رواية شظايا قلوب محترقه
الفصل الرابع عشر14
بقلم سيلا وليد
توقَّفَ وهو يضمُّ ذراعيهِ واقتربَ منها يجذبُ كفَّها:
تعالي لازم نتكلِّم..سحبت كفَّها وجلست مبتعدةً عنه:
سمعاك..جذبَ سيجارتهِ وقامَ بإشعالها ينفثُها بهدوئهِ المعتاد:
الجواز اللي لُه مدَّة محدَّدة باطل، أو محرَّم، علشان كدا يابنتِ الناس أنا سحبت كلمتي واعتبريني ماقولتش حاجة..عايز جوازنا يبقى عادي يعني..
التفتت إليهِ منتظرةً تكملةِ حديثه:
بصي يا غرام أنا مابحبِّش اللف والدوران، راجل دُغري، منكرشِ إنِّك جذبتيني ..تورَّدت وجنتيها، ابتسمَ على براءتها وتابعَ حديثه:
قبل ماتقولي حاجة نجرَّب جوازنا ونشوف هينجح ولَّا لأ، وأنا لسة عند وعدي، مش هقرَّب منِّك غير بأذنِك..
ابتعدت بنظرِها عنه..
توقَّفَ من مكانهِ وجلسَ بجوارها:
أنا قدَّامِك أهو واللي عايزة تسألي فيه وعد هجاوبَك…
اتَّجهت إليهِ متسائلة:
إنتَ اتجوِّزت كام مرة؟..
نفثَ سيجارتهِ وثبَّتَ نظراتهِ على حركاتِ جسدها متمتمًا:
هتفرق لو قولتلِك..
أكيد ..سحبت نفسًا مستطردة:
معرفشِ إيه الحكمة في مقابلتنا أو جوازنا، بس متأكدة إنِّ ربنا له حكمة في كدا بالخير، علشان كدا عايزة أعرف كلِّ حاجة عنَّك، وأولها إحنا بنعمل إيه هنا؟..
بنقضي شهر العسل..
أرسلاااااان..هتفت بها بنبرةٍ منزعجة..
ضحكَ قائلًا:
أحلى أرسلان في الدنيا أسمعها..
هزَّت رأسها تضحكُ عليه:
بتعرَف تغيَّر مود الواحد..
بجد، يعني يجي منِّي …قطبت جبينها:
يعني إيه …انحنى بجسدهِ واقتربَ منها غامزًا:
يعني هعرف أصالحِك لمَّا أضايقِك..
ابتعدت برأسها عنه:
إنتَ مشكلة والله
– حلِّيها..
-أحلِّ إيه !!..أفلتَ ضحكةً مرتفعةً وتوقَّف:
لا خام خام يعني …توقَّفت متذمرةً من ردِّة فعله:
بتضحك على إيه ..توقّّفَ عن ضحكاتهِ يشيرُ بيديه:
خلاص خلاص..خطت للخارجِ تسبُّه، خرجَ خلفها يجذبُ ذراعها:
استنى يابنتي، ماتبقيش قفوشة..
دفعتهُ بقوَّةٍ بذراعهِ المجروح ، ليغلقَ عينيهِ من الألمِ شعرت بهِ فاقتربت متأسفة:
آسفة والله مقصُدش..أشارَ بيديه:
خلاص حصل خير، قالها وهو يضمُّ ذراعهِ مبتعدًا إلى الأريكة، تحرَّكت خلفهِ وجلست بجوارهِ بعدما أحضرت لهُ بعضَ الأدويةِ التي تُوضعُ على الجرح ..فكَّت رباطه، وأزاحت مايُضَّمدُ به..شهقةً خرجت من فمها بعدما رأته متسائلة:
-من إيه دا..؟!
تراجعَ برأسهِ يستندُ على الأريكةِ وهي ترفعُ ذراعهِ لتضعَ بعضَ الأدوية عليه،
أطبقَ على جفنيهِ بقوَّةٍ وكأنَّ هذه الطعنة مزَّقت عظامَ ذراعه..
ملَّست على الجرحِ بحنانٍ ونظرت إليهِ بأسى:
-بيوجَعك أوي صح ..هزَّ رأسهِ دونَ حديث:
آسفة..تمتمت بها بخفوتٍ وتجلَّى على ملامحها الحزن..
أشارَ إليها للجانبِ الآخر:
تعالي هنا، نهضت ظنًا أنَّهُ يريدها بأمرٍ ما، تفاجأت يجذبُ رأسها يضمُّها تحت ذراعه:
أنا متجوزتش قبل كدا، وجوزاي منِّك كان ضروري علشان أعرف أدخل المبنى دا، دي أسرار مينفعشِ أتكلِّم فيها، وطبعًا مينفعشِ أتجوِّز أي حد، وكمان مش من طبعي أرافق أيِّ بنت عندي حدود ربنا في الأوِّل ..ثانيًا عمِّي اللي رشَّحِك من بعد أوِّل مرَّة اتقابلنا فيها وهوَّ اللي يعرف عنِّك أكتر منِّي، وواثق فيكي جدًا، معرفشِ على أساس إيه خلاني آخد الخطوة دي، حقيقي اتجوزتِِك علشان كدا، وماليش أي علاقات تانية، وبعد جوازنا سمعت بالُصدفة إن الجواز المشروط حرام..كدا كدا أنا خلَّصت مهمتي، وممكن ترجعي لحياتِك، بس انا ميرضنيش حدِّ يتكلِّم عليكي وخاصةً الكل عرف في شُغلك إنِّك اتجوزتي، غير طبعًا أهلِك..
كانت تستمعُ إليهِ ولا تعلم ماذا يقول، كل ماتشعرُ به حنانهِ ودفئهِ من خلالِ حضنه، عيناها على حركاتِ وجههِ من حديثه، حانت منه التفاتةً إليها وجدها تحدجهُ بتدقيق، توقَّفَ عن الحديث وتعلَّقت أعينهم ببعضها للحظاتٍ ربَّما دقائق، انحنى برأسهِ عندما شعرَ بارتجافِ شفتيها أو هكذا خُِّيلَ له..
أغمضت عينيها وارتفعت دقَّاتهِ حينما شعرت بأنفاسهِ الحارة على وجهها، ارتعشَ جسدها بالكاملِ وهو يحاوطُ جسدها بذراعهِ ودنا لتختلطَ الأنفاسُ يهمس:
تعالي نجرَّب حياتنا مع بعض، قالها وتعلَّقت عيناهُ بعينيها التي فتحتها بعد همسهِ باسمها:
-غرام ..موافقة نكمِّل حياتنا مع بعض؟..
صمتت ولكن مازالت العيونُ متعلِّقة،
لمسَ بخاصَّتهِ وجنتها، مع طرقاتٍ على بابِ جناحهم، لتهبَّ من مكانها فزعةً مع تورُّدِ وجنتيها لتشعرَ وكأنَّها أمامَ موقدٍ من النيرانِ من شدَّةِ حرارةِ ماشعرت به..
خرجت من ذكرياتها على صوتِ السائق:
وصلنا يا هانم..ترجلَّت من السيارة، تنظرُ حولها تسألُ السائق:
ليه جبتنا من هنا، هو دا باب المستشفى؟..أجابها معنديش معلومات ياهانم.. الباشا قال أنزلِّك هنا، قالها وتراجعَ بالسيارةِ لوجهته، التفتتَ حولها وأتت لترفعَ هاتفها تكلِّمَهُ وجدتهُ يقتربَ منها، يتحرَّكُ بخطواتٍ ثقيلةٍ هرولت إليه:
أرسلان …ألقى نفسهِ بأحضانها دون حديثٍ آخر ..حاوطت خصرهِ تضمُّه بقوَّة:
إن شاء الله هيقوم بالسلامة..تحرَّكَ يجذبُ كفَّها متَّجهًا إلى مكانٍ هادئٍ بالحديقة، بعدما أوصى أحدَ المسعفين بوضعِ أحدِ المقاعدَ المنفردة بذلكَ الركنِ المظلمِ الهادئ..
أجلسها وتمدَّدَ على ذلكَ المقعدِ الذي يشبهُ الأريكة يتوسَّدُ ساقيها:
تعبان أوي عايز أرتاح وبس..خلَّلت أناملها بخصلاته، وانحنت تطبعُ قبلةً على جبينه:
ارتاح..إنسى أيِّ حاجة وريَّح دماغك، وخلِّي عندك ثقة بربِّنا إنَّ بعدَ العسرِ يسر، أنا معاك مش هسيبَك غير لمَّا تقولِّي إمشي..
احتضنَ كفَّيها وأغلقَ عينيهِ يهمسُ بإرهاق:
ربنا يخليكي ليَّا ياأحسن حاجة حصلتلي..
بمنزلِ زين الرفاعي:
تصدحُ أغاني الأفراحِ بالمنزل، وتقوم الفتياتُ بالرقص، انتهت العروس من زينتها مع طرقاتِ أخيها على بابِ غرفتها، دلفَ كرم يُطلقُ صفيرًا:
حبيبة أخوها الصغيرة اللي بقت أجمل عروسة..
هرولت إليهِ تهمسُ باشتياق:
-كرم ..رجعتِ إمتى؟..
ضمَّها يدورُ بها وارتفعت ضحكاته:
من ساعة بس، آدم كلِّمني من يومين، أمسكَ كفَّها يلفَّها منبهرًا:
إيه الجمال دا ياروحي، لا…كدا لازم الواد آدم يدفع كتير..
دفنت وجهها بصدرِ أخيها خجلةً وتحدَّثت:
-وحشتني أوي، معرفشِ ليه مصر على البحرِ الأحمر، مصر مليانة مستشفيات.
قوَّسَ ذراعه:
يالَّه ياعروسة علشان العريس منتظر على نار وبعدين نتكلِّم..
هبطت بجوارِ أخيها مع ابتسامتها التي يتدفَّقُ من خلالها الحب بكلِّ ماتشعرُ به الآن، فاليومَ أخيرًا سوفَ تُزفُ لمتيمَ الروح..
وصلت إلى أسفلِ الدرجِ لفارسها الهُمام الذي ينتظرها بحلَّتهِ البيضاء ..ظلَّ يحرِّكُ عينيهِ على جسدها بالكامل، فتاة وضعَ اللهُ بها من الجمالِ مايجعلُها محطَّ أنظارٍ لدقَّاتِ القلوب ..من خصلاتها البنيَّةِ المموَّجةِ وعينيها التي تتلَّونُ حسبَ حالتها ولا يعلمُ أحدٌ بالتحديدِ لونها، نعم فهي فتاةُ العائلةِ الجميلةِ المدلَّلةِ لفظًا وليسَ حظًّا..
وصلت إلى عاشقِ الروحِ الذي تلقًّاها من أخيها بابتسامتهِ المشرقةِ وعينيهِ اللامعة، لا يعلمُ لماذا يشعر بكمِّ هذهِ الفرحة ..طبعَ قبلةً حنونةً على جبينها:
ألف مبروك ياإيلي..
احمرَّت وجنتاها خجلًا لتنظرَ إلى الأرضٍ مبتعدةً عن نظراته، انحنى يهمسُ إليها:
حلوة الأرض..لو أحسن منِّي تمام …رفعت عينيها سريعًا إليهِ ليضمَّ كفَّها الناعمَ بين كفِّهِ الغليظ ويتحرَّكَ مع الموسيقى ليصلَ إلى مكانهم المخصَّص..دلفت رحيل تجاورُ يزن الذي يتابعُ الحفلَ بإعجاب:
خالِك باين عليه تقيل ..ابتسمت ثمَّ بسطت كفَّها:
موافق ترافقني بالحفل، علشان أبعد عن كلِّ اللي يحاول يستفزِّني ..ابتسمَ يبسطُ كفِّهِ بكفِّها ويتحرَّكُ بجوارِها بعدما لمحَ طارق بجوارِ مها حيثُ كانا يقفانِ بالقربِ من زين..
وصلت حيثُ وقوفهم:
خالو وحشتني ..ضمَّها زين وعينيهِ على يزن الذي يطالعُ زين بصمت…
فهمت رحيل نظراتُ زين فجذبت يزن من كفِّه:
الباشمهندس يزن شريكي في الأجنس ياخالو..
كانت مها تقفُ بجوارِ طارق الذي لمحَ دلوفَ يزن مع رحيل، وتابعهُ بعينيه:
أنا عايزة فرح زي دا ياطارق، لم يستمع إليها، فاحتضنت ذراعهِ بعدما وجدت صمته:
طارق مابتردِّش ليه، قالتها وهي تنظرُ للذي ينظرُ إليه..صدمة جعلتها لم تستطع الوقوفَ حينما شعرت وكأنَّ أحدَهم لطمها على وجهها بقوَّةٍ وهي ترى يزن بجوارِ تلك الفتاةِ الشقراء ويتحدَّثُ بضحكاتٍ كأنَّهما يعرفانِ بعضهما البعض منذُ سنوات..
حانت منهُ نظرةً تجاههما، مع التفاتِ راحيل إليهِ لتصطدمَ بهِ فيحاوطُ خصرها كي لا تسقط، مشهد جعلَ نيرانَ مها تزدادُ بداخلها، لتجعلها كتلةً ناريةً أوشكت على الانفجار، ولا يختلفُ الأمرَ لدى طارق، لمحت رانيا مشهدَ يزن ورحيل لتقتربَ متسائلة:
مين الواد اللي مع رحيل دا؟..
ألقى سيجارتهِ يدعسُ عليها قائلًا وهو يقتربُ منهما:
دا واحد جاي لقدرُه..وصلَ إليهما فاقتربَ من رحيل:
إزيك يابنتِ خالتي …استغربَ يزن صلةَ القرابةِ بينهما بتصنع ليهتف:
دا قريبك!،،ابتسمت بمجاملةٍ لطارق:
أهلًا طارق عامل إيه..
كويس قالها وهو يرمقُ يزن بنظراتٍ يودُّ أن يلقيهِ صريعًا بها..
ظلَّت راحيل بالحفلِ لبعض ِالوقتِ تتنقَّلُ بينَ الأقارب، بينما جلسَ يزن يشاهدُ الجميعَ بأعينٍ ثاقبة، التفتَ للخلفِ بعدما استمعَ إلى صوتها:
مش عيب تقلِّ بأصلك وتطاردني يايزن..
ضيَّقَ مابينَ حاجبيه:
أطاردِك !..ليه إنتِ مين علشان أشيلِك من أرضِك..نصبَ عودهِ وتوقَّفَ بعدما وجدَ طارق متَّجهًا إليهما:
– أنا رميتِك من يوم ماخنتيني، ولو أعرف إنِّك موجودة هنا مكنتش جيت، مش علشان حاجة…تؤ، علشان بس مش عايز أفتكر أسوأ مرحلة بحياتي، وأندم على الوقتِ اللي الشيطان استغلِّني فيه وضيَّعتُه مع الخاينين ..وصلَ طارق يوزِّعُ نظراتهِ بينهما:
بتعملوا إيه؟..
ربتَ بقوَّةٍ على كتفِ طارق يرمقُ الأخرى باستهزاء:
– شكلَك مش مالي عينها فبتجري ورايا، لمَّها دا لو قدرِت ..التفتَ إليهِ سريعًا وهو يرفعُ كفِّهِ ليصفعَه، ولكن أطبقَ على كفِّهِ يزن:
– ولا …فوق دا أنا أدفنَك في صندوق زبالة، ولا عاش ولا اتخلَق اللي يمدِّ إيده على يزن السوهاجي، قالها وهو يدفعهُ بقوَّةٍ ليسقطَ على الأرضِ أمامَ الجميعِ في حالةٍ ذهولٍ من البعض، ليحدثَ همهماتٍ مرتفعةٍ من الجميعِ بدخولِ راجح الذي شاهدَ سقوطَ ابنهِ ليقتربَ من يزن كقابضِ الأرواح:
إنتَ مين يالا علشان تعمل في طارق الشافعي كدا ..لم يشعر يزن بمسكةِ راجح إليه، ولم يشعر ولم يستمع سوى لبكاءِ والدتهِ وهي تقصُّ إليهِ مأساتها معه، نعم ذلكَ الرجلَ صاحبَ الصورةِ مع تغيُّرِ ملامحِ السن ..صفعةً قويةً على وجههِ من راجح يهزُّ يزن هادرًا بغضب:
اعتذر لسيدَك يالا…شهقاتٍ خرجت من الجميعِ وحدثَ هرجٌ ومرجٌ بقاعةِ الزفاف ..بينما توقَّفَ يزن مصدومًا محاولًا استيعابَ ماحدثَ أمامَ الجميع، اقتربت راحيل:
إيه اللي عملته حضرتَك ياعمُّو، توقَّفت بينهم تضمُّ ذراعَ يزن:
يزن عمُّو راجح مايقصدشِ، أكيد فهم الموضوع بالغلط..
راجح ..راجح ..ظلَّت الكلمة بأذنهِ كصدى صوتٍ مؤذي ليخترقَ سمعه، أبعدَ راحيل واقتربَ من راجح:
مطلعشِ ابنك بس اللي مايعرفشِ قيم وأخلاق الرجَّالة، باين هوَّ معذور علشان ملقاش الرجولة عند باباه
رفعَ راجح كفِّهِ ليلطمهُ مرَّةً أخرى،
ليمسكَ يدهِ يضغطُ عليها بعنفٍ وصورةِ والدتهِ وصوتِ بكائها أمامَ عينيهِ وكأنَّ هذا الرجلَ سببَ مأساتها..
همسَ بفحيحٍ أعمى:
أوَّل مرَّة أخدتني على خوانة، ظنًّا منِّي إنِّي واقف قدَّام راجل، بس من طبعِ الرجالة الصح الأمان مش الغدرِ والخيانة..قالها وابتعدَ يلتفتُ إلى راحيل وزين:
آسف بس مش طبعي أسكت عن اللي يقلِّ منِّي..قالها وتحرَّكَ للخارجِ سريعًا لتهرولَ رحيل خلفه..
كانت نظرات راجح النارية تتابع خروجه،ثم رفع هاتفه لأحدهم
-الواد اللي هيخرج مع رحيل عايزك تجبلي حياته، وانتظر مني الأمر
طالعت رانيا طارق بغضب، ثم حدجت راجح وهتفت بحدة
-يارب ابنك الغبي يرتاح ، شوفت البت كانت هتموت عليه ازاي، اهو جه يكوش على كل حاجة، على الله ابنك يرتاح
بعدَ فترةٍ انتهى حفلُ الزفافِ الذي شعرَ البعضُ به بالسعادةِ والآخرُ بالحزنِ والألمِ وآخر يخطِّطُ تخطيطَ الشياطين..
وصلت العروس لجناحها الخاص مع أختها بعدما اعتذرَ آدم لعملِ شيئٍ مهم..
قبَّلتها مريم:
ليلة سعيدة حبيبتي، خلِّيكي بفستانِك لمَّا عريسِك يجي ..أومأت لها فتحرَّكت مريم للخارج..
كعصفورٍ صغيرِ يشقشقُ فرحًا ببزوغِ نهارٍ جديد، جلست تملِّسُ على ثيابهِ مرَّةً وعلى فراشهما مرَّة.. تبني أحلامًا وردية ..لما لا واليومَ حياةٌ جديدةٌ مرتسمةً بنبضِ قلبها الذي تمنَّتهُ عبر السنين ..أخيرًا ستنالُ السعادةَ بحضرته، صبرت وصبرت إلى أن تُوِّجت باسمه، ابتسامةٌ عذبةٌ فوقَ ملامحها تنظرُ لنفسها بالمرآةِ نظرةً أخيرةً قبلَ دلوفه..كانت كالأميرةِ بفستانِ زفافها ….مرَّت عدَّةُ دقائقَ ودلفَ فارسها المغوار ..تحرَّكَ إلى جلوسها ورغم تحرُّكِه الهادئ إلَّا أنَّها شعرت بتضاعفِ نبضِ قلبها..
سحبَ نفسًا يزفرهُ بهدوءٍ يناظِرها بنظراتٍ متردِّدة، لايريدُ انطفاءَ بريقَ عينيها اللامعةِ ولكن كيفَ لهُ أن يتعايشَ مع تلكَ الحياة التي أُجبرَ عليها، هو ليس بالضعيف، بل رجلٌ صلبٌ قويٌّ لاينهزمُ أبدًا مهما تعثَّرت ظروفه، إلا أنَّهُ لن يصمدَ أمامها ويحطِّمَ قيودها ،ولكن هناكَ ما جعلهُ يخضعُ رغمًا عنه..
حمحمَ مردِّدًا اسمها ..فرفعت بريقَ عينيها اللامعَ الممزوجِ بلونِ البندق والعسل، لونها كلونِ لمعةِ بذورِ القمح، مع تغيُّراتهِ لبعضِ الأوقات ..ظلَّ للحظاتٍ غارقًا بلونِ عينيها ..فابتعدَ بنظرهِ سريعًا بعدما وجدَ ابتسامتها تنيرُ وجهها ليصبحَ كقمرٍ يلمعُ بألفِ فضاء، فتاةٌ رقيقةٌ أخذت من الرِّقةِ عنوانها ، ومنَ الأنثى متعةَ ملامحها..
أخرجَ سجائرهِ يهربُ من مواجهةِ القدر، وبدأ بإشعالها، لايعلمُ لماذا شعرَ أنَّهُ يريدُ إحراقَ صدرهِ بتلكَ اللحظةِ لإخراجِ غضبهِ بها…
اقتربت تربتُ على كتفهِ مردَّدةً اسمه:
آدم مالَك فيه إيه.. وبعدين مش عيب تبقى دكتور وتنصح مرضاك بالبعدِ عن التدخين وإنتَ بدخَّن، لازم نتِّفق أنا مبحبش ريحة السجاير، معرفشِ إيه اللي حبِّبك فيها ..علشان خاطري حاول تبطَّلها.
صدمةٌ قويةٌ نالت منهُ، هنا فاقَ الألمُ حدودهِ وشعرَ بأنَّ الكونَ يدورُ به ..جاهدَ بإخفاءِ اعتصارِ أضلعه، ولكن خانتهُ حالتها ليردفَ بهدوء :
عايزِك تتأكِّدي أنا حاولت أحافظ عليكي إنتِ ومريم من مرات أبوكي غير الطريقة دي ملقتش، متزعليش منِّي، بس أنا انجبرت مكنشِ قدَّامي حل غير دا..
زوت مابينَ حاجبيها تطالعهُ باستفهام :
أنا مش فاهمة قصدَك إيه؟!..
نصبَ قامتهِ القويَّة يسحبُ كفَّها متَّجهًا إلى الأريكةِ وأجلسها بجواره:
اسمعيني للأخر، أنا عارف إنِّك عاقلة وهتقدَّري موقفي وتعرفي أنا عملتِ كدا ليه، أوَّل حاجة علشانِك إنتِ ومريم..
ممكن تدخل في الموضوع..
أنا متجوِّز في النمسا ياإيلين، ومقدرشِ أخدعك، لازم تعرفي كلِّ حاجة قبل مانبدأ حياتنا، اتجوِّزت واحدة اتعرَّفت عليها وحبيتها، واتجوِّزتها قبلِ ما أنزل مصر بشهرين، جوازي منِّك انجبرت عليه، لازم تعرفي.. حاولت أفهِّمك بس…
سلَّطت عيناها عليهِ بقوَّةٍ، تريدُ أن تتأكَّدَ ممَّا ألقاه..هل خُيِّلَ لها ..هزَّت رأسها رافضةً مااستمعت إليه ..لا، أنا بس من تعبِ اليوم بقيت أتخيَّل حاجات ..
تجمَّعت سحبُ عيناها تحتَ جفونها فأغمضت عيونها لتسيطرَ على دموعها، ناهيكَ عن الرجفةِ التي اعترت صدرها عندما تابعَ حديثه:
صدَّقيني حاولت أرفض بس ..فتحت عيناها وألمًا ينخرُ ضلوعها لتهتفَ بقوَّةٍ لا تعلمُ من أينَ اكتسبتها:
بس إيه يادكتور، إيه طفل وخالو هدَّدك ..ولا أيكونشِ قالَّك هغضب عليك ولا إنتَ ابني ولا أعرفك…
استدارت إليهِ بنظراتها التي شعرَ وكأنَّها كأسهمٍ ناريةٍ تخترقُ صدره:
مش عيب تبقى دكتور طويل عريض ويجبروك بالجواز، طيِّب كنت اتجرَّأ وقولِّي وأنا كنت وقَّفت الجوازة دي …لأوَّلِ مرَّة يشعرُ بالضعفِ ولا يجدُ مايصيغهُ من الحروفِ ليسكنَ حزنها الذي ظهرَ بمقلتيها التي يزيِّنها كُحلها الفاحمِ ليجعلَ عينيها كمغناطيس ..اقتربَ منها وحاولَ تهدئتها إلَّا أنَّها رفعت
كفَّيها وقامت بنزعِ طرحةِ زفافها تُلقيها على الأرض، ثمَّ تحرَّكَت تدوسُ عليها بأقدامها إلى أن وصلت إلى بابِ الغرفةِ تفتحه:
اطلع برَّة مش عايزة أشوف وشَّك تاني .. تسمَّرَ بجسدهِ ولم يعد لديهِ القدرة على التحكُّمِ بغضبها البائن فنهضَ من مكانه مقتربًا منها:
لازم تسمعيني ..قاطعتهُ هادرةً بعنفٍ تشيرُ للخارج:
برَّة.. إنزل قولُّهم أنا طلَّقت العروسة..
برقت عيناهُ يطالعُها بذهولٍ لما استمع:
إنتِ اتجننتي!!..عايزة الناس تاكل وشِّنا ويطلَّعوكي معيوبة!…
تشابكت عيناها بسوادِ عينيهِ ولم يرفَّ لها جفنًا وقالت بقوَّة:
أه ..خلِّيهم يقولوا معيوبة، أهون عليَّا لمَّا أعيش بلا كرامة قدَّام نفسي..
قبضَ على أكتافها وهدرَ بها:
متبقيش مجنونة، خلِّي الليلة تعدِّي ..صواعق بدأت تضربُ عقلها وقلبها معًا من ذاكَ الخائنِ كما وصفتهُ قائلة:
وأنا بقولَّك طلَّقني والليلة يادكتور، ولو مطلقتنيش هنزل تحت وهفضحك، فخلِّي عندَك كرامة وطلَّقني..
هاجَ صدرهِ بنيرانِ الغضبِ وهتف:
أنا مش هرد عليكي مراعاةً لظروفِك، بس نسيتي حاجة يابنتِ عمتي أنا أوِّل مارجعت من السفر قولتلِك أنا مستحيل أتجوِّز وأستقر في مصر..الغلط مش عندي، ودلوقتي إحنا اتحطِّينا تحتِ أمر لا مفرَّ منه، لازم تتعاملي مع الوضعِ دا لحدِّ ما أشوف آخرة باباكي إيه..
تآذر غضبها المحمومُ الذي كادَ أن يندلعَ من قلبها من حبيبِ عمرها لحديثهِ المهينُ لكرامتها فثبَّتت عيناها بقوَّةٍ بمقلتيه هاتفةً بصوتٍ كالرعدِ زلزلَ كيانه:
وأنا بقولَّك طلَّقني..
بحركةٍ قاسيةٍ جذبها من خصرها يقيِّدها بينَ ذراعيه:
صوت يابنتِ عمِّتي، لسانِك هقطعه، مش علشان بكلمِّك بهدوء تعلِّي صوتِك عليَّا أنا ..
أزاحت يديهِ بقوةٍ تخرجُ من قبضتهِ ثمَّ تحرَّكت للأسفلِ سريعًا، وهي تهتُف:
أنا مستحيل أفضل دقيقة واحدة على ذمِّة راجل زيك.. تحرَّكَ خلفها، هبطت للأسفلِ حيثُ منزلِ خالها، وصاحت بغضبٍ باسمِ خالها ممَّا أخرجَ الجميعُ من غرفةِ المعيشة ..
عندَ إلياس:
باليومِ التالي عادَ من عملهِ وصعدَ إلى غرفتهِ بإرهاق، دلفَ فتسمَّرَ بوقوفهِ وهو يرى تزيينَ الغرفة، ورائحتها الخلَّابة، مع طاولةٍ دائريةٍ يُوضعُ عليها أصنافًا من الطعام ..خطا يبحثُ عنها، خرجت من غرفةِ الملابسِ ترتدي تلكَ المنامةِ التي أذهبت ثباتهِ ليقتربَ إليها وعينيهِ تتجوَّلُ على ملامحها الأنثوية:
دا إيه المفاجأة الحلوة دي، أوعي تعملي زي الستات الهبل وتبقي عاملة كدا علشان عايزة طلب..
لكمتهُ بصدرهِ وهتفت بنبرةٍ مستاءة:
وكمان نسيت أنا عاملة كدا ليه، قامَ بنزعِ جاكيتَ بذلتهِ وألقاها بإهمال:
أهو زي ماقولت، دارَ بكفَّيهِ وعينيهِ بالغرفة، إلى أن توقَّفَ على تلكَ الورودِ الموضوعةِ على الفراش ..استدارَ يشيرُ إليها:
إيه شغلِ المراهقين دا، ورود على السرير، زارعة حديقة على السرير..قالها وهو يجذبُ مفرشهِ يلقيهِ على الأرض:
ميرال مبحبش شغلِ البيئة دا، قالها ودلفَ للداخلِ ينزعُ ثيابه، هوت على مقعدِ طاولةِ الطعامِ دونَ حديثٍ فلقد كسرَ فرحتها بعيدِ ميلادها الأوَّل وهي زوجته، ضغطت على شفتيها كي لا تبكي، وفعلت مثلما أقنعها قبلَ ذلك..
نظرَ لجلوسها بتلكَ الهيئةِ وشعرَ بالحزنِ عليها، جذبَ المقعدَ وجلسَ بجوارها يضمُّها لصدره:
متزعليش منِّي، بس بجد أكتر حاجة بكرهها شغلِ المراهقين دا، وإنتِ عارفة وأنا مبحبش الورد، تقومي تُحطِّيه على السرير، نظرَ للطعامِ يشيرُ إليه:
عاملة أكل وجيباه هنا ليه، كشفَ الأغطية ينظرُ إليه متسائلًا:
إيه دا ..نسيَت ما فعلهُ بها، فأشارت مبتسمة:
محشي وفراخ وحمام ..انكمشت ملامحهِ ينظرُ للطعامِ مشمئزًّا يردِّد:
فراخ ومحشي الساعة سبعة بالليل!..
وكمان في الأوضة، هقول إيه يعني بعد حديقةِ الزهور بتاعةِ السرير، فعادي أنتظر منِّك الأصعب..
أمسكت الشوكةَ تضعُ بعضَ المحشي بفمِها مستلذَّةً بطعمها:
أممم، الله الله ..طيِّب دوق، دا أنا وقفت مع أنطي أمينة وحطِّيت البهارات عليه يعني تعبت..
أغمضَ عينيهِ وشعرَ بالنفورِ من رائحته:
ياربي البتِّ دي أموتِها ولَّا أعمل إيه، يعني أنا مابكلشِ الرز تجبلي محشي وكمان بالليل…
كتمت ابتسامتها وهي تستمعُ إلى حديثه، رفعت الشوكةَ مرَّةً أخرى تلوكُ الطعامَ باستمتاع..
بااااااس بتحسِّسيني إنِّك بتاكلي سلطة، بالرَّاحة ياماما إحنا بالليل وهتتخني، ثمَّ أشارَ إلى جسدها:
وإنتِ مش ناقصة..هبَّت من مكانها تصرخُ بوجههِ بنبرةٍ غاضبة:
دا اللي ربنا قدَّرك عليه، يعني مش كفاية ناسي عيد ميلادي..لا، عمَّال تسمَّعني كلام يوجِع قلبي..
طرقَ على طاولةِ الطعامِ بقوَّةٍ رافعًا رأسهِ يرمُقها بنظراتٍ غاضبة وهدر بها بحدة اجفلتها:
صوتِك يامدام، صوتِك بقى أعلى من صوتي، إيه نسيتي نفسِك..
ألقت الشوكةَ على الطاولةِ وتحرَّكت للحمَّامِ دونَ حديثٍ آخر..
تعالت أنفاسهِ وشعرَ وكأنَّها أشواكًا تخربشُ رئتيه، كيفَ لهُ أن ينسى يومَ ميلادها، نظرَ لهاتفهِ وجدهُ صامتًا، نعم لقد وصلهُ إشعار ولكنَّهُ لم يراه ..نهضَ متَّجهًا إلى الشرفةِ وقامَ بمهاتفةِ أحدِهم لبعضِ الدقائقَ ثمَّ خطا إليها وجدها تجلسُ بجوارِ حوضِ الاستحمامِ تنظرُ بشرودٍ بنقطةٍ وهمية، أمالَ بجسدهِ يرفعها ثمَّ وصلَ إلى الحوضِ وقامَ بغسلِ فمها مع كفَّيها ليجففهما بعد الانتهاء..
حاوطَ خصرها وتحرَّكَ للخارجِ متَّجهًا إلى خزانةِ الملابسِ ينظرُ بين فساتينها إلى أن وقعت عيناهُ على ذلكَ الفستانِ الأزرق، جذبهُ بطاعةٍ منها وهي تقفُ حائرةً لما يفعلُه، نزعَ حمَّالةَ منامتها ليهبطَ لأسفلِ قدميها بحركةٍ سريعةٍ منهُ خجلٍت من حركته، تضمُّ جسدها بكفَّيها، تابعَ مايفعلهُ قائلًا بنبرة جامدة:
بدَّاري إيه، دا أنا حافظ كلِّ حتَّة أكتر منِّك، إلبسي وبطِّلي الغباء اللي إنتِ فيه..دفعتهُ غاضبة،
-ايه البرود دا ياخي اللي تعدمه يارب
ضمَّها مقهقهًا عليها، ليزدادَ غضبها وحنقها منه،
-ياربي على الألفاظ البيئة بتاعتك صحفية ايه دي
-وسع انا زعلانة منك وهخاصمك قبلةً عاشقةً بجوارِ شفتيها:
إجهزي هنخرج مشوار، أنا هدخل ألبس في مكان تاني قدَّامك عشر دقايق..توقفت معترضة
-مش عايزة أخرج..أشار بسبباته يشير للساعة
-عدى دقيقة من العشرة ياله
1
بعدَ دقائقَ معدودةٍ كانت تطوِّقُ ذراعهِ وتهبطَ للأسفلِ، قابلهُ مصطفى يوزِّعُ نظراتهِ بينهما:
على فين العزم ياحبايبي؟..
-رحلة قصيرة ليومين ياحضرةِ اللوا، ظبَّط غياب ابنك…قالها وتحرَّكَ يسحبُ ميرال التي تردِّدُ حديثه:
فسحة ليومين إزاي؟..
-ربنا يسعدُكم حبيبي..وصلَ بعدَ قليلٍ لمطارِ القاهرة، نظرت حولها بجهل:
إحنا مسافرين!..خلَّلَ أناملهِ بكفِّها بعدما ترجَّلَ من السيارةِ وتحرَّكَ متَّجهًا إلى طائرةٍ خاصةٍ ستقلعُ بهم لوجهتِهم.
بعد ساعاتٍ وصلوا لذاكَ المكانِ الذي يُعتبرُ جزيرة بوسطِ البحرِ بأحدِ الأماكنِ الإندوسية..وصلا إلى ذاكَ الشاليه الذي حجزهُ منذُ ساعاتٍ لاحتفالهِ الخاص على طريقتهِ بعيدِ ميلادها، دلفَ للداخلِ مع ذلكَ العامل الذي يشيرُ إليهِ على كافَّةِ التجهيزاتِ متسائلًا:
هل لديكَ شيئًا آخر تريدُه:
أشكرك..غادرَ الرجل، بينما هي التي توقَّفت بالخارجِ تنظرُ إلى المكانِ حولها بانبهارٍ على تلكَ الجزيرة، سحبَ كفَّها للداخلِ مع إغلاقِ الإضاءةِ ولم يترك سوى شمعةً واحدةً بأحدِ الأركانِ ليصلَ لكعكةِ عيدِ ميلادها المعدَّةِ بالطريقة التي تعشقها ..احتضنت ذراعيه:
إنتَ ليه طافي النور، مفكَّر نفسَك في مصر، دي جزيرة ممكن يخرُج منها ثعبان ..توقَّفت أمامَ أحدِ الطاولاتِ التي تُوضعُ عليها كعكةِ عيدِ الميلاد، ليشعلَ شمعةً واحدةً ويتَّجهَ إليها يحتضنُها بعينيه:
كلِّ سنة وإنتِ طيِّبة ياميرو ..نظرت حولها بذهولٍ مع تساقطِ الورودُ الحمراءُ التي تعشقها، ابتعدَ عنها حينما وجدها تضعُ كفَّيها على فمها ودرات بفستانها مع الورود التي تساقطت حينما أشعلَ الشمعة، لمعت عيناها بالسعادةِ وكأنَّها لم تفرح من قبل…هرولت إليهِ تُلقي نفسها بأحضانهِ ليرفعها من خصرها يدفنُ أنفاسهِ بعنقها يقبِّله:
كلِّ سنة وإنتِ دايمًا سعيدة ..اعتدلت تعانقُ عينيه:
كلِّ سنة وإنتَ حبيبي وفي حضني، لمست وجنتيهِ واقتربت تطبعُ قبلةً عليها:
بحبَّك أوي ياإلياس، أووووووي..
ضمَّها لصدرهِ وأغمضَ عينيهِ يشعرُ بالسعادةِ لسعادتها، ثمَّ تحرَّكَ بها وهي مازالت بأحضانه:
طفِّي الشمعة ..أشارت بكفَّيها:
شمعة واحدة …ليه؟!..
اقتطفَ قبلةً من عسلها المصفَّى، يضمُّها مغمضَ العينين:
علشان دي أوَّل سنة من جوازنا، بعد كدا عيد ميلادِك بعددِ سنين جوازنا..
حاوطت عنقهِ ورفعت نفسها:
عارف دلوقتي أقدر أقول وأنا كلِّي ثقة، مستحيل أخلِّيك تبعد عنِّي ولا لحظة، مش مسموحلَك حتى التفكير، وضعت كفَّها موضعَ نبضَ قلبه:
ودا طول مابيدُق يكون باسمي أنا بس، أموِّتك ياإلياسو لو بس فكَّرَت تبعد قلبك عنِّي..
كانَ يستمعُ إليها بدقَّاتِ قلبٍ عنيفة، ماذا فعلت به تلكَ الجنيَّة التي قضت على كلِّ مالديهِ ليقعَ صريعًا لغرامها، استدارت إلى الشمعةِ ثمَّ انحنت لتطفئُها..أمسكَ السكين يشيرُ إليها:
قطَّعيها ..وضعت كفَّها فوقَ كفِّهِ تُقرِّبها من الكعكة:
إحنا الاتنين هنقطَعها..قطعت قطعةً صغيرة، وسحبت أحدِ الأطباقِ تضعُ قطعةً به..ثمَّ أمسكت الشوكةَ وهو يراقبها إلى أن رفعت الشوكةَ على فمه، أدارها إليها يطعمُها ثمَّ اقتربَ يلتقطُها بطريقتهِ الخاصَّة، لتنهارَ كلَّ الدوافعَ وينحني يحملُها ليعزِفَ لها أبدعَ المعزوفاتِ الموسيقيةِ التي تعزفُها نبضُ القلوب، ليلة ولا ألفِ ليلة تحكي الكثير والكثير، وتزيلُ الكثيرَ من الشكوك، كلٍّ منهما أخرجَ مايكفي الآخر لأعوامٍ وكأنَّهم يشعرونَ بما سيحدثُ لهما فيما بعد..
فترةٍ أقلُّ ما يقالُ عنها أنَّها فترةً من الجنة ..
بالصباحِ الباكرِ فتحت عيناها بإرهاق، تنظرُ لنفسها متناسيةً ماصار، إلى أن وجدت نفسها محاصرةً بين دوافعِ حبِّه، ابتسمت قائلة:
لو خيَّروني بينَك وبين امتلاكِ العالم صدَّقني هختارك وأنا مغمَضة، مرَّرت أناملهِا على وجهه:
أجمل راجل في الدنيا
استمعَ إلى كلماتها القليلة، شعرَ وكأنَّهُ امتلكَ العالمَ ومابه، وقلبهِ كالمضخة التي ستقتلعُ ضلوعُ صدره ..تحرَّرَ من صدرها نفسًا ناعمًا أنهى ثباتهِ مما جعلهُ يلفُّ ذراعيهِ حولَ خصرها يضمُّها بقوَّةٍ لأحضانهِ متمتًمًا:
بتعاكسيني وأنا نايم..رفعت رأسها تنظرُ لعينيهِ المغلقة:
هوَّ إنتَ تتعاكس، فتحَ عينيهِ نصفَ فتحةٍ مبتسمًا:
ليه مش حلو ومعجبش، ازدادت دقَّاتُ قلبها حينما حرَّكَ أناملهِ على وجهها البهي وتابعَ حديثه:
وحش..أشوف حد أعجبُه بدل مش عاجبِك..
تعثَّرت الكلماتُ على شفتيها وكأنَّ حديثهُ سيصبحُ حقيقة لتشعرَ بغصَّةٍ تمنعُ ابتلاعَ ريقها، وحاولت الابتعادَ عن أحضانه، إلَّا أنَّهُ كان المتحكِّمُ والمسيطرُ وهو يضغطُ على خصرها بقوَّةٍ آلمتها، وهتف:
-لمَّا تبقي في حضني إياكي تحاولي تبعدي من غير إذني ..أظلمت عيناهُا بنجومها التي تحجَّرت من شدِّةِ قبضتهِ
على خصرها، لتبتلعَ ريقها بصعوبةٍ تتمتم:
-إلياس بتوجعني، قالتها لتنسابَ عبرةٌ حرَّرتها من جفنيها ..رفعَ ذقنها يتجوَّلُ بأعينهِ على ملامحها، ليهبطَ إلى عسلها المذابُ فوقَ شفتيها يجني من ثمارها مايجعلهُ كطائرٍ يغرِّدُ بين الأشجارِ فرحًا بفجرٍ جديد..ظلَّ لحظاتٌ ربَّما لدقائقَ لم يشعر بكمِّ الوقتِ الذي مرَّ عليهما وبداخلهِ يُقسمُ لنفسهِ أنَّهُ لن يحرمَ نفسهِ من تلكَ الجنَّةِ التي لم يشعر بتذوُّقها سوى بين يديها، انتهت دقائقُ جنتهِ مطبقَ الجفنينِ مانعًا نفسهِ ألا ينساقُ خلفَ رغبتهِ الجامحةِ بأكثرِ من ذلك، بينما ظلَّت كما هي دافنةً رأسها بصدره، لم تقوَ على الابتعاد، وكيفَ تبتعدُ وهو الأقربُ من حبلِ الوريدِ لنبضِ قلبها ..خلَّلَ أناملهِ بخصلاِتها وتحدَّثَ بصوتهِ الأجش المتنعمَ بحبِّها لأوَّلِ مرَّة:
فتحت صندوق ذكرياتِك وإنتِ نايمة، في الفيلا عارفة افتكرت إيه؟..ظلَّت كما هي تستمعُ إليهِ بصمت، انحنى واستطردَ
أوَّل بوسة بينا، البوسة اللي قلبت حياة إلياس وحوِّلِته من عدو لأحبِّ الناس لقلبه، رجفة أصابت جسدها بالكامل حينما علمت بمعنى حديثه، رفعَ رأسها ينظرُ لعينيها:
افتكرتي ولَّا لسة، قطبت جبينها وبشفتينٍ مرتجفتين:
إنتَ اللي فهمت غلط، حاولت أفهِّمك والله بس ..وضعَ أناملهِ على شفتيها وتغيَّرت نظراتهِ إليها بل ظلَّ يمرِّرُ أناملهِ على شفتيها بقوَّةٍ وأكمل:
صدَّقيني اللي رحمِك منِّي يومها بابا، لو مش بابا كنت ناوي أقتلِك..ابتسمت من بينِ دموعها:
كنت بتحبِّني من وقتها صح..علشان من يومها وحياتنا اتقلبِت، بس والله هو ماقرَّب منِّي ولا لمسني..
أطبقَ على جفنيهِ وذاكَ المشهدُ يضربهُ بقوَّة، كوَّرَ قبضتهِ بقوَّةٍ حتى نفرت عروقهِ.. حاولَ السيطرةَ على أعصابهِ حتى لا يؤذيها..شعرت بما يشعرُ بهِ، رفعت نفسها الى أن أصبحت بمستوى جلوسه، لمست وجنتيه:
إلياسو..فتحَ عينيهِ ونظرةُ عشقِ الماضي يطالِعها بها لتكمل:
حبَّك مدفون من زمان يمكن من قبلِ الموقف، معرفشِ إزاي، بس صدَّقني إنتَ أوَّل راجل في حياتي..قالتها وهي تطالعهُ بابتسامةٍ بريئة:
ضمَّ رأسها لأحضانه:
وآخر راجل ياميرو، عارف كنت قاسي معاكي بس دا غصبِ عنِّي، متزعليش منِّي.
رفعت رأسها مردِّدَة:
-حد يزعل من روحُه ..ابتسمَ يضعُ خصلاتها المتشرِّدة خلفَ أذنيها:
-غالي أنا أوي؟..هزَّت رأسها و ابتسمت تدفنُ رأسها بعنقهِ تلكمهُ بخفَّة:
بس بقى علشان هتزعل …قهقهَ بصوتٍ مرتفعٍ عليها، يضمُّها وهي تطالعهُ بسعادة:
إضحك على طول بتكون زي القمر..
زوى حاحبيهِ وأردف:
وأنا مكشَّر بكون وحش؟..
– أوي أوي ..قالتها سريعًا، توسَّعت عيناهُ
متذمِّرًا ليدفعها على الفراشِ وترتفعُ ضحكاتها تهزُّ رأسها تهتفُ من بينِ ضحكاتها:
خلاص خلاص حلو وزي القمر ..حاوطها بينَ ذراعيهِ وأبحرَ بعينيهِ عليها:
وإنتِ أجمل بنت شافتها عيوني ..رفعت ذراعيها تعانقُ رقبته:
أخيرًا أبو الهول نطق وسمَّعني حاجة زي العشاق، هوَّ مش زي العشاق بس أهو أحسن من مفيش..
ارتفعت ضحكاتهِ يدفنُ رأسهِ بصدرها:
يابنت همَّا شدوكي من لسانِك ..خلَّلت أناملها بشعره:
عمري مااتخيَّلت أعيش معاك لحظات زي دي ..أجابها وهو مازالَ على وضعه:
ولا أنا ..كنت حلفت أدفن قلبي وأبعد ونويت متجوزش..
يااااه..دا إنتَ شايل في قلبك أوي..تمدَّدَ بجوارِها على ظهرهِ وأخرجَ تنهيدةٌ متألِّمة:
مش علشانِك، عندي أسبابي.. عادي ..استندت على ذراعها وتحدَّثت متسائلة:
إلياس عايزاك تتكلِّم معايا، إيه اللي مخبيه وواجعَك أوي كدا ..نزلت برأسها تهمسُ بالقربِ من خاصتهِ وعينيها تحتضنُ عيناه:
لو معتبرني مراتك حبيبتَك ريَّح قلبي حبيبي…
حبيبي..نزلت على صدرهِ كقطرةِ ندى بصحراءٍ جرداءٍ جافية..ظلَّت العيونُ متعلِّقةً ببعضها إلى أن هتفَ بخفوت:
بتحبيني قدِّ إيه ياميرو؟..ملَّست على وجههِ وعينيها متعلِّقة بعينيه:
كتير أوي حبيبي..اعتدلَ يحتضنُ كفَّيها بين راحتيهِ ثمَّ رفعهما إلى فمهِ يقبِّلِهما ثمَّ رفعَ رأسهِ ينظرُ إليها:
عايزِك على قدِّ حبِّك ليَّا تسامحيني..
أسامحَك..ردَّدتها متعجِّبة ثمَّ هزَّت كتفها متسائلة:
عملت إيه علشان أسامحَك عليه..نهضَ من مكانهِ واتَّجهَ إلى الحمام
بعدين تعرفي..قومي إجهزي علشان هاخدِك رحلة في البحر..
هاتنزلِّني البحر؟..
أومأَ برأسه:
فيه مفاجأة حلوة هتعجبِك..
بعدَ فترةٍ على أحدِ شواطئِ البحر الهادئة، توقَّفَ اليختُ الذي قامَ باستئجارهِ لتلكَ الرحلة، فتحَ حقيبتهِ ينظرُ لوقوفها بالخارجِ وهي تغمضُ عينيها تستمتعُ بنسيمِ البحر..وضعَ اللبسَ الخاص بالغطس، ثم اتَّجهَ إليها..
حاوطَ جسدها من الخلفِ يضمُّها لصدره:
شايف البحر منسِّيكي كلِّ اللي حواليكي، تراجعت برأسها على صدره:
إنتَ عارف قد إيه بعشق البحر، نظرت إليهِ من فوقِ أكتافها تنظرُ لعينيهِ متمتمة:
بس أكيد مش أكتر منَّك..سحبها للداخل، توقَّفت تنظرُ للثيابِ الموضوعةِ بجهل:
إيه دا حبيبي..استندَ بذقنهِ على كتفها وأردفَ بخفوت:
أهو علشان حبيبي اللي كلِّ شوية بتقوليها هاخدِك رحلة للبحر..
هنغطس، قالتها بذهول ..أومأَ لها بالموافقة..هرولت للملابسِ كالطفلةِ السعيدةِ بملابسِ العيد.
بعدَ فترةٍ كان يتجوَّلُ بها في قاعِ البحر ..ظلَّا لفترةٍ إلى أن أُنهكت تشيرُ إليه بالخروج..
ظلَّ اليومُ بينهما هادئًا بينَ نظراتِ العشقِ والسعادة، ليكملَ مساءهِ بأحدِ المطاعمِ المشهورةِ بذاكَ المكان..
تناولت الطعامَ متحدثة:
ماتيجي نرقص زي اللي بيرقصو دول..
رفعَ رأسهِ لساحةِ الرقص، ثمَّ اتَّجهَ إليها:
لا ..مش حابب جوِّ العريان، معرفشِ إيه غاية الستِّ إنَّها توقف بالطريقةِ المقرفة دي، ولَّا إزاي الراجل قابل على نفسُه كدا..
مش يمكن لسة عرسان ياإلياس..المكان دا مشهور لقضاءِ شهر العسل.
يعني إيه عرسان، عرسان في أوضة النوم ياميرال، حانت منهُ نظرةً لتلكَ الفتاةِ التي تعانقُ أحدِهم وتقبلهُ مع حركاتِ أناملِ زوجها على منحنياتها الأنثويةِ المؤذيةِ للعين، التفتَ إليها وجدها تنظرُ عليهما، نهضَ من مكانهِ وأمال يسحبُ كفَّها:
اتخنقت من المكانِ المقرف دا، قومي نرجع الشاليه..
هنرجع دلوقتي إحنا لسة واصلين!..
رمقها بنظرةٍ توحي بالغضبِ الذي تجلَّى بعينيه، فتوقَّفت متذمرة، وتحرَّكت رغمًا عنها ..عانقَ كفَّها وتحرَّكَ على الشاطئِ بنسيمِ البحرِ العليلِ قائلًا:
مش أحسن لراحةِ العين..صمتت ولم تردَّ عليه..جذبها يحاوطُ أكتافها:
مش كلِّ خلاف بينا تتقمصي، ميرال إنتِ مبقتيش صغيرة، لازم يكون فيه عقل، عجبِك المناظر اللي شوفناها جوَّا..
تحرَّكت دونَ حديثٍ إلى أن وصلَ إلى الشاليه، دلفَ للداخل، طالعها قائلًا:
هعمل كام تليفون، اطلعي غيَّري هدومِك، فيه حاجات كويسة فوق شوفي اللي يعجبِك ..تحرَّكت للأعلى دونَ حديث، دلفت الغرفةَ وجلست على الفراشِ لبعضِ الدقائقِ تحدِّثُ نفسها:
كان عندي أمل تتغيَّر شوية ياإلياس، ياربي أعمل معاه إيه، والتحكم اللي بيفرضُه عليَّا، بحاول أضغط على نفسي وأتقبلُه علشان بحبُّه، بس تعبت وحاسة أنُّه بيخنقني أوي…
مسحت على وجهها تزيلُ شيطانها مستغفرةً ربها ونهضت إلى الخزانة، توسَّعت عيناها تنظرُ لتلكَ الملابسِ الخاصةِ بالنوم:
الحاجات دي جابها إمتى، قليل الأدب، أومال لو مش عامل تقيل..تخصَّرت تطالعهُم بتدقيق، ثمَّ اقتربت تقلِّبُ بهما، متذكِّرةً جلوسهِ وهو يقلِّبُ بإحدى المجلاتِ التي كانت على متنِ الطائرة..
معقول يكون جابُهم بالليل بعد ماوصلنا، وقعت عيناها على المنامةِ ذاتِ اللونِ الأرجواني، التي لاتسترُ شيئًا، أفلتت ضحكةً وهي تحرِّكها بين كفَّيها:
– ودي شافها إزاي، جزَّت على أسنانها متذكرة تفحصه للمجلة فهدرت تدور حول نفسها:
– أه المحترم أكيد شافها على موديل، طيِّب يابنِ السيوفي، عجبِتك على الموديل ..هشوف هتعجبَك على مراتك ولَّا لأ…دقائق حتى انتهت ماتفعله، مع لمساتها التجميليةِ الخفيفةِ التي طغت على جمالها
عندهُ جلسَ يحادثُ أرسلان..
عندَ أرسلان فتحَ عينيهِ على رنينِ هاتفهِ اعتدلَ يعدِّلُ من نومه، يهزُّ رأسهِ يشعرُ بتشنُّجِ عنقه، جلسَ إسحاق بجواره:
إرجع بيتك ريَّح شوية، مراتّك اتصلت بيك بس قفلت في وشَّها علشان ماتصحاش، إنتَ من امبارح منمتش..
أرجعَ خصلاتهِ يمسحُ على وجهه:
اطَّمن على بابا الأوَّل، تساءلَ عن والدتهِ وأخته..
نايمين جوَّا متقلقش، وكلِّمت والدتَك قالت هتستنى الدكتور تطمِّن وتروح علشان ملك.
التفتَ لهاتفهِ الذي قامَ بالرنينِ مرَّةً أخرى ..
دا إلياس السيوفي شكلُه عرف خبر بابا..ربتَ على كتفهِ ونهضَ قائلًا:
رُد عليه وأنا هشوف الدكتور..
ألفِ سلامة على والدَك، لسة شايف الخبر ..
متشكِّر ..هو َّعامل إيه دلوقتي..تساءلَ بها إلياس..
– في غيبوبة، توقَّفَ إلياس واتَّجهَ إلى النافذةِ الزجاجية:
– أنا برَّة القاهرة، وقتِ ماأرجع أكيد هزوره ..
شكرًا إلياس..
لو محتاج أي حاجة كلِّمني ماتتكسفش، إحنا خلاص بقينا أصدقاء، ماتنساش وعدَك ياحضرةِ الظابط.
تنهيدةً مؤلمةً أخرجها من آلامِ مايشعرُ بهِ قائلًا:
متشكِّر بجد ياإلياس، تليفونَك فرق معايا، ومنتظر زيارتَك أكيد
إن شاء الله..قالها وأغلقَ الهاتفَ ينظرُ للخارجِ بشرود، ليلتفتَ للخلفِ بعدما استمعَ إلى كعبها الذي ينقرُ بالأرض، توقَّفَ يطالعُها وأقسمَ بداخلهِ أنَّ نقراتَ كعبها التي تتدلَّى بحركاتهِا، يشعرُ وكأنَّهُ ينقرُ فوقُ نبضِ قلبهِ ليتوَّقفَ عن النبضِ من تلكَ الجنيةِ التي قضت عليه.
وصلت إليهِ وتوقَّفت أمامهِ تشيرُ على نفسها:
مكنتش أعرف ذوقَك حلو كدا..كانت عيناهُ تفترسها برغبةِ رجلٍ عاشَ طيلةَ حياتهِ زاهدًا بالنساءِ لتخرجَ لهُ تلكَ الحوريةِ لتجعلهُ قديسًا لعشقها ..رفعت ذقنه تنظرُ بداخلِ عيونهِ بتجبُّرِ أنثى عاشقةِ حدَّ النخاع قائلةً بخفوت:
-إيه رأيك أنا ولَّا الموديل اللي شوفتُه عليها ..جذبها بقوَّةٍ لتصطدمَ بصدره.. شهقةً خفيضةً أخرجتها من قوَّةِ جذبه، تهمسُ اسمهِ بخفوت.. ارتجفت أوصالها بين ذراعيهِ وهي ترى صمتهِ وأنفاسها المرتفعةَ التي جعلت نبضاتهِ تخترقُ صدرهِ تحت كفِّها، رفعت عينيها إليهِ وتلاقت الأعينَ وليتها لم تلتقِ ليضمَّها بوقاحةٍ يتحسَّسُ جسدها بكفَّيهِ وكأنَّهُ يعدُّ فقراتها، همست بارتجافٍ من قبضتهِ عليها:
إلياس..تحرَّكَ ليقومَ بتشغيلِ الموسيقى الهادئة لتصدحَ بخفوتٍ بالمكانِ وأغلقَ الإضاءةَ ثمَّ اتَّجهَ إليها
يتراقصُ بجوارِها وهتف:
مش كنتِ عايزة ترقصي، دلوقتي أقدر أقولِّك أرقصي واعملي كلِّ اللي نفسِك فيه..
قشعريرة اختلجت كيانها لتتملَّكها عاطفةً قويةً وهي ترى تغيرهِ وعينيهِ التي لا تريدُ سواها..ناهيكَ عن إحساسهِ الصادقَ بكلِّ شيئٍ يفعلُه ..ظلَّ لوقتٍ يتراقصُ معاها وعينيهِ لم تنزاحَ عن جمالها …إلى أن فقدت القلوبُ السيطرةَ لينعمَ كلًّا منهما بالآخر.
بعدَ يومين:
انتهى من ارتداءِ ثيابهِ وجمعَ أشيائهِ الخاصة للذهابِ لعمله، خرجت تجمعُ خصلاتها على جنب:
إلياس عايزة أروح بعدِ الشغل أغيَّر العربية، هتيجي معايا ولَّا أروح لوحدي؟..
استدارَ إليها قائلًا:
هعدي عليكي..توقَّفَ عن الحديثِ بعدما ذهبَ ببصرهِ على ماترتديه:
غيَّري الفستان دا، مش هتنزلي بيه، ارتدى نظارتهِ وهمَّ بالمغادرة، أوقفته:
إلياس الفستان حلو ليه أغيَّره، التفتَ يحدجها بصمتٍ ثمَّ تحرَّكَ دونَ أن يضيفَ شيئًا آخر.
