رواية شظايا قلوب محترقه الفصل الثامن عشر18 بقلم سيلا وليد

رواية شظايا قلوب محترقه 
الفصل الثامن عشر18
بقلم  سيلا وليد

بشقة ارسلان

جمعت ملابسها بالحقيبة تبكي بانهيار تسبه مرة وتدعي عليه أخرى

-غبية ياغرام كنتي مفكرة هيحبك شوفتي ياهبلة عمل إيه، اهو اللي كنت شاكة فيه حصل، خرجت تسحب حقيبتها وجدتها تجلس تضع ساقًا فوق الأخرى:

-برة مش عايزة اشوف وشك تاني، توقفتواقتربت منها تقبض على أكتافها:

-لو شوفتك تاني هقتلك، خافي على نفسك، ولو مش خايفة خافي على اخوكي الحليوة،

تأرجحت عيناها بالقسوة والنفور:

-سكت على نزواته لأنها كانت تستاهل، أما ينزل لمستوى الخدامين…اييييه ازاي نزل للمستوى الزبالة دا، لو كان عرفني أنه مزاجه المرة دي على بيئة زيك كنت استنضفت، ضغطت على فكيها تهمس بهسيس

-مش ارسلان الجارحي اللي يقرب من بيئة زيك ياحلوة..

دفعتها بقوة حتى سقطت على الأرضية، وانحنت تحدجها بنظرات مميتة

-أنا مراته ياحقيرة، اللي مش عجباكي دي مراته، وانا مش ماشية علشان إنت طلبتي، لأ، ماشية علشان يعرف الزبالة اللي زيك حدودها، لازم يجلي راكع علشان اقبل ارجع له، لانه سمح باللي ذيك تدخل بيتي وعلشان المفتاح اللي في ايدك دا ..

جرت حقيبتها وتحركت مغادرة الشقة بالكامل

بفيلَّا السيوفي:

حانت الشمسُ وقد هلَّت بشائرها وأيقظَ الفجرُ نورهِ الفضِّي، ليوقظَ عبادهِ بالذكرِ والصلاةِ على نبي الأمة ..فتحَ عينيهِ على صوتِ صلاةِ هاتفه، أغلقهُ ومازالَ على الفراش..

بسطَ كفِّهِ على مكانها الباردَ بجواره،

شعرَ ببرودةٍ تجتاحهُ كلَّما تذكَّرَ حديثها عن الانفصال، كيفَ لهُ أن يهدأَ وهي التي جعلتهُ لا يُتقنُ فنونَ العشقِ سوى بأحضانِها وهمساتِها، أصبحَ بداخلهِ شغفُ الحبِّ الذي لايهدأ، وموجٌ متلاطمٌ يريدُ أن يثورَ ليُغرقَ ضفافَ شواطئ، كيفَ تحمَّلت ذاكَ الأسبوعِ الكئيبِ دونَ أن تتنعَّمَ بأحضانه، هل حقًا تريدُ الانفصال، أم تريدُ أن تردَّ كرامتها التي بعثرها بكلِّ جبروت، ذهبَ بذاكرتهِ لتلكَ الأيامِ التي أصبحت ذكرياته لجنَّة دنياه..

فلاش باك:

خرجت من البحرِ تتعلَّقُ بعنقهِ ليحملُها بينَ ذراعيهِ قائلًا:

كدا مرتاحة يعني ..دفنت رأسها بصدره:

وماليش راحة غير هنا ياإلياس..مرَّرت كفَّها على صدره:

دا بيت راحتي، وإعمل حسابَك مهما نزعل من بعض إياك تحرمني من حُضنك مش هسمحلَك ياحضرةِ الظابط.

رفعها إليهِ ليقبِّلها ويدفنُ وجههِ بوجهها:

ولا أنا هسمحلِك تبعدي، إبعدي وشوفي هعمل فيكي إيه..وصلَ إلى المنزلِ وأنزلها بهدوءٍ ومازالت تتعلَّقُ بعنقهِ ترفعُ نفسها وتنظرُ لعينيهِ متسائلةً بهمس:

هتعمل إيه لو بعدت..حاوطَ خصرها ودلفَ لداخلِ الحمَّامِ يزيلُ عنها ملابسَ الغطسِ تراجعت للخلفِ تشيرُ بيديها:

باااس هنا وشكرًا ياسيادةِ الظابطِ القمر، دنا بخطواتهِ منها وعينيهِ تعانقُ جسدها بالكامل:

واللهِ مايحصَل، لازم أكمِّل مش هتعرفي صدَّقيني، تراجعت تضحكُ بصوتٍ مرتفعٍ تهزُّ رأسها كطفلةٍ ذاتِ السبعِ أعوام:

إلياس إبعد بقى، أنا هتصرف، وصلَ إليها ليجذبها بقوَّةٍ تصطدمُ بصدره، يلفُّ ذراعيهِ حولَ جسدها:

كنتي بتسألي هعمل إيه لو بعدت ..لمست وجنتيه:

أنا مش هقدر أعيش بعيد عنَّك ياإلياس، انحنى يطبعُ قبلةً على جبينها:

لو قولتي كدا قبلِ جوازنا كنت هقولِّك عادي مع الوقتِ هتنسي، بس دلوقتي مش هسمحلِك أصلًا، بلاش ترسمي خيال حتى ياميرو..

رفرفت بأهدابِها وهو يهمسُ بجوارِ أذنها، اتعودتِ على حضنِك وشقاوتِك المجنونة يابنتِ طنطِ فريدة..

نعم يعني إيه بقى الكلام دا..

قبلةً سريعةً على شفتيها وتحرَّكَ للخارجِ دونَ حديثٍ آخر .

خرجَ من شرودهِ على صوتِ إقامةِ الصلاة، نفضَ نفسهِ واعتدلَ متَّجهًا إلى الحمَّام، ليقيمَ صلاةَ الفجر..

استيقظَ بعد فترة على رنينِ هاتفه:

إلياس باشا مدام ميرال رافعة على حضرتَك قضية طلاق.

أغمضَ عينيهِ يهمسُ بين النومِ واليقظة:

إقبل القضية يامتر وطلَّقها، وأتعابك عندي..قالها وأغلقَ الهاتفَ ليذهبَ بنومهِ مرَّةً أخرى ..

بالغرفةِ المجاورةِ تدورُ بالغرفةِ منتظرةً مهاتفةَ المحامي، لحظاتٍ واستمعت إلى رنينِ الهاتف:

أيوة يامتر عرَّفته؟..

أجابها على الجانب الآخر

قالِّي أطلقِك يامدام …

إيه…أجابها : نعم فيه حاجة؟! أبعتلُه إعلان؟..

تمام ..قالتها وأغلقت الهاتفَ لتجلسَ على الفراشِ بعدما شعرت بدورانِ الغرفةِ بها:

الراجل دا إيه جبروت، جزَّت بأسنانها على أناملها غيظًا، إلى أن هبَّت من مكانها وغادرت المكان.

بعدَ فترةٍ خرجَ من حمَّامه، توقَّفَ يرتدي ثيابهِ مع رنينَ هاتفهِ مرَّةً أخرى:

أيوة فيه إيه؟!

مدام ميرال عايزة تقابل المسجون ياباشا وبتقول معاها تصريح بكدا..

خلِّيها تقابلُه، واعملَّها قهوتها كمان، ولو عايزة تاخدلُه صور خلِّيها تعمل اللي هيَّ عايزاه محدِّش يتعرضلها، إيَّاك حدِّ يقرَّب منها، وخلِّي بالَك من المتَّهم ليهجُم عليها دا مريض نفسي..أغلقَ الهاتفَ وتوقَّفَ أمامَ المرآةِ يُغلقُ زرَّ قميصهِ ووجههِ لوحةٌ من الجمودِ والبرودِ ينظرُ لنفسه:

عايزة إيه يابنتِ فريدة، تطلَّقي مع السلامة، مفكَّرة هموت عليكي..

جلسَ وشعرَ باختناقهِ وعدمَ تنفسهِ وكأنَّ جدرانَ الغرفةِ تُطبقُ على صدره، ظلَّ لعدَّةِ دقائقَ يسحبُ أنفاسًا يزفرُها إلى أن هدأ

-بتلعبي معايا ياميرال، نهض يكمل ثيابه ثمَّ ذهبَ إلى عمله…

وصل إلى مقر عمله وجدها أنهت عملها، دلف للداخل ينزع سترته، ويطيق اكمامه كما تعود رافعًا عيناه للمسؤل عن المكتب:

-قهوتي، ومش عايز حد يدخلي غير لما اقولك …خرج الرجل وظل يتابع عمله إلى أن دفعت الباب ودلفت للداخل رغم اعتراض العسكري

أشار للرجل بالخروج، ثم رجع بجسده يطالعها لبعض اللحظات بصمت، اقتربت منه قائلة:

-رفعت قضية طلاق عليك يارب تكون مستعد، نقر بالقلم فوق المكتب وظل كما هو..حتى وصلت إليه

-طلبت منك ننفصل بهدوء بس انت اللي رفضت، ماترجعش تلومني

-لو خلصتي كلامك اطلعي برة

-خارجة متحسسنيش اني في الجنة، اكتر مكتب بكرهه

أشار بكفيه على الباب:

-روحي للي بتحبيه..

عادَ مساءَ اليومِ وصعدَ إلى غرفتهِ رغمَ انتظارها له..أوقفتهُ على الدرج:

لازم نتكلِّم..

مش فاضي..قالها وصعدَ الغرفةَ، أصابه الجمود بعدما وجد انقلاب الغرفة، واخلاء الغرفة من اشيائها الخاصة

بغرفتها ظلت جالسة على الفراش لبعض الوقت تحاول أن تضغط على نفسها حتى لا تذهب إليه، تذكرت كلماته، أطبقت على جفنيها وترقرت دموعها، تضع كفيها على نبضها

-حرقت قلبي ياإلياس، حرفته لحد مابقاش ينبض..فتحت هاتفها تنظر إلى صورهما متذكرة جنونه معها، تهمس لنفسها

-معقول النظرات دي مكنتش بتحب، معقول دا كان كذب…ملست بيديها على صورته وهو يضحك

-مستحيل تكون بتلعب بيا، ازاي وكنت بسمع دقات قلبك، لا مستحيل العيون ونبض القلب يكذبوا…ألقت الهاتف بعيدًا تضم نفسها ودموعها تنساب بصمت تهمس لنفسها:

-هحرقك ياالياس زي ماحرقتني..

بغرفته ظل جالسًا لبعضِ الوقتِ ثمَّ قامَ بمهاتفةِ الخادمة:

هدى جهِّزي كوباية لبن لمدام ميرال وتعاليلي ..

مرَّت ساعةً ثمَّ تحرَّكَ متَّجهًا إلى غرفتها، دلفَ إلى الغرفةِ وجدها تغطُّ بنومٍ عميق، اقتربَ منها ينظرُ إليها بإشتياقٍ انبثقَ من عينيه، أمالَ بجسدهِ وطبعَ قبلةً أعلى رأسها:

دلوقتي هقولِّك جاهز..قالها وهو يحملُها يضمُّها إلى صدرهِ وخرجَ بها من الغرفة..

لازم نقعُد نتكلِّم مش هينفع نفضَل كدا كتيير، فوقي بس وبعدين لازم نحاسِب بعض ..خطى بها إلى أن وصلَ إلى بابِ الفيلَّا، توقَّفَ إسلام أمامه:

رايح بيها فين ياأبيه، ماما فريدة مش هتسكُت..

خلِّي بالَك من بابا لمَّا أرجع، قالها وتحرَّكَ بها إلى أن وصلَ إلى سيارته، وضعها بهدوءٍ واستدارَ للقيادةِ وتحرَّك..

بعدَ ساعتينِ من القيادة، وصلَ إلى ذاكَ المنزلِ الذي ابتاعهُ منذُ أسبوع، بإحدى المناطقِ التي تطلُّ على النيل مباشرة، ترجَّلَ يحملُها ودلفَ بها للداخل، كانت تنتظرهُ إحدى الخدمِ لمراعاتها أثناءَ غيابه، وضعها بهدوءٍ على الفراش، وانحنى يطبعُ قبلةً فوقَ جبينها يمسِّدُ على خصلاتها فتحت عيناها تهمسُ بخفوت:

إلياس ..ابتسمَ ثمَّ انحنى يطبعُ قبلةً على وجنتيها:

أخيرًا فوقتي، شكلِ المنوِّم كان تقيل، شعرت بثقلٍ برأسها، غفت مرَّةً أخرى، ظلَّ يمسِّدُ على خصلاتها واشتياقهِ إليها كجمرةٍ ناريةٍ تحرقُ داخله، رفرفت بأهدابها مرَّةً أخرى..انحنى يهمسُ لها:

فوقيلي ياروحي..

اعتدلت برأسها المتثاقلةِ وكأنَّها في حالةٍ بينَ الوعي واللاوعي، رفعت رأسها لهُ حينما أردف:

رافعة قضية طلاق على حبيبِك..

عايزة تطلَّقي، هنا فاقت من خمولِها لتعتدلَ تطالعهُ بذهول:

إنتَ!! تجوَّلت بالمكانِ حينما ارتعبَ داخلها:

فين ماما ..أخرجَ منامةً من الحقيبة، ينظرُ إليها:

مش بطالة حلوة، انحنى إليها..

أنا فين وإنتَ بتعمل إيه ..تسائلت بها بأنفاسٍ متقطِّعة..

جلسَ يفتحُ أزرارَ كنزتها:

إنتِ فين، إنتِ هنا قدَّامي، بعمل إيه، جاي علشان أطلَّقك، مش إنتِ عايزة تطَّلقي ياروحي، قالها بعيونٍ متوهجة، لتتراجعَ إلى الخلفِ تشيرُ إليهِ بتهديد:

لو قرَّبتِ منِّي هصوَّت وألمِّ عليك الناس..أشارَ على النافذة قائلًا:

اطلعي عند الشباك، هنا محدِّش هيسمعك، ولَّا أقولِك اطلعي برَّة البيت..نهضت وتحرَّكت جهةَ البابِ بينما ظلَّ بمكانهِ يتابعُ تحرُّكها قائلًا:

ميرال..تصنَّمَ جسدها فتوقَّفت تواليهِ ظهرها، نهضَ من مكانهِ واقتربَ منها بخُطى دبُّت الرعبَ لقلبها، وصلَ خلفها وأردف:

فرحانة من جواكي علشان رفعتي عليَّا قضية طلاق ..ارتجفَ جسدها من نبرتهِ ورغمَ ذلكَ استدارت تحدجهُ بنظراتٍ ساخرةٍ ثمَّ استدارت مقتربةً منه:

-آه فرحانة ولا كنتِ منتظر منِّي أبعتلَك دعوة فسحة للمالديف، إيه رأيَك، دنا منها والتوى ثغرهِ بشبهِ ابتسامةٍ ساخرة:

شكلِ الرحلة كانت عجباكي أوي..

أومال، مش معاك لازم تعجبني، أصلَك اتكلِّفتِ كتير، والصراحة أنا أستاهل..، مش الفسح معايا تستاهل برضو، وضعت إبهامها على شفتيها بعلامةِ تفكيرٍ ثمَّ غرزت عينيها بعينيه:

مشروع حلو ياإلياسو، يعني بعد ماتطلَّقني أه ماهو إنتَ هتطلَّقني غصبِ عنَّك برضاك المهم هتطلَّقني ليه بقى ياحضرةِ الظابط..

اقتربت خطوةً أخرى حتى اختلطت أنفاسهما وتعلَّقت الأعينَ بنظراتِ الكبرياء:

عجبني عرضَك أوي، ليه لأ..أجرَّب مع غيرَك، بس المرَّة الجاية هحُط شروطي، يعني اللي يدفَع أكتر، أشارت على نفسها وتمتمت بقهر اذاب ضلوعها من الألم

-أنا استاهل، انت مجرب وعارف اني استاهل ولا ايه، ولا حبيت تستمتع تاني متخافشِ هعملَك …لم تُكمل حديثها عندما ثارت شيطاينهِ ليطبقَ على عنقها، يهمسُ بفحيحٍ أعمى:

هقطع لسانِك دا لو سمعت صوتِك، نفس تاني وهمو. تِك سمعتي يابت..

شحبَ وجهها وكادت روحها أن تذهبَ لخالِقها إلَّا أنَّهُ تركها تسعلُ وتضعُ كفَّيها حولَ عنقها تطالعهُ بدموعٍ قائلة:

-مفكر لما تعمل كدا هخاف منك..لم تهتم لحالته الجنونية التي أصبح بها، لتقترب منه فاليوم أعلنته عدوها، ودفنت حبها لتطعنه بجبروت انثى حطم كبريائها قائلة:

إنتَ مش راجل يابنِ السيوفي، نزلت من نظري سمعتني، مش راجل ياإلياس ياسيوفي، ولو معتبِر نفسَك راجل طلَّقني.

لحظاتٍ جحيميةٍ كادت أن تزهقَ روحهِ من حديثها، أنفاسٍ كالنيرانِ تلتهمُ رئتيه، نفرت عروقهِ وعينيهِ التي تحوَّلت شُعيراتها للونِ الأحمر، مع تكوُّرِ عبراتهِ لأوَّلِ مرَّةٍ تحتَ أهدابه، طالعها ورجفةٌ بكاملِ جسدهِ يهمسُ بتقطُّع:

أنا مش راجل ياميرال

أاااه..صرخت بها، واتقد نيران النفور من قلبها الذي مازال ينبض له..غرزت نيران عيناها المشتعلة وهتفت بنبرة مصبوغة بالقوة لتحطميه:

-مش راجل، فين الرجولة فيك وإنتَ بتنتقِم من أمي فيَّا، فين الرجولة وكلِّ ليلة وأنا في حُضنك وفرحانة بدقاتِ قلبَك وإنتَ بتخطَّط إزاي تقهرني، اقتربت ورمقتهُ بنظراتٍ مشمئزَّة:

فين الرجولة وإنتَ بتتشطَّر على ست وبنتها، ليه الانتقام دا كلُّه، علشان إيه؟..

أوعى تدِّي لنفسَك العُذر ياحضرةِ الظابط..لأن عُذرَك ماهوَّ إلَّا إدانة، إنتَ في نظري إنسان ظالم مستبد عايز الكون يلف حواليه، إنسان مغرور متكبِر معرفشِ على إيه..

لكمتهُ بصدرهِ بقوَّةٍ وصاحت بقهر:

أنا بحمِد ربِّنا إنِّي بقيت أكرهك، وبحمِد ربِّنا أنُّي اتخلَّصت من الجنين علشان مفيش حاجة تُربطنا ببعض

أصابها الجنونَ وبكت بشهقاتٍ مرتفعة:

كرَّهتني فيك ياإلياس، خلِّتني أكره أكتر شخص حبيتُه في الدنيا..ظلَّت تدفعهُ وتبكي إلى أن أُنهكت لتهوى على الأرضية، طلِعت كدبة، وأنا بقول هي كلمة بحبِّك تقيلة على لسانُه، أتاريه متجوِّزني علشان ينتقِم من أمي، أشارت على نفسها ودارت بنظراتٍ ضائعةٍ وقلبٍ مهشَّم،

متجوِّزني مُتعة، عايز تتمتَّع وتنتقِم، علشان رامية نفسي عليك..ضربت بكفَّيها على الأرضيةِ وصرخت حتى فقدت أحبالها الصوتية:

ربِّنا ينتقِم منَّك ياإلياس، ربِّنا يُقهر قلبك زي ماقهرتني..نهضت واتَّجهت إليهِ تدفعهُ بقوَّةٍ ليرتدَّ للخلفِ صامتًا على ماتفعلُه، ظلَّ واقفًا بقلبٍ ينزفُ على حالتها لايعلمُ أيُعاقبُها على حديثها أم يعاقبُ نفسه..حاولَ أن يضمَّها ليهدِّئها ولكن كيف وهي التي سُحبت قواه ليصبح كالقلاعٍ الواهيةٍ من الرمال ..شعرَ بدورانِ الأرضِ به من طلقاتِ كلماتها الناريةِ التي مازالت ترميها وكأنَّهُ عدوها الأَّول والأخير..

هطلَّق منَّك ومش بس كدا هتجوِّز أي واحد قدَّامي علشان ينسِّيني أي لمسة من واحد حقير زيَّك،

نظرت إليه بعيونًا هالكة وتمتمت بجبروت:

والله لأحرَق روحَك زي ماحرقتِ روحي يابنِ مصطفى السيوفي..وصلت إلى جلوسهِ وابتسمت على وجههِ الذي شُحبَ بالكاملِ وغرزت عينيها بعمقِ عينيه:

عارفة إنَّك بتحبِّني وأوي كمان ، حركت كفيها على صدره تلكزه بقوة

-متأكدة من نبضه ليا، ماهي القلوب عند بعضها، علشان كدا هوقف نبضه للأبدوهتجوِّز غيرَك هخليه يمسح آثارك المُقرفة من عليَّا يابنِ السيوفي، لأنِّي قرفانة من نفسي كلِّ ما أفكَّر إنَّك..صمتت عن الحديثِ بعدما توقَّفَ وترنُّح وقشعريرة انتابت جسده كخروج الروح من الجسد، جاهد بإخفاء اعتصار اضلعه أمامها، ولكن كيف وهي التي طعنته باقسى الطعنات، ابتلع جمرات حديثها الذي ألجمه وشعره بالضعف والعجز، وخطى كالمخمور منسحبًا من المكانِ بل من المنزلِ بالكامل ..قادَ سيارتهِ بسرعةٍ جنونيةٍ يفتح زرَّ قميصهِ عندما شعرَ بانسحابِ أنفاسه، كلماتٍ داميةٍ بل طعناتٍ تدبحهُ بكلِّ جبروت ..ظلَّ يتحرَّكُ بالسيارةِ دونَ هدواة ..توقَّفَ فجأةً بالسيارةِ لتدورَ بسرعةٍ كادت أن تنقلبَ بهِ لولا تلكَ الصخرةِ التي اصطدمت بها.. دقائقَ يدعو من اللهِ أن يسحبَ أنفاسهِ إلى بارئها ..وضعَ رأسهِ على القيادةِ وأطبقَ على جفنيهِ محاولًا استجماعَ ذاتهِ التي ضاعت بسببِ ذاكَ القلبِ الضعيف، وكلماتها القاسية تضربه كالصاعقة، شعر وكأن أحدهم يطبق على عنقه، يود أن يصرخ من أعماقه بكل ما أوتي من قوة من شدة آلام مايشعر به، دقائقَ خلفَ دقائقَ إلى أن أقسمَ بداخلهِ أن ينتزعَ قلبهِ ويُلقيهِ خارجَ صدره..

أرجعَ ظهرهِ للوراءِ وقامَ بتشغيلِ موسيقى هادئة، وأغمضَ عينيهِ لفترةٍ إلى أن هدأَ ثمَّ رفعَ هاتفهِ إلى إسلام وأخبره قائلاً:

إسلام إبعت السواق على العنوان اللي هبعتهولَك، أو روح إنتَ رجَّع بنتِ مدام فريدة..

نهضَ إسلام من مكانهِ ورسمَ ابتسامةً أمامَ والديه:

بنتِ مدام فريدة!!.

إيه الِّلي حصل..اسمع الكلام وبس، قالها وأغلقَ الهاتفَ ثمَّ تحرَّكَ بالسيارة..

صباحَ اليومِ التالي:

خرجت من غرفتها بخروجهِ من غرفتهِ يتحدَّثُ بهاتفه، قابلتها غادة تنظرُ إلى ثيابها القصيرة معترضة:

إيه اللي إنتِ لبساه دا ياميرال وترجعي تقولي أخوكي وأخوكي..

أزاحتها وتحدثَّت بصوتٍ مرتفعٍ لكي يصلَ إليه:

أنا حُرَّة محدِّش لُه كلام عليَّا، حرِّة نفسي أعمِل اللي يعجبني واللي مش عاجبُه يشرَب من البحر..

هبطَ إلى الأسفلِ وكأنَّهُ لم يستمع إليها،

ألقى تحيةَ الصباحِ على والدِه:

رفع مصطفى بصره وأجابه بفخر:

-صباح الخير ياحبيبي، مبروك عرفت إنَّك اترَقيت لسة اللواء محسن قايلِّي..

شكرًا يابابا..هرولت غادة تقبِّلهُ على وجنتيه:

أشطر ظابط أخويا أنا، لازم حفلة بقى يابابا..رفعَ الجريدةَ ولم يهتم بحديثِ غادة، كان مصطفى يراقبُ ميرال التي وصلت وجذبت المقعدَ بجوارِ إسلام قائلة:

عمُّو أنا نقلت من الجريدة مش مرتاحة فيها، بعرَّفك بس علشان مترجعشِ تقول آخر من يعلم..

أومأَ لها دونَ حديثٍ وهو يتابعُ إلياس…

إلياس ..رفعَ نظرهِ لوالدهِ وهو يرتشفُ قهوته..

ليه طلبتِ نقلَك السويس؟..

اتَّجهَ بنظرهِ مرَّةً أخرى للجريدة:

مكُنتِش طالب السويس، بس جت فيها أيِّ مكان مش مشكلة، عايز أغيَّر الروتين المملّ شوية يابابا مش أكتر، القاهرة بقت ضيَّقة عليَّا عايز مكان أعرف أتنفِّس فيه..

شعرت بالحزنِ من نبرتهِ التي يحاولُ أن يخرجها ثابتة، وصلت فريدة إليها وهدرت بغضب:

إنتِ رفعتي قضية طلاق على جوزِك؟!..

رفعت كوبَ عصيرَها بأيدي مرتجفةٍ تطالعهُ وهمست بسُحبِ عينيها المتكوِّرةِ تحتَ جفنيها:

أيوة ياماما..لوَّحت أعينُ فريدة بالغضبِ وهدرت معنِّفةً إياها:

اتصلي فورًا بالمحامي ووقَّفي المهزلة، نهضَ ينظرُ إلى إسلام:

بعد ساعتين السواق هيجي ينقِل حاجاتي الخاصة، خلِّيك معاه..

ثمَّ رفعَ نظرهِ إلى فريدة:

أتمنَّى ماتدَّخليش في حياتها وهيَّ حرَّة..حتى لو سحبت القضية وجَت اعتذرِت مليون اعتذار، بنتِك مابقتشِ تلزَمني، ورقتِك هتكون عندِك بالليل يامدام، وفَّري أتعاب المحاماة واعرفي قيمة اسمِ العيلة..

قالها وارتدى نظارتهِ متحرِّكًا بعنفوانهِ وخطواتهِ الواثقة وكأنَّهُ لم يكن ذاكَ الذي كانَ منذُ ساعاتٍ قليلة …

أمَّا مصطفى الذي نظرَ إليها بذهولٍ وكأنَّ أحدَهم سكبَ عليهِ دلوًا من الماءِ المثلج:

إيه اللي سمعتُه دا!..طلاق على إلياس

إنتِ اتجنِّنتي ولَّا إيه..نهضت تحملُ حقيبتها وهربت من أمامهم دونَ أن تتحدَّثَ بحرفٍ واحد، فيكفي ماتشعرُ به منذُ الأمس، لقد انتزعَ قلبها وأخذهُ ورحل، شعرت بفداحةِ ماقالتهُ لهُ ولكن ماذا سيفيدُ البكاءُ على اللبنِ المسكوب…

مساءَ اليومِ قامَ بمهاتفتها:

قابليني في العنوان اللي هبعتهولِك، بعربية الحراسة، متخرجيش من غيرها

ارتجفَ قلبها بالسعادة، هبَّت من فوقِ فراشها فرحًا، فمنذُ خروجهِ بعدَ حديثهِ بإتمامِ الطلاقِ وهي تشعرُ بالمرضِ يتخلَّلُ جسدها بالكامل ..همست بفرحةٍ وهي تُخرجُ أحدِ فساتينها:

هنروح فين علشان بس أعرف نوع الفستان اللي هلبسُه..

إلبسي فستان أبيض وياريت لو فستان فرح علشان النهاردة فرحتِك هتكمَل وتطلَّقي من أقذر شخص ربطِّي اسمِك بيه وبالتلاتة ..قالها وأغلقَ الهاتف..

شهقةٌ خرجت من فمها لتهوى على الأرضِ بعدما فقدت سيقانها حملها، بكت بصوتٍ مرتفعٍ حتى تحوَّلَ بكاؤها لصراخٍ وهي تهمسُ لنفسها:

مش عايزة أطلَّق، تراجعت بجسدها تستندُ على الجدارِ تحتضنُ ركبتيها..

دلفت والدتها بجوارِ غادة سريعًا بعدَ سماعِ بكائها، ألقت نفسها بأحضانها:

مش عايزة أطلَّق ياماما، قوليلُه مش عايزة أطلَّق..ربتت على ظهرها تحاولُ تهدئتها، ثمَّ أردفت بهدوءٍ رغم بكاءِ قلبها عليها:

مين اللي قال إنُّه هيطلَّق، ياهبلة دا لو عايز يطلَّق كان أقلِّ حاجة رمى يمين الطلاق عليكي، هيَّ بس حجة مش أكتر..لمعت عيناها بعدما وجدت بصيصًا من الأملِ على حديثها فنهضت من مكانِها دونَ أن تقولَ شيئًا وانتقت من فساتينها أجملها، ووضعت لمساتٍ خفيفةٍ متحرِّكةً للخارجِ مع مراقبةِ والدتها إليها بحزن، احتضنت رأسها:

يارب يهديك ياإلياس ومتعملشِ حاجة تندم عليها العمرِ كلُّه.

وصلت بعدَ قليلٍ إلى شارعٍ هادئٍ إلى حدٍّ ما بأحدِ الأماكنِ الراقية، على العنوانِ الذي أرسلُه، ترجلَّت من السيارةِ وهاتفتهُ تدورُ حولها:

أنا وصلت..كانَ بسيارتهِ يتابعُها بعينيه، فأجابها:

شوفتِك..قالها وترجَّلَ مع نزولها تتلفَّتُ بالمكان، إلى أن وقعت عيناها على تلكَ اللوحةِ التي يُدوَّنُ فوقها:

“مأذون شرعي”..أغلقت البابَ واستندت على السيارة، قام بمهاتفة حراستها

-انتوا فين يابني، ازاي المدام تخرج من غيركم

-رفضت ياباشا..سبه صارخًا به

-خمس دقايق وتكون في العنوان اللي هبعته، اغلق الهاتف مع اتصال ارسلان

-إلياس أنا في المكتب، انت فين

اجابه:

-عندي مشوار مهم ربع ساعة وأكون عندك…قالها مع لمحه لسيارة سوداء رباعية تقترب بجوارِها لتفتحَ البابَ وتحاولَ أن تجذُبها، صرخت باسمِ إلياس الذي كان يتحدَّثُ بهاتفِه مع ارسلان..تحرك سريعًا على ذاكَ المشهدِ الذي سحبَ أنفاسِه، لحظةً من الصمتِ المميتِ للعقلِ وكأنَّ عقلهِ توقَّفَ عن التصرُّفِ وهم يحاولونَ جذبها بعنفٍ للسيارة، أخرجُ سلاحهِ من السيارة، مع سماع ارسلان لصوته

-ميرال قالها وهو يهرول، مع إطلاقِ الأعيرةِ النارية، تبادلت الطلقات بوصولِ أمنِ ميرال الذي وصل للتو بأمرٍ من إلياس..وصلَ إليها

جذبها يدفعُها للخلفِ بعدَ وصولِ سيارةٍ أخرى من هؤلاءِ الخارجينَ عن القانون:

روحي على عربيتي بسرعة ..قالها وهو يحاصرُها بجسده، وأخرجَ هاتفهِ لمساندتهِ من أطرافِ الأمنِ الخاص به، وجدَ أرسلان يهاتفه:

فيه ناس بتحاول تقتلني، كلِّم شريف يبعتلي دعم بسرعة، قالها وأغلقَ الهاتفَ يجذبُ ميرال محاولًا الخروجَ من ذلكَ المكانِ بعدما وجدَ استماتتِهم بموتهما، تراجعَ للخلفِ ليصلَ لسيارتهِ المصفَّحة ليضعها بها، كان يحاصرُها بجسدهِ كي لا تصاب..تشبَّثت بملابسهِ من الخلفِ بعدما سقطَ معظمِ الأمنِ الذي يقومُ بحمايتها..

ميرال على العربية ..قالها بعدَ محاصرتهِ من بعضِ الأشخاص..

ارتجفَ جسدها وهي تراهُ يحاولُ جاهدًا الخروجَ من ذلكَ المكانِ الذي أُغلقَ عليهم وكأنَّ الذي خطَّطَ على درايةٍ تامةٍ بما سيفعلُه..نفذَ سلاحهِ من الطلقات، استدارَ إليها سريعًا يضمُّها لأحضانهِ يشيرُ إلى ذلكَ المنزل:

ميرال إعملي زي ماهقولِّك تمام ..هزّت رأسها بالموافقةِ مع دموعها التي أصبحت كالشلَّال ..أشارَ إلى المنزل:

أدخلي هنا وأنا هحصلِّك،

بعد ماألهيهم، ممعيش رصاص ولازم أوصل العربية، ماشي

مش هسيبَك ياإلياس..

ميرال مبقاش معايا غير رصاصة واحدة لازم نخرُج من هنا حبيبتي..

احتضنتهُ من الخلف تبكي تهزُّ رأسها بالرفض:

مش هسيبَك سمعتني، جذبها وتحرَّكَ سريعًا يضعها خلفَ جسدهِ واختبأَ بالداخلِ منتظرًا الدعم، استمعَ إلى صعودِ أحدِهم على الدرج ..وضعَ كفِّهِ على فمها يشيرُ إليها بالصمت، دخلَ يبحثُ عنهما وهو يوجِّهُ السلاحَ بالمكان، جذبهُ يجرُّهُ إليه، وبحركةٍ خفيفةٍ جذبَ السلاحَ وأطلقَ رصاصته،

ثمَّ استدارَ إليها بعدما صرخت تضعُ كفَّيها على أذنها..ضمَّها لأحضانه:

خلاص إهدي، تحرَّكَ بحذرٍ ومازالَ محاوطًا جسدها، خرجَ من المنزلِ ولكنَّ هناكَ من ينتظرهُ بالخارج.. طلقاتٍ ناريةٍ مصوَّبةً عليهما، حاوطها بجسدهِ إلى أن اخترقت أحدُ الرصاصاتِ جسده، مع وصولِ أرسلان بالدعم، ليهربَ المجرمينَ ويهوى على الأرضيةِ أمامها غارقًا بدمائه، صرخةً شقَّت صدرها باسمهِ وهي تجثو تحتضنُ رأسهِ وتهزُّ رأسها بعنف:

لا لا ..إلياس انحنت برأسها تضمُّهُ تبكي بهستريا:

افتح عيونَك حبيبي، إياك تسبني إلياس.. حبيبي أنا غلطانة آسفة أنا السبب، صرخت وصرخت وهي تضمُّهُ بجنونٍ وكأنَّهُ سيفارقها، رفعَ كفِّهِ ببطئٍ يحتضنُ كفَّها وحاولَ الحديثَ ولكنَّهُ لم يقو …انحنت تقبِّلهُ وتبكي بهستريا ” إلياس”وصلَ أرسلان بعدما أنهى على الجميع وجدهُ يحاولُ أن يفتحَ عينيهِ فحصَ نبضِه:

لازم نتحرَّك فورًا النبضِ ضعيف، هجيب العربية..

بكت تصرخُ تضمُّهُ مرَّةً وتقبِّلهُ مرَّة كالتي فقدت عقلها ..ضغطَ على كفِّها بضعفٍ ينظرُ لدموعِها التي تساقطت على وجههِ ثمَّ ابتسمَ ليغلقَ عينيهِ بعدها.
تعليقات



<>