة عندنا الدار في أيامِ الإجازة، وكان بيلعب مع الأطفال الصغيرة، فغزلت له سكارف، ولمَّا جه الحفلة قدَّمتها له هدية، كان فرحان بيها، ابتسم وقتها وشكرني،
بعدها بأسبوع لقيت عمُّو مصطفى بيقولي إلياس أخد لك بيت إنتِ وصاحبتك يارؤى..علشان تعرفوا تذاكروا كويس وتعتمدوا على نفسكم، وهوَّ هيوفرلكم الحماية لحدِّ مايطَّمن عليكم، مرِّت سنين وهوَّ الصراحة مقصرشِ معانا، لحدِّ ما صاحبتي في يوم عملت حادثة وماتت وبقيت أنا وحيدة في البيت دا، جبلي شغَّالة ودادة وكان بيجيب غادة وميرال عندي وأنا بروح في إجازتي هناك، لحدِّ ما بقيت أشاركه في كلِّ حاجة، كان عنده أمل فيا أدخل طب، بس محصلشِ نصيب، رغم كدا دعمني وفضل معايا، حتى لمَّا تعبت وعملت عملية واحتجت دم هوَّ اتبرع لي..يوميها قالي علشان نبقى إخوة في الدم، أنا كنت عارفة أنُّه يقصد إنِّي مفكرشِ في العلاقة اللي بينا غير كدا وبس.
ابتسامةٌ لاحت على وجهها متذكِّرةً ذلك اليوم، أوَّلُ يوم ليا في الجامعة وصَّلني.. كان أوَّل يوم برضو لميرال في الشغل، نزلها قدَّام الجريدة وقالَّها متخرجيش غير لمَّا أعدِّي عليكي، وقتها هي َّردِّت عليه وقالت له أنا مش لسة طفلة وهتعمل فيها الوصي، أنا هرجع بعربيتي..أفلتت رؤى ضحكةً تنظرُ إلى إيلين وتابعت حديثها:
-لو تشوفيه وقتها لو كان طالها كان خنقها، بصِّ لها بس كدا، شاور بإيده:
-ادخلي بدل ماألغي الشغل خالص..ارتفعت ضحكاتُ رؤى متراجعةً على المقعد:

-كانوا عاملين زي توم وجيري، عمري مااتوقعت أنُّهم بيحبوا بعض من كترِ خناقاتهم لما يتلمُّوا على بعض، أنا فاكرة في عيد ميلاد غادة في مرَّة، مسكها تهزيئ قدام الكل وعمُّو مصطفى حاول يوقَّفه، ودا زي مايكون كان منتظر لها على غلطة، اقتربت من إيلين وأكملت متسائلة:
-عارفة ليه..علشان دخل لاقاها بترقص وكانت لابسة جيب قصير، لو سمعتيه اليوم دا ياإيلين تقولي دا عدو مش حبيب أبدًا..
-غبية يارؤى..نطقت بها إيلين وهي تدورُ بالكوبِ بين يديها، ثمَّ استرسلت:
-دا حب مش عدواة، غيرة بجنون، هزَّت رؤى رأسها موافقتها الرأي:
-فعلا مفهمتش دا غير لمَّا جيت في مرة اعترفت له بحبِّي..
توسَّعت أعين إيلين تضعُ كفَّها على فاهها:
-أكيد بتهزَّري!..هزَّت كتفها للأعلى والأسفل مجيبة:
-لا والله لقيت نفسي في مرَّة واحدة بقولُّه أنا بحبَّك أوي، أنا فاكرة نظرته ليا اليوم دا وردُّه كويس، يومها سكت وفضل بصصلي..أنا قولت بيني وبين نفسي دا هيضربني بس وقتها رد بمنتهى البرود وأنا بحبِّك، فرحت أوي وبعدين كمِّل وقالي زيك زي غادة، غير كدا هرميكي في النيل..
ضحكت إيلين بصوتٍ مرتفع:
-الله يخربيتك، واللهِ تستاهلي يابنتي، ماهو قالك قبلِ كدا إخوة في الدم.
ابتسمت رؤى وأردفت:
-كان عجبني أوي وقتها، عيِّلة بقى تقولي إيه، المشكلة أنُّه عاملني بعدها ولا كأنِّي قولت له حاجة، بالعكس قرَّب مني أكتر، وبدأ يراقب كلِّ تحرُّكاتي وخنقني في كلِّ حاجة، فكَّرته بيعاقبني بس اتضح لي حاجة تانية..صمتت للحظاتٍ وذهبت بشرودٍ لذلك اليوم..
فلاش:
دلفت إلى مكتبهِ وجدتهُ جالسًا على الأريكةِ يحاوطُ غادة بين ذراعيه، أشارَ إليها بالدخول، دلفت بعدما أشارَ إليها:
-تعالي يارؤى، قالها مع خروج غادة، رفع عيناه إليها
– هتروحي مع غادة لطنط فريدة في الدار عايزاكي، وشوفيها عايزة منِّك إيه وتعالي قوليلي..
بعد فترةٍ عادت إليه:
-طلبت أعمل تحليل وخلِّت الممرضة تاخد منِّي عينة دم، حتى ميرال كانت هناك وعملت نفس الشيئ..
ضيَّقَ عينيهِ متسائلًا:
-تحليل!..طيب وغادة عملت نفسِ التحليل، هزَّت رأسها بالنفي وأجابته:
-لا أنا وميرال..تنهَّدت تنظرُ إلى إيلين مرةً أخرى:
-بعد كدا عرفت التحليل دا DNA
إيه يعني إيه؟..هكذا تسائلت بها ايلين..
هزَّت رأسها بعدمِ معرفة، وتابعت حديثها:
-معرفشِ دا عرفته من فترة بسيطة، لمَّا روحت الدار وشوفت الظرف في مكتب ماما فريدة، مضحكشِ عليكي أنا روحت هناك علشان أعرف، من وقتها الدنيا انقلبت عرضِ الجواز وخطف ميرال وماما فريدة وواحد بيتكلِّموا عليه اسمه راجح الشافعي، ودلوقتي منعني من الخروج من البيت زي ماإنتِ شايفة..
-إنتِ بتقولي راجح الشافعي!..تقصدي مين عمُّو راجح جوز خالتو رانيا؟!..
-أيوة مراته اسمها رانيا إنتي تعرفيها؟..
-إنتِ بتقولي إيه، الستِّ اللي اسمها فريدة دي اسمها فريدة إيه؟..
بعد عدَّةِ أيام:
بفيلا السيوفي والوضعُ كما هو، نهضت ذات صباحٍ واتَّجهت إلى غرفته، طرقت بابَ الغرفةِ ودلفت للداخلِ تبحثُ عنه، وجدتهُ مازال نائمًا، نظرت للساعةِ وتذكَّرت اليومَ إجازته، التفَّت للمغادرةِ من الغرفةِ إلَّا أنَّها توقَّفت على صوته:
-ميرال..التفتت إليهِ واقتربت بعدما اعتدلَ على الفراش:
-أنا هسيب الفيلا، هروح أقعد في البيت اللي اشتريته ودا بيتك يعني يخصَّك، وعلشان مترجعشِ تقولِّي حامل في ابني، شغلي وهكمِّله، لحدِّ ماأولد وقتها يبقى نشوف حياتنا هتكون إزاي، ياأمَّا ننفصل ياأما نكمِّل بس بشروطي، دا شرطي الوحيد وإنتَ مالكشِ ترفض، ياأما ننفصل من دلوقتي..
مسحَ على وجههِ يستغفرُ ربهِ بسرِّهِ ثمَّ أشارَ بعينيهِ للباب:
-امشي من قدامي واستعيذي بالله من الشيطان الرجيم، أنا على أخري منك
اقتربت وجلست بجوارهِ على السرير، وتركتهُ حتى انتهى من حديثهِ اللاذعِ كما خُيَّلَ لها، رمقها بنظرةٍ جانبيةٍ ثمَّ أردف:
-ميرال أنا قولت اللي عندي ومتحاوليش تخرَّجي الوحش اللي جوايا، بلاش إنتِ..
دقيقةٌ من الصمتِ بينهما إلى أن توتَّرت من نظراتهِ إليها لتردفَ بنبرةٍ مهزوزة:
-أنا مش موافقة على اللي قولته، أنا مش تابع ليك ياإلياس حتى لو كنت مراتك، شايفة إنَّك راجل مستبِّد وقاسي وظالم في قراراتك، ممكن أكون صح وممكن أكون غلط، بس اللي متأكدة منه..صمتت ورفعت عينيها لتقابلَ عينيهِ الجامدةِ ممَّا شعرت بنصلٍ باردٍ ينخرُ عظامها من تلك النظرةِ واستأنفت:
-مش كل حاجة بنتمنَّاها ممكن نقدر نحصل عليها، أنا مكنتش طالبة غير حنانك وحبَّك بس، لا طولت حنان ولا طولت حب.
-إيه اللي بتقوليه دا، هنرجع لكلامك التافه اللي وقت ماتغلطي تندبي بيه..،
انفجرت بركُ عينيها حتى خرجت شهقةٌ ارتجفَ على أثرها جسدها:
-أنا تعبانة ياإلياس عايزة أبعد عن كلِّ حاجة أوَّل حاجة لازم أبعد عنَّك، أنا مش سعيدة معاك، أو ممكن تقول قراراتك بتحسِّسني كمسجونة عندك،
أسبوع بتعاملني كأني مجرمة، حتى حملي مش شفعلي عندك
-وأنتِ مفكرة هسامحك علشان حامل، لا فوقي كدا، انتِ مش صغيرة، نهضت من مكانها وأجابته:
-انا مش صغيرة فعلًا، علشان كدا مش عايزة أكمِّل في الجوازة دي خلاص، الطلاق أحسن حل لينا، وإنتَ وعدتني قبلِ كدا وقت..قاطعَ حديثها عندما نفضَ غطائهِ قائلًا:
-إنتِ ناوية على موتك النهاردة يعني ولا ايه..بللت حلقها مستديرة إليه
-ليه، علشان بطالب بحقي، انت مغرور اوي ياإلياس، وغرورك مبين لك مقدرش اعيش من غيرك ..دنت وحاوطت جلوسه مقتربة من وجهه حتى اختلطت انفاسهما ونظرت بعيناه تريد أن تحرق كبريائه
-ممكن أكون حبيبتك حب متسهتلوش، أو أدتلك مكانة في قلبي اكبر ماتستحقها، ودلوقتي اكتشفت مكانتك الحقيقية
استقرت كلماتها بمنتصف قلبه، لتشعل نبضه مما جعله يقترب من وجهها وحاوط رأسها يقربها منه يضع جبينه فوق خاصتها
-قولي كمان ياميرال واحرقي، علشان مالقيش مية تطفي النار اللي بتشعليها بايدك
حاولت الثبات رغم أنفاسه الحارة التي ضربت وجهها لترفع عيناها تحدقه بنظرات باردة برود الثلج اكتسبتها من حديثه اللاذع
-هعيش من غيرك ياإلياس وهعمل ميرال الشافعي من غير اسمك، حاوطت بطنها ومازالت بين ذراعيه ثم استأنفت
-وهربي ابني وأخليه يفتخر بأمه اللي حضرتك كل شوية تهينها
بتر كلماتها يضغط على خصرها بانامله بقوة ويجذب خصلاتها يقربها إليه بعنف بيده الأخرى يهمس لها بفحيح اعمي، فلقد أشعلت جسده لتجعله كتلة نارية
-ابني مش هيخرج من بيت ابوه، ولو خرجتي بيه متلزمنيش
-شعري ياإلياس، سيب شعري
جذبها من عنقها بقوة لتقع بأحضانه ليحتضن ثغرها بقبلة عنيفة ادمت شفتيها ثم دفعها بقوة بعيدًا عنه ونهض متجهًا إلى الحمام :
-تمام ياريت مترجعيش تعيَّطي بعد كدا..التفتت إليهِ وردَّت بنبرةٍ هادئةٍ رغم ضجيجِ قلبها بعد قبلته:
-متخفشِ مش هعيَّط لك ولا حاجة، ولو جيت أعيط لك يبقى اعمل اللي إنتَ عايزه فيا، قالتها وتحرَّكت للخارج..
دفعت البابَ ودلفت غرفتها وسمحت لعبراتها بالانفجار، تلمس شفتيها ببكاء، كانت تتمنَّى أن يضمَّها ويطمئنَ روحها المعذَّبة، ولكن كأنَّ حياتهما سراب ولم يعد لديها بنية لتقويها..
بعد خروجها بدأ يدورُ بالغرفةِ كالأسدِ الحبيس يشعرُ وكأنَّهُ مطوَّقٌ بطوقٍ من النيران، اختناق وارتجاف لجميع جسدهِ مما جعلهُ فقدَ كلَّ حصونه، ليخرجَ متَّجهًا إليها، دفعَ بابَ غرفتها ودلفَ إليها وجدها جالسةً على الفراش،
انحنى إلى مستوى جلوسها وأردفَ بنبرةٍ غاضبةٍ وعينيهِ ترسلُ إليها نيرانًا مشتعلةً تريدُ إحراقها:
-مفيش خروج من البيت، عايزة انفصال مفيش غير لمَّا تولدي وآخد ابني وبعد كدا اعملي اللي إنتِ عايزاه قبل كدا لأ.
امتلأت عيناها بدموعِ الألمِ وهي تحدِّقُ بعينيهِ القريبة:
-لا هعمل اللي أنا عايزاه ياإلياس وعارفة إنَّك مش هتمنعني مش ضعف منَّك، بس علشان نفسيتي تعبت منك ياإلياس، قربك بقى يوجعني، وكلامك بقى بيدبحني، أكيد إنتَ مش الراجل اللي هتوافق إن مراتك تقعد معاك غصب عنَّك.
خنجرًا غرزتهُ بكبريائهِ ليعتدلَ بجسدٍ متصلِّبٍ يرمقها بنظرةٍ غامضة، ولم ينبس ببنتِ شفة، بل استدار وغادرَ الغرفةَ بالكامل..
بعد عدَّةِ ساعاتٍ هبطت الخادمة للأسفلِ بحملِ حقيبتها الكبيرة، جالَ مصطفى بنظرهِ على الحقيبةِ متسائلًا:
-هوَّ أنتوا مسافرين ولَّا إيه؟..
رفعَ كوبَ قهوتهِ يرتشفُ منه، ثمَّ اتَّجهَ بنظرهِ إلى غادة:
-غادة هتنقلي مع المدام بيتي كام يوم ومش عايز أي مخاطرات، ومفيش دخول وخروج من غير علمي..قالها ونهضَ من مكانهِ بهبوطها من الدرج:
-مفيش خروج لأيِّ مكان من غير حماية، شغل اشتغلي براحتك، بس لو حصل لك حاجة مش مسؤول، حتى ابني اللي في بطنك مابقتشِ عايزه، التفتَ إلى فريدة التي خرجت من المطبخِ تحملُ أكواب عصيرهم توزِّعُ نظراتها عليهما فأشارَ إليها:
-بنتِ حضرتك لو خرجت من البيت متلزمنيش، اللي بينا دلوقتي ابني دا لو هيَّ ناوية تجيبه، حتى مبقاش يهمِّني تجيبه ولَّا لأ..
جذبَ أشيائهِ وتحرَّكَ للخارجِ باقترابِ فريدة المصدومة تحدِّقُ بميرال، وضعت الأكوابَ وتراجعت تنظرُ إليها:
-فيه إيه..إيه اللي حصل تاني؟!..
-مش عايزة أكمِّل ياماما، ودا حقي..
قبضت على ذراعها تهزُّها بعنف:
-يعني إيه مش عايزة تكمِّلي هوَّ لعب عيال دا جواز..
ثُقلت الحروف من بين شفتيها، فهزَّت كتفها للأعلى مرةً وللأسفلِ مرةً ثمَّ انحنت تحملُ حقيبةَ يدها وتحرَّكت للخارج..أوقفها مصطفى:
-هسيبك يومين تهدي فيهم وبعد كدا نتكلِّم..أومأت وتحرَّكت دون حديث..
أشارت فريدة على خروجها:
-إنتَ هتسبها تخرج يامصطفى، يعني راضي باللي تعمله!..
-اقعدي يافريدة، البنت مرِّت بظروف صعبة، وابنك ضاغط عليها، لازم البعد علشان كلِّ واحد يعرف يفكَّر كويس،
دارت حول نفسها بغضب، تهزُّ رأسها رافضةً مايحدث:
-لا البنت حامل، مستحيل أسيبها لوحدها، ومعرفشِ إلياس دا مش عايز يعقل خالص..
توقَّفَ واقتربَ منها وأردفَ بهدوء:
-أهو إنتِ قولتي إلياس ضاغط عليها، يعني نستنَّى لحدِّ ماتخسر الولد..
همهمت دون رضا:
-ولمَّا تبعد دا هيكون أحسن لهم؟..بالعكس البعدِ بيربي الجفا يامصطفى، وأنا مش هقدر أسيبها لوحدها.
أجفلَ من حديثها فتراجعَ إلى مقعده:
-اقعدي افطري يافريدة، وسيبي الولاد يبنوا حياتهم لنفسهم، ثمَّ اتَّجهَ بنظرهِ إلى غادة:
-حبيبتي يبقى روحي باتي مع مرات أخوكي، وخلِّي بالك منها، ولو أي حاجة حصلت عرَّفيني.. قاطع حديثهم وصول الخادمة
-مدام فريدة فيه واحد برة اسمه يزن السوهاجي عايز يقابل حضرتك
-يزن السوهاجي!! مين دا كمان
وصلت بعد قليلٍ إلى المنزل، وجدت الخدمَ ينتظرونها، هرولت إحدى الخادمات:
-أهلًا بحضرتك يامدام…قالتها وهي تحملُ حقيبتها..ابتسمت بعدما علمت أنَّهُ خلفَ وجودهم، تجوَّلت عيناها بالحديقةِ على كثرةِ الأمن بها، خطت بعض الخطواتِ وعيناها تتجوَّلُ بالمكانِ تهمسُ لنفسها:
-معقول لحق ظبَّط المكان في ساعتين، آه منك ياإلياس، نفسي اهتمامك دا يكون بقربك مش أوامرك.
وصلت إلى غرفتها دلفت إحداهن:
-أنا هنا لخدمة حضرتك يامدام، أيِّ حاجة تحتاجيها عرَّفيني، وكمان أيِّ مشوار خارج البيت هكون مرافقة لحضرتك..
دقَّقت النظرَ إليها ثمَّ اقتربت منها:
-أكيد شرطية، بدل مرافقة وشكلك بيقول إنِّك مش إنسانة عادية!..
-أنا برة قدَّام الباب، لو احتجتي حاجة قولي هناء بس وهكون قدَّامك خلال ثواني..بسطت كفَّها بأحدِ الأجهزة:
-دا تواصل هيكون بينا، كلِّ الخدم والشغَّالين الموجودين تحتِ إشرافي بعد إذنِ حضرتك طبعًا، ودلوقتي هسيب حضرتك ترتاحي، وياريت متتعبيش نفسك في أيِّ حاجة، فيه بنت هتطلع تظبَّط هدوم حضرتك.
-اطلعي برَّة..قالتها ميرال وهي تخلعُ حجابها..
-نعم! رفعت عينيها وأشارت إلى الباب
قولت برَّة إيه مابتفهميش، مش عايزة حدِّ يدخل أوضتي،برَّة..
نزعت ثيابها بغضب:
-دا عايز يجنِّني يعني هربانة من تحكُّماته بعتلي واحدة شبهه تخنقني، أووف، قالتها وهي تلقي ثيابها بإهمال، ثمَّ تمدَّدت فوق التخت، نصفها بالأعلى وساقيها بالأرض..استمعت إلى رنينِ الهاتف:
-أيوة…
-ميرال فيه مؤتمر مهمّ النهاردة هخرج أغَّطيه، وتابعيني بالأخبار، لازم نعمل لقاء صحفي يكسَّر الدنيا، انقلاب على رئيسِ الوزراء ورفضهم تشكيلِ الوزراء، والدنيا هنا آخر حلاوة مع وزير الخارجية، قولت أعرَّفك إنتِ بتحبِّي الأخبار الهادئة..
اعتدلت متَّجهةً إلى حقيبتها وتساءلت:
-فين يابوسبس المؤتمر دا؟..
-هقولك بس سرِّي للغاية أوعي أخواتنا البعدة يعرفوا..
قهقهت عليها وهي تخرجُ بنطالًا باللونِ الأبيض واسع وكنزةٍ باللونِ الأسودِ وحجابٍ يحملُ اللونين:
-قصدك إلياس، لا متخافيش مش هيعرف، ابعتي اللوكيشن وأنا شوية وخارجة.
-أوكيه ياروحي، بس وحياتي عندك ياميرو بلاش جوزك ينطّ لنا هناك، عليه تقل دم إلهي يعدمه ياشيخة..
-لا متخافيش مش هيبقى هناك، اترقَّى ومبقاش يطلع، بس دا مايمنعشِ تلاقي طقمه هناك، بس مش منِّي، إنتِ عارفة دول بيكونوا في كلِّ مكان.
بعد فترةٍ كانت تجلسُ بأحدِ الأماكنِ المخصصةِ للإعلاميين وبجوارها صديقتها ينظرونَ إلى بعضِ الصور، ويراجعون بعض الحوارات..
-كمِّلي حبيبتي وجهزيه للنشر..
أومأت لها ثمَّ نظرت إلى ساعتها بإرهاقٍ تجلَّى على ملامحها:
-تمام هعدِّي على الجريدة و أجهِّزه لرئيسِ التحرير، وإنتِ خلَّصي هنا، سلام..
بعد عدَّةِ ساعاتٍ من العملِ المتواصل، رفعت رأسها تنظرُ لتلك التي تجلسُ أمام مكتبها، تنهيدةٌ عميقةٌ غادرت ضلوعها، ثمَّ رفعت هاتفها:
-ممكن أعرف ليه الستِّ دي، حرام تفضل ورايا في كلِّ مكان كفاية الحرس..
-دا مش علشانك، دي علشان ابني اللي في بطنك، أما إنتِ متهمنيش..
-تمام ياأبو ابنك..قالتها وأغلقت الهاتف، تسبه
-ياربي دون عن الرجالة كلها احب لوح التلج دا..شعرت بحركة جنينها، وضعت كفيها على بطنها مبتسمة:
-زعلان علشان، والله دا يتزعل منه مش علشانه، شكلك هتحبه اكتر مني يابن إلياس..ابتسامة هادئة وهي تنظر إلى كفيها الموضوع على بطنها لتتابع حديثها معه وكأنه يستمع إليها
-خلاص متزعلش انت جميل زي بابي، ابتسمت على حركاته تحت كفيها مع التقاط تلك الفتاة إليها لبعض الصور دون أن تراها، ظلت لدقائق وهي تتحدث مع جنينها ثمَّ نهضت من مكانها وتوجَّهت تحملُ بعض الأوراقِ متَّجهةً إلى رئيسِ عملها،
دلفت إليه بعد السماحِ ووضعت موضوعها الذي قضت الساعات عليه، نهضَ من مكانهِ وجلسَ بمقابلتها:
-آسف يامدام ميرال مستحيل أنشر حاجة زي كدا، إنتِ عارفة الموضوع دا ممكن يقوِّي المعارضة على النظام..
هبَّت من مكانها واعترضت على حديثه:
-إيه اللي حضرتك بتقوله دا، دا حوارات وصور إزاي أعمل انقلاب، حضرتك عارف بقالي كام ساعة بشتغل عليه؟!..
-ميهمنيش ياأستاذة الموضوع مرفوض.
قالها وألقى أوراقها..شعرت بتخدُّرٍ بكاملِ جسدها وهي تهزُّ رأسها رافضةً تعبها يُلقى بهذه الطريقة، انحنت تحملُ أوراقها بهدوءٍ غير معهودٍ منها، ثمَّ تحرَّكت للخارجِ واتَّجهت إلى سيارتها وعقلها يكادُ يصابُ بالجنون، وصلت إلى مكتبه، ودفعت البابَ وجدتهُ منكبًا على عمله، رفع رأسهِ ينظرُ إليها بعدما أخبره أمنهِ بالتوجُّهِ إليه…أغلقَ الجهازَ وتعلَّقت نظراتهِ بوقوفها..ألقت أوراقها على مكتبه:
-إنتَ اللي ورا دا مش كدا، عايز تكسرني وبس، المهم أكون تابعة لإلياس ميكونشِ ليا كيان ولا حياة، اقتربت وانحنت تستندُ بكفَّيها تغرزُ عيناها بمقلتيه:
-أنا دلوقتي بعترف إنَّك أكبر قرار غلط أخدته بحياتي، لو يرجع بيا الزمن مستحيل أوافق عليك..قالتها واعتدلت مغادرةً المكان دون ردِّ فعلٍ منه.
وقعت عيناهُ على الأوراقِ التي ألقتها أمامه، رفعَ هاتفه:
-وصَّلني برئيس التحرير يابني..
عند أرسلان:
وصلَ إلى إسحاق المتوقِّفَ أمام إحدى غرف العمليات، ربتَ على ظهره:
-إيه الاخبار؟..
استندَ برأسهِ على الجدار:
-حالتها صعبة، خايف عليها أوي ياأرسلان، واللهِ مش علشان الطفل، خايف عليها..
ضمَّهُ حتى انسابت عبراتُ إسحاق لأوَّلِ مرَّة قائلًا:
-لتاني مرَّة عمَّك بيخسر مبقاش فيا طاقة..
ربتَ على ظهرهِ وهتف:
-إن شاء الله هتقوم بالسلامة والبيبي هيكون كويس، ادعي إنت، ولَّا أقولك روح صلي ركعتين لله..قالها مع ارتفاعِ رنينَ هاتفه.
-أيوة يادكتور…
-تمام أنا جاي..التفتَ إلى إسحاق:
-طمِّني لو فيه جديد، وأنا هروح أشوف بابا..
خرج إلياس متجهًا إلى مكتب أحد الضباط، دلف إليه ..يضع صورته أمامه
-بتحفر ورايا ليه وعايز توصل لأيه
-مش أنا اللي بحفر وراك…امسكه من تلابيبه
-إنت تبع مين، راجح ولا مين
انزل يديه وتراجع على مقعده:
-ليا صديق، بيدور على اخواته وسألني عن مدام فريدة بس دي كل الحكاية
-معقول يكون جمال …قالها بهمس خافت، ليتوقف متجهـًا إليه
-عنوانه ايه صديقك دا
خرج بعد قليل متجهًا إلى وجهته مع ارتفاع رنين هاتفه
-إلياس فيه موضوع مهم لازم تعرفه قبل ماارسلان يعرفه
-مدام فريدة بعدين نتكلم فيه موضوع اهم من اللي بتقوليه..قالها واغلق الهاتف وكأنه لم يستمع إلى حديثها، استدارت إلى مصطفى
-إنت متأكد إن فاروق هيعمل عملية زرع من ارسلان
احتضن أكتافها
-لسة الدكتور قايلي حالًا، قال اخدو منه عينة، انا متكلمتش في حاجة، بس اللي اعرفه اسحاق مش هناك، وطبعا ارسلان ابنه وفاروق حالته خطرة، يعني بكرة أو بعده بالكثير الدنيا هتتقلب هناك، وانا معرفش ليه فاروق مخبي عن الكل
هوت على المقعد وارتعش جسدها تتمتم
-لازم اقابل ارسلان يامصطفى قبل مايتصدم ..
جثى أمامها واحتضن وجهها
-فكرت في كدا، بس خايف، الولد مش صغير، وارتباطه بفاروق صعب، واللي اعرفته إن اسحاق عامل كماشة عليه، مفيش حل غير إلياس للأسف لقرابة علاقتهم ..هبت من مكانها وركضت للخارج
-لازم اروح لابني يامصطفى، لازم اكون جنبه مستحيل اسيبه يعرف الصدمة لوحده
-فريدة اصبري ..
عند راجح
ظل ينظر للصورة التي أمامه ثم هتف
-برافوو عليكي يارانيا، كدا عرفنا مين ابن فريدة التاني، لولا الصورة اللي بعتيها مكنتش عرفت اوصله، المهم الواد دا من أكبر عائلات البلد، يعني الغلط بفورة يارانيا
-مش عارفة ياراجح، بس الولد شبه جمال اوي، ومراقبتنا لإلياس عرفنا أنه على علاقة
حك ذقنه ملتفتًا إليها
-تفتكري العيال دول يعرفوا أنهم اخوات..مطت شفتيها للأمام وأجابته
-ماأظنش، علشان علاقتهم متقولش كدا ..
دار حولها يتلاعب بذقنه وعيناه بالأرض
-طيب ازاي ميعرفوش بعض وقريبين من بعض، الموضوع دا ناقص ..
-انت دور بقى ياراجح المهم انا وعدتك اجب لك ابن فريدة التاني، فين مروة اللي وعدتني انك هتجبها لعندي
-أخرج هاتفه وفتحه لتظهر لها صور ميرال
-حبيبتي يابنتي، ظلت تنظر إليها مبتسمة، ثم رفعت عيناها إلى راجح
-دي في شغلها ..اشعل سيجاره وافلت ضحكة
-الحياة بينها وبين ابن السيوفي نار، ولعبت لعبة هتخليهم يولعوا في بعض، وزي ما وعدتك بكرة ولا بعده هتكون عندك ومش بس كدا لا بورقة طلاقها بعد اللي عملته
-ليه عملت ايه
عند ارسلان
دلف للطبيب متسائلًا
-حضرتك ليه أجلت العملية، قولت النهاردة روحت اسأل قالوا اتأجلت
-الانسجة مش متطابقة ياباشمهندس،
-يعني ايه مش فاهم دا والدي
وضع الطبيب نتيجة التحليل أمامه
-للأسف النتيجة مابتقولش غير حاجة واحدة بس، إن فاروق باشا مش والدك..نطق بها الطبيب بدفع اسحاق الباب متسائلًا:
-ايه اللي بيحصل في المستشفى بالظبط، ولوكيميا ايه اللي بتقول عليه

يا ليلَ شظايا القلوبِ المُحترقةْ
في صمتِها أسرارُ روحٍ مُرهقةْ
حُبٌّ توارى خلفَ ظلالِ الجراحْ
يروي الحنينَ بحبرِ دمعٍ وألمْ أفراحْ
على جدارِ الذكرى نقشتْ أمانينا
ورسمنا العمرَ بيدينا وخيباتْنا
تاهت بنا الطرقاتُ في زيفِ الوصالْ
وضاعَ الصدقُ في مَوجاتِ الاحتيالْ
لكنَّ النارَ، وإن أحرقتِ الجسدْ
ففي رمادها وميضُ الأملِ للأبدْ
يا قارئاً في طيّاتِ “شظايا القلوبْ”
ستجدُ أنَّ الحبَّ لا يخشى الذنوبْ
فاجمع شظايا القلبِ من رمادهْ
وامضِ إلى حياةٍ تُشرقُ من سوادهْ!
توقف إلياس وهو يستمع إلى حديث
شريف، يردد بينه وبين نفسه
-ممكن يكون جمال، اخيه، لقد حفرَ الحزنُ ثقوبًا داخلَ قلبه، ممَّا شعرَ برجفةٍ تعتري جسدهِ وهو يتحرَّكُ متَّجهًا إلى المكانِ الذي أخبرهُ به ذاك الضابط..مرَّ الوقتُ سريعًا إلى أن دلفَ إلى تلك العيادة، نظرَ إلى اللافتةِ التي تعلقُ على بابِ الشقة”كريم عادل الأسواني”
دلفَ للداخلِ إلى أن وصلَ لتلك الفتاة التي تجلسُ تدوِّنُ بعض الأسماء..
-حضرتك كشف ولَّا استشارة..تساءلت بها..ارتفعت دقَّاتهِ بعنفٍ حتى شعرَ بجفافِ حلقه، ورغم برودهِ وشخصيتهِ القويةِ إلا أنَّ داخله اهتزَّ وطالعها بعيونٍ شاردةٍ وكأنَّ لسانه رُبطَ ولم يعد للحروفِ مخرج، لحظاتٍ وهي تحادثه:
-ياأستاذ بسأل حضرتك، كشف ولَّا استشارة..ابتلع غصَّتهِ وأردفَ بهمسٍ خافت:
-الدكتور موجود، ولَّا لسة ماوصلش؟..
نظرت لساعةِ يدها وردَّت:
-على وصول..طيب أنا عايز أقابله ضروري، مش عايز كشف.
صمتت للحظاتٍ بدخولِ كريم ملقيًا السلام، ودلفَ للداخلِ مع ركضها خلفهِ بدفترها، بينما توقَّفَ إلياس ونظراتهِ على ذاك الشاب الذي دلفَ ولم يستطع رؤيتهِ للحدِّ المسموح.
خرجت تشيرُ إليه:
-اتفضل الدكتور مُنتظر حضرتك، بس بسرعة حضرتك شايف العيادة مليانة،
أومأ لها وأردفَ يشكرها:
-شكرًا..دلف للداخلِ يخطو بخطواتٍ متعثرةٍ وكأنَّ ساقيهِ تلتفُّ حول بعضها البعض، توقَّفَ يسحبُ نفسًا ينظرُ لبابِ الغرفةِ المغلق، كأنَّهُ بابَ إعدامه..دلفَ بعدما طرقَ البابَ وسمحَ إليه للدخول.
كان ينظرُ بجهازه، بينما نظراتُ إلياس ترسمه، رفعَ رأسهِ ينظرُ له:
-اتفضل الممرضة قالت لي إنَّك عايزني، خطا إلى جلوسه، توقَّفَ أمامهِ وعينيهِ تحاصرُ جلوسه، مما جعل كريم يهزُّ رأسه:
-سامعك..انحنى يتعمَّقُ بالنظرِ لعينيهِ ثمَّ قالَ بنبرةٍ هادئة:
-إلياس السيوفي
ضيَّقَ كريم عينيهِ متسائلًا:
-مش فاهم حضرتك..اعتدلَ إلياس يجذبُ المقعدَ وجلس بمقابلتهِ بعدما تسللَّ الشكَّ بداخله:
-مش إنتَ بدوَّر على إلياس السيوفي ومدام فريدة، أنا جيت لحدِّ عندك، اسأل وأنا أجاوبك بدل ماتلفِّ وتدور..
ابتلعَ كريم ريقهِ بصعوبة، وشعر بدوارٍ يضربُ رأسه، ليتراجعَ للخلفِ وعينيهِ تتهرُّبُ بكافةِ الاتجاهات..
كان يتابعُ تعابيرَ وجهه، صمتٌ مميت بالغرفةِ ولم يشعر بتعرُّقِ كريم من وجودهِ بذلك المأزق، لا يعلم بماذا سيجيبه، حمحمَ متَّجهًا إليه بنظراتهِ وارتبكَ بحديثه، ليردفَ بتقطُّع:
-مش فاهم حضرتك؟..
أخرجَ إلياس سيجارته، حينما تأكَّدَ أنَّهُ ليس أخاه، وبدأ يخرجُ دخانهِ بهدوء وعينيهِ الباردة تخترقُ جلوسه، دقيقة اثنتان وهو ينظرُ بصمتٍ مميتٍ إليه حتى فقدَ كريم اتِّزانهِ ليهتفَ قائلًا:
-مش أنا اللي سألت، أه الضابط صديق ليا وفهِّمته الموضوع يخصُّني بس مش أنا.،
ضيَّقَ إلياس عينيهِ منتظرًا باقي حديثه، ليتوقَّفَ كريم متَّجهًا إلى المقعدِ الذي يقابلهُ واستطرد:
-صديق مقرَّب ليا، بيدوَّر على مدام فريدة، مش عليك أبدًا، بس دي أسرار مقدرشِ أقولها لك، بس لو حضرتك مصرّ ممكن أقولَّك عنوانه، لكن سامحني لازم أستأذنه..
مطَّ شفتيهِ ينقرُ على المكتبِ ولاحت على وجههِ ابتسامةٍ ساخرة، حتى هربت الدموية من وجهِ كريم ليحمحم:
-ليه بتحسِّسني إنَّك مش مصدَّقني؟..
استدارَ إليهِ بنظرهِ واقتربَ بجسده:
-مطلوب منِّي أصدَّقك في إيه، وإنتَ بتدوَّر ورايا وورا أمي، لا وجاي بكلِّ بجاحة وتقولِّي أستأذن منه، دا إيه الهزار دا، هوَّ أنا جاي بطلب إيده منَّك..
ضربَ على سطحِ المكتب وهبَّ من مكانهِ وانحنى بجسدهِ يمسكهُ من تلابيبه:
-أنتوا تبع مين، وعايزين منِّنا إيه؟..
ابتلعَ ريقهِ يهزُّ رأسهِ محاولًا الحديثَ إلَّا أنَّ إلياس لم يعطهِ فرصةً للحديث، ليدفعهُ بقوَّةٍ حتى هوى على المقعدِ ودارَ حولَ المقعدِ هادرًا بحدَّة:
-اتِّصل بيه حالًا، لازم أعرف أنتوا مين..
-آسف مش هتَّصل..لم يكمل كلمته، حتى قبضَ على عنقهِ يهمسُ بهسيسٍ مرعب:
-أنا مش بهزَّر، وربِّي أدفنك هنا، دي أمي اللي بتنخوروا وراها، عارف يعني إيه أمي، يعني أولَّع فيك وفي الفاشل المتخبِّي وراك، هتتصل بيه ولَّا أموِّتك؟..
اغروقت عينيهِ بالدموعِ من اختناقهِ، مع ارتفاعِ رنينِ هاتفهِ الذي التقطهُ إلياس ثمَّ تركهُ ونظرَ إلى الهاتف..
-كريم أنا مسافر مع راحيل، مش هوصِّيك على إيمان ومعاذ، بس من بعيد ياعريس، إياك تقرَّب من البنت في غيابي، خلِّيك راجل يالا زي مااتعوِّدت عليك..أنا في المطار وآسف معرفتش أعدِّي عليك، معرفتش أسيب رحيل لوحدها..
-كريم سامعني..نظرَ إليهِ ليجيبه..
حمحمَ كريم وهو يجيبه:
-سامعك يايزن بعدين نتكلِّم علشان عندي حالة كشف دلوقتي..
-ماشي يادوك، على العموم أنا مفهِّم إيمان بس برضو مش ضامن ظروفي، وعلى فكرة عايز أشكرك ياكوكو، قابلت مدام فريدة الصبح، شكرًا شكرًا على كلِّ حاجة.
أغلقَ إلياس الهاتفَ وألقاهُ على المكتب يدورُ بالغرفة، بعدما علمَ بهويةِ المتحدِّث، ثمَّ استدارَ إلى الباب، توقَّفَ مستديرًا إليه:
-يزن السوهاجي مش كدا؟..
أومأ له مبتعدًا عنهُ بنظراته، تحرَّكَ مغادرًا المكانَ يقطعُ الأرضَ بخطاويهِ يهمسُ لنفسه:
-ياترى مخبية عليَّا إيه يامدام فريدة، وإيه علاقة يزن السوهاجي بيكي؟..
آه يا دماغك ياإلياس، دماغك هتفرقع..
ظلَّ يجوبُ الشوارعَ دون هدى، حتى وصلَ إلى منزلهِ الذي تقطنُ به ميرال، ترجَّلَ من السيارةِ ودلفَ للداخلِ يشعرُ وكأنَّهُ يحملُ فوق أكتافهِ ثقلَ الجبال، قابلتهُ الخادمة:
_أهلًا بحضرتك ياباشا، دلفَ لداخلِ غرفةِ مكتبه، ثمَّ اتَّجهَ إلى الأريكةِ ونزع سترتهِ وهوى بجسدهِ عليها بعدما أغلقَ هاتفه، لايريدُ شيئًا سوى الاختلاءِ بنفسهِ فقط..
بالأعلى أنهت استحمامها، وخرجت تجلسُ أمام المرآةِ تجفِّفُ خصلاتها، استمعت إلى رنينِ هاتفها فالتقطتهُ تنظرُ للرقمِ الغيرُ مدوَّن، فتحت الخطّ وانتظرت الحديث:
-مروة حبيبتي عاملة إيه حبيبة ماما؟..
-إنتِ عايزة إيه؟..أنا مش بنتك، ولاعمري هكون بنتك، ابعدي عنِّي إنتِ والراجل المجرم..
-وحياة ابنك اللي في بطنك ماتقفلي في وشِّي يابنتي، اعذريني حبيبتي واعذري أبوكي، هوَّ لو يعرف إنِّك حامل مكنَّاش خطفناكي، هوَّ خطفك أه علشان من حقِّنا حبيبتي شوفتي ابنِ فريدة لمَّا عرف أنُّه ابنها مسبهاش، وباباكي راح له وهدِّده لو قرَّب منِّك هيقتله، بابا خاف عليكي ليقتلك زي ماقتل هيثم أخوكي، ماهو كان حابس أخوكي ظلم، لمَّا عرف أنُّه ابنِ راجح..
فضل يعذِّب فيه لحدِّ مامات، خايفةعليكي ياحبيبتي، وخصوصًا لمَّا باباكي كلِّمه وقالُّه عايز بنتي أشبع منها، رفض مكنشِ قدَّامه غير أنُّه يهدِّده بالطلاق..كلِّ اللي عمله علشانك حبيبتي، أوعي تفكَّري أنُّه كان هيسقَّطك لو فعلًا كان عايز ماكان سقَّطك من وقتِ ماأخدناكي، والدليل على كدا جاب فريدة علشان يتِّفق معاها بس جوزك اختار أمُّه ورماكي، وقالُّه هخدها منَّك وأحسَّرك عليها وبنتك بتحبِّني وبتسمع كلامي،علشان كدا بابا اتغاظ وحب يحرق دمُّه وطلب منِّك تتصلي بيه..
_خلَّصتي كلامك يارانيا هانم، انسيني وكأنِّي مش موجودة، قالتها وأغلقت الهاتفَ تلقيهِ بعنفٍ على التخت، ارتفعت دقَّاتها لتشعرَ بقلبها المتوجِّع، فرَّت دمعةً من عينيها، التفتت تنظرُ في المرآة لنفسها وتزاحمت دموعها تنسابُ بقوة على مامرَّت به، وبدأت تحدِّثُ نفسها، هل هي تشبهُ رانيا، أم تشبهُ والدها، مرَّرت أناملها على وجهها تهزُّ رأسها تنفي ذلك الشعور الذي سيطرَ عليها، لتشعرَ بوخزٍ حادٍّ يفتكُ بصدرها تتذكَّرُ ذلك اليوم..
فلاش باك:
دلفَ راجح إلى غرفتها بعد علمهِ بحصولِ إلياس على فريدة، دنا منها وعينيهِ تنطلقُ منها شرارات، اقتربَ يجذبها من خصلاتها:
-ابنِ السيوفي عايز ياخد كلِّ حاجة بس وحياة أمِّك فريدة لأوجع قلبه..
تراجعت بذعرٍ من حالتهِ الشيطانية، لتهدرَ بعنف:
-أنا بكرهك أتمنَّى أموت ولا يكون ليَّا أب زيك..لطمةٌ قويةٌ على وجهها، لتسقطَ على أثرها أرضًا، انحنى يرفعها من خصلاتها يهزُّها بعنف، وهمسَ بفحيحٍ أعمى:
_اسمعيني يابنتِ رانيا، جوزك هموِّته هموِّته، سواء النهاردة بكرة هموِّته، بس الصبر حلو، انسابت عبراتها تهزُّ رأسها والخوف تجلَّى على ملامحها ليقهقهَ بصوتٍ مزعجٍ وتابعَ فحيحه:
-شكلك بتحبِّيه، وأكيد بتحبِّي الستِّ ماما، شوفي عندك اختيار واحد ومفيش غيره، عايزة تنقذي ماما فريدة تطلبي منُّه الطلاق، ومش بس طلاق مش عايز سلالة لجمال، يعني ابنه اللي في بطنك تنزِّليه، ياأمَّا..
دفعتهُ بقوَّةٍ وتراجعت تحتضنُ بطنها وصاحت بصوتٍ باكي:
-على جثتي، موِّتني ولا إنِّي أنزِّل ابني، أنا مستعدة أموت، ويكون في علمك، موتي أهون من إنَّك تكون أبويا، أنا بكرهك بكرهك..قالتها بصراخٍ حتى ارتعبَ من حالتها الهستيرية ورغم ذلك اقتربَ منها يرمقها شزرًا، وأشارَ بيديه:
-يبقى الأوضة اللي جنبك هموِّت فريدة بحسرتها، وبدل الفيديو اللي هبعته عن طلاقك وإجهادك، هبعتله فيديو بمعرفتي وأمُّه في حضني، ومش بس كدا، هخلِّيها جارية، علشان دي اللي تكسره..فعلًا عندك حق، إجهاض إيه وطلاق إيه…قالها واستدارَ وعلى وجههِ ابتسامةُ نصر وهي تصرخُ به:
-استنى أنا موافقة، بس مش هتحرَّك من الأوضة إلَّا لما ماما فريدة تروح وأكلِّمها وأشوفها..
استدارَ إليها ورسمَ الحزنَ على وجهه:
-فريدة متهمنيش أنا بعمل كدا علشانِك إنت، وصدَّقيني معرفشِ إنِّك حامل، وإنتِ شوفتي صدمتي، بس هو عاند وقالي أمِّي وبس، اضَّيقت مش من حقِّ أبوكي يخاف عليكي، دا أهمِّ حاجة عنده أمُّه وبس..
أغمضت عينيها وابتعدت بنظراتها عنه:
-ميهمنيش رأيك فيه إيه، المهمِّ عندي دلوقتي أمِّي تمشي من هنا، وإياك تقرَّب منُّه، دا شرطي..
دنا منها ورفعَ يديهِ إليها:
-تعالي في حضنِ أبوكي ياحبيبتي..
ضربت قدمها بالأرض تضعُ كفَّيها أمامهِ باشمئزاز:
-متقربشِ منِّي، أنا مش بنتك سمعتني..
خرجت من شرودها على طرقاتِ الباب، دلفت الخادمةُ إليها:
-مدام أحضَّر السفرة، وأعمل حساب الباشا ولَّا حضرتك بس اللي هتتغدي؟..
-باشا مين؟!..
-إلياس باشا تحت جه من ساعة تقريبًا.
لمعت عيناها بالسعادة، فسألتها بلهفة:
-تحت فين؟.،
-في المكتب..أومأت تشيرُ إليها بالخروج:
-هنزل أسأله..ولَّا أقولِّك استني..
-عاملة إيه على الغدا؟..
-سي فود ياهانم، مدام فريدة اتَّصلت وقالت أعملِّك سي فود علشان مفيد للحمل
سي فود..ردَّدتها بابتسامة، فأشارت إليها:
-طيب روحي إنتِ وأنا هشوفه هيتغدى ولَّا إيه..نهضت متَّجهةً إلى خزانتها، وبدأت تفتِّشُ بثيابها تبحثُ عن شيئٍ تنتقيهِ بعناية، إلى وقعت عيناها على قميصٍ حريري باللونِ البني، يصلُ الى فوق الركبة ،جذبتهُ وارتدتهُ مع عطرها المميَّز، مع وضعِ لمساتها التجميليةِ الخفيفة، جذبت روبها الشفاف وارتدتهُ وهبطت إلى الأسفل، دلفت إلى غرفةِ مكتبهِ ظنَّا أنَّهُ يعمل ولكنَّها لم تجدهُ في المكتب، جالت عيناها بالغرفةِ ذات الأثاثِ الراقي، إلى أن وقعت عيناها على نومه، أغلقت البابَ بهدوء، وخطت إليهِ مع دقَّاتِ قلبها التي تهدرُ بعنفٍ وكادت أن تخرجَ من بين ضلوعها، جلست بجوارهِ تهمسُ اسمهِ بخفوت:
-إلياس..ولكنَّهُ كان مستغرقًا بنومهِ كالطفلِ الوديع..جثت بركبتيها بجوارِ الأريكةِ بعدما علمت بنومهِ العميق، دسَّت أناملها بخصلاتهِ السوداء تحرِّكها بهدوء، تسلَّلت رائحتهِ إلى رئتيها، لتدنو منه تستنشقُ رائحتهِ الرجوليةِ الممزوجةِ بتبغهِ حتى فقدت اتِّزانها، لتقومَ بنزعِ روبها وتدثِّرَ نفسها بأحضانهِ..دفنت رأسها بعنقهِ تستنشقُ رائحتهِ بوله، كالمدمنِ المنقطعِ منذُ فترةٍ عمَّا يدمنه، تململَ بنومهِ لتهمسَ اسمهِ بخفوت، فتحَ عينيهِ بابتسامة،وكأنَّهُ يحلمُ بها..رفعت رأسها تنظرُ إليهِ وتمرِّرُ أناملها على وجهه، ليردف:
-نايمة في حضني ليه؟..
داعبت عنقهِ بأنفها مجيبة:
-لأنُّه مكاني، ودا غصب عنَّك، حاوطَ جسدها ليجذبها لأحضانهِ ومازال بغيبوبةِ نومه، ابتسمت برضا على حنانِ ذراعهِ الذي يحاوطها..قبَّلت تفاحةَ آدم لديه وتابعت خفوتها:
-عارفة إنَّك مضَّايق منِّي، بس أنا زعلانة منَّك ومضايقة برضو، مكنتشِ محتاجة غير الحضنِ دا، نفسي تعرف إنَّك أغلى حاجة عندي، أغلى واحد في الكون..قالتها بدموعها، كان نائمًا ولم يستمع لما تقوله، ظلَّت بأحضانهِِ وكأنَّها تشعرُ أنَّهُ آخرَ أحضانهما، علمت من نومهِ العميق أنَّهُ لم يشعر بها، يبدو أنهُ بحالةٍ ليست على مايرام..
ظلَّت ترسمُ ملامحهِ بحنو، تأمَّلت كلَّ إنشٍ به كالأمِّ التي تتأمَّلُ رضيعها بحبٍّ وحنان، مرَّرت أناملها على ملامحهِ بالكاملِ إلى أن توقَّفت على شفتيه، لتدنو منهُ وتطبعُ قبلةً عليهما، مع دمعةٍ من عينيها، ثمَّ نهضت من مكانها بهدوء، لتجذبَ سترتهِ تستنشقها ثمَّ وضعتها بمكانها وغادرت الغرفةَ بهدوئها كما دلفت، دقائقَ ليفتحَ عينيهِ يضعُ كفِّه على رأسهِ من ألمِ رأسهِ الفتًَّاك..نظرَ حولهِ وتذكَّرَ وصولهِ إلى منزله، اعتدلَ يمسحُ على وجههِ ثمَّ جذبَ ساعتهِ لينظرَ بها:
-خمسة!..معقول نمت دا كلُّه، نهضَ من مكانهِ متَّجهًا إلى الحمَّامِ الملحقِ بالمكتب، قامَ بفتحِ المياهِ ينظرُ لنفسهِ بالمرآة، وقعت عيناهُ على أزرارِ قميصهِ الأولى المفتوحة، وأثرُ أحمرِ الشفاهِ الموجودِ على عنقه، مرَّرَ أناملهِ على شفتيهِ متذكِّرًا حلمه، ليستديرَ يحدِّثُ نفسه:
-يعني مكنتش بحلم، قالها وتحرَّكَ بعدما قامَ بغسلِ وجهه، ثمَّ قام بالاتصالِ على الخادمة، لتصلَ إليهِ خلال دقيقة:
-أفندم ياباشا..
-اعمليلي قهوة سادة، قالها ثمَّ صمتَ يطالعها متسائلًا:
-هيَّ المدام فوق، تعرف أنا موجود؟..
-أيوة ياباشا، هناء قالت لها ونزلت لحضرتك..
أشارَ لها بالمغادرة، مسحَ على وجههِ بعنف:
-وبعدهالك ياميرال، عايزة إيه بالظبط، دلفت الخادمة إليهِ مرَّةً أخرى:
-حضرتك هتتغدَّى، أعمل حسابك مع المدام؟..
-أنا طلبت قهوة مش غدا، ياله غوري من وشي..
بالأعلى قبل قليل:
دلفت إلى غرفتها ودموعها تسبقُ خطواتها، تمدَّدت على الفراش تحتضنُ نفسها كالجنين، ثمَّ مرَّرت أناملها تحاكي طفلها:
-بابا جه تحت، بس عارفة ومتأكدة أنُّه مش جاي علشاني، ياترى إيه اللي حصل معاه وصَّله للمرحلة دي، أقولَّك سر، هوَّ وحشني أوي، مش عارفة مجرَّد ساعات ووحشني كدا، أومال هبعد عنُّه إزاي، ماما بتتعذِّب أوي حبيبي، لازم أعمل كدا علشان أحافظ عليك وعليه، مقدرشِ أشوف حدِّ فيكم بيتئذي..ظلّّت تمرِّرُ يديها مع حديثها إلى أن غفت بنومها، مرَّ أكثرُ من ساعةٍ إلى أن نهضَ من مكانهِ بعدما أنهى عملهِ واتَّجهَ إلى كاميراتِ المنزل، وقامَ بتشغيلها، ذهبَ إلى غرفتها أولًا، ليجدها تغفو وهي تحتضنُ جنينها، جالت عيناهُ بالغرفة، حتى وقعت على شيئٍ لينهضَ من مكانهِ متَّجهًا للأعلى، وصلَ الغرفةَ يدفعُ الباب، ثمَّ جذبَ ذاك المصباح، ونزعهُ ينظرُ لذلك الجهاز، كوَّرَ قبضتهِ بعنفٍ وهو يهمس:
-بيتي، وصلت لبيتي..تململت بنومها ثمَّ اعتدلت تردِّدُ اسمه:
-إلياس..إنتَ بتعمل إيه؟!..التفتَ إليها ينظرُ لهيئتها، أقسمَ بداخلهِ أنَّها فقط من اهتزَّ لها القلب، رعشةٌ أصابت قلبهِ لأوَّلِ مرَّةٍ من طلَّتها، ليطالعها كالمسحور، بدءً من خصلاتها العشوائيةِ التي تتناثرُ حول وجهها، مع جسدها الفتَّان الذي ظهر بوضوحٍ من تلك المنامةِ التي أخرجتهُ عن صمتهِ ليقتربَ منه، ثمَّ انحنى بصمتٍ يجذبُ رأسها ويمتصُّ رحيقَ شفتيها بين خاصَّته، ناسيًا كلَّ ماصارَ بينهما، لحظات بل دقائقَ وهو بجنَّةِ عشقه، ثمَّ اعتدلَ ليتركها قائلًا:
-جيت أمسح لك الروج كله، مش كنتي تقوليلي عايزة تجرَّبيه..قالها وتحرَّكَ للخارجِ وكأنَّهُ لم يفعل شيئـا..
اعتدلت تنظرُ لخروجهِ بصمت، تراجعَ مرَّةً أخرى، وظلَّ يجولُ بنظراتهِ بالغرفةِ بأكملها وكأنَّهُ يبحثُ عن شيئ، نهضت تجذبُ روبها وترتديهِ مقتربةً منه:
-بتعمل إيه هنا، بدوَّر على حاجة، وليه كنت نايم تحت، حصل معاك حاجة؟.
أخرجَ شيئًا آخر، ولم يكترث لحديثها، ثمَّ اتَّجهَ إلى هاتفهِ ونظرَ به ليصلَ لشيئٍ ما، أمسكت ذراعه:
-إلياس فيه إيه؟!
رمقها بنظرةٍ حادة، وأشارَ برأسه:
-متلمسنيش، وإيه جاي ليه دي، ناسية دا بيتي، آجي وقت ماأحب، مالكيش دعوة بحاجة تخصِّني سمعتي ولا لأ..
أشارَ على جسدها وهدرَ بها:
-إياكي تنزلي تحت بشكلك دا، معاكي خدم وحراسة في البيت، استمعَ إلى رنينِ هاتفها، وقعت عيناهُ على الرقمِ دون اسم، رفعهُ وفتحهُ دون حديث، استمعَ إلى حديثِ رانيا:
-حبيبتي ليه شوفتي الرسالة وماردتيش على ماما، عايزة أشوفك ياحبيبتي، اسمعيني وبعد كدا قرَّري، بصِّي أنا عرفت إنِّ ابنِ السيوفي طردك من البيت، بعتِّلك حاجة هتوصلِّك خلال دقايق، وأتمنِّى يامروة تسمعي كلام مامي اللي بتحبِّك.
أغلقَ الهاتفَ وهو يضغطُ عليه بقوَّة، جزَّ على أسنانهِ وتحوَّلت حالته، التفتَ إليها بنظراتٍ لو تقتل لأوقعتها صريعة..
-رانيا بتِّتصل بيكي ليه، إزاي اتجرَّأت تعمل كدا، تواصلتي معاها بعد ماجيتي هنا؟..
اتَّسعت حدقتها، تطالعهُ بذهولٍ ثمَّ دنت منه:
-إنتَ بتقول إيه، معقول تفكَّر فيا كدا
وليه أتصل بواحدة زي دي!..
ابتسمَ ساخرًا وتمتمَ كلماتٍ شقَّت صدرها:
-ليه مش بنتها..
لوت شفتيها بألمٍ وانبثقت دمعةُ غائرةُ تسيلُ عبر وجنتيها، لتزيلها بسرعةٍ ثمَّ استدارت هاتفة:
-اطلع برة، عايزة أرتاح..
قاطعهم طرقاتُ الخادمة:
-مدام الغدا جهز..دلفت إلى غرفةِ ثيابها قائلة:
-مش عايزة أتغدى..قالتها وأغلقت البابَ خلفها بقوة..
قابلَ كلامها بالصمت وتحرَّكَ للخادمة:
-جهِّزيه أنا نازل..قالها بصوتٍ مرتفعٍ ليصل صوتهِ إليها..جلست لبعضِ الوقت تنظرُ حولها بتشتُّت يبدو أنَّها ستظلُّ بعينهم ابنة الذين فرَّقوا شملهم، نظراتٌ مشتَّتةٌ كحالتها التي شعرت بها، ماذا تفعل، هل تهرب من الجميع، أم تظلُّ وترضى بواقعها المرير..
بالأسفلِ جلسَ يتناولُ غدائه، وعينيهِ على الدرج، منتظرًا نزولها، ولكنَّها خيَّبت آمالهِ كما ظن، ظلَّ لبعضِ الوقت جالسًا ينتظرُ هبوطها إلى أن ارتفعت أنفاسه، فتوقَّفَ متَّجهًا إلى مكتبه، ظلَّ لبعضِ الوقتِ مع فحصهِ لكاملِ المنزل، وصلت إليهِ الخادمة:
-حضرتك طلبتني…أشارَ إلى الرجلِ الذي ولجَ للداخل:
-ارميها في أيِّ مكان، وشوفلي مين وراها، وعايز تشوف الأمن كويس..
-معملتش حاجة ياباشا..أشارَ بكفِّهِ للرجلِ بالخروجِ دون حديث، ليجذبها بقوَّةٍ متحرِّكًا مع صرخاتها، ثمَّ جذبَ جهازهِ مرَّةً أخرى..
بالأعلى نهضت من مكانها وهبطت إلى غرفةِ الرياضة، نظرت للأجهزة، ثمَّ وضعت كفَّيها على بطنها، وتحرَّكت إلى المسبح، جلست على حافتهِ لبعضِ الوقت..شعرت بالملل، وقعت عيناها على غرفةِ الساونا والجاكوزي، ابتسمت على معشوقِ قلبها، لم يترك شيئًا تحبُّهُ إلَّا وفعلهُ لها، نهضت بهدوءٍ وتحرَّكت إليها كالطفلةِ المتوجِّهةِ إلى ألعابها، وذكرياتٌ تضربُ عقلها معه، فتحت البابَ وطافت بعينيها على أحدثِ الأجهزة، وقعت عيناها على ذاكَ الحوض، اتَّسعت ابتسامتها متناسيةً ماشعرت بهِ من قسوةِ كلماته، وتحرَّكت إلى الحوض..نزعت روبها ودلفت إلى غرفةِ الجاكوزي، جلست لبعضِ الوقتِ مغلقةَ العينينِ لعلَّها تزيلُ إرهاقَ اليوم ..تردِّدُ حديثهِ بأذنها مرَّةً أخرى لينزعَ خلوتها التي أشعرتها ببعضِ الراحة، لتشعرَ بنزيفِ قلبها، قامت برفعِ حرارتهِ بعدما شعرت بالبرودةِ تتسلَّلُ إلى جسدها ولم تعلم أنَّ تلك البرودة ماهي إلَّا برودةِ حياتها التي أصابتها..انزلقت دمعةٌ عبر وجنتيها كلَّما تذكَّرت ما فعلهُ منذ قليل، ازدادَ حزنُ قلبها ولم تشعر بضغطها على جهازِ التحكُّمِ لتتخطَّى درجةَ الحرارة الأربعين، ظلَّت فترةً ليست بقليلةٍ فقدت الحركة حتى شعرت بانسحابِ أنفاسها وهي تهمسُ اسمهِ حينما أتاها الدوار، حاولت الوصولَ لجهازِ التحكُّمِ ولكن لم تقوَ كأنَّ جسدها أُصيبَ بشللٍ كامل، ظلت تردِّدُ اسمهِ وهي تحاوطُ بطنها..
بالأعلى انتهى من عمله وعلمهِ لتسلُّلِ أحدهم جهازَ أمنه، نظرَ لصورةِ راجح ، وألقاها بعينينٍ مليئةٍ بالحقدِ والكرهِ ليهمسَ بينهِ وبين نفسه:
-لو كرهت بنتك هموِّتك ياراجح، لو بإيدي أنضَّف جسمها من دمَّك الملوَّث، إزاي تتحسب بني آدم، بحاول أفكرلك بموتة تريَّحك منِّي، بس في نفسِ الوقت مستخسر فيك الموت، النهاردة وقفت بيني وبين البنتِ اللي دفنت حبَّها جوايا، لسة هتوصل لحدِّ فين ياراجح، ظلَّ يتحدَّثُ مع الصورةِ وكأنَّهُ يحدِّثُ راجح إلى أن نهضَ من مكانهِ ينظرُ بساعته، ثمَّ توقَّفَ متَّجهًا للخارج.
قابلتهُ إحدى الخدمِ المسؤولين عن ميرال:
-أنا خارج وإياكي تغلطي تاني، أكل المدام تدوقيه قبل مايوصلَّها، ولازم تاكل، عيوني عليكي، والبنت لو فتحتي لها الباب صدَّقيني طلقة واحدة وهخلص منِّك، امشي من قدامي..
-هزَّت رأسها سريعًا متمتمة:
-شكرًا ياباشا ربنا يسعدك يارب.
تناولَ هاتفهِ وتحرَّكَ إلى سيارتهِ يهاتفُ أحدهم:
-الواد دا ممنوع يشوف نور ربِّنا ياشريف مش عايز هزار، يعني إيه زيارة..
-إلياس اسمعني..
-أنا مبسمعش، واقفل دلوقتي بدل مااسمَّعك كلام يزعَّلك، صعدَ إلى سيارتهِ وصلَ إليه أحدُ أمنه..
-هتتحاسبوا كلُّكم بس أرجع، المدام ممنوع تخرج من البيت، وممنوع أيِّ حد غريب يدخل البيت..
-تحت أمرك ياباشا..تحرَّكَ بالسيارةِ مغادرًا المكان …استمعَ إلى هاتفه:
-سامعك..
-المدام نزلت الجاكوزي ورفضت الأكل ياباشا، ومن إمبارح ماأكلتش..
-طيب..قالها وأغلقَ الهاتفَ ثمَّ رفعهُ وهاتفها، ظلَّ يهاتفها ولكن لا يوجد رد، سبَّها بداخله:
-أغلاطك بتكبر لحدِّ ماهتجيبي أخرك معايا، تمام يابنتِ راجح مفكَّرة هموت عليكي، لو ماأكلتيش ماتكليش، الجعان هياكل، خلِّيكي مترديش، عارف بتعملي كدا علشان أطلع لك وأتحايل عليكي، وقت الدلع خلص..وحياة أبوكي لأكرَّهك في اليوم اللي اتجوِّزتيني فيه…
عندَ ميرال حاولت الوقوفَ ولكن دارت الأرضُ بها وهوت عليها بقوةٍ وسطَ البخارِ الذي حجبَ الرؤية..
وصلَ إلى مكتبه، مع رنينِ هاتفه:
-أيوة..
-الحق ياباشا المدام مغمى عليها في الجاكوزي وقاطعة النفس..
توقَّفَ قلبهِ من حديثها، ليستديرَ سريعًا إلى سيارته، يسير كعاصفةٍ تتعثَّرُ برياحها الهوجاء، تحرَّكَ بالسيارةِ يقطعُ المسافةَ بسرعةٍ جنونيةٍ والخوفُ يلتهمُ قلبهِ، كما تلتهمُ النيرانُ سنابلَ القمح، ودقَّاتهِ التي أصبحت تتلاشى شيئا فشيئًا، كالناي الحزين، دقائقَ معدودة، ولكنه شعر بأنها امدً طويلًا، كأنها بأبعد نقطة ببقاع الأرض، وصلَ إلى المنزلِ رغم المسافةِ الطويلة، ترجَّلَ سريعًا متَّجهًا إليها، شهقَ رغمًا عنه وهو يراها بتلك الحالةِ كالجثَّةِ التي خرجت روحها لبارئها، ارتعشت ملامحهِ وهو يحملها بين يديه، بعدما ابتعدت بعض الخادمات، تجمَّعت دموعهِ تحت أهدابهِ وهو يحملها بعدما نزعَ سترتهِ وحاوطَ جسدها بها، وخرجَ سريعًا بها للأعلى، وضعها بهدوءٍ على الفراش، كقطعةٍ نادرة، ورفعَ نصفَ جسدها، يشيرُ للخادمة:
-هاتي أيِّ حاجة أفوَّقها بيها بسرعة، كنتوا فين لمَّا وصلت للحالة دي؟..
-واللهِ ياباشا أنا روحت لها بعد ماحضرتك أمرت على طول لقيتها كدا، والأوضة كلَّها بخار، وقَّفت الجهاز وخرَّجتها برَّة واتصلنا بحضرتك..
-اطلعي برَّة..قالها صارخًا، مع ضمِّهِ إليها:
-ميرال..ردَّدها بقلبٍ متلهِّفٍ وهو يحرِّكُ كفَّيهِ على وجهها، ميرو حبيبتي افتحي عيونك ياقلبي، ظلَّ يكرِّرها مع اسعافاتهِ الأوليةِ لها، نزعَ إحدى ثيابها وساعدها بارتدائها مع دعواتهِ بصوتهِ المكتوم بالدموع، قبلةً طويلةً وكأنَّها قبلةُ الحياة لترفرفَ بأهدابها مع وصولِ الطبيب، رفعها يضمُّها لصدرهِ ليشعرَ بروحهِ التي عادت له بعدما فقدها لدقائقَ وبأنَّ حياتهِ سُلبت منه..
-حبيبتي حاسة بإيه..دوارٌ بجسدها لم تشعر بشيئٍ وصوتهِ الذي تسمعهُ وكأنَّهُ لمسافاتٍ طويلة، دلفت الخادمة:
-الدكتور يدخل ياباشا؟..أومأ لها بعدما دثَّرها جيدًا وطبعَ قبلةً معتذرًا بعينيه، نهضَ بدخولِ الطبيب، تشبَّثت بكفَّيهِ لتهمسَ بتقطُّع:
-متسبنيش، أنا مش عايزة غيرك..
قبلةٌ حانيةٌ يربتُ على كفِّها:
-أنا معاكي حبيبتي، الدكتور يطمِّني، مش هسيبك..أغمضت عينيها ليلتفتَ للطبيبِ يشيرُ إليه بفحصها..
بعد دقائقَ من فحصها، تحرَّكَ معه للخارج:
-الجلسات دي ضرورية النهادرة، وياريت جهاز التنفس ساعتين، المدام حامل ولازم الدقَّة بحالتها..
أومأ له يشيرُ للخادمة للتحرِّكِ معه، ثمَّ دلفَ إليها ينظرُ لجسدها الساكن، اقتربَ منها وجلسَ بجوارها يحتضنُ كفَّيها..
فتحت عينيها تهمسُ اسمه:
-إلياس..دنا منها قائلًا:
-ممكن ماتتكلِّميش خالص، علشان التنفُّس، كدا عايزة تموتي وتسبيني..
انزلقت دموعها تهزُّ رأسها بالنفي:
-محستشِ بحاجة والله متفكَّرش كنت عايزة انتحر، واللهِ لأ، أنا مش بنتِ راجح، تأكَّد من كدا..
رسمَ ابتسامةً يداعبُ وجنتيها قائلًا:
-متأكِّد من كدا ياروحي، المهمّ اهتمي بنفسك ياميرو، علشان ابننا يجي بالسلامة، ومتفكَّريش موافقتي إنِّك تيجي هنا يبقى هحلِّك منِّي، أمالَ بجسدهِ وطبعَ قبلةً على وجنتيها:
-مقدرشِ أعيش من غيرك حبيبي..
ابتسمت ولمعت عيناها بحبُّه، متمتمة:
-ولا أنا حبيبي..ملَّسَ على رأسها:
-ياله حاولي تنامي شوية، نظرَ للمحلول:
-دا فيه مخدِّر علشان تنامي كويس، تمام..أومأت بعينيها، لحظات وذهبت بنومها، ليتنفسَ بعمقٍ يغلقُ عينيهِ بهدوء، بعدما فقدَ كلَّ الاحاسيسَ سوى إحساسَ الألم، دقائقَ بجوارها، ثمَّ هبطَ للأسفلِ بدخولِ فريدة..
-إلياس!! طالعها باستفهامٍ على لهفةِ دخولها عليه بتلك الطريقة، وتورُّمِ عيناها..
-إنتِ كويسة؟؟
سحبت كفَّيهِ ودلفت به للداخل، وحاولت كبحَ دموعها، ولكن انهيارها كلما تذكَّرت ماسيقابلهُ ابنها يجعل داخلها يعتصر بعصارة آلامه
جلست وارتفعَ بكاؤها، ذُهلَ من حالتها وانتفضَ قلبهِ ظنًّا أنَّ والدهِ أصابهُ شيئًا:
-ماما فيه إيه؟!..بتخوِّفيني ليه..
ابتلعت غصَّتها التي شعرت وكأنَّها سيوفًا مدببة، وأردفت بتقطُّع:
-بقالي أكتر من خمس ساعات بحاول أوصلك، لحدِّ ما مصطفى عرف مكان عربيتك وإنَّك هنا..
جلسَ بجوارها حينما تسلَّلَ الرعبُ لقلبهِ من حالتها..
رفرفت أهدابها تزيلُ عبراتها المتعلِّقة بها، وسحبت نفسًا قويًا لتثبطَ نوبةَ البكاءِ التي فقدت السيطرة عليها..رفعت عينيها إليهِ ثمَّ سحبت كفَّيهِ وتعلَّقت بعينيه:
-حبيبي اسمعني للآخر وبعد كدا اتكلِّم..
هزَّ رأسهِ موافقًا، وانتظرَ حديثها بلهفة، بلعت ريقها ثمَّ أردفت بنبرةٍ خافتةٍ استمعَ اليها بصعوبة:
-جمال أخوك بيكون أرسلان الجارحي..قالتها ثمَّ سحبت بصرها بعيدًا عنه..
قبل عدة ساعات
عند ارسلان توقف يوزع نظراته بين الدكتور وبين اسحاق
-عمو الدكتور دا بيقولي انا مش ابن فاروق..
جذب ذراعه يرمق الطبيب بنظرات جحيمية
-تعالى حبيبي معايا، توقف كالمتصنم
-الدكتور دا بيقول انا مش ابن فاروق صح ولا لأ..وصل إلى الطبيب بخطوة واطبق على عنقه
-التحاليل دي مزورة ولا حقيقية
شُحب وجه الطبيب يقسم له بتقطع
-والله دي الحقيقة، تسلل من بين يديه بعدما شعر ببرودة تجتاح جسده بالكامل يردد
-“حقيقية”..قالها ليرفع عيناه إلى اسحاق نكس رأسه للأسفل دون حديث
تراجع للخلف
-يعني أنا ابن حرام..صاعقة نزلت على رأس اسحاق من كلماته
-ارسو اسمعني، هرول بتخبط من الغرفة،
-متقربش مني، اياك تقرب مني ..قالها وركض للخارج
سلام لتلك الروح التي …
إجتاحت خريف القلب
گ عاصفة شتائية جامحة
أطاحت …
بكل ما يبس من أوراق المشاعر
وأزهرت من جديد …
حتى وان حالت بيننا …
مدن و بحار ومحيطات
و دول العالم في سبع قارات
وكل خطوط الطول والعرض
سأبقى …
أراك بأشياء اعمق من عيني
وأشعر بك بأشياء أصدق من حسّي
واسمعك من دون كلام بينك وبيني
بمنزل إلياس بعد حديث فريدة
حاولَ أن يستوعبَ حديثها الذي اخترقَ أذنه، ورغم ذلك أنكرهُ قائلًا:
-أنا مسمعتش حضرتك بتقولي إيه، ممكن تعلِّي صوتك..
أطبقت على جفنيها ونيرانُ قلبها تشتعلُ بداخلها، لتردِّدَ كلماتها مرَّةً أخرى وهي تعلمُ بكمِّ قسوةِ كلماتها عليه..
لحظة اثنتان إلى أن مرَّت دقيقتان وهو ينظرُ إليها بصمت؛ علهُ يستوعبَ ما نزلَ على سمعهِ كصاعقةٍ اهتزَّت لها الأرض..
نهضَ من مكانهِ يدورُ حول نفسهِ ينظرُ للأسفلِ بصمت، ثمَّ اتجهَ بنظرهِ إليها:
-هوَّ أنا سمعت صح، ولَّا أنا بيتهيألي؟..حضرتك قولتي أرسلان الجارحي أخويا.. أخويا، ولَّا قصدك علاقته بيا علاقة أخوية؟!..
توقَّفت فريدة عندما تسرَّبَ الألمُ لقلبها حينما رأتهُ بتلك الحالة:
-أرسلان بيكون جمال أخوك، ومن أوَّل مرَّة جه عندنا وأنا عرفته وشكِّيت فيه، وبعد كدا عملت تحليل DNA وفعلًا أثبتت أنُّه أخوك..
صمتٌ مميتٌ وكأنَّ أحدهم ضربهُ بعصا غليظة، ليفقدهُ توازنه، ليهوى على المقعدِ يردِّدُ كلماتها كالذي فقدَ عقله..
إلياس لازم تساعد أخوك، هوَّ النهاردة هيعرف أنُّه مش ابنِ فاروق..رفع عينيهِ الشاردةِ يطالعها بضياع، يستمعُ لحديثها كصدى صوتٍ بعيد”أرسلان بيكون جمال” ظلَّ يردِّدُها بينهِ وبين نفسهِ، حتى شعرَ بقبضةٍ قويةٍ اعتصرت فؤادهِ للحظاتٍ وهو عاجزٌ عن التنفس، ثمَّ أطلقَ ضحكةً صاخبةً يضربُ كفَّيهِ ببعضهما:
-أنا وأرسلان..ههه ظلَّ يضحكُ بطريقةٍ هستيرية، توقَّفَ يدورُ حول نفسهِ يهزُّ رأسهِ ومازالت ضحكاتهِ ترنو بالمكان..
-إلياس إنتَ بتعمل كدا ليه يابني؟..
رفعَ رأسهِ ينظرُ إليها بجنون، ثمَّ اقتربَ منها وكأنَّهُ فقد عقله:
-إنتِ لو عايزة تجنِّنيني مش هتعملي كدا، حضرتك عايزة منِّي إيه، أه قولي عايزة منِّي إيه؟..
حدقتهُ بعينينِ مليئتينِ بالألمِ وارتجفت شفتيها تهزُّ رأسها رافضةً حديثه:
-عملت فيك إيه يابنِ جمال، قولِّي عملت إيه؟. علشان عايزة منَّك توصل لأخوك، مش آن الأوان أنُّكم تتجمَّعوا..
-آااااااه، صاحَ بها وهو يركلُ المقعد، ورفعَ كفَّيهِ يرجعُ خصلاتهِ للخلف:
-جنِّنتيني..إنتِ فاهمة معنى كلامك دا إيه؟.. أرسلان ظابط مخابرات عارفة يعني إيه، دا مستحيل اللي بتقوليه دا يامدام فريدة، إنتِ شكلك اتجنِّنتي..قالها بهستريا…
هبَّت من مكانها واقتربت منه، ولم تكترث لجنونهِ..تمسكهُ من ملابسهِ بقوَّة:
-وإنتَ كنت إيه بلطجي، مايمكن اللي عمل معاك كدا عمل معاه زيك، ربِّنا ياأخي حماكم من أذى الناس، ربِّنا ربط على قلبي علشان أستاهل ووقَّعكم في أولاد حلال..قالتها بدموعٍ حارقةٍ وحروفها تخرجُ من بين شفتيها بكمِّ الألمِ الذي تشعرُ به، حروف امتزجت بالانهيارِ وألمِ الأمومة..
بدأت تضربُ على صدرها وصرخاتها تزدادُ تتمتمُ بخفوتٍ حارق:
– ربِّنا حفظكم ياأخي، بحقِّ طيبة أبوك ودعاء أمَّك، بحقِّ رضا وحنان أبوك على أهله، بحقِّ دعواتي ودموعي طول الليل، بحقِّ الظلم اللي عيشته تلاتين سنة، بحقِّ قهرتي وإنتَ قدَّام عيوني ومش قادرة أخدك في حضني، بحقِّ ظلم راجح وخوضه في شرفي وعرضي، بحقِّ ابني اللي نسخة تانية من أبوه وهوَّ قدَّامي وبيقولِّي ياستِّ الكل وأنا مش قادرة ألمسه، بحقِّ كلِّ دموعي اللي نشفت عليكم وقهرتي في عزِّ شبابي على أحنِّ راجل في الدنيا، بحقِّ تربيتي لميرال وحفظي لرؤى وحفاظي عليهم، بحقِّ مساعدتي لسمية وعزة، إيه أكمِّل كمان ياحضرةِ الظابط شايف إنِّ والدتك متستهلشِ أولادها يكون كويسين..
تجهَّمت ملامحه، من شدَّةِ الصدمة التي أشعرتهُ وكأنَّ أحدهم سكبَ عليهِ دلوًا من المياهِ المثلجة، وصور أرسلان تضربُ عقله..أفاق من قسوةِ ماشعرَ به على صوتِ ميرال:
-ماما فريدة، مالك بتعيطي ليه؟!..
ثم التفتت تحدقُ إلياس بتساؤل:
-إلياس ماما فريدة مالها؟!
انتصبَ بقامتهِ مبتعدًا عنهما ومازال تحت تأثيرِ الصدمة، مما جعلهُ يردِّدُ مرَّةً أخرى:
-أرسلان، طيب إزاي، مش قادر أستوعب، التفتَ إليها مرَّةً أخرى:
-إزاي أنا هتجنِّن وإزاي عرفتي تعملي التحليل؟..اكتسى الألمُ على ملامحِ وجهها لتنظر بعينيها للأسفل:
-يوم ماكنتوا بتلعبوا باسكت، دي كانت فكرة إسلام علشان يعرف ياخد منه أيِّ حاجة، الأول فكَّرنا بتحليل دم، بس خوفت إنك تعرف، وبعدين أرسلان ذكي وكان هيكشف الموضوع، أخدت مرَّة فنجان قهوته، بس خوفت النتيجة ماتكونشِ واضحة، حبِّيت أستعين بحاجة أقوى، ابتلعت ريقها ورفعت عينيها تطالعهُ مستأنفةً حديثها:
-إسلام هوَّ اللي فكَّر إزاي نوصل لشعره، علشان كدا اقترح عليك تلعبوا ماتش وبعدها هوَّ كمِّل..
تذكَّرَ ذاك اليوم عندما تسطَّحوا على العشب، ومشاغبةِ إسلام لأرسلان وهو يداعبُ خصلاته:
-إنما مقولتش ياسيد أرسلان، إيه نوع الكريم اللي بتحطُّه على تلك الخصلات الفحمية ياعم؟..
قهقهَ أرسلان يدفعهُ بعيدًا عنهُ وردَّ بمزاح:
-طين من البحر الأحمر
توسَّعت عيناهُ بتصنُّع وأجابهُ مشاكسًا:
– البحر الأحمر فيه طين، طيب ماتجيب عنوان الطين دا..
دفعهُ أرسلان بقوَّةٍ على الأرض يشيرُ إلى إلياس:
-أخوك دا عبيط ولَّا أهبل..
-أنا عبيط ولَّا أهبل، طيب واللهِ لازم أعرف نوع الفنكوش اللي على شعرك دا، قالها وهو يجذبُ خصلاتهِ بقوة، ممَّا جعلَ أرسلان يصرخُ به:
-بس ياغبي، يخربيتك قلعت لي شعري..
نظرَ إسلام بيدهِ وغمزَ بعينه:
-إيخييه دا شعرك وحش وبيوقع..هبَّ من مكانه:
-تعالَ هنا يالا، يعني تشدُّه بالطريقة الغبية دي وعايزه إيه، مفكَّره شجرة؟..
قهقهَ متَّجهًا إلى الداخل:
خرجَ إلياس من شرودهِ وهزَّ رأسه اعتراضًا على ما فعلته:
-يعني الراجل يأمن لنا وأنتو بتستغلِّوه، ولَّا إسلام الحيوان إزاي يعمل حاجة زي كدا من غير مايرجعلي..
لم تستطع استثناءَ نفسها من اللومِ لتردَّ قائلة:
-إسلام مالوش علاقة، أنا اللي طلبت منُّه، إنتَ مكنتش لسة تعرف حاجة..
افترت شفتيهِ صدمةً ليطالعها بذهول، ثمَّ تراجعَ بجسده متذكِّرًا حالةَ غادة وكلماتِ إسلام..هزَّ رأسهِ وابتسامةٌ ساخرةٌ حتى قست عيناهُ وهو ينظرُ إليها:
-غادة وإسلام عرفوا قبلي، واستخدمتي إسلام يساعدك وإنتِ عارفة إنِّي ابنك، يعني لغيتيني، للمرَّة الكام وإنتِ بتلغيني من حياتك، إيه..قالها بصراخٍ لتقتربَ منهُ ميرال:
-إلياس ممكن تهدى، أنا مش فاهمة بتتكلِّموا عن إيه!..
امتلأت عيناهُ بنيرانِ الغضب، ليرمقها بحدة؛
-وإنتِ مالك، تدخلي في الكلام ليه، دقَّقَ النظرَ بها ثمَّ أطبقَ على ذراعيها:
-وياترى المدام كانت عارفة وبتمثِّل، زي مامثِّلت قبلِ كدا، وعملت لي صغيرة على الحب، ولَّا إيه حكايتك إنتِ كمان..
جحظت عيناها تدفعهُ بقوَّةٍ وتهدرُ به معنِّفةً إياه:
-أنا معرفشِ بتتكلِّم عن إيه، بس كل اللي أعرفه إنَّك مابقتشِ تتطاق وبس..
-هنااااء..صرخَ يشيرُ إلى ميرال:
-طلَّعي المدام فوق، علشان ترتاح، اطلعي ولمَّا أتكلِّم مع أمي ماتتدَّخليش بينا، ..رمقتهُ بقهرٍ وصعدت تستند على الخادمة وفريدة تتابعها بعينيها، ثمَّ اتَّجهت إليه:
-خليك دوس عليها لحدِّ مافي يوم تموت منَّك بجد، اعمل قاسي ودوس كمان، دنت حتى أصبحت أمامه:
-أنا جت لك علشان تكون جنب أخوك لمَّا يعرف أنُّه كان عايش في كذبة..
-واللهِ أكون جنبه وياترى يامدام فريدة هروح له بصفتي إيه، أقولُّه تعالَ أقولَّك سر، اسكت مش إنتَ طلعت أخويا وأمي اتأكِّدت بعد مااستغفلتنا واستعانت بعيِّل علشان يلعب معاك..
-إلياس احترم نفسك..
-أحترم نفسي، بصفتك إيه، دار حولها وتابعَ بقسوة:
-حضرتك بتقولي إلياس، عارفة دا معناه إيه؟..
التفتت تطبقُ على ذراعيه:
-حبيبي اسمعني، أنا روحت لإسحاق وهوَّ رفض، وكمان مصطفى راح له ورفض وأصرّ أنُّه مستحيل يقولُّه الحقيقة، مكنشِ قدَّامنا غير إنِّنا نعرَّفه بطريقةِ التحليل دي، بس واللهِ مصطفى مالحق يتِّفق مع الدكتور، لقينا جدِّته رتَّبت لكلِّ حاجة.
دقيقة اثنتان محاولًا إدراك ماتلفَّظت به:
-يعني إيه مش فاهم إنتِ بتقولي إيه؟!..
أنا اتجنِّنت مبقتشِ قادر أفهم حاجة إسحاق رفض إيه، وبابا ماله، ومستشفى إيه وجدِّة إيه، إنتِ بتقولي إيه؟..
احتوت وجههِ تنظرُ لعينيه:
-حبيبي اسمعني عارفة إنَّك بتتحمِّل فوق طاقتك، بس إنتَ أخوه الكبير، إنتَ اللي المفروض تكون جنبه دلوقتي..
تراجعَ للخلفِ مبتعدًا عن مرمى يديها:
-أروح أقولُّه إيه ؟!
لمَّا عملت التحليل واجهت إسحاق وهوَّ رفض وقالِّي مصر كلَّها قدَّامك واثبتي، وباباك لمَّا راح له عمل نفس الشيئ..
لدرجة هدَّد باباك إنِّنا ننسى الموضوع ولمَّح بتهديد شغله، علشان كدا باباك استقال وقالُّه هعرف أخده ومن غير سلطة، بس جه تعب فاروق لخبط الدنيا، وكمان خطف ميرال، ولمَّا فاروق عمل حادثة باباك اتفق مع الدكتور أنُّه يعمل أيِّ حاجة علشان تحليل الدم، ونعرَّف أرسلان أنُّه مش أبوه، بس للأسف لقينا جدِّته متفقة مع الدكتور على أنُّه مريض لوكيميا علشان أخوك يعرف، ليه مانعرفش..
-لوكيميا!..ردَّدها بذهول، متراجعًا يستندُ على المقعد، واستطرد:
-يعني لعبتوا بمرض الراجل علشان تعرفي ابنك!..طيب ماكنتي تقوليلي بدل اللعب والحوارات دي كلَّها، وأنا كنت هتصرَّف، إنتِ عارفة لو خد خبر بالطريقة دي هتكون حالته إيه..
بمنزل زين الرفاعي:
خرجَ من غرفتهِ بمنزلِ والده، اقتربت منه:
-صباح الخير يادكتور..
أومأ دون حديثٍ ثمَّ اتَّجهَ إلى طاولةِ الطعامِ ينادي على الخادمة:
-قهوتي ياهدى، وجهِّزي للآنسة حنين فطارها، خطت إلى جلوسهِ وجلست بجواره، تستندُ على راحةِ يديها تنظرُ إليه بشغف وهو يتصفَّحُ هاتفه:
-هتفضل مقاطعني كدا؟..
رفعَ رأسهِ وأردفَ بهدوء:
-هوَّ إحنا كنَّا متواصلين علشان أقاطعك، أنا اتفقت معاكي ماتجيش وبرضو جيتي مع إنِّي حذَّرتك.
مش المفروض أكون في المكان اللي فيه جوزي؟..
-مش لمَّا نكون متجوِّزين..
-يعني إيه؟..ألقى الهاتف واستندَ بذراعهِ على الطاولة:
-اسمعيني كويس ياحنين علشان مبحبش اللف و الدوران، وأنا قولتهالك قبلِ ما أنزل مصر، إحنا مكنشِ بينا غير ورقة وبس والجواز مصلحة، إنتِ عايزة تثبتي لوالدك مالكيش علاقة بعدوِّه اللي عملتي معاه علاقة بالحرام فكان لازم تثبتي إنِّك بتحبيني ونتجوِّز، وأنا علشان آخد الجنسية ووالدك يساعدني في تعييني هناك، أما الحب والغرام دا اكتشفت أنُّه سراب..
-يعني كلامك ليا كان كذب ياآدم؟!..
تنهيدةٌ عميقةٌ أخرجها من ثنايا روحهِ ثمَّ حدجها بنظرةٍ ثابتةٍ لعدةِ دقائقَ واستطرد:
-حنين أنا حاولت وأقنعت نفسي بحبُّك بس مقدرتش، وإنتِ كمان حاولتي تقرَّبيني منك، تنكري إغرائك؟..
-بس أنا حبِّيتك ياآدم والدليل على كدا سبت كلِّ حاجة وجيت لك..

توقَّفَ يحملُ هاتفهِ وتمتم:
-بس أنا بحبِّها هي، ومش ناوي أعمل علاقة مع حدِّ تاني، حتى لو هفضل من غير جواز العمر كلُّه..
-ياااه..حتة العيِّلة دي لحست دماغك!..
لمعت عيناهُ بابتسامةٍ قائلًا:
-حتة العيِّلة دي روحي فيها، مش قادر أشوف نفسي مع ستِّ غيرها، بدليل جوازنا، عمري ما حاولت أقرَّب منك، رغم اللي عملتيه..
-أنا مفهمشِ في الكلام دا ياآدم، أنا اللي أقدر أفهمه إنِّك جوزي ومش هتنازل عنك، تحبَّها تكرهها إنتَ براحتك..
دنت ورفعت نفسها تحاوطُ عنقهِ مقتربةً من شفتيهِ تطبعُ قبلةً عليهما ليبتعدَ عنها كالملدوغ ..ابتسمت بخفَّةٍ عليه ثمَّ غمزت بعينيها:
-متتخضِّش كدا، لأنَّك جوزي ومن حقِّي، وأنا دلوقتي عايزة حقِّي فيك، ومش هتنازل عنُّه مهما كان..
أطبقَ على ذراعها بقوة:
-اتجنِّنتي..نزعت ذراعها:
-تؤتؤ يادكتور، متنساش حنين اللي عملتك..فون بس لبابا وأخسف بمستقبلك الأرض، أنا هدخل آخد شاور، التفتت برأسها إليهِ مسترسلة:
-عايزة نكمِّل حياتنا، عايزة منَّك ولد ياآدم، ومش هتنازل وكفاية راضية بمراتك التانية..قالتها وهي تحاوط عنقه بدخول ايلين تهتف
-خالو عرفت مكان خالتو فر..بترت حديثها حينما وجدت تقاربهما؛ لتبتعد من الغرفة محاولة السيطرة على دموعها، قابلتها الخادمة تحمل قهوة ادم فسألتها
-فين خالو ياهدى
-البيه سافر امبارح مع مالك بيه علشان عمليته..ضربت على رأسها متذكرة حديثه عن سفره..وصل آدم إليها
-إيلين ..سحبت نفسًا وطردته بهدوء، مستديرة إليه ورسمت ابتسامة
-نعم !!..اقترب من وقوفها وعيناها تحاصر وقوفها
-خالتو مين اللي تقصديها، اتجهت إلى حقيبتها ونطقت بعض الكلمات
-لما خالو يرجع من السفر، بعد اذنك
جذبها من ذراعها، يهز رأسه وعيونًا متسائلة:
-على فين؟!
نزعت ذراعها من بين يديه وتمتمت:
-راجعة بيت صاحبتي..
عركل حركتها وتوقف أمامها:
-مفيش رجوع هناك تاني
زوت مابين حاجبيه متسائلة:
-ليه ؟!..تسائلت بها بوصول حنين ترمقها بنظرات ساخرة، اقتربت من آدم
-ايه يادومي هفضل منتظراك كتير
حدجها بنظرة مميتة، ثم أشار إليها:
-جوا، ماتدخليش بينا..افلتت ايلين ضحكة ساخرة من بين شفتيها ثم اقتربت منه، وابعدت حنين عنه
-لا راجل يابن خالي، طيب ماكنت تقولي انك حمش اوي وبتخاف عليا
-أنا مش راجل ياايلين
غرزت عيناها بمقلتيه وهتفت دون أن يرف لها جفن
-بالنسبالي ياادم، مفيش راجل يستغل بنت…قالتها واستدارت للمغادرة، إلا أنه رفعها بين ذراعيها وصعد بها إلى شقتهما
-أنا هعرفك دلوقتي انا راجل ولا لأ يابنت عمتي
بفيلا راجح:
بدأ يثورُ وهو يدورُ حول نفسه:
-يعني إيه، نفسي أفهم إيه اللي حصل، سكوت الواد هيجنِّني، وبنتك الغبية دي، توقَّفت مقتربةً منه:
-ممكن تهدى علشان نعرف نفكَّر، أنا من رأيي جوازهم أحسن، ليه عايز تبعدها..
أمسكَ ذراعها بقوَّةٍ يهدرُ بها:
-اتجنِّنتي، دا ظابط عارفة أخرتها إيه، رقبتي هتكون تحتِ رجله..لو مكنش ظابط كنت تقبلته، ويمكن شغلته معايا، معرفش فريدة دي عملت ايه علشان ولادها يطلعوا كدا، لا والواد التاني من أكبر العائلات، ازاي وصول له هتجنن، والله لو مش خايف من قلبتهم لكنت فضحتهم، دا شغال في مركز حساس
نزعت ذراعها تتلمسَّهُ بتألُّم:
-إنتَ اتهبلت، ماهو كدا كدا مش هيسكت بعد اللي عرفه وعملناه..ابعد عن الجارحي احنا مش قده، كفاية الحيوان مصطفى واللي عمله فينا
-اخرسي يارانيا مش عايز أسمع نفسك، جذبَ كأسَ مشروبهِ المحرَّم وأردف:
-إنتِ عارفة أنُّهم أمروا بقتلي، وكانوا عايزين حدِّ يمشِّي شغلهم في مصر، بحجة طارق المتخلِّف، لولا تدخُّل الباشا كنت زمانك دفنتيني …استدارَ يرمقها وتابعَ مستطردًا:
-لو شمُّوا بس إنِّ العيال دول ولاد أخويا هيموِّتوني في وقتها، المهم العيال دي لازم تموت بأيِّ طريقة، استمعَ إلى رنينِ هاتفه:
-الواد اللي بنراقبه ياباشا خرج من المستشفى وحالته مش تمام..
-خلِّيكم وراه، لحدِّ ماأقولُّكم تعملوا إيه..
خرجَ أرسلان من المشفى بدخولِ غرام، توقَّفت أمامه:
-أرسلان عمُّو فاروق عامل إيه؟..
طالعها بقلبٍ مفطور، وكأنَّهُ انشقَّ لنصفين، دنت بعدما وجدت نظراتهِ التائهة، ووجههِ الشاحب، أمسكتهُ من ذراعه:
-أرسلان عمُّو كويس؟..رفعَ عينيهِ إليها وكأنَّهُ لم يستمع إلى حديثها، لتكرِّرَ سؤالها الذي آلمهُ قائلة:
-أرسلان باباك عامل إيه، ليه مش بتردِّ عليَّا؟..هنا أحسَّ بضلوعهِ تتحطَّمُ بقوةٍ ليتألم صدره، ويخونهُ جسدهِ وهو يترنَّحُ بوقوفه، مما جعلهُ يستندُ على سيارتهِ مردِّدًا بتقطُّع:
-كذب، كلُّه كذب..فتحَ بابَ السيارةِ مع نظراتها المذهولة، وخروجِ إسحاق خلفهِ يصيحُ باسمه، ولكنَّهُ غادرَ المكانَ بسرعةٍ جنونية، يطرقُ على المقودِ بصراخ، ودموعٌ كزخاتِ المطرِ مع ارتجافةِ جسده.. ليتوقَّفَ بالسيارةِ فجأةً حتى دارت حول نفسها وكادت أن تنقلبَ به، انحنى برأسهِ وارتفعت شهقاتهِ وشريطُ حياتهِ يمرُّ أمامهِ كشريطٍ سينمائي، رفعَ عينيهِ التي انفجرت مياهها كمجرى نهري لاينقطع، نظر لنفسهِ بالمرآة:
-أنا ابنِ حرام، أنا مش ابنُ فاروق، طيب إزاي، العمر دا كلُّه كذب، حياتي كلَّها أكذوبة، أرسلان فاروق الجارحي أكذوبة، طيب أنا مين، وليه أهلي عملوا فيا كدا، ياترى باعوني، ولَّا أمي غلطت مع حد، ياترى أنا مين، أنا مين..
قالها بصراخٍ يضربُ بقوَّةٍ على المقودِ مرةً ويضربُِ رأسهِ مرةً أخرى، حتى شعرَ بفقدانِ كلِّ شيئٍ حوله، شعرَ بانسحابِ أنفاسه، وتجمَّدَ الدماءِ بعروقه، تمنَّى من ربهِ أن يلفظَ أنفاسهِ الأخيرةِ حتى يرتاحَ من ذاك الألمِ الذي يشعرُ بهِ حارقًا لجسدهِ بالكامل..
استمعَ إلى رنينِ هاتفه، التفتَ إليه ليجدَ اسمَ إسحاق..دموعٍ فقط مما جعلهُ يفقدُ الرؤية، ليتمتمَ بألمٍ يفتِّتُ العظام..
-يعني إنتَ مش عمِّي، طيب إنتَ مين، ليه تعمل كدا..دقائق مرَّت عليه وهو كالطائرِ الذي قُصَّ جناحيه، وهو داخلَ قفصهِ عاجزًا عن الخروج، رغم تحرُّرهِ من قفصه، كلَّ مايشعرُ به أنَّ داخلهِ يهتزُّ فقط، شعرَ بالدوار يجتاحُ جسدهِ ليقوم بتشغيلِ محرِّكَ السيارةِ وينطلقَ بها دون هدى.
-مالكشِ وجود ياأرسلان، إسحاق وفاروق ضحكوا عليك، دلوقتي فهمت كلِّ حاجة، ليه دايمًا تبعدوني عن اجتماعاتِ العيلة الكريمة…
آااااه ياااااارب انتزع روحي يارب، سرعةٌ جنونيةٌ كالذي لا تهمُّهُ حياته، مع ارتفاعِ رنينِ هاتفهِ ليرفعهُ ويلقيهِ بالطريقِ دون النظرَ اليه، من يرى السيارة وهي تتحرك بتلك الطريقة يقسمُ أنَّها طائرة وليست سيارة تتحرَّكُ على الأرض، نظرَ الرجلُ الذي يراقبه:
-ودا نلحقه إزاي، دا بينتحر.
أشارَ الآخر إليه:
-كلِّم الباشا وقولُّه الوضع..
-راجح باشا الولد من وقتُ ماخرج من المستشفى وهو بينتحر ياباشا، دا واحد بايع الدنيا..
-يعني إيه..قصَّ له الرجلَ ماحدثَ
ليقهقهَ راجح قائلًا:
-كويس خلَّصوا عليه وأهو جت من عنده..قالها وأغلقَ الهاتفَ يجذبَ مفاتيحه:
-اجهزي ياروحي علشان تروحي تعزِّي فريدة..ركضت خلفهِ وأمسكته:
-مابلاش ياراجح، حرام الولد تقتله، وبعدين دا شبه أخوك.
-اخرسي ياحيوانة، مش عايز أسمع صوتك، أنا مش هضيع بسبب واحدة زيك، بتبكي على حبيبها الغايب، مش هستنَّى من العيال دي تموِّتني، كفاية بنتك الحقيرة، وأهو أخوه يلتهي فيه لحدِّ مانخلَّص شغلنا، لازم العيال تخرج من السجن بهدوء بدل مايدخَّلونا إحنا المشرحة..قالها وتحرَّك..
عند إلياس:
-يعني هوَّ دلوقتي أكيد عرف، ليه بتعملوا كدا، إنتِ عارفة دلوقتي ممكن تكون حالته إيه..
اقتربت منهُ واحتوت ذراعه:
-وحياة أغلى حاجة عندك يابني، أوصلَّه، مصطفى مش عايز يدخَّل وخصوصًا بعد تهديد إسحاق، مفيش صلة قرابة، إنما انت اخوه، حاول تكلِّمه قبل مايعرف، أنا معرفشِ هوَّ عرف ولَّا لأ، بس أكيد هيعرف، جدِّته مش هترحمه، رفعت كفَّ إلياس:
-أبوس على إيدك ياحبيبي إلحق أخوك، خلِّيه يعرف منَّك قبلِ مايعرف من الغريب..
ضمَّها لأحضانه:
-خلاص اهدي، أنا هتصرَّف، اهدي ومتعيطيش، هروح المستشفى وأحاول أوصلُّه قبل مايعرف، وإنتِ خلِّيكي هنا مع ميرال، لأنَّها كانت هتموت النهاردة..
قالها وغادرَ المكانَ سريعًا وهو يحاولُ أن يصلَ إليه، ولكن دون جدوى، وصلَ إلى المشفى، دلفَ للداخلِ يسألُ عنه، أجابتهُ ملك:
-كان هنا من ساعتين تقريبًا..
-طيب إسحاق باشا فين..هزَّت كتفها بعدمِ معرفة..تسرَّبَ القلقُ لداخلهِ وهو يحاولُ أن يصلَ لأحدٍ فيهما، رفعَ الهاتفَ وقامَ بالاتصالِ على شريف:
-شريف شوف أرسلان الجارحي فين من تليفونه أو عربيته..
-تمام خلِّيك معايا دقايق هشوف الشباب..
معاك بس بسرعة..عند إسحاق خرجَ خلفهِ ولكن توقَّفَ على رنينِ هاتفه:
-المدام هتدخل عمليات ياباشا، والدكتور طالب حضرتك..
-تمام..قالها وأغلقَ الهاتفَ متِّجهًا اليها، دلفَ للمشفى يشيرُ لأحدِ رجاله:
-تقلب الأرض وتعمل تليفوناتك وتجبلي أرسلان من تحتِ الأرض حتى لو هتجيبه متكلبش، لو رجعت من غيره هموِّتك.
-عُلم ياباشا ..قالها وتحرَّكَ سريعًا لينفِّذَ أوامره، دلفَ للطبيب:
-خير، مش قولت هتستنَّى يومين لحدِّ ما تدخل في التامن؟
-الحالة صعبة، وماخبيش عليك المدام حالتها صعبة وممكن نفقدها في أيِّ وقت، قولت نحاول ننقذ حدِّ فيهم ياهيَّ ياالجنين..
-طيب ولو قولت عايز الاتنين
-صعب والله ياباشا..اقتربَ منهُ ليتسرَّبَ الخوفُ إليه:
-عايز مراتي أولًا وبعدين ابني، إزاي إنتَ هتعملها، تمام يادكتور..صمتَ الطبيبُ يهزُّ رأسهِ فأشارَ بيده:
-لا ..قول تمام وبس.
أومأ له قائلاً:
-تمام …تمام
عند إلياس …هاتفه شريف:
-أيوة ياإلياس فيه حاجة غريبة، الموبايل في مكان، والعربية على الطريق الصحراوي.
توقَّفَ يستمعُ إليهِ باهتمام:
-ابعت لي لوكيشن العربية، وأيِّ جديد عرَّفني ضروري..قالها وتحرَّكَ سريعًا بسيارته، فتحَ الخطَّ بعدما استمعَ إلى رنينِ هاتفه:
-أيوة يابابا..
-حبيبي إنتَ فين؟..نظرَ للطريقِ وأجابه:
-رايح لأرسلان يامصطفى باشا، ماهو لو أنا ابنك زي ماكنت دايمًا تعتبرني ابنك كنت عرَّفتني وعرفت أفكَّر في حل..
-أرسلان عرف أنُّه مش ابنِ فاروق ياإلياس، وبعت حدِّ وراه، أخوك فيه عربية مرقباه، وكمان حالته مش كويسة..
هلعَ من حديثه، يضغطُ على مقودِ السيارةِ لينطلقَ بسرعةٍ مهولة، ورائحةُ الموتِ تفوحُ حوله، لا يعلم ماسببَ تلك الدموع التي انسابت بقوةٍ على وجنتيه، ماذا يحدث، هل بالفعلِ سيخسرُ أخاه، ضغطَ بأسنانهِ على كفِّه ندمًا..وآااه حارقة بدموعِ الألمِ تحرقُ جسدهِ بالكامل، تمنَّى لو يمتلكُ أجنحة ليصلَ إليهِ ويضمُّه لأحضانهِ ليواسيهِ عما يشعر به، هو يعلمُ بكمِّ الآلامِ الذي سيواجهها بتلك اللحظاتِ المميتة، دعا ربه “ربِّ إنِّي مغلوبٌ فانتصر”
-شريف فين المكان دلوقتي..اتَّجهَ شريف ليتأكَّدَ من مكانه:
-العربية واقفة في الطريق..
-تمام ..
سرعات ماهي سوى سرعات، ورغم ذلك يشعر كأنها ثقيلة، ضغط على سرعته والسيارة كالطائرِ الذي لا يلمسُ الأرض، يتحرَّكُ بها كوحشٍ جائع، بوجهٍ كالوحة مرسومة بالألم، ولسانٍ ثقيلٍ يردِّدُ ذكرَ الله، بعد شعورهِ بثقلِ تنفُّسه، وكأنَّهُ شعرَ بأنَّ أخاهُ أصابهُ مكروه، دقائقَ ربما تخطَّت الساعة ولكنَّها ساعاتٌ بأعوامٍ كالسيفِ على العنق، وهو يصلُ إلى الجمعِ الملفوفِ حول السيارة..انتفضَ ذعرًا، وهبَّ من سيارتهِ يركضُ ولايرى سوى سيارةِ أخيه المنقلبةِ على الطريق، ليطالعها بأعينٍ منتفضةٍ ذعرًا والرؤية تتلاشى من هولِ الصدمة، اقتربَ مع جذبِ البعض إليهِ من حتميةِ انفجارِ السيارة، دفعَ الرجلَ كالذي تملَّكهُ شيطان، حتى لا يرتكبَ أبشعَ الجرائم..
دفعَ زجاجَ النافذةِ مع ركلاتٍ عديدةٍ كالمجنونِ وهو يصرخ:
-مستحيل أسيبك تموت، صرخاتٍ مع ركلاتٍ لبابِ السيارة، وانفجارِ السماءِ بالأمطارِ ، رغم أنَّنا بشهرِ مارس وقلَّةِ الأمطارِ بذلك التوقيت، انقلبَ حالهِ وهو يصرخُ كالمجنونِ ويصدحُ صوتهِ باسمِ أخيهِ كصوتِ عويل، تجمَّعَ بعض الشبابِ بعد اقترابِ السيارةِ على الانفجارِ وجذبهِ بعيدًا عنها، ولكن هنا كيف التحكَّمَ بالمشاعر، وهو يرى أخيهِ فلذتهِ الغائبة، ينساقُ إلى الموتِ أمامَ عينيه، زحفَ على الأرضِ بعدما فقدَ القدرةَ على الوقوفِ لارتجافِ جسدهِ بالكامل، كمن تلقَّى ضربةً موجعةً قسمت جسدهِ وهشَّمت داخله..
تحدَّثَ أحدُ الموجودين:
-يابني ابعد الله يخلِّيك، هوَّ شكله مات، ابعد يابني ربنا يبارك لك في شبابك، قالها مع وصولِ سيارةِ الشرطةِ والإسعافِ بذلك الوقت، أشارَ بسلاحه:
-اللي يقرَّب مني هموِّته، قالها وهو يدعو ربهِ أن ينقذهُ حتى لو دفعَ عمرهِ ليفديه..كسر الزجاجَ بظهرِ سلاحه، ينظرُ إلى أرسلان الذي اختفت ملامحهِ ولا يوجد بها سوى الدماء، تراجعَ رغمًا عنه مفزوعًا، وارتعشت ساقيه لتصبحَ هلامتين وبركُ عينيهِ تنزفُ بدل الدموعِ دماء، ورغم مايشعرُ به، دلفَ من النافذةِ بهدوءٍ مع ابتعادِ الجمعِ عن المكان، ليدلف لداخلها بضعفٍ يرفعُ جسدَ أخيه ويملِّسَ على وجههِ بكفِّه المرتعش، مرَّرَ كفِّه فوق رأسهِ وروحهِ تأنُّ بأنينٍ تنفطرُ له القلوب، ليضمَّهُ بقوةٍ كالأبِ الذي يضمُّ طفله.
-أرسلان أنا جيت حبيبي، افتح عيونك، قالها وهو يفتحُ بابَ السيارةِ بهدوء، ليهرولَ المسعفينَ إليه، ُليجذبونهُ بهدوءٍ منه، ولكنَّهُ رفضَ يشيرُ إلى أحدهم وأردفَ بلسانٍ ثقيل:
-أنا هشيله، حدِّ يسنده معايا بس.
وصلَ به إلى سيارةِ الإسعاف، لعملِ الاسعافاتِ اللازمة له، انحنى يقبِّلُ جبينهِ ويزيلُ دمائهِ من فوقِ وجهه:
-أرسلان..قالها ينحني على جبينهِ يضمُّ رأسهِ بيديهِ الغارقةِ بدمائه:
-أرسلان افتح عيونك علشان أعرَّفك المفاجأة، شوفت القدر، ياله حبيبي..ولكن كيف له أن يستمعَ إليه بعد تلك الإصاباتِ التي تعرَّضَ لها..
رفع نظرهِ للمسعفِ الذي يحاولُ إنقاذهِ وانتظرَ حديثه:
-مش بإيدي حاجة غير أوصَّله المستشفى وهوَّ لسة عايش، الصراحة الحالة خطيرة، ربنا معاه..
صرخةٌ بآاااهٍ عاليةٍ خرجت من بُطينِ قلبهِ ليهتزَّ لها الجسد وهو يضمُّهُ إلى صدره:
-أرسلان متعملشِ فيا كدا، قوم علشان أعرَّفك الستِّ اللي كنت بتقول عليها ستِّ الكل، طلعت ستِّ الكل، أرسلاااان..
جذبهُ مصطفى الذي وصلَ بعد معرفتهِ بما صار..إلياس اجمد ماينفعشِ كدا.
أشارَ إلى جسدهِ الشاحبِ وهتفَ بتقطُّع:
-أخويا يابابا، شوفت القدر، يوم ماأعرف أنُّه أخويا يضيع مني..
احتضنَ رأسهِ وأزالَ دموعه:
-حبيبي فوق والدتك محتاجاك جنبها، لما إنتَ تعمل كدا هيَّ تعمل إيه، طيب إنتَ كنت قدَّامها السنين دي كلها، هو بقى ياحبيبي، لازم تجمد، مش عايز ضعفك دا..
انطلقت سيارةُ الإسعاف، ليهرولَ خلفها بسيارته..وصل بعد فترةٍ إلى المشفى..
مع وصولِ إسحاق الذي وصلَ إليه الخبرَ كالصاعقةِ التي هزَّت قوَّته، ليدلفَ للمشفى بدموعٍ توخزُ جفنه، وجسدهِ كتلةً من الشظايا المبعثرة، هرولَ خلفهِ قبل دخولهِ العمليات، ليجذبَ الطبيبَ من تلابيه:
-تموت جوَّا الأوضة دي وتطلع تقولِّي ابنك كويس، أقسم بالله لو سمعت حاجة غير كدا لافضِّي سلاحي في دماغك..
عند فريدة:
جلست بجوارِ ميرال تطعمها، أحسَّت بالاختناقِ واعترى جسدها رعشةً جعلت قلبها ينتفضُ من الألم الذي يغزوه، نهضت بعدما وضعت الطبقَ الذي يحتوي على الطعام:
-ماما مالك؟!..تساءلت بها ميرال..
-مفيش حبيبتي قلبي وجعني شوية، يمكن علشان شدِّيت مع إلياس شوية.
سحبت كفَّيها وجذبتها لتجلسَ بجوارها:
-وتشدِّي على جوزي ليه ياستِّ ماما..
ابتسمت فريدة رغمًا عنها تجذبها لأحضانها:
-هوّ إنتِ مش عايزة تكبري خالص ياميرو، منين عايزة تنفصلي ومنين خايفة عليه؟..
أحسَّت بوجعٍ يغزو نبضها لترفرفَ بأهدابها ثمَّ قالت:
-مش عايزة في يوم نكره بعض ياماما، خايفة في يوم يذلِّني بأمي وأبويا، صعب ياماما اللي بمرّ بيه.. قالتها بنبرة منكسرة
ملَّست على شعرها ثمَّ رفعت ذقنها:
-حبيبتي أنا ماما وأنا بابا، مش عايزة أسمع كلمة واحدة تدينك، راجح مستحيل يكون أبوكي سامعة، ورانيا الشيطان دي مستحيل تكون أم أصلًا، طيب أقولِّك خبر حلو هيخليكي تفتخري…ابتسمت ميرال تنظرُ إليها وتمتمت بحب:
-أنا مفتخرة بجوزي وبيكي ياماما، بس حقيقي كنت خايفة علشان كدا محبتش أكون عبء وضغط عليكم، بس النهاردة أوَّل مرَّة أحسِّ إنِّي أهمِّ شخص عند اليأس ابنك..
ضحكت فريدة تقرصُ وجنتيها:
-يأس وابني، مفيش حبيبي يعني؟..
هزَّت رأسها قائلة:
-تؤ، لأنُّه روحي وحياتي كلَّها، بس ربنا يهديه ويفضل على طول الراجل الحنيِّن، مش يقلب لدراكولا، واللهِ دراكولا جنبه مظلوم..
ارتفعت ضحكاتُ فريدة تضمُّها لأحضانها:
-ربنا مايحرمني من ضحكتك ياحبيبة ماما، واللهِ الولد غلبان بس إنتِ اللي مجنونة، وجنِّنتيه معاكي..
أشارت على نفسها ببراءة:
-أنا مجنونة، أيوة فعلًا وهوَّ مستشفى المجانين، أقولِّك على حاجة ابنك دا المفروض يعيِّنوه على منصِّة الإعدام، عارفة وقتها مش هيحتاجوا يغطُّوا المجرم، كفاية نظرة إلياس بس تخلِّي السليم يموت رعب..
ارتفعت ضحكاتُ فريدة تهزُّ رأسها بحب:
-يخرب عقلك لو سمعك هيموِّتك، وترجعي تقولي كان وكان..
-تؤ ياستِّ ماما، ابنك واقع في غرامي، زي ماأنا ميتة فيه، ودي تكفِّيني أحاربك شخصيًا علشانه.
احتضنت وجهها ثمَّ نظرت إلى بطنها:
-فعلا حبيبتي هوَّ واقع في غرامك وإنتِ ميتة فيه، وحاربي علشانه وبس ياميرو، عايزة ميرال اللي ربتها، ميرال مرات إلياس السيوفي اللي يقدر يتسند عليها، أوعي في وقت تشكِّي فيه، لأنُّه مستعد يضحِّي علشانك، ومتصدقيش كلامه اللي قاله، واللهِ يابنتي دا من كترِ خوفه عليكي..
دفنت نفسها بأحضانِ فريدة:
-أنا بحبُّه أوي، وخايفة من بكرة أوي، خايفة حياتنا تتهدّ ياماما، أنا مش قوية أبدًا أنا ضعيفة ومن غيره ميِّتة..
أخرجتها من أحضانها ترفعُ وجهها:
-لا إنتِ قوية، واللي يقرَّب من حياتك وجوزك دوسي عليه، حتى لو أنا، أهمِّ حاجة في حياتك ابنك وجوزك، بعد كدا هتلاقي نفسك أسعد إنسانة في الدنيا..
قطعَ حديثهما وصول إسلام حاولَ أن يبتسم:
-ماما..نهضت تطالعهُ باستفهام:
-فيه إيه ياحبيبي مال وشَّك كدا؟..
-غادة فيه عربية ضربتها قدَّام الجامعة وبابا بعتني لحضرتك..
لا إله إلا الله..اللهمَّ أجرنا في مصيبتنا، ردَّدتها وجذبت وشاحها تنظرُ إلى ميرال:
-حبيبتي ارتاحي، إياكي تتحرَّكي، وحطِّي الجهاز تاني على وشِّك، لحدِّ ماجوزك يرجع..
نزلت من فوقِ السرير:
-لا أنا هاجي عايزة أطَّمن على غادة، اقتربَ إسلام يساعدها:
-ميرال اهدي، غادة كويسة بس هيَّ عايزة ماما، الإصابة مش خطيرة..
التفتت فريدة تنظرُ إليها بلوم:
-أنا لسة بقول إيه، ابنك وجوزك أوَّل حاجة، وأوَّل ماأوصل هطمِّنك.
بعد فترةٍ دلفت للمشفى بجوارِ إسلام، نظرت حولها متسائلة:
-غادة في مستشفى عسكري ليه يابني، لم يجبها وتحرَّكَ بصمتٍ دون أن ينطقَ بحرفٍ لتذهبَ ببصرها على وقوفِ إسحاق أمام نافذة، وجلوسِ إلياس يحتضنُ رأسه، نهضَ مصطفى يقابلها..وزَّعت نظراتها على الجميع، صفية التي تجلسُ على الأرضية، تضمُّ ابنتها، إلياس الجالس بملابس ملطخة بالدماء..
أُصيب جسدها بشللٍ وتوقُّفِت أعضائها، وعيناها فقط تتجوَّلُ بينهم تبحثُ عن فلذةِ كبدها..
حاوطَ مصطفى جسدها، رفعت عينيها تنظرُ لذراعهِ ثمَّ وصلت بعينيها لإلياس الحاضر الغائب، حرَّكت شفتيها لتتحدَّث، ولكن هربت مخارج الحروف وثقل لسانها لبعضِ اللحظات، وشقَّت الدموعُ جفنيها لتتساءلَ بتقطُّع:
-اب .ني ف.ين يامص..طفى..رفعَ إلياس رأسهِ بعدما استمعَ إلى صوتها، لتقابلَ عينيهِ الجامدةِ التي أُصيبت بالبرود، دنت منه بخطواتٍ ثقيلةٍ كالطفلِ الذي يستندُ ليتعلَّم السير..
-أخو..ك في..ن أغمضَ عينيهِ وابتعدَ بنظراتهِ عنها، لتلتفتَ مع خروجِ الطبيب من غرفةِ العمليات:
-عملت اللي عليَّا والله، والباقي عند ربنا، حاولت بكلِّ جهدي، الضربات للرأس قوية، دعواتكم وسلامته إن شاءالله..قالها وركضَ من نظراتِ إسحاق المميتة، أشارت على الطبيبِ تنظرُ إلى مصطفى:
-هو قصده مين؟..أوعى يكون اللي في بالي..استمعت إلى صوتِ ملك:
-ماما أنا عايزة أخويا، عايزة أرسلان ياماما، محدش يقولِّي أنُّه هيموت..
هنا دارت الأرض تحت أقدامها ليختلَّ توازنها تنظرُ إلى إلياس تودُّ لو تصرخَ وتملأ الدنيا بصرخاتها ليعلمَ الجميع كم عانت من قسوةِ تلك الحياة…
هب إلياس من مكانه مع سقوط جسدها، لتهوى جاثية بركبتيها، وصرخة شقت الصدور باسم ابنها لتغيب عن وعيها تتمنى من الله أن لا تفيق أبدًا فيكفي ماصار له

ليلةٌ واحدة…لا ننساها…تلك الليلة التي كبرنا فيها عمرًا فوق أعمارنا ..ونضجنا فيها من شدَّةِ ما كان أذاها عميقًا..
كلَّ نظرةٍ منَّا تحكي صمتاً أثقلُ من الكلمات..وجرحًت لا يلتئم..
مابين الحزنِ والصبرِ تتأرجحُ المشاعرُ كأرجوحةٍ في مهبِّ الريح….
فسلامٌ على مشاعرٍ أحرقناها بالسكات..
وسلامٌ على أعينٍ قاومت دموعها بأسخفِ الضحكات..
وسلامٌ على دفترٍ ملأناهُ حتى سقطَ القلمُ وانتحرت الكلمات…
ثابتينَ رغمًا عن كلِّ شيئ.
ثابتينَ وداخلنا ينتفضُ ويبكي ويحترق ..
ندَّعي أنَّنا بخير ونحنُ في أمسِّ الحاجةِ لنرتمي في حضنِ أحدهم ونبكي دون توقُّف
مرَّت ليلةٌ ثقيلةٌ على الجميع، لم يغمض لهم جفنًا، فريدة التي احتُجزت بجوارِ ابنها يجاورها مصطفى الذي لم يبتعد عنها إنشًا واحدًا، بينما إلياس جالسًا بالخارج جسدًا مهشَّمًا يشعرُ وكأنَّ الحياةَ أطبقت على روحهِ لتأنَّ بأنينٍ مرير..اقتربَ منه إسلام:
-إلياس لازم تروح تغيَّر هدومك، هتفضل كدا..تراجعَ بجسدهِ للخلف وأغمضَ عينيه، لا يريدُ أن يتحدَّث، وكأنَّ الصمتَ ملجأهِ بتلك اللحظات، وماأصعبَ القلوبُ حينما تشعرُ بالانفجارِ ورغمًا عنها تصمت، ومخالبُ الألمِ تنهشُ بداخلها ..
-إلياس!! فتحَ عينيهِ وحاورهُ بصمت؛
-قوم روح ارتاح شوية وغيَّر هدومك، هدومك كلَّها دم..
-بعدين أطَّمن على ماما وأرسلان الأوَّل..استمعَ إلى حركةٍ بالردهة، وخروجِ صفية من غرفةِ أرسلان يحاوطها إسحاق، وهرولةِ الأطباءِ إلى الغرفة.
نهضَ من مكانهِ وتحرَّكَ إلى وقوفهم أمامَ النافذة، من يرى تحرُّكهِ يظنُّ هدوءَ لجسده، ولكن تحرُّكهِ لم يكن سوى ضعفه، ملامحٌ صلبةٌ جامدةٌ وقلبٌ استوطنَ به الألم، استندَ على الجدارِ حينما جاءهُ دوارًا من قساوةِ الحديثِ الذي اخترقَ أذنه:
زوِّدي الأدرينالين، المريض هيروح منِّنا.
استندَ على زجاجِ النافذةِ ينظرُ إلى محاولةِ الأطباءِ لإنعاشِ جسده، و إلى سكونِ جسدِ أخيهِ بفزعٍ وشبحُ رائحةِ الموتِ تطبقُ فوق صدره..
مرَّة واثنتان والطبيبُ يحاول إنعاشَ القلب، وهو ينظرُ إلى جسدهِ الذي يفارقُ الحياة، وصلَ إليه مصطفى وإسلام يحاوطونه، مع كلماتِ المواساةِ والدعاء..
مسَّدَ اسلام على ظهره:
-إلياس ..ولكن كيف له القدرة بالتفوُّهٍ او النظرِ إلى أحدٍ سوى أخيهِ الذي يلفظُ أنفاسهِ الأخيرة، بداخلهِ آلامًا عجزت الأبجديةُ عن وصفها، ألمُ ينزفُ من روحهِ ويستوطنُ خلاياه..
همسَ بنبرةٍ خافتةٍ كالطفلِ الخائفِ الذي يدعو ربه:
– اللهمَّ إنَّك رزقتني أخي من غير حولٍ لي ولا قوَّة فاللهمَّ احفظهُ لي وبارك لي في عمره،
اللهمَّ إنِّي أسألكَ بأنَّكَ لا إلهَ إلَّا أنتَ اللهمَّ احفظهُ بعينكَ التي لا تنام إنَّكَ الحيُّ الذي لا يموت..
قالها بعيونٍ قلقةٍ والخوفُ الذي يتسلَّلُ بداخله، كشيطانٍ يتربصُ لمؤمنٍ ليزهقَ صبره..عيناهُ غُلِّفت بالظلام، وارتعاشةٍ أصابت وقوفه، وهو مازال يحتضن بنظراته جسد أخيهِ يدعو ربَّهِ أن يستجيبَ ويعودَ قلبهِ للنبضِ مرَّةً أخرى.
يااارب..قالها بخفوت، مع اختلالِ توازنه، وتكوُّرِ الدموعِ تحت أهدابه، لحظات بآلافِ السنينِ إلى أن هزَّ الطبيبُ رأسهِ بآسف، هنا توقَّفَ النبضُ ودارت به الأرض، وعيناهُ تنطقُ بكمِّ الألمِ الذي يشعر به، لحظاتٍ جحيمية، وصمتٍ مميتٍ مع أنفاسٍ مرتفعة، وضعَ الطبيبُ جهازه، مع اقتحامِ إسحاق الغرفةَ كالأسدِ المفترس، يحطِّمُ كلَّ ما يقابلهُ
إلى أن وصلَ للطبيب:
-أنا قولت لك إيه..بترَ حديثهِ صراخُ الممرضة، التي تحاول انعاش القلب بالضغط على صدره، النبض عاد يادكتور..
هنا شعرَ إسحاق بالخدرِ يسري بجسدهِ بالكامل، وهو يستمعُ إلى نبضهِ يعلو بالغرفةِ مرَّةً أخرى..تراجعَ يشيرُ للطبيب:
-تمام ..تمام، شوف شغلك، قالها وتحرَّكَ بظهرهِ للخلفِ وعيناهُ تحتضنُ جسدَ أرسلان، خرجَ من الغرفةِ واتَّجهَ إلى مكان وقوفهِ مرَّةً أخرى، مع ترطيبِ لسانهِ بالحمدِ والثناء، حتى انتهى الطبيبُ وتحرَّكَ للخارج:
-ربنا يقوِّمه بالسلامة..قالها وتحرَّكَ سريعًا من أمامه..أومأ برأسهِ دون حديثٍ وعينيهِ على إلياس الحاضرِ الغائب، اقتربَ منه وحمحمَ مردفًا:
-أرسلان قوي وإن شاء الله هيقوم عندي أمل في ربنا كبير..
-البركة في حضرتك، بس عايز أقولَّك إنتَ السبب في اللي هوَّ فيه، قالها ومازالت نظراتهِ على أخيه.
اقتربَ منه إسحاق وتوقَّفَ بجوارهِ ونظرَ إلى أرسلان قائلًا:
-ومتفكرش هتوصلُّه ياحضرةِ الظابط، هوَّ عرف أه، بس برضو هيفضل أرسلان الجارحي..
التفتَ إليهِ إلياس، ثمَّ رفعَ عينيهِ إلى مصطفى الذي أشارَ إليه بالهدوء، ولكن كيف يصمت وداخلهِ فوهةٌ بركانية، ليستديرَ بكاملِ جسدهِ لإسحاق:
-لولا تعب أخويا كنت ردِّيت على حضرتك، دنا برأسهِ وأردفَ بنبرةٍ خافتةٍ ممزوجةٍ بالألم:
-جمال جمال الشافعي، ياسيادةِ العقيد، أنا مش هحرمك منُّه، ودا مش جدعنة منِّي، لا علشان أنا حقَّاني ومبحبش الظلم، فبلاش تقول هيفضل ويفضل، دا أنا اللي أقرَّره مش حضرتك، حتى هوَّ لمَّا يفوق مالوش غير القرار اللي أخوه الكبير هياخده..
-إنتَ اتجنِّنت…قالها إسحاق..تراجعَ إلياس إلى المقعد، فاقتربَ إسحاق منهُ ووجههِ عبارةٌ عن لوحةٍ من الألمِ والحزن:
-اسمعني علشان تبقى عارف، وأنا قولتها لحضرةِ اللوا، أرسلان هيفضل ابنِ الجارحي ولو فيها عمري.
-حقَّك ياباشا، مش هنكر حقَّك، بس اسمعني إنتَ كمان، الستِّ اللي جوا دي هيَّ أكتر واحدة ليها الحق، مع احترامي لتعب حضرتك ولفاروق باشا، بس أمِّي أكتر واحدة ليها الحق..
-وأمُّه اللي ربِّيته..استدارَ إليهِ إلياس:
-وأمُّه اللي اتقهرت بخطفه، أمُّه اللي اتحمِّلت وجع ابنها المخطوف تلاتين سنة، يظهر قدَّامها وتعامله على أنُّه واحد غريب، ويوم ماتتمسِّك بالأمل حضرتك تهدِّدها..
-حضرةِ الظابط شوف بتقول إيه..
-بقول إيه، مش دا اللي حصل، ولَّا أنا بتبلَّى على حضرتك، مش لو حضرتك وزنت الأمور وعرَّفته مكنشِ دا كلُّه حصل، ذنبه إيه يكون في لعبة بينكم، وصدَّقني الستِّ والدتك مش فارقة معايا عمايلها، بس وحياة رقدته دي لو حصلُّه حاجة ماهسكتلها..
-إنتَ أكيد مجنون، والدتي مالها؟!..توقَّفَ إلياس وفقدَ سيطرتهِ وتحكُّمهِ بنفسه:
-يعني إيه، يعني حضرتك متعرفشِ بلعبتها القذرة علشان تكشف لأخويا حقيقة نسبه، ذنبه إيه يتصدم كدا، حضرتك هتعرف إزاي وإنتَ معشتش صدمةِ القهر وإنتَ شايف نفسك شخص سراب ومالوش وجود..
حدقهُ مذهولًا، وتوقَّفَ بجسدٍ متيَّبسٍ من الصدمة، لا يريدُ أن يستوعبَ ما يوضِّحهُ عقله، هل وصلت والدتهِ لذلك الوضعِ المنحطّ..هزَّ رأسهِ بالنفي وبعيونٍ متَّسعةٍ نطق:
-إنتَ بتقول إيه!؟..توقَّفَ مصطفى بينهما:
-لو سمحتم كفاية، راعوا حالة الكلّ..
دارَ حول نفسهِ كالأسدِ الجريح، يريدُ أن يهدمَ المكانَ وما فيه..
-روح اسأل الستِّ الوالدة، إيه قصدها من لعبةِ التحاليل دي..
هنا فاقَ إسحاق على كابوسٍ مريرٍ ممزوجٍ بقسوةِ ما فعلته والدته، كوَّرَ قبضتهِ وشياطينُ الجنِّ تتراقصُ بعينيه، يريدُ أن يصلَ إليها ويلقيها صريعة، تراجعَ على المقعدِ وهو يشعرُ أنَّهُ بركانٌ أوشكَ على الانفجار..
جذبَ مصطفى إلياس واتَّجهَ به إلى أحدِ المقاعد:
-حبيبي اهدى، وبلاش تضغط على إسحاق، هوَّ كمان مالوش ذنب، شايف حالته، كفاية أخوه اللي بين الحياة والموت
أغمضَ عينيهِ يحاولُ إسكاتَ ضرباتِ قلبهِ العنيفةِ التي تحوَّلت لجنونِ الألم..
جلسَ على المقعدِ ومازال يحاولُ ثبات صلابةِ قوَّتهِ الواهيةِ التي أوشكت على الانهيار..
عندَ ميرال قبل قليل:
استيقظت من نومها، ونهضت متَّجهةً إلى حمَّامها، أدَّت فرضها وجلست لبعضِ الوقت، ثمَّ تحرَّكت بهدوءٍ للأسفلِ ظنًّا أنَّهُ رجعَ مرَّةً أخرى، جالت عيناها بالمنزل، وسألت الخادمة:
-هوَّ الباشا مرجعشِ من إمبارح؟..
هزَّت رأسها بالنفي وأجابتها:
-لا يامدام، بس الستِّ الصغيرة في أوضتها فوق..
ضيَّقت مابين حاجبيها متسائلة:
-مين غادة؟!..إزاي هيَّ مش عاملة حادثة، هوَّ فيه إيه؟..قالتها وصعدت إلى غرفةِ غادة، دلفت للداخلِ وجدتها تغفو بهدوء، جلست جوارها تستكشفُ حالةَ جسدها، ثمَّ هزَّتها بهدوء:
-غادة..فتحت عيناها..
-حبيبتي إنتِ صحيتي، قالتها واعتدلت جالسةً على الفراش.
نظرةٌ متفحِّصةٌ تطالعها بتساؤلٍ من عينيها..فركت يديها مبتعدةً بنظراتها، تمتمت بتقطُّع:
-أصل إلياس في المستشفى وقالِّي آجي أقعد معاكي، ماهو..
هبَّت من مكانها:
-هتنقَّطيني إلياس بيعمل إيه في المستشفى، أوعي يكون تعبان..لا أوعي يكون هوَّ اللي عمل حادثة.
-ميرال اهدي إلياس كويس، بس الحقيقة فيه موضوع ملخبط الدنيا، أرسلان الجارحي..
-أرسلان الجارحي، ماله؟!..
-طلع أخو إلياس اللي بيدوَّر عليه.
-إيه..أرسلان، إزاي معقول!.. لا أكيد مش صح..
فركت غادة جبينها مرَّة، ثمَّ مسحت على وجهها بالكامل، ورفعت عينيها التي سكنَ بها الحزنُ إلى ميرال وأردفت قائلة:
-الموضوع صعب أوي ياميرال، وإلياس منهار علشانه، أصله عمل حادثة صعبة أوي..اتَّسعت حدقتاها، وتذكرت حديثه مع فريدة واتهاماته، هنا علمت معنى حديثه، شعرت بألمٍ يفتكُ بها وهي تتخيَّلُ حالته الآن، لتستديرَ بقلبها المتلهِّفِ عليهِ قائلة:
-اجهزي لمَّا ألبس، لازم أروح له..ركضت إليها تتشبَّثُ بذراعها:
-ميرال استني، مينفعشِ إلياس هيزعل، هوَّ قالِّي متتحركيش من مكانك..احتجزت الدموعُ بعينيها مستطردة؛
-غادة لازم أكون جنبِ جوزي، وماما دلوقتي حالتها إيه، وفي الأوَّل والآخر دا ابنِ عمِّي، والراجل اللي عمل فيهم كدا بيكون أبويا للأسف..قالتها وغادرت الغرفة..
بعد فترةٍ وصلت إلى المشفى دلفت للداخلِ تبحثُ عنه بعيونِ الألمِ والندم، إلى أن توصَّلت لمكانِ جلوسه، ثمَّ ردَّدت اسمه:
– إلياس..قالتها بألمٍ ارتسمَ بعينيها المحتجزةِ دموعَ الألمِ والقهرِ بآنٍ واحد..
رفعَ رأسهِ ينظرُ إليها بعيونٍ تتلألأُ بالدموع، انسابت دموعها تخطُّ وجنتيها ليهبَّ من مكانه، ودون حرفٍ تنطقُ به شفتيهِ جذبها لأحضانهِ وانهارَ باكيًا، بكى بكاءً كالطفلِ الذي فقدَ والديهِ مما جعلَ الجميعَ يتعجَّبُ من حالتهِ التي لأوَّلِ مرَّةٍ يرونهُ بها..
ضمَّتهُ بقوَّةٍ وبكت على بكائه، مما جعلَ الكلُّ يبكي عليه، نطقت بشهقاتٍ متقطِّعة:
-راجح اللي عمل فيه كدا ياإلياس صح؟.. هوَّ أكيد السبب ورا حادثته، عرف أنُّه أخوك..هوَّ قالها طول ماأنا معاكم هيموُّتكم كلُّكم، أنا مش هقدر أشوفك بتتوجع كدا، الراجل دا مهما كان اسمه أبويا، خلِّيني أروح له ياإلياس..
سحبَ كفَّها ودلفَ لداخلِ الغرفةِ، حاوطَ وجهها يزيلُ عبراتها بأطرافِ أنامله:
-ميرال مش عايزك تنطقي اسمِ الراجل دا، إنتِ مالكيش دعوة بحاجة، سمعتيني الراجل دا مفيش حاجة تربطه بيكي..وعداوته معانا مش بسببك أبدًا، وبحلف لك ياميرال حتى لو إنتِ مش مراتي كنت مستحيل أخلِّيكي تروحي له، عايزك تشيلي من دماغك اسمِ الراجل دا ماشي..
صمتت وحاولت أن تقنعَ نفسها بحديثه، رغم انعكاسِ نيرانِ قلبها التي توحَّشت داخلها..
رفعَ ذقنها:
-أوعديني إنِّك مش هتروحي للراجل دا..هزَّت رأسها وجذبت يدهِ متحرِّكةً بخطاً بطيئةً بسببِ شعورها بالدوران،
جلست تنتظرُ جلوسهِ بجوارها، ولكنَّهُ ظلَّ متوقِّفًا يدقِّقُ النظر بها:
-ميرال مش هتعملي حاجة بدون علمي صح..رفعت رأسها وهزَّت رأسها بالموافقة..جلسَ بجوارها وجذبها لأحضانهِ يحاوطها بذراعه:
-عاملة إيه دلوقتي؟..رفعت كفَّيها على وجههِ تتفحَّصهُ بعينها:
-إنتَ اللي عامل إيه، وماما فريدة عاملة إيه؟..
تمدَّدَ على الفراشِ يضعُ رأسهِ فوق ساقيها متنهِّدًا بألمٍ يخرجُ من أعماقِ قلبهِ قائلًا:
-ماما محجوزة في الأوضة اللي جنب أرسلان، بابا طلب من الدكاترة تفضل على المهدِّئات، بس هيَّ كويسة..
ملَّست على رأسهِ بحبٍّ تستمعُ إلى حديثه، وكأنَّهُ لا يوجد بينهما أيِّ صراع:
-طيب ممكن تنام شوية، شكلك مرهق أوي..
-أنام إزاي ياميرال وأنا حاسس لو قفلت عيوني هفوق على كابوس فقدان أرسلان..انحنت تضعُ رأسها على جبينهِ وهمست بخفوت:
-حبيبي كلِّ حاجة مقدَّرة في الدنيا، هوَّ أنا اللي هقولَّك على القضاء والقدر، لو له قدر يعيش هيعيش، ارمي حمولك على ربنا..
ابتسامةٌ من وسطِ أحزانهِ على كلماتها التي تحاولُ أن تهوِّنَ عليه، نظرَ لداخلِ مقلتيها:
-ربنا يكمِّلك بعقلك وتفضلي عاقلة على طول..داعبت أنفهِ بأنفها ومازالت تهمسُ بخفوت:
-مراتك عاقلة واللهِ بس إنتَ اللي مجنِّنها معاك..أغمضَ عينيهِ يستمتعُ بكلماتها الحانية، فلقد نزلت على قلبهِ كقطرةِ ندا ترطِّبُ جفافَ القلبِ من الألمِ والحزن، تراجعَ بجسده، يفردُ ذراعهِ لتتوسَّده..لم تفكِّر كثيرًا، لتتمدَّدَ تدفنُ نفسها بأحضانهِ وآااه عميقة أخرجتها على كمِّ المشاعرِ التي شعرت بها…
بإحدى المستشفيات بألمانيا، تقفُ أمام أحد النوافذِ تنظرُ إلى والدها الممدَّدِ بالفراش، توقَّفَ بعدما تحرَّكَ زين إلى الغرفة، اقتربَ منها:
-بقالك أكتر من نصِّ ساعة واقفة، أقعدي علشان ماتتعبيش..
زفرةٌ قويةٌ تدلُّ على مدى آلامها، لتردفَ بتهدُّج:
– ارتاح ازاي وبابا حالته صعبة
دمعةٌ انبثقت من جفنيها وذكرياتها مع والدها أمامَ عينيها، وتابعت حديثها:
-أنا مش هقدر أعيش من غير بابا يايزن..التفتت إليهِ واستطردت بنبرةٍ ممزوجةٍ بالحزن:
-تعرف لمَّا قولت له اتجوِّزت يزن، فرح أوي وقالِّي دا راجل ومش هخاف عليكي..عادت بنظراتها لوالدها تنظرُ إليه بعينيها التي بها الكثيرُ من الأمنيات:
-بنتك مستنياك يابابا، أوعى تخلف وعدك معايا..
كان يستمعُ إليها وشعورٌ بالألمِ يحرقُ روحه..لعنَ نفسهِ التي استخدمتها كوسيلةٍ انتقامية..
رفعَ ذراعهِ وحاوطَ أكتافها يقرِّبها إلى أحضانه، لتنهارَ باكيةً بشهقاتٍ مرتفعة:
-أنا خايفة يايزن، الدكتور بيقول نسبة نجاح العملية ضئيل، وانا عاجزة ومش عارفة آخد قرار..
ضمَّها بقوةٍ لأحضانه، بعدما فقدَ اتزانهِ من بكائها، حاولَ السيطرةَ على رجفةِ قلبهِ التي اعترتهُ من رائحتها..ابتلعَ لعابهِ بصعوبة، حينما لفَّت ذراعيها حول خصرهِ وكأنَّها تثبتُ له أنَّهُ قلعتها الحصينة..سحبها إلى المقعدِ وجلسَ وأجلسها بجواره، رفعَ ذقنها يزيلُ عبراتها:
-ممكن تبَّطلي عياط، أنا متأكِّد أنُّه هيفوق ويقوم بالسلامة، قطعَ حديثهم وصولِ راجح ورانيا:
-راحيل حبيبتي..قالتها رانيا وهي تجذبها لأحضانها، بينما رمقَ راجح يزن يشيرُ إليهِ بغضبٍ تجلَّى بعينيهِ وهدرَ بعنفٍ بخروجِ زين من الغرفة:
-الواد دا بيعمل إيه، حدجهٍ بنظرة مشمئزة:
-إنتَ مفكَّر نفسك مين ياله، علشان تتجرَّأ وتيجي هنا..
نصبَ عودهِ وتوقَّفَ مقتربًا من وقوفِ راجح:
-اسمعني إنتَ علشان مبحبش كلام أشباهِ الرجال، أنا لو مش راجل كنت طردتك من هنا، بعد اللي عملته في مراتي، أنا وبس اللي ليَّا الحق أكون هنا، أمَّا إنتَ متطفِّل لا غير..
ثارت شياطينُ غضبِ راجح التي لاحت بعينيه، واقتربَ يجذبهُ من تلابيبه:
-هوَّ مين ياحشرة اللي أشباه الرجال، دا أنا مش هرحمك..دفعهُ بغضب، ولكمهُ بصدره ..فتدخَّلَ زين صائحًا بهما:
-إيه اللي بتعملوه دا، إحنا في مستشفى ومش في مصر كمان، اهدوا، لحدِّ مانشوف الدكتور هيقولِّنا إيه..استدارَ إلى راجح وأشارَ إليه:
-راجح دا جوز رحيل، خلاص بقى سواء رضيت ولَّا لأ، دنا منه خطوةً واخترقهُ بنظراته:
-إحنا لسة ماتكلمناش في اللي حصل في الشركة، وإزاي طارق يهجم على بنتِ خالته ويطردها، لا وكمان عايز تغصبها على الجواز، لسة متحسبناش ياراجح، فياريت تسكت مش عايز كلمة واحدة، إحنا هنا علشان مالك وبس.
تحرَّكَ مغادرًا المكانَ بخطواتهِ التي تأكلُ الأرض، يشيرُ بيدهِ معترضًا على الكلام..راقبت رانيا تحرُّكهِ إلى أن اختفى، ثمَّ توجَّهت إلى زين:
-ينفع كدا يازين، ليه تعمل فيه كدا، يعني تفضَّل عليه عيِّل، وجزاته أنُّه خايف على راحيل وورثها..
-رانيا مش عايز أسمع كلام، جوزك وعارفه مش منتظر إنِّك تعرَّفيني عليه، وبدل ماإنتِ واقفة تدافعي عنُّه، ادخلي شوفي أختك التعبانة دي..
رمقت يزن بنظرةٍ سريعةٍ ثمَّ تحرَّكت متَّجهةً إلى الغرفةِ دون حديثٍ آخر، التفتَ زين إلى يزن واقتربَ منه قائلًا:
-متفكرشِ إنِّي قبلت هجومك وكلامك عليه، دا قدِّ والدك، عيب أوي إنَّك تكلِّم اللي أكبر منَّك بالطريقةِ دي، غير هجومك الغير مبرَّر عليه..
-حضرتك ياعمُّو أنا معملتش حاجة، شايف عمل إيه..
رفعَ كفَّيهِ إليهِ بالصمت، ثمَّ أردف:
-أيِّ حدِّ مكانه كان هيعمل كدا، متزعلشِ يابني، راحيل ينطِمع بيها، وهوَّ حسب نظرته شايف إنَّك طمعان في ورثها، غير إنِّ طارق ورحيل كانوا مخطوبين فهوَّ كأب صعبان عليه ابنه.
-خالو ممكن مانتكلمش في الموضوع دا، أنا تعبانة وماليش نفس للمناهدة..
بالقاهرة وخاصَّةً بشقةِ آدم:
وصلَ بها إلى الداخل، وأغلقَ البابَ يسحبُ المفتاحَ منه، ثمَّ وضعها بهدوءٍ مع محاولتها التملُّصَ من بينِ قبضته..
تراجعَ يسحبُ نفسًا ثمَّ اتَّجهَ إلى الأريكةِ وجلسَ عليها مع محاولاتها بالخروج، ركلت البابَ تصرخُ به ثمَّ اقتربت تلكمهُ بصدرهِ وهو جالسًا دون أيِّ ردِّ فعل، هاجت بنَّيتها بالعواصفِ الغاضبة تسبُّه، وبدأت تحطِّمُ كلَّ ما يقابلها حتى هوت على الأرضيَّةِ بأنفاسٍ مرتفعة..نهضَ من مكانهِ وجلسَ بجوارها على الأرض:
-من تلات سنين بعد حصولي على الدكتوراه بدرجةِ امتياز، كان معايا تلاتة من جنسيات مختلفة، واحد بريطاني، وواحد نمساوي، وواحد روسي وأنا، بيختارو اتنين بس للتعيين، كان طبعًا لازم يعيِّنوا مننا، وإنتِ عارفة التعيين في الجامعة دي بداية أوَّل خطوة في النجاح ، حلمي هيتحقَّق، للأسف الوقت دا عمِّتو ماتت، حاولت اتَّصل بيكي بس طبعًا مرات أبوكي قالتلي إنِّك مش عايزة تكلِّميني، قولت من الصدمة، مرَّة واتنين ومعرفتش أوصلِّك، لحدِّ مافي يوم قالتلي الصراحة يادكتور إنتَ صعبان عليَّا بس إيلين مش هتكلِّمك تاني خلاص، أصلها بتحبِّ واحد منعها من الكلام معاك، فضلت دقايق أستوعب الكلام اللي قالته لحدِّ ما قفلت الخط بعد ماقدرتش أردِّ عليها، وأنا بفتكر كلامك وهستناك ومتتأخرش، آدم أنا بحبَّك..رفعَ رأسهِ وتعمَّقَ ببنيَّتها:
-الكلمة دي كانت زي المرض الخبيث في الودان، ضحكتك وإنتِ بتقوليها مع كسوفك، ريحتك في قميصي وأنا مسافر اللي رفضت أغسله علشان كلِّ ماأشتقالك أشمُّه، خجلك لمَّا بوستك على خدِّك، دا كلُّه كان كذب، إزاي قدرتي تعملي كدا فيَّا، قعدت مع نفسي، إيه دا إزاي ماأخدتش بالي إنِّي حبِّيت عيِّلة كلمة بتودِّيها وكلمة بتجبها، كلِّمت أبوكي علشان أقطع الشكِّ باليقين، قالِّي البنتِ اتخطبت ياآدم وربنا يوفَّقك..اتخطبت، للدرجة دي قدرت تنسى حبِّي بسرعة كدا، طيِّب فين حبَّها في الطبِّ اللي كانت بتقول هذاكر علشان نبقى دكاترة زي بعض، لا مستحيل فيه حاجة غلط كلِّمت كرم وحاولت أفهم إيه اللي حصل، وقتها إنتِ كنتي معاه،
طلبت منُّه أكلِّمك إنتِ رفضتي، قولتي مش فاضية، وسمعتك وقتها بتنادي على حدِّ اسمه سمير وقولتي له هروح أشوف سمير لمَّا تخلَّص مكالمتك، اضَّيقت والدنيا اسودِّت في وشِّي، يعني أنا بفكَّر أتنازل عن الحلمِ علشان أرجع لك وإنتِ رافضة حتى تكلِّميني..
رجعَ بجسدهِ للخلفِ واستندَ على الجدارِ وتابعَ ذكرياتهِ المؤلمة، نهيت المكالمة مع كرم حتى لمَّا سألته ليه إيلين مش عايزة تكلِّمني، توَّهني عن الحديث، شكِّيت في الكلام اللي مرات أبوكي قالته، وقتها قرَّرت أكمِّل حلمي لنفسي، ودخلت المسابقة الأخيرة على أمل أتعيَّن في الجامعة، وكنت ضمنِ اتنين بس طبعًا عربي صعب ضدِّ بريطاني، في الوقتِ دا كنت متعرَّف على حنين، هيَّ أكبر منِّي بخمس سنين وكان ليها معارف كتير في الجامعة دي، وطبعًا باباها راجل له مكانة علميَّة هناك، غير أنُّه من أشهر كام عالم في مجاله، كانت بتتقرَّب منِّي بس أنا كنت رافض القرب دا، دخلت عليَّا بالحبِّ والحنان، منكرشِ انجذبت لها في وقتِ كانت جوايا حاجات كتيرة ماتت، قرَّبنا من بعض، حاولت أتقبَّلها في حياتي، لقيتها مرَّة جاية بترمي قدامي ظرف تعييني في الجامعة، وبتقولِّي مبروك..
أنا مكنتش مصدَّق، يعني اختاروني عن الشخصِ التاني إزاي، كنت فقدت الأمل، لقيتها بتقولِّي، بابا تدخَّل، وكمان أنا عندي معارف، رغم مكنشِ عاجبني الطريقة بس خلاص حصل..
زفرةٌ حارقةٌ أخرجها حينما شعرَ بأنَّها تحرقُ جوفهِ وأكمل:
-لقيت نفسي بطلبها للجواز، ووافقت على طول، ووثَّقنا عقدِ جوازنا في السفارة، بس بعد ما كتبت عليها حسِّيت إحساس غريب مش قادر أتقبَّلها في حياتي، أسلوب حياتها غير أسلوب حياتي، شرطت عليها مش هنتمِّم جوازنا غير لمَّا أنزل مصر وأعرَّف بابا، وهيَّ كانت متقبِّلة الموضوع جدًا، وفضلت حياتنا سنتين عادية، اعتدلَ ينظرُ إليها:
-عمرها ماحرَّكت مشاعري، رغم إنَّها حلوة، ولا عمري شوفت نفسي معاها، فضلت حياتنا زي ماهيّ، لحدِّ ما رجعت مصر وبابا قالِّي لازم تتجوِّز بنتِ عمِّتك علشان الوضعِ كذا وكذا، صراخك وقتها ورفضك ليَّا أكدلي إنِّك بتحبِّي حدِّ تاني، حتى لمَّا قعدت معاكي قبلِ جوازنا، حاولت أشوف في عيونك حبِّ آدم القديم مشفتش غير عيون باردة، عيون معرفهاش، فكان لازم أدوس على نفسي وقلبي وأحاول أحافظ عليكي علشان مظلمشِ قلبك معايا، لحدِّ مامريم حكت لي كلِّ حاجة قبلِ سفرها بيوم، إحنا الاتنين ظلمنا بعض، حاولت كتير أحكي لك بس إنتِ مدتنيش فرصة، كلِّ كلامك كان هجوم وبس، إنتِ ظلمتيني ياإيلين وأنا ظلمتك، بس وحياة أوَّل دقّّة حب نبضت بقلبي عمري مانسيتك، ولا عمري فكَّرت أخون حبِّك، كلِّ اللي حصل قدر، دي الحقيقة عايزة تصدَّقي براحتك مش عايزة براحتك، ودلوقتي مستقبل حبِّنا بين إيديكي، وأنا هعمل اللي إنتِ عايزاه، وفي نفسِ الوقت هكون سندك وعمري ماهتخلَّى عنِّك..
رفعَ ذقنها ومسحَ دموعها التي أغرقت وجنتيها:
-دموعك غالية وبتدبحني، إيلين من وقت ماهربتي من حضني وأنا ضايع، محستشِ باآدم ولا قلبي دق إلَّا وإنتِ في حضني، لو فعلًا عايزة تموِّتي آدم ابعدي، لو موتي هيريِّحك أنا موافق.
قالها ونهضَ من مكانهِ واتَّجهَ إلى الباب، وقامَ بفتحه، ثمَّ ألقى المفتاحَ إليها وتحرَّكَ للخارج.
بعد أسبوعٍ بالمشفى عند أرسلان، دلفَ إليهِ إسحاق، جذبَ المقعدَ وجلسَ بمقابلته، نهضت غرام من جواره:
-هروح أشوف ماما صفية..أومأ لها دون حديث:
-عامل إيه دلوقتي؟..
-كويس..أخذَ نفسًا عميقًا وطردهُ بهدوءٍ ثمَّ انحنى يمسِّدُ على رأسه:
-إنتَ عارف إنَّك قطعة من روحي..
-لا مش عارف ومش عايز أعرف، أنا دلوقتي مبقتشِ عارف أيِّ حاجة..
-أرسلان..
ظلَّت ملامحهِ متجمِّدةً إلى أن نطق:
-عايز أنام، تعبان ومش قادر أتكلِّم.
أومأ له ثمَّ نهضَ مستديرًا ليستمعَ إلى طرقاتٍ على بابِ الغرفة، يتبعهُ دخولُ فريدة وإلياس..
تقابلت نظراتُ إلياس مع إسحاق بصمت، إلى أن خرجَ من الغرفة، بينما اقتربَ إلياس يطلقُ صفيرًا:
-النهاردة الله أكبر حالتك كويسة، رسمَ ابتسامةً دون حديث، دنت فريدة منهُ ثمَّ انحنت تطبعُ قبلةً فوق جبينهِ تملِّسُ على وجهه:
-عامل إيه ياحبيبي؟..
ابتسمَ وأجابها:
-الحمدُ لله..حمحمَ إلياس وأشارَ إليها على المقعد:
-اقعدي علشان مادخويش، ثمَّ اتَّجهَ إلى أرسلان:
-مدام فريدة كانت تعبانة ورغم كدا جتلك إمبارح، أصرِّت إنَّها تشوفك بس كنت نايم.،
-متشكِّر ياستِّ الكل..لمعت عينيها ترفعها إلى إلياس الذي أشارَ إليها بالسيطرةِ على دموعها، فاقتربَ منحنيًا يستندُ على فراشه:
-الحادثة دي حصلت إزاي؟..
سحبَ بصرهِ بعيدًا عنهُ قائلًا:
-مش فاكر، محستشِ بنفسي غير والعربية بتتقلب..
-أمم..هعمل عبيط وأصدَّقك، المهمِّ لازم تفوق بسرعة علشان عندي مفاجأة هتعجبك أوي..
-مفاجاة منَّك، وتعجبني..قهقهَ إلياس يشيرُ إلى والدته:
-كدا أنا اطَّمنت عليه، لا وبيقولوا مضروب في راسه..
أفلتَ ضحكةً مما شعرَ بتألُّمهِ ليضعَ يدهِ على رأسه، هبَّت فريدة بتلهُّف:
-حبيبي راسك لسة بتوجعك؟..رفعت عينيها إلى إلياس ونطقت بنبرةٍ منزعجة:
-شوف الدكتور يجي يشوف أخوك، هوَّ سايبه كدا ليه؟..
قالتها مع أنفاسها الهادرة، ليقتربَ منها ويساعدها بالجلوس:
-حبيبتي ممكن تهدي، إحنا ماصدَّقنا الضغط اتظبط، قالها بمغذى، لتجلسَ مضطرَّةً تفركُ جبينها ومازالت أنفاسها سريعة..
جلسَ إلياس بجواره:
-الدكتور قالَّك إيه على وجع راسك، طبيعي من الحادثة، ولَّا فيه حاجة تانية، يعني عملت إشاعات وكلِّ حاجة تمام؟..قاطعهم دخولُ ملك وصفية..
توقَّفت فريدة، اقتربت منها صفية:
-إزيك يامدام فريدة..
الحمدُلله..حمدالله على سلامته وعلى سلامة فاروق بيه..
-شكرًا..قالتها واستدارت بنظرها إلى أرسلان:
-عامل إيه ياحبيبي؟..
-الحمدُلله، با..بترَ الكلمةَ وابتعدَ بنظرهِ عنها، اغروقت عيناها بالدموع، فمنذ أن أفاقَ وهو لم يتحدَّث مع أحد، انتهزت فرصةَ وجودِ فريدة وإلياس لتحدُّثِ معهُ قليلًا..
بعد فترةٍ خرجَ بجوارِ والدته، صعدَ إلى سيارته:
-هوصَّلك على بيتي، تشوفي ميرال، بقالها فترة لوحدها، مش عايز أقرَّب منها علشان متفكرشِ حاجة تانية.
زمَّت شفتيها تهزُّ رأسها باعتراضٍ تجلَّى بعينيها، وأردفت موبِّخةً إياه:
-وبعدين هتفضلوا كدا، مراتك حامل، ومحتجاك أكتر من أيِّ وقت..
-ممكن ماتدخَّليش في الموضوع دا لو سمحتي، أنا مطلبتش منها تمشي، هيَّ اللي قالت ننفصل، مش عايز أيِّ تدخُّل من حد، وياريت ماتضغطيش عليها..
أطرقت برأسها ونطقت بنبرةٍ منزعجة:
-بضيَّعوا أجمل أيام عمركم، هيَّ بتهوُّرها وإنتَ ببرودك..
أظلمت عيناهُ بأسى وأجابها بصوتٍ عميقٍ رغم مايشعرُ به:
-أنا مقصَّرتش معاها، مش عايز مراتي يكون فيها أيِّ حاجة من أهلها، لازم تكون عارفة هيَّ مين ومتجوزة مين..
-يابني البنت بتمر بظروف صعبة غير حملها، بلاش إنتَ كمان تضغط عليها..
لم تهتز عضلةٌ من ملامحه، وتحرَّكَ بالسيارةِ دون حديث، وصلَ بعد فترة،
كانت بالأعلى تعملُ على جهازها على أحدِ اللقاءاتِ التي أرسلتها صديقتها، استمعت إلى صوتِ سيارته، نهضت من مكانها تنظرُ من الشرفة، شاهدت نزولُ فريدة من السيارةِ بينما هو تحرَّكَ مغادرًا..اهتزَّ داخلها حتى شعرت برعشةٍ يتخلَّلها الحزن، لتجلسَ على مقعدها مرَّةً أخرى تحتضنُ جنينها:
-وآدي أسبوع كامل وباباك مقاطعنا، زي مايكون ماصدَّق يرمينا، تفتكر هوَّ مابقاش عايزنا، أنا تعبانة أوي ومحتاجة حضنه، استمعت إلى طرقاتِ الباب، أزالت دموعها ونهضت تقابلُ فريدة..
بمنزل راجح وخاصة بغرفة مكتبه
-شوف ياراجح، احنا صبرنا عليك، انت بقيت كارت محروق وجدًا، والشرطة عيناها عليك، لازم تنفذ اخر مهمة، دا لو عايز تعيش
توقف واتجه إلى جلوسه
-ازاي بس دلوقتي، اصبروا شوية لما الدنيا تهدى
-ولا يوم ياراجح، شوف هتعمل ايه
قالها ونهض من مكانه، ثم ألقى الصورة أمامه
-البنت دي مبقاش ينفع السكوت عليها، دي وصلت لحد مهم وانت عارف النهاية ايه، موتك قصاد موتها ..
كانت تتنصت عليهم بالخارج، ابتعدت عن الباب سريعًا، قبل أن يراها احدًا، ثم صعدت إلى غرفتها، تدور حول نفسها
-أكيد مش هيقتل بنته، لا لا، راجح ميعملهاش..دلف إليها ورسم ابتسامة
-حابسة نفسك هنا ليه، اجهزي ورانا مشوار
بمنزل إلياس
قبل قليل ترجلت من سيارته، واتجه للداخل، توقفت على رنين هاتفها
-لو عايز اقتله كنت قتلته، دي بس قرصة ودن، بنت رانيا يافريدة قصاد ولادك الاتنين، يااما دكتور في المستشفى يموت حضرة الظابط المريض…..
أشياء كثيرة
…. تغيّرت فينا ….
لا الصوت صوتنا
و لا الضحكات ضحكاتنا
ولامشاعرنا بقِيَت كما كانت
ياليتها …. ياااليتها …. بقِيَت كما كانت
غرباء
صرنا عن أنفسنا
ما عُدنا نجدُ أنفسنا فى أنفسنا
و لم يعد بامكاننا ان نلتقينا
ما أبعدَنا اليوم عنّا …….. و ما أقرَب الأمس مِنّا
وصلت فريدة إلى غرفتها،عاملة إيه حبيبة مامي..ابتلعت مرارةَ آلامها وابتسمت لوالدتها:
-كويسة حبيبة قلبي، أرسلان عامل إيه النهاردة..نزعت حجابها وجلست على الأريكةِ مصدرةً تنهيدةً عميقة:
-تعبان لسة، الحادثة كانت قوية، المهم سيبك إنتِ من أرسلان وقوليلي مش ناوية ترجعي البيت بقى، مش هينفع كدا إنتِ في مكان وجوزك في مكان..
جاهدت في إخفاءِ دموعها ورسمت ابتسامةً متَّجهةً إلى جهازها وتصنَّعت انشغالها، لتردفَ متسائلة:
-ماما عندي مؤتمر مهم أوي في شرم، إيه رأيك تكلِّمي إلياس وتقنعيه أحضره، ممكن يسمع منِّك..
توقَّفت فريدة واتَّجهت إلى جلوسها، ثمَّ انحنت تستندُ على الطاولةِ بكفَّيها تحدجها بنظراتٍ معاتبة:
-اسمعيني كويس ياميرو، مهما يحصل بينك وبين جوزك متخليش حدِّ يدخل بينكم حتى لو أنا، أنا مش عاجبني قعدتك في مكان وهوَّ في مكان، قولتي هتبعدي يومين ترتاحي، وكان حقِّك تهدي، بس دلوقتي ليه قاعدة بعيد عن جوزك، حبيبتي اللي بتعمليه غلط ..رفعت عينيها لوالدتها وجاهدت بإخفاءِ تمزُّقِ قلبها رغم ادِّعائها القوَّة إلَّا أنَّ داخلها هش، هشٌ جدًا.
-ماما أنا خايفة، خايفة من بكرة أوي، خايفة من حياتي اللي جاية، إحساس جوايا وحش، مبقتشِ عارفة أتكلِّم مع حدِّ من صحابي، تخيَّلي المقالات اللي بهاجم بيها الناس، يطلع منهم راجل بحمل دمُّه، أنا تعبانة أوي ياماما أوي،
ومش عايزة ضغط من إلياس.
-ميرال خلِّيكي كدا لحدِّ ماجوزك يزهق منِّك..
صُعقت من حديثها المؤذي الذي شقَّ قلبها، كيف لها أن تتحمَّلَ فكرةَ أن تمتلكهُ غيرها، وخزاتٌ تنخزُ قلبها من مجرَّدِ كلمات..ثواني صامتة تقاومُ غلالةَ دموعٍ أحرقت مقلتيها، لتهبَّ من مكانها متَّجهةً إلى حمَّامها دون حديث، هوت على أرضيةِ الحمَّام تمنعُ بكاءها الذي جفَّ حلقها، لقد توجَّعت أكثرُ ممَّا تستحق، أغمضت عينيها وتمنَّت موتها لا محالة..شعرت بها لتدلفَ خلفها ترفعها من فوقِ أرضيةِ الحمَّام:
-قومي وبطَّلي ضعفك دا حبيبتي، أنا خايفة عليكي، ومستحيل أتخلَّى عنِّك، وهرجع أقولِّك للمرَّة المليون ميرال إنتِ بنتي وبس، مش عايزة موضوع راجح يكسرك، وثقي إلياس عمره ماهياخدك بذنبهم..
تعاقبت الأيام واحدًا تلوَ الآخر وبدأت حالةُ أرسلان بالاستقرار، وحُدِّدَ يومَ خروجهِ من المشفى، دلفَ إسحاق إليه:
-صباح الخير حبيبي..
-صباح الخير..نطقها وهو يعتدلُ فوقِ فراشه، أمالَ يضعُ وسادةً خلفه:
-أحسن النهاردة؟..
-الحمدُلله..دلفَ شخصٌ ما.
-أهلًا بحضرتك إسحاق باشا..دقَّقَ النظرَ إليهِ ثمَّ التفتَ إلى إرسلان:
-فيه حاجة ولَّا إيه؟..
-عمُّو ممكن تسبني شوية مع عمرو، عايزه في حاجة مهمَّة.
قابلَ حديثهِ بصمتٍ دام لدقائقَ ثمَّ انحنى يهمسُ بجوارِ أذنه:
-إنتَ ابني يالا، واحترم نفسك بدل ما تشوف وشِّ إسحاق التاني، هسيبك وأروح أشوف مراتي اللي حتى مش هان عليك تسأل عنَّها..
-ليه مالها؟!..تحرَّك إسحاق إلى أن وصلَ إلى الباب:
-باباك فاق وكلِّ شوية يسأل عليك،ياريت تقوم تتمشَّى وتروح تشوفه، يابنِ فاروق..قالها وخرجَ مغلقًا الباب..


















23/2شظايا قلوب محترقه 
23 ج 2 

أشارَ إلى الرجل؛
-عملت إيه؟!..وضعَ أمامهِ بعض الصور..
-دول العيال، اللي حضرتك تخيَّلتهم، اتأكِّد كدا..
قلَّبَ الصورَ من بينِ يديه، وشردَ بيومِ حادثته، بعدما عرقلت إحدى السياراتِ طريقه، لتنقلبَ السيارةَ رأسًا على عقب، مرَّرَ أناملهِ على أحدِ الصور، محاولًا التذكُّر، ثمَّ رفعَ الصور إليه:
-عايز الواد دا، وممنوع إسحاق يعرف حاجة، اخترع أيِّ حاجة..
-تمام ياباشا، فيه أيِّ أوامر تانية؟.،
أومأ له ثمَّ أردف؛
-عايز شركة أمن موثوق فيها..قطعَ حديثهما دلوفُ ملك، فأشارَ إليهِ بالخروج..
-أرسو حبيبي عامل إيه؟..
-ابتسمَ لها، اقتربت منه، فأشارَ بيدهِ أن تبتعدَ قائلًا:
-معلش حبيبتي تعبان وخايف أعديكي،
جلست بجوارهِ تسحبُ كفَّيه، ثمَّ انحنت تقبِّلهما وانسابت دموعها:
-مستعدة آخد آلامك كلَّها بس تفوق لأختك، مش هقدر أعيش من غيرك ياأرسلان..
أطبقَ على جفنيهِ يقاومُ الرجفةَ التي تحرقُ داخله، فلقد طعنتهُ كلماتها، يودُّ أن يصرخَ من أعماقِ قلبهِ ليشعرَ به الآخرين، فلا أحد يعلمُ بأنَّهُ يبذلُ قصارى جهدهِ حتى لا يفقدَ اتِّزانهِ أمامَ الجميع، يحاولُ الكثيرَ والكثيرَ حتى لا يضعفَ أمامَ تلك العاصفة..
رفعَ ذراعهِ يجذبها بحنانِ أحضانه بعدما شهقت ببكاء:
-تعالي ياملاكي، وأنا مقدرشِ أبعد عن ملاكي الشقي، مسحت رأسها بصدرهِ وأردفت بنبرةٍ باكية:
-إنتَ مابقتشِ بتحبِّني ياأرسلان من وقتِ مااتجوِّزت، أنا حاسة إنَّك بعيد عنِّي، لو عملت حاجة تزعلَّك قولِّي وأنا واللهِ آسفة المهمِّ ماتبعدشِ عنِّي..
أخرجَ رأسها وطبعَ قبلةً فوق جبينها:
-ملوكة عمري ماأزعل منِّك ياروحي، فيه حدِّ يزعل من ملاكه برضو، المهم بابا عامل إيه؟..وماما ماشفتهاش النهاردة..
هزَّت كتفها بعدمِ معرفة وأجابته:
-أنا جيت مع غرام، هيَّ قالت لي هتشوف بابا وتيجي، وأنا جيت هنا إنتَ كنت واحشني أوي..
ابتسمَ يداعبُ وجنتيها:
-حبيبة قلبي، دلفت غرام متَّجهةً إليهما تسيرُ باستحياءٍ من نظراتهِ العاشقةِ لها:
-صباح الخير، عامل إيه دلوقتي؟..
بسطَ يديهِ إليها:
-تعالي هنا علشان أعاقبك قدَّام ملوكة، إزاي أصحى من النوم مالقكيش في حضني.
تورَّدت وجنتاها تبتعدُ بنظراتها عنه، هتفت ملك:
-أقولَّك أنا ياأبيه، غرام أنا كلَّمتها علشان ماما رفضت ترجع البيت وأنا خوفت أرجع لوحدي، فعمُّو إسحاق غصب علينا نرجع نبات وهيَّ اتكسفت تقولُّه لأ، بس طول الليل رايحة جاية عايزة تطير لعندك،
كانت نظراتهِ عليها وحدها، ليهمسَ بخفوت:
-ماهي دي غرامي ياملوكة، مينفعشِ تنام وحبيبها بعيد عنَّها..
توسَّعت عيناها ترمقهُ بنظراتٍ خجلةٍ من حديثهِ أمامَ ملك، قهقهَ عليها يشيرُ إلى ملك قائلًا:
-شوفتي اتكسفت إزاي..دلفت صفية وعينيها تحتضنه:
-صباح الخير ياحبيبي..بترَ ضحكاتهِ ثمَّ أومأ يشيرُ إلى ملك وغرام:
-سبوني مع صفية هانم شوية..
مرَّت دقائق والصمتُ سيِّدُ الغرفة، سوى من نظراتِ أرسلان إلى صفية، سحبَ نفسًا عميقًا ثمَّ نطقَ بنبرةٍ هادئةٍ رغم مايشعرُ به:
-أنا لقيط، ولَّا يتيم ولَّا..وضعت كفَّها على فمهِ وتدحرجت دموعها بكثرةٍ تغرقُ وجهها، لقد حانَ الوقتُ لتمزيقَ القلوب، فمهما مرَّت الأيامَ والسنون، إلَّا أنَّ الحقَّ سيعودُ حتمًا لأصحابه
نظرت لعينيهِ بروحٍ تأن، وقلبٍ ممزَّق:
-من خمسة وتلاتين سنة وقفت أحلام وأصرِّت على فاروق يتجوِّز ويطلَّقني، انا كنت من عيلة بسيطة أبويا موظف، أحلام محبتش ارتباطنا، فاروق كان أستاذي في الجامعة، حبِّبني في مادة القانون أوي، وكنت أقعد أتناقش معاه طول المحاضرة، طالبة أخدت أستاذها قدوة لها، أربع سنين وهوَّ بيدرَّسني، لحدِّ ما خلَّصت جامعة وعلاقتي بيه طالبة وأستاذها، لحدِّ مانتيجتي ظهرت، سمعت بابا بيقولِّي صفية الدكتور بتاعك اتَّصل بيا وباركلي وقالِّي إنِّك من العشرة الأوائل على الدفعة، فرحت أوي، طموحي اتحقَّق، وتاني يوم رحت زي ماهو اتفق مع بابا، لقيته منتظرني في مكتبه، أوَّل ما دخلت له شوفت في عيونه نظرة غير نظرة أستاذ لطالبته، ورغم كدا عدِّيت الموضوع ودخلت بقولُّه:
-حضرتك طلبتني، وقف وقالِّي وحشتيني أوي ياصفية، يوميها معرفتش أرد توهت من كلمة، قرَّب منِّي وقالي صفية أنا جبتك النهاردة مش علشان النتيجة؛ أنا جبتك علشان أقولِّك إنِّك عجباني وعايز أتجوزك.
أنا رفضت من قبلِ مايكمِّل كلامه، لأنِّي عارفة صعب أتجوِّزه، هوَّ كان من عيلة غنية أوي، وكان معاه دكاترة بيتمنُّوا منه نظرة بس، سبته ومشيت وماردِّتش، عدَّى شهرين وحالتي تدهورت وبابا زعل عليَّا علشان رفضت.. اتعيِّن في الجامعة ودا كان حلم حياتي، اضطريت أقبل علشان بابا وبس..
مجرد مانزلت شغلي لقيته اتقدملي وبابا كان فرحان، ومخبيش عليك أنا كمان فرحت بيه أوي، بس طبعًا مدام أحلام رفضت علاقتنا، والجواز عامة..
بس فاروق اتمسَّك بيَّا وأصرّ على الجواز، وأبو فاروق ساعدنا واتجوِّزنا، سنة بعد سنة وأحلام بضيَّق عليَّا لحدِّ مامر تلات سنين على جوازنا ومفيش ولاد، روحت كشفت وكانت هنا الصدمة اللي حرقت قلبي، لمَّا الدكتور قالِّي فيه ورم في الرحم ولازم يتشال، حياتي هنا انهارت وطلبت الطلاق من والدك، في الوقتِ دا أحلام اطلَّقت من عمِّي وسافرت مع جوزها الجديد، فاروق رفض الطلاق، وقال دا مكتوب علينا، كفاية أنا مبسوط معاكي، وعندي إسحاق بعتبره ابني مش أخويا، عدَّى اول خمس سنين بجوازنا وحياتنا إلى حدٍ ما هادية بس جوايا نار ومش قادرة أتكلِّم، رجعت أحلام بعد وفاة عمِّي وطبعاًا خمس سنين جواز ومفيش ولاد اتجنِّنت وأمرت فاروق بطلاقي هيَّ أصلًا مكنتش متقبلاني، لحدِّ مافي يوم فاروق دخل عليَّا بطفل صغنن، ومش مبطَّل عياط، حطَّك في حضني وقالِّي:
شوفتي ربنا بعتلنا إيه، دا دليل إنِّك قدري ومستحيل أطلَّقك أو أبعد عنِّك، انسي ياصفية، ولو وصلت أتنازل عن كلِّ أملاكي، انا فكرت في حل هيرضي الكل، والولد دا بشارة خير، هو كان بيفكر يتبنى طفل اصلا، قالي ياله اجهزي هنسافر، محستش بأيِّ حاجة غير قلبي اللي كان بعيَّط على عياطك، ضمِّيتك لحضني، وقومت عملت لك ميَّة وسكر، كنت جعان أوي، لهفتك على الميَّة في الوقتِ دا بكَّاني، ضمِّيتك لصدري وبكيت أوي أوي ياأرسلان، لقيت فاروق بعد شوية داخل عليَّا بعلبة لبن وبيقولِّي
صفية أكِّلي ابنك، كرَّرت الكلمة ابني، اتجنِّنت من الكلمة، وقولت له بس دا ممكن يكون مخطوف..
رد عليَّا وقالي مهما كان، أنا هتابع لو لقينا حدِّ سأل عليه صدَّقيني هرجَّعه، المهم دلوقتي لازم نسافر قبلِ ماأمي ترجع من شرم، مرَّت شهور وفاروق بيراقب كلِّ مراكز الشرطة على أساس حدِّ يسأل عنَّك، مفيش حد، لحدِّ سنة..كمِّلت سنة وفاروق كتبك بعدها باسمه، ونزلنا مصر على اني عملت حقن مجهري برة وخلفت، وكان في الوقت دا عملت استئصال رحم كمان، علشان فضلت فترة اتعالج دون عملية ومنجحتش للأسف
-يعني أنا ماليش نسب، مش معروف ابنِ مين..قاطعهم دلوفُ تمارا ووالدتها..
عند إلياس:
خرجَ من عملهِ متَّجهًا إلى منزله، وصلَ إلى المنزلِ ثمَّ رفعَ هاتفه:
-انزلي تحت أنا مستنيكي علشان نروح للدكتور..
وصلت إليه بعد فترةٍ قليلة، صعدت السيارةَ بجواره، التفتت إليه:
-ليه الدكتور النهاردة مش ميعادنا بعد يومين؟..
تحرَّكَ بالسيارةِ قائلًا:
-مش هكون موجود، أومأت دون حديث تنظرُ أمامها بصمت، تمنَّت أن يجذبها لأحضانهِ اشتياقًا، فلقد غمرت رائحته رئتيها، حاولت الصمود أمامه ولكن كيف الصمود بحضرته، وضعت رأسها على نافذة السيارة تنظر للخارج حتى تنشغل عنه..بعد عدَّةِ ساعاتٍ عادت إلى منزلها، ترجَّلت من السيارةِ تطالعهُ منتظرةً نزوله، أشارَ إليها بالدخولِ مع رنينِ هاتفه، اكتفت بتنهيدةٍ مرتجفةٍ أخرجتها بكمِّ اشتياقها إليه..خطت للداخلِ والحزنُ واضحًا بعينيها، لقد أُضرمت نيرانُ الاشتياق وفقدت الصمود، لتنهارَ قلعتها أمام حصونهِ المهلكة، وتلتفَّ متراجعةً إلى وقوفه..ظلَّّت متوقفةً إلى أن أنهى مكالمته..
رفعَ عينيهِ منتظرًا حديثها:
-انزل بات معايا الليلة حاسة إنِّي تعبانة.
طالعها بإيماءةٍ بسيطة، وعيونٍ ممزوجةٍ بالعتاب، كتمت سعادتها من موافقته، وهربت من أمامه، بعد فترةٍ جلست بمقابلتهِ تتناولُ طعامها بصمت، قطعت الصمتَ متسائلة:
-هتقول لأرسلان إمتى إنَّك أخوه؟..
مضغَ طعامهِ بهدوء، ثمَّ أجابها:
-لمَّا يفوق من الحادثة، أنا اتكلِّمت مع الدكتور، رفض علشان ألم دماغه، ممكن الصدمة تأثَّر عليه وخصوصًا لسة خارج من عملية كبيرة ..
أومأت موافقة:
-أنا فعلًا كنت شايفة دا حلّ كويس، وخصوصًا أنُّه مسألشِ في حاجة زي ماإسحاق قال..
أنهت طعامها لتتوقَّفَ قائلة:
-شبعت إيه رأيك نقعد شوية في الجنينة برَّة..
-اطلعي ارتاحي، أنا عندي شغل مش فاضي، لو عايزة تقعدي برَّة خدي هناء معاكي.
-لا هطلع أرتاح..قالتها وتحركت تضغط على شفتيها حتى لا تبكي
بعد فترةٍ صعدَ إلى غرفتهِ التفت إلى غرفتها ينظرُ إليها لدقائق، ثمَّ ساقتهُ قدميهِ إليها، فتحَ البابَ ودلفَ للداخلِ وجدها مستغرقةً بنومها وهي جالسةً وبيديها كتاب، سحبهُ من بين يديها قرأ عنوانه”كيف تكونين أمٍّ ناجحة”
أعدلَ نومها ودثَّرها يمسِّدُ على خصلاتها ثمَّ طبعَ قبلةً حنونةً فوق جبينها، فتحت عينيها:
-إلياس ..
جلسَ بجوارها يطالعها بنظراتٍ بعثت قشعريرةً لجسدها، نظراتهِ تضعفُ ثباتها، تريدهُ فقط، أغمضت عينيها مرَّةً أخرى هروبًا من تسلُّطه، فكيف تشكو منهُ إليه..
-جيت أطِّمن عليكي قبلِ ما أنام محتاجة حاجة؟..رفرفت بأهدابها تهزُّ رأسها بالإيجاب، فليس من السهلِ أن تقتلَ ذاك الخفقَ الذي يخصُّه، جذبت كفَّيهِ ونطقت بنبرةٍ مترجيَّة:
-عايزة أنام في حضنك..حاصرها بنظراتهِ لفترةٍ فكانت هادئةً على غيرِ عادتها، نظراتها المستعطفة، ونبرةُ الألمِ التي شعرَ بها بصوتها جعله يومئ موافقًا..تمدَّدَ بجوارها يضعُ كفَّيهِ تحت رأسهِ ينظرُ لسقفِ الغرفةِ بصمت، متذكِّرًا حديثَ فريدة عن اتصالِ راجح وتهديدهِ لها، أغمضَ عيناهُ وعقلهِ يعملُ بكافَّةِ الأرجاء، التفتت تنظرُ إلى سكونه، ظنَّت أنَّهُ غفا، فاقتربت منه
والتصقت به تضعُ رأسها على صدره، وجذبت ذراعيهِ من تحت رأسهِ بهدوء، تلفُّها حول جسدها، شعرَ بها، فاستدارَ معتدلًا يجذبها إليهِ بقوَّة، دافنًا رأسهِ بعنقها..ارتجفَ جسدها من قوَّةِ المشاعرِ التي أحسَّت بها، حتى لاحت ابتسامةٌ على وجهها، مطبقةَ الجفنينِ تحمدُ اللهَ بسريرتها على رجوعه..
رفعت رأسها بعدما وجدت صمته، وملَّست على وجههِ بعشق، فتحَ عينيهِ لتحتضنَ العيونُ بعضها البعض بصمتٍ لفترةٍ من الزمن، مما جعلها ترفعُ أناملها وتحرِّكها على وجهه، مقتربةً منهُ تدفنُ رأسها بعنقهِ تهمسُ بخفوت:
-وحشتني أوي..
حاولَ السيطرةَ على دقَّاتِ قلبهِ العنيفة، يقسمُ أنَّها اخترقت ضلوعهِ من قربها فقط، ورغم ذلك نطقَ قائلًا:
-وحشتك إزاي وإنتِ عايزة تنفصلي، ولَّا مفكَّراني ضعيف وبتحاولي تتنازلي علشان ظروفي؟..اعتدلَ جالسًا والتفتَ يجذبُ سجائره وأشعلَ واحدة منها، مبتعدًا بنظراتهِ عنها واستأنفَ حديثه:
-أنا موافقتش أبات هنا إلَّا لمَّا إنتِ طلبتي دا، وكمان لقيتها فرصة كويسة أبعد عن عيون أمِّي الحزينة وبس، مش قادر أبص في عيونها بعد اللي حصل لأرسلان، وإصرارها أنُّه يعرف في أقرب وقت..قالها ونهضَ من مكانه..بينما هي تجمَّدَ جسدها وشحبت روحها تتمتمُ بخفوت:
-إنتَ شايف بعمل كدا علشان حاجة..توقَّفَ ينظرُ للخارجِ من النافذة
ونطقَ بنبرةٍ غلبَ عليها قسوته:
-مش مهم أنا شايف إنتِ بتعملي كدا ليه، المهم إنتِ قولتي إيه علشان تيجي هنا، ويوم ماروحتي المستشفى طلبت منِّك ترجعي البيت علشان راجح معرفشِ ناوي يعمل إيه، لكن إنتِ أصرِّيتي تيجي هنا، ولسة مصرَّة على الانفصال، التفتَ يطالعها بنظراتٍ توحي الكثير، واستطردَ بإبانة:
-مش أنا اللي مراتي كلِّ شوية تهدِّدني بالطلاق، خطا إليها بخطواتٍ متمهِّلة، وعينيهِ تحاصرُ عيناها إلى أن اقترب من جلوسها، ونطقَ بنبرةٍ هادئةٍ رغم مايشعرُ به:
-أنا بحبِّك أه، ويمكن بحبِّك أوي كمان، بس أسلوبك يموِّت أيِّ حبّ جوايا، الراجل لو الستِّ داست على رجولته أو كرامته يدوس عليها حتى لو روحه فيها..
كانت تستمعُ إليهِ وشعورُ الألمِ والتخبُّطِ يسيطرُ عليها، لتتوقَّفَ متَّجهةً إلى وقوفه:
-إيه اللي بتقوله دا، أنا دوست على رجولتك وكرامتك؟!..
-ميرال أنا مش كلِّ مرَّة هقعد أعلِّم فيكي، وأقولِّك إنِّك كبيرة ومش صغيرة لتهوِّرك، أشارَ إلى المنزلِ وأردفَ بحدِّة:
-عايز أعرف ورا وجودك في البيت دا إيه، ليه جاية هنا لو إنتِ فعلًا بتحبِّيني وعايزة نكمِّل حياتنا، دنا حتى اختلطت أنفاسهما وتابع:
-قولتي هننفصل بعد الولادة ولَّا لأ، قولتي مش قادرة تعيشي مع أسلوبي ولَّا لأ..إنتِ كمان مبقتيش تهمِّيني، عايزة تطلَّقي بعد الولادة عيوني، هو أنا أقدر أزعَّلك، دا إنتِ الوحيدة اللي من غبائي بضعف قدَّامها وبرجع في كلامي..
بسطت كفَّيها واحتضنت كفَّيهِ مع دموعِ عيناها:
-خايفة ياالياس، خايفة في يوم تعايرني بأمُّي وأبويا
صرخةٌ جنونيةٌ بوجهها وهو يطبقُ على أكتافها:
-أبوكي وأمِّك أحسن ناس في الدنيا، إنتِ بنتِ فريدة وبس، وأبوكي جمال الدين، زي ماطول حياتك عايشة بيه، الناس التانية دي منعرفهاش، وحذَّرتك قبلِ كدا مش عايزك تربطي علاقتك بحدِّ غيري وبس.
-ابتلعت غصَّةً مؤلمةً وتسرَّبَ بداخلها ألمٌ يمزِّقُ جسدها هاتفة:
-بس أنا بنتهم، متكذبشِ على نفسك زي ماإنتَ يوسف جمال أنا ميرال راجح..
حروفٌ بسيطةٌ كانت كوقودٍ ناريةٍ أشعلت فتيلَ غضبه، ليجذبها بقوَّةٍ متناسيًا حملها:
-إنتِ هتفضلي ميرال جمال الدين، وأنا هفضل إلياس السيوفي، غير كدا مسمعشِ صوتك، سمعتيني، واحمدي ربِّنا إنِّك حامل..
تآذرت آلامها تهزُّ رأسها رافضة حديثه، بدموعٍ تزحفُ على وجنتيها:
-دا اللي خايفة منُّه، أفضل في نظرك بنتِ المجرم اللي خلَّاك إلياس السيوفي..
ميرال اخرسي، أنا مش ناقص..تعالت شهقاتها متراجعةً للفراشِ وهي تحتضنُ بطنها متألِّمةً عاجزةً عن وصفِ الألمِ الذي يحرقها، هوت على الفراشِ وتمدَّدت تواليهِ ظهرها تبكي بصمت.
جلسَ حاملًا خوفهِ عليها بداخله، انحنى يجذبها إليه:
-ممكن أعرف إنتِ عايزة إيه بالظبط؟.. ميرال أنا تعبان متشيلينيش فوق طاقتي..
التمعت مقلتيها بوميضِ الأسف وردَّت:
-آسفة ياإلياس، أنا عارفة إنَّك شايل فوق طاقتك، بس أنا محتجاك أوي خايفة ياإلياس، خايفة من كلِّ حاجة.
جذبها وأجلسها بأحضانهِ بعدما شعرَ بالأسى والعطفِ عليها:
-خايفة من إيه بس، رفعَ شعرها من فوق عينيها وتعمَّقَ بهما:
-خايفة وأنا جنبك، خايفة وأنا جوزك، إنتِ كدا بتعترفي إنِّي مش راجل..
هزَّت رأسها بالنفي واقتربت تدفنُ رأسها بصدره:
-خايفة أتحرم منَّك ومن ماما فريدة، إحنا في موقف ضعف ياإلياس متنكرشِ دا، هوَّ قالِّي ممكن أبلَّغ في فريدة وأعملَّها قضية..
أخرجها من أحضانهِ يحتوي وجهها بين راحتيه:
-ولا حد يقدر يقرَّب منِّك سمعاني، ولا من أمي، هوَّ اللي يخاف، هوَّ وبس، اصبري بس موضوع أرسلان يعدِّي على خير وبعدها هعرَّفك هعمل فيه إيه، المهم أطَّمن على أرسلان، الدكتور بيقول الحادثة كانت قوية ودماغه متأثَّرة جدًا، وكويس أنُّه مفقدشِ الذاكرة، بس خايف يحصل نزيف داخلي، علشان كدا مش عايز أقولُّه حاجة دلوقتي لازم يتعافى كويس، ونرجع نعمل فحوصات تانية..وضعَ كفَّيهِ على أحشائها واستأنفَ حديثه:
-المهمّ إنِّك تفكَّري في ابننا وبس، ومالكيش دعوة براجح ولا كأنُّه عدَّى عليكي أصلًا، تمام؟..
-تمام ..قالتها بنبرةٍ هادئةٍ وعيونٍ لامعةٍ بالعشق، لتقضي على كلِّ خليةِ صبرٍ لديه، قربها إليه يحتضنَ كرزيتها بينَ خاصَّتهِ يعزفُ لحنهِ الأثيرَ لها وحدها، طالت القبلةُ لتصلَ لمشاعرَ أخرى، لتخبرها عن العشقِ المتغلغلِ بأركانِ قلبه، وهي بداخل حضنهِ وهو يتجرَّعُ من عسلها المذاب، لتهيجَ الروحُ وتصدرُ ألحانًا تخصُّها وحدها، مرَّ وقتٌ لم يشعر بما يدارُ حولهما..
بعد فترةٍ دلفت إليهِ تحملُ كوبينِ من الشاي الأخضر، وضعتهما على طاولةٍ دائريةٍ قائلة:
-عملت لك شاي أخضر، كفاية قهوة طول اليوم..بسطَ كفَّيهِ إليها، احتضنت كفَّيهِ ليجذبها إليه تجلسُ بأحضانه، ثمَّ قامَ بتشغيلِ إحدى المقطوعاتِ الموسيقيةِ لقيصرِ الغناءِ العربي..
تراجعت بجسدها عليه تلفُّ ذراعيهِ حولها:
-لسة بتحبِّ كاظم..
-أمم، مطرب المرأة ..قالها ببساطة، اعتدلت ترفعُ رأسها إليه:
-أنهي إمرأة ياسيِّدِ النساء؟..ابتسمَ لها ابتسامةً لعوب ثمَّ داعبَ أنفها بسبابته:
-أنا سيِّد امرأة واحدة بس ياميرو..استدارت إليهِ بكامل جسدها :
-هتفضل معايا كدا دائمًا ياإلياس، مش هتتغير أبدًا؟..
أدركَ ما تشعرُ به، لينحني يقطفُ قبلةً من ثغرها ثمَّ تراجعَ برأسهِ ينظرُ لوجهها:
-إنتِ مراتي ياميرال، عارفة يعني إيه مراتي؟..
-بس أنا مش عايزة أكون مراتك بس..
ضمَّ رأسها إلى صدره وتمتم :
-كلِّ حاجة صدَّقيني، إنتِ لإلياس كلِّ حاجة..أغمضت عينيها تستمتعُ لحديثه، الذي جعلَ قلبها معزوفةً موسيقيةً لتهمسَ له:
-وإنتَ أغلى من روحي والله، ولمَّا طلبت آجي هنا علشان ماحسش إنِّي بقيت عبء عليك، بتنفِّس حبًَك ياإلياس، إزاي أقدر أبعد عنَّك..
ضمَّها بقوةٍ لأحضانه، وبركانِ أشواقهِ وعشقهِ إليها يزداد، لا يعلمُ ماذا به اليوم، هل حديثُ فريدة أخافهُ بابتعادها عنه، أم أنَّ عشقهِ إليها هو الذي يحرِّكه..
استمعَ إلى رنينِ هاتفه:
-أيوة يارؤى..
-إلياس هترجع إمتى، استنيتك ومرجعتش..ابتعدت عن أحضانهِ غاضبة، ابتسمَ وتابعَ حديثهِ إلى رؤى:
-أنا مش هرجع، لأنِّي في بيتي مع مراتي، عرَّفي ماما علشان ماتقلقش..
-إنتَ عند ميرال، انحنى يجذها ويرجعها إلى أحضانهِ مرةً أخرى:
-لا ..قصدك أنا في ببيتي، قالها وأغلقَ الهاتفَ يهمسُ لها:
“ومراتي في حضني”
داعبت وجههِ بأناملها متمتمة:
-معقول إنتَ إلياس..أوعى أكون بحلم وتصحِّيني على كابوس..بترَ حديثها بطريقتهِ للحظاتٍ ثم ابتعد عنها:
-طيب بما أنُّه أنا راجل شرقي ومن حقِّي مراتي ترقصلي، وكمان بدلة رقص مش عايز أشوف فيها حتة قماشة ملمومة، توسعت عيناها وفتحت فاهها للردِّ إلَّا أنَّه استأنف، أنا بس سمعت مشفتش لسة بيقولوا بتطلع فوق التربيزات وبتلبس في إيدها بتاع بيشخلع، وفي رجليها بتاع بيرُن، فأنا قرَّرت أشوف مش أسمع..
لكمتهُ بصدرهِ تطلقُ ضحكاتٍ ناعمة، زلزلت قلبهِ ليضمُّها متراجعًا على الشيزلونج وهي بجانبه:
-طيب تنكري، واللهِ كنت عايز أحط الكلبشات في رجلك يوميها..
تمسَّحت بصدرهِ كقطةٍ أليفة تضحك:
-بس بقى علشان وقتها كنت هقع من فوق الترابيزة..
رفعَ ذقنها ينظرُ لعينيها متمتمًا:
-كنتي بضيِّقيني صح؟..أومأت بالإيجاب تضحكُ قائلة:
-الصراحة فرستني والبتِّ غادة دي مجنونة، وقاومتني عليك وحمَّستني أوي..
-طيب ماتقومي كدا وأنا أحمِّسك أكتر من غادة..
جحظت عيناها تطالعهُ بذهول، ثمَّ أشارت عليه:
-إيه دا إلياس والرقص، لا لا..اعتدلت جالسهً ترفعُ يديها:
-افرحي ياميرال وارقصي ياطيور، ونوَّري يانجوم، إلياس السيوفي بيقولِّي ارقصي..
ارتفعت ضحكاتهِ الرجوليةِ لتصدحَ بالمكانِ يداعبُ شعرها:
-واللهِ أنا ليَّا الجنة منِّك يابنت..اعتدلت على ركبتيها:
-يابنتِ إيه، كمِّل..
زوى مابين حاجبيهِ وتصنع التفكير ومازالت ضحكاتهِ ترتسمُ على وجهه، ثمَّ اقتربَ منها:
-بنتِ قلبي وعصفورة روحي ياسيَّدةِ النساء.
قالها وانحنى يحملها متَّجهًا إلى نعيمِ جنتهم..
بعد اسبوعٍ آخر
بغرفة دينا بالمشفى، فاقت من غيبوبتها بعد دوام شهرٍ، امال بجسده يمسد على شعرها
-حمد الله على السلامة
وضعت كفيها على بطنها تهمس بضعف
-ابني..طبع قبلة فوق جبينها
-ابننا كويس، شوية هيجبوه..تراجع بعد دلوف صفية
-حمد الله على السلامة يادينا ..اجابتها بضعف
-الله يسلمك..أشار إلى صفية
-خليكي معاها هشوف الدكتور، وراجع
خرج متجهًا إلى فاروق، اقترب منه
-عامل ايه دلوقتي
-فين ارسلان يااسحاق، انا مش هدخل عمليات غير لما اشوف ارسلان .
-فاروق سيبه شوية، اللي مر بيه مش سهل، هيرجع لوحده صدقني، المهم دلوقتي تفكر في صحتك، ارسلان خرج الصبح، كان المفروض يخرج من اسبوع بس أنا رفضت علشان اطمن اكتر
امسك يد اسحاق
-لو مخرجتش من العملية، وصيتي لازم تتنفذ يااسحاق، سمعتني، هنتقابل يوم القيامة واسألك عليها، ملك أمانة عندك، وخلي ارسلان يسامحني
انحنى يقبل رأسه
-هتخرج بالسلامة يافاروق، ومفيش وصية سمعتني، وبنتك انت اللي هتجوزها للي يستاهلها، فكر بس بصحتك
-بفيلا السيوفي
وضع أمامها صندوقًا، يشير إليها
-افتحيه..قامت بفتحه بهدوء، لتستخرج منه بعض الأوراق والصور، اتجهت ببصرها لإلياس، الذي اومئ لها بعينيه
-جبت الحاجات دي منين يامصطفى
-دا ورق بيتك يافريدة، وصورك انت وجوزك وابنك، كل حاجة كانت متعلقة بجمال الله يرحمه، انا رجعتها من زمان، بس مردتش أقولك علشان متسبنيش، بس حافظت عليهم وكنت ناوي اعرفك قبل مااواجه رب كريم
-اسكت يامصطفى، متجبش سيرة الموت..ربت على كفيها ثم نهض من مكانه
-إلياس هيروح دلوقتي لأخوه، انا اتكلمت مع إسحاق، مش عايز حد يتحامل على اسحاق، اكتشفت ارسلان عندهم زي ماإلياس عندي..اتجه بنظره الى إلياس
-أنا مستحيل أتنازل عنك، وزي ماقولتها لغادة الله يرحمها، الولد ابني لحد مااموت، اقترب منه وربط على أكتافه
-أنا ربيته علشان يشلني لما أكبر، مش علشان ينكر وجودي صح ياالياس
ابتسم يحضنه قائلًا:
-وأنا وعدتك قبل كدا يابابا، هفضل ابنك لحد مااموت، بس ابويا له حق عليا اخد حقه
ضمه بحنان ابوي وتمتم
-وأنا في ضهرك ياروح بابا، وحياة كلمة بابا اللي اول مرة اسمعها كانت منك، مستعد احرق اللي يقرب منكوا حتى لو التمن حياتي
اقتربت فريدة تدفن نفسها بأحضانه
-إنت احسن عوض بعد صبري يامصطفى ربنا ما يحرمنا منك يارب ياابو إلياس
لمعت عيناه بالسعادة ليحتضن وجهها ويطبع قبلة مطولة فوق جبينها
-ولا منك يانَانَا فريدة
حمحم إلياس متراجعًا للمقعد
-عايز أعرف ليه خبيتوا عليا أن رؤى اخت ميرال، وليه ماقولتيش لحد دلوقتي لميرال، ورؤى بنت مين بالظبط، بنت رانيا
-لا ..اخت طارق، ويزن السوهاجي
هب من مكانه يطالعها بذهول
-المهندس ..اومأت له
-يزن أخو ميرال ورؤى بس مفيش حد منهم يعرف..التفت مصطفى إليه
-دلوقتي الموضوع بقى اصعب من الاول ياالياس، لأن راجح مفكر ميرال مش بنته، غير حملة المقالات اللي ميرال بتشنها على الإرهابيين، انا بقول تكلمها بهدوء خليها تبعد شوية عن الحملة دي علشان مش يأذوها
اومأ له وخطى للخارج وهو يهتف
-هي اصلا هتاخد إجازة النهاردة، كانت منتظرة تخلص الشهر الخامس من الحمل..توقف واستدار إليهما
-هروح لأرسلان، بس طبعًا مش هقوله كل حاجة مرة واحدة
بالمشفى بألمانيا
ارتفعت صفارات الانذار لتعلن عن توقف القلب، هرول الأطباء إلى غرفة المريض، ليخرج أحدهم بعد قليل معلنا عن وفاة المريض، لتدور بها الأرض وتهوى فاقدة الوعي
عند إلياس
صعد إلى سيارته وقام بمهاتفها
-عصفورتي بتعمل ايه، توقفت مبتعدة عن الجمع، ودلفت إلى غرفة مكتبها تغلقها خلفها
-عصفورتك جعانة اوي، معرفش فيه ايه..أفلت ضحكة مرتفعة
-يابنتي مفيش حاجة وراكي غير الأكل
تذمرت تمط شفتيها للأمام
-كدا ياالياس بتسكتر عليا الأكل ..نظر إلى السيارة التي تراقبه، فتوقف على جانب الطريق قائلًا
-لا ياحبيبي، بس خايف عليكي ياعصفورتي، وبعد كدا معرفش احبسك
-لا متخافش هتعرف تحبسني، ماهو انت مفتري ياروحي..قهقه عليها ورفع نظارته ينظر بالمرآة
-خلصي شغل وعاملك مفاجأة هتخليكي متبعديش عن حضني طول الليل..ابتسمت ونطقت بحبور تجلى بنبرتها
-اوكيه، ساعة بالكتير وأكون في البيت
بمنزلِ أرسلان، جلس فوق فراشه، يدقق النظر بزوجته الغافية بأحضانه، خلل أنامله بشعرها، وتنهيدة عميقة أخرجها على مراحل يهمس لنفسه
-حياتي كلها اتهدت، ياترى لما تعرفي هتعملي ايه، فتحت عيناها وابتسمت قائلة
-نمت كتير..نظر بساعته يشير لها بالنفي
-مش أوي، المهم عايز اتكلم معاكي في موضوع مهم، اتعدلي وصحصحي معايا علشان الموضوع مابقاش ينفع اسكت عليه ..تراجعت بجسدها وبعينان متلهفة انتظرت حديثه، احتضن كفيها واردف:
– عارفة انا بحبك قد ايه، اومأت ومازالت تتابعه بعيناها منتظرة حديثه، رفع كفيها وقبل كل واحدٕ على حدة قائلًا:
-علشان كدا لازم ننفصل، فزعت منتفضة من حديثه، مع طرقات على باب المنزل، نهضت من مكانها على صوت الجرسِ، فتحت الباب:
-أهلًا حضرة الظابط، قالتها وبعيونًا متلألئة بالدموع..أومأ لها ثمَّ تساءل:
-أرسلان موجود؟..أشارت إليهِ بالدخول:
-جوا ..اتفضل !!
خرجَ إليهِ بعد قليل، نهضَ من مكانهِ يصافحهُ بحنان:
-عامل إيه النهاردة؟..
-كويس الحمدُلله، أقعد، تشرب إيه؟..
أشارَ إليه:
-لا مش عايز حاجة، أنا جاي لك في موضوع مهم ولازم تكون هادي وتسمعني للآخر..
-خير ليه بتخوِّفني..قاطعهم صوتُ هاتفه:
-الولد جبته ياأرسلان باشا، طلع شغَّال مع راجح الشافعي.
عندَ ميرال استمعت هناء إلى هاتفها فهرولت إلى ميرال:
-مدام ميرال لازم أمشي، عرَّفي الباشا، شقتنا ولَّعت وأخويا الصغير فيها وأمُّي مش موجودة
أومأت لها بالمغادرةِ قائلة:
-طيب يبقى طمِّنيني..تحرَّكت سريعًا، فاتَّجهت إلى مكتبها، وجمعت بعض الصورِ التي قامت المحرِّرة بالتقاطها، ثمَّ اتًَّجهت إلى المكتبِ لتستأنفَ عملها، استمعت إلى طرقاتٍ على بابِ المكتبِ لتسمحَ بالدخول، كانت تنظرُ بشاشةِ جهازها، لتغلقهُ بعد أن استمعت إلى صوته:
“إنتِ مش بنتي من الآخر إنتِ بنت حرام، شوفي بقى ممكن أعمل فيكي إيه، بعد اللي عملته في اللي من دمِّي، نزل ببصرهِ على بطنها، وتابعت بنبرةٍ جحيمية:
-هتعملي اللي هقولِّك عليه، ولَّا اللي معملتوش قبلِ كدا هعمله حالًا، وقبل ماتحاولي الأمنِ كلُّه بح تحت، وجوزك عند أخوه، اللي بعد دقايق الشقة هتولَّع بيهم فخلِّيكي حكيمة زي أمِّك كدا واسمعيني..
أخرج سلاحهِ وأشار إليها:
-اتِّصلي بجوزك، واعملي اللي هقولِّك 
تعليقات



<>