رواية شظايا قلوب محترقه
الفصل الثالث عشر13
بقلم سيلا وليد
أمام البوابة الرئيسية لفيلا السيوفي، ترجلت ميرال من سيارتها ، واتجهت تتطلع إلى امتناع الأمن عن دلوف رانيا للداخل، اقتربت متسائلة:
-في ايه ؟!.
أشار أحد رجال الأمن إليها
-المدام ممنوعة من الدخول ياهانم، وهي مصرة تدخل
رمقتها رانيا بنظرة سريعة
-أنا لازم أقابل فريدة أو إلياس السيوفي
توقَّفت ميرال:
نعم.. تعرَفي جوزي منين؟!..
اقتربت منها تطالِعها بتعمُّقٍ وأردفت متسائلة:
إنتِ بنتِ فريدة ولَّا…قاطعهما إسلام الذي وصلَ يحاوطُ كتفَ ميرال:
حبيبتي اتأخرتي ليه؟..
استدارت ترمقُ رانيا:
المدام كانت بتسأل على ماما..
ماما !! تساءلَ بها إسلام..بسطَ كفِّه:
أهلًا بحضرتِك..تعمَّقت بالنظرِ إليه:
إنتَ إلياس..هزَّ رأسهِ بالنفي فهزَّت رأسها متذكِّرةً صورتهِ يومَ زفافه، رسمت ابتسامة:
أه افتكرت ..قاطعها وتحدَّثَ بمغذى:
إلياس السيوفي تُقصدي ..
هوَّ أخوك ثمَّ أشارت على ميرال:
ودي أختك إزاي؟…اقتربَ منها وهو يضعُ كفَّيه بجيبِ بنطالِه:
هوَّ حضرتِك جاية تسألي عن شجرةِ العيلة!..آسف بس ليه بتسألي…
ابتلعت ريقها بصعوبة، وتلعثمت وعينيها على ميرال:
أبدًا كنت عايزة أسألُه عن حاجة.
حاجة، طيِّب ليه ممنوعة من الدخول، هيَّ ماما تعرفِك؟..
ماما!! قصدَك مين؟..
كانت تقفُ تطالعُها بصمتٍ وهي تتحدَّثُ مع إسلام إلى أن فجأة قطعت حديثها:
إنتِ تعرفي ماما فريدة؟..
هزَّت رأسها بالنفي واستدارت متحرِّكةً لسيارتها سريعًا…
استقلت السيارة ونظراتها على اسلام وميرال، ثم رفعت هاتفها
-عايزاك تعرف كل حاجة عن ولاد السيوفي، وكمان البنت اللي اسمها ميرال دي، دي اختهم ازاي وكمان مرات ابنهم الكبير ..قالتها وأغلقت الهاتف وهي تنظر إلى الفيلا
-مفكرة بيهم هتقدري تبعدي عن شري يافريدة، وحياة وجعي السنين دي كلها منك ومن راجح وجمال لاحرق قلبك عليهم كلهم، شكلهم بيحبوكي معرفش ليه، بس البنت دي ازاي بنتك، معقول تكون بنتي ..هزت رأسها
-لا لا ..ذهبت بذاكرتها تهمس لنفسها
-البنت شبه راجح وجمال فعلا، وبعدين، لازم اصرف اعمل ايه علشان اتأكد، البنت دي مش شبه فريدة
ضيقت عيناها تهز رأسها
-التحليل لازم اعمل التحليل ..
عندَ فريدة:
انحنى راجح يحاوطُ المقعدَ الذي تجلسُ عليهِ قائلًا:
دوَّرت عليكي كتير يافريدة، كنتي فين وإزاي عرفتي العنوان …
دفعتهُ بحقيبتها تشيرُ إليهِ بغضبٍ اندلعَ من عينيها:
اسمعني ياراجح ..قالتها بدفعِ إلياس الباب َمع اعتراضِ السكرتيرة، توقَّفَ متسمِّرًا يوزِّعُ نظراتهِ بينهما، ووضعيةِ حقيبتها التي تدفعُ بها راجح ..اقتربَ منهما مع ارتجافِ جسدها من نظراتِ إلياس إليها، دلف للداخل باعتدال راجح
-إلياس باشا!!
دلف بخطوات مميتة لقلبها وهي تطالعه بصدمة كيف علم بوجودها، جذب المقعد مع بسط راجح يده للسلام عليه ولكنه تجاهله، رفع عيناه إلى راجح ثم أشارَ إلى السكرتيرة:
قهوتي سادة، وقهوة طنط فريدة مظبوطة، مش كدا ياماما فريدة؟..
قالها بعدما جلسَ يضعُ ساقًا فوق الأخرى، وأخرجَ سجائرهِ ينفثُها بهدوءٍ رغمَ احتراقِ داخلهِ من رؤيةِ راجح قريبًا منها …
جلست فريدة وعينيها عليه، تعلمُ أنَّهُ لن يصدِّقها فصمتت تطبقُ على جفنيها للحظاتٍ تحاولُ أن تسحبَ نفسًا، بعدما شعرت وكأنَّ جدرانَ الغرفةِ أطبقت على صدرها..
رانَ صمتٌ مميتٌ بالغرفةِ إلى أن قطعهُ إلياس وهو ينظرُ إلى راجح:
الذي مازال متوقفًا مذهولا من دخوله بتلك الطريقة، استدار إلى مقعده وجلس عليه، ينظر إلى إلياس الذي طالعه وهو ينفث سجائره قائلًا بنبرة يشوبها الثقة والغرور
اتقابلنا تاني، بس ماعتقدشِ المرَّة دي هاتكون زي المرَّة اللي فاتت.
توقَّفَ راجح من مكانهِ واستدارَ يجلسُ أمامهِ بكلِّ عنجهية وتكبُّر، يهزُّ رأسهِ باستخفاف:
مكتبي نوَّر بيك ياحضرة الظابط..
نفثَ إلياس تبغهِ وعيناهُ تخترقُ استخفافَ حديثُ راجح، فتراجعَ مستندًا على المقعدِ وهتفَ بنبرةٍ ممزوجةٍ بالتعظيمِ والتكبُّرِ لشخصه:
طبعًا لازم المكتب ينوَّر، ومش المكتب بس الشركة كلَّها، هوَّ أنا قليل ولَّا إيه، اللي قاعد قدَّامك إلياس السيوفي ..
اتَّجهَ بنظرهِ إلى فريدة وتابعَ حديثهِ وعينيهِ تخترقُها:
وكمان عندَك مدام مصطفى السيوفي، ودي لوحدها يقفلَها الكل وانت اولهم، فريدة هانم السيوفي لوحدها مجرد اسمها في المكان الكل يقدم الولاء والطاعة مش كدا ولَّا إيه…
أومأَ راجح وأردف:
مدام فريدة الكل لازم يوقفلَها، أصلك ماتعرفش قيمتها بتكون إزاي، فيه حاجات ماتعرفهاش ياحضرة الظابط..
أحسَّ بقبضةِ تعتصرُ فؤادهِ ورغمَ ذلكَ رسمَ ابتسامة:
لا، عارف ومقدَّر مكانة ماما فريدة مش حضرتَك اللي هاتقول..
متأكِّد ياحضرة الظابط ..انحنى إلياس بجسدهِ يردُّ بصوتٍ خافتٍ ورغمَ هدوئهِ إلا أنَّهُ أخرجهُ كالرصاصاتِ التي تستقرُّ بالصدرِ حينما قال:
إعرَف قدرِ نفسَك ياراجح بيه..واحمد ربنا اني جتلك، اصلي لو بعت اجيبك هيكون فيها كتير
أفلتَ ضحكةً بعدما علمَ بذكائهِ وأردف:
عارف ومقدَّر ياحضرةِ الظابط، بس إعرَف إنِّ في أسد غزالتُه هربت منُّه، قالها بمغذى وهو يشيِّعُ فريدة بنظرةٍ خبيثة.
حرَّكَ إلياس فمهِ يمينًا ويسارًا ينظرُ إلى فريدة نظراتٍ لم تفهم معناها، لتتأرجح عيناها بحيرة لما يفعله، ابتعد بالنظر عنهاثمَّ التفتَ إليه:
أسد مريض بيجري ورا غزالة ضعيفة، حدجَ فريدة بنظرةٍ واستطرد:
العيب مش في الأسد المريض، العيب في الغزالة اللي ماعرفتشِ تبعد عنُّه لحدِّ مااستضعفها..
أخرجَ راجح سيجارتهِ ينفثُها ويطالعهُ بنظراتٍ توحي الكثير والكثير قائلًا:
مش يمكن الغزالة بتلعَب بالكل علشان تهرب زي ماهربت؟..
خنجر غرز في جدار كبريائه قبل صدره، ابتلع إهانته بغضب يحرق احشائه ظهر بنفور عروقه، ثم
فتحَ فمهِ للرد ولكنَّها توقَّفت تصرخُ بهما:
شغل المخبرين دا مش عايزاه، اتَّجهت بنظراتٍ محتقرةٍ إلى راجح وهتفت بصوتِ مرتفع:
إبعد عنِّي إنتَ ومراتك ياراجح، ماتخلنيش أطلَّع فيك ظلمِ السنين كلَّها، هبَّ من مكانه:
ظُلم، وقتلِك لبنتي دا إيه، أشارت بيديها بعدما فقدت أعصابها وحاولت إخفاءَ أمرَ ميرال لتهتف:
زي ماقتلت ولادي ..صرخَ بصوتٍ جهوري:
ولاد مين، ولادِك اللي بعتيهم علشان تهربي مع عشقيك… قست عيناه بوميض الغضب الذي تجلى بمقلتيه كالهيب مشتعل فهدر بصوت أفزع الأثنين:
بااااااس..قالها وانتفضَ من مكانهِ كالأسدِ الذي يريدُ أن ينقضَّ على فريسته، دنا من راحج وهتفَ من بينِ أسنانه:
أنا مابحبِّش أتكلِّم كتيير، أنا عارف الماضي كلُّه، وكلِّ واحد فيكم أخد حقُّه، توقَّفَ عن الحديثِ بعد دخولِ العاملِ بالقهوة..
هوت فريدة على المقعدِ وانتفضَ جسدها بالرُّعب، من تحوِّلِ إلياس وحديثهِ الذي علمت أنَّهُ النهاية، برودة اجتاحتها وهي تتابعُ حديثهِ ظنًّا أنَّهُ سيصدِّقهُ ويخذلها …أشارَ إلياس إلى راجح بغضب:
هاتقرَّب على حد من العيلة همسحك من على وشِّ الأرض، إبعد عن عيلتي، الست اللي قاعدة قدَّامك دي مرات مصطفى السيوفي، انت فاهم يعني ايه، وكمان في مقامِ والدتي، ومهما عمَلِت هتفضل في مقامِ والدتي، أنا مارضتشِ أقرَّب منَّك وسايبك إنتَ والمدام اللي مش مبطَّلة تدوَّر ورانا، شكلها ماتعرفشِ مين همَّا عيلة السيوفي ..اتَّجهَ بنظرهِ إلى فريدة التي تطالعهُ بذهولٍ لم تكن تتوقَّعُ حديثه، اقتربَ منها وساعدها على الوقوفِ يحملُ حقيبتها التي سقطت من يدها وتحرَّكَ للخارج، توقَّفَ لدى بابِ المكتبِ واستدارَ إلى راجح:
عملت معاك واجب لمَّا عرفت ابنك مالوش في السياسة، ودا ماحدِّش بيعملُه في منصبي ماتخلنيش أتراجع عليه، وعايز أقولَّك صلة القرابة بس اللي شفعتلَك عندي، علشان كنت في يوم من الأيام جوزها، وأنا بشفع مرَّة واحدة..وبعدها أغطي عليك بالتراب واعدي وأنا بدوس كمان، بتكلم بعقلي، يكفيك شر جنان إلياس السيوفي لما بيخرج جنانه على حد، اقترب منه خطوة وعيناه تحرق وقوفه وهمس بفحيح اعمى
-هخليه عبرة لمن لا يعتبر، حتى لو كان أقرب الناس ليا، ابعد عن طريقي علشان مكرهكش نفسك، ومتفكرش سنك هيشفعلك، ياااا راجح بيه، وراك على النفس
قالها تحرَّكَ مغادرًا تاركًا راجح على لهيبٍ مشتعل..بدأ يحطم كل تطاله يده، حتى أصبح المكتب ، شظايا مبعثرة، اتجه سريعًا إلى هاتفه
-مستعد أعمل اللي عايزه النهاردة قبل بكرة بس تخلصي لي من واحد النهاردة قبل بكرة
صمت يستمع إلى الطرف الآخر قائلا
-هبعتلك كل اللي يخصه ..
جلس يمسح على وجهه بعنف
-حتة عيل يعمل في راجح الشافعي كدا، طيب يابن السيوفي لو محصرتش ابوك عليك ..مبقاش راجح
عند فريدة وإلياس
كانت تتحرَّكُ بجوارهِ تنظرُ إليهِ بسعادةٍ تنبثقُ من عينيها، ودَّت لو تضمُّهُ لأحضانها، ودَّت لو تصرخَ بأعلى صوتها تخبرُ الجميعَ بأنَّهُ وليدها قرَّةُ عينها.
فتحَ بابَ سيارتهِ وأشارَ إليها بالجلوس، مشيرًا للسائقِ الخاصِّ بها بالمغادرة، تحرَّكَ بالسيارةِ وهو يقطعُ المكانَ بسرعةٍ جنونيةٍ وكأنَّ أحدَهم يطوِّقهُ بطوقٍ من النيران، ظلَّ محافظٌ على تماسكهِ حتى لا يصلَ إليها ويلقيها صريعةً على أفعالها المتهوِّرة، فهو منذُ عودتهِ من شهرِ عسلهِ علمَ بزيارةِ رانيا من خلالِ فريقهِ الأمني، الذي أخبرهُ بأنَّها تبحثُ خلفَ فريدة.
نظرت لسرعتهِ الجنونيةِ فأردفت بخفوت:
حبيبي بالرَّاحة، العربية كدا ممكن تتقلِب، شيَّعها بنظرةٍ مع ابتسامةٍ ساخرة:
خايفة يحصلِّك حاجة وإنتِ معايا؟..
لا، خايفة عليك يابني ..توقَّفَ فجأةً حتى كادت السيارةُ تنقلبَ بسببِ سرعتهِ المتهوِّرة، ولولا تحكُّمهِ بالقيادةِ بعد دورانِ السيارةِ عدَّةِ مرَّاتٍ للقيا حتفُهما لا محالة..
توقَّفَ ينظرُ إليها بأنفاسٍ متسارعةٍ وكأنَّهُ بحلبةِ مصارعة، ثمَّ اتَّجهَ بأنظارهِ إليها:
أنا مش ابنك ولا عمري هاكون ابنك، مانكرشِ كنت بعتبرِك زي والدتي السِّت اللي فتحتلِك بيتها واعتبرتِك أختها وأمِّنتك على ولادها وإنتِ في الآخر طلعتي شيطانة، خطَّطي لحدِّ ماوصلتي للي إنتِ فيه.
انسابت عبراتها تهزُّ رأسها فتحدَّثت من بينِ بكائها:
ليه بتحمِّلني موتها ياإلياس، والدتَك كانت مريضة وإنتَ عارف إنَّها كدا كدا كانت ميِّتة..
أاااه كنت عارف أنَّها ميتة، زي ماكنت عارف إنِّك أطيب خلقِ الله، بس عملتي إيه.. كذبتي علينا وعليها، استخدمتي حنانها لغرضِك..
اسمعني اللي إنتَ سمعتُه مش الحقيقة..
ضربَ كفَّيهِ ببعضهما يردِّدُ كلماتها ثمَّ اقتربَ يغرزُ عيناهُ بمقلتيها:
ليه مش المدام ألِّفت على بابا أنَّهم قتلوا جوزها وعمِّ بنتها عايز يتجوِّزها غصب، مش المدام اللي خافت يوصلَّها طليقها علشان يبيِّن حقيقتها..
خلِّت بابا اللي عمرُه مااتَّبع طريق الشر إلَّا معاكي ..إيه يامدام مش تاخدي بالِك إن العيِّل الصغير كبر…
إلياس ..أشارَ بسبَّباتهِ محذِّرًا:
مش عايز أسمع حاجة، كفاية اللي سمعتُه الأيام اللي فاتت، دلوقتي علاقتي بيكي إنِّك أم مراتي وبس، وحق بابا عليَّا ماتطلبيش منِّي أكتر من كدا..أكتر حد بكرهُه في الدنيا الكدَّاب المخادع..
قالها وقامَ بتشغيلِ السيارة، وضعت رأسها على النافذةِ تنظرُ للخارجِ وانسابت عبراتها بصمت، تعلمَ أنَّها أخطأت في بادئِ الأمر ولكن كيفَ لها أن تثقَ بهم..
وصلَ بعد قليل، ترجلَّت من السيارةِ دونَ حديثٍ ودلفت للداخل ..بالأعلى بغرفةِ ميرال أنهت استحمامها، خرجت على صوتِ هاتفها.. توقَّفت أمامَ المرآهِ تبعدُ منشفتها عن خصلاتِها وأجابت:
أيوة يادودي..
ميرو أنا في المكتبة كنتي عايزة أجيبلِك إيه نسيت..تبسَّمت وهي تجذبُ كريماتها قائلة:
عايزة كتاب تشارلز ديكنز ياقلبي، لو لقيتيه ..
تمام ياجميلتي، اشتريت حاجات هاتعجبِك أوي، وجبت لإلياس هدية كمان بس إياكي تعرَّفيه.
فردت الكريم على يديها تنظرُ لنفسها بالمرآةِ وشعرت بالحزنِ قائلة:
ماتخافيش مش هاقولُّه حاجة ..قالتها وأغلقت الهاتفَ، جلست لبعضِ الدقائقَ ونظراتها على هيئتها بالمرآة حتى شردت بحياتِها دونَ أن تشعرَ بدلوفِه، توقَّفَ يطالعُها بنظراتٍ هائمةٍ وكلَّ الأشواقِ تناديهِ أن يسحقَ عظامها، أسبوعًا كاملًا عاقبَ نفسهِ وعاقبها بالبعد، حتَّى احترقَ داخلهِ من الاشتياق ..دنا منها وانحنى يحضنُها من الخلفِ دافنًا وجههِ بعنِقها، هبَّت فزعة حينما شعرت بأنفاسهِ الحارَّة
إشش إهدي أنا ..ألقت مابيدها وتراجعت مبتعدةً عنه:
عرفت أنُّه إنتَ، تجوَّلَ بنظراتهِ على جسدِها وهي ترتدي ثوبَ الحمَّامِ ليظهرَ معظمَ جسدها أمامه، توجَّهَ إلى غرفةِ ثيابهِ بعدما تراجعت تضمُّ فتحةَ روبها..
ماتخافيش مش هاقرَّبلِك، جيت آخد شوية هدوم…
شوية هدوم..قالتها بذعرٍ ظهرَ على ملامحها، تحرَّكت خلفهِ تجذبهُ من ذراعه:
طيِّب الأوِّل لمَّا كنت بتغيب عن البيت بقول علشان عايز تبعد عنِّي ومش طايقني، دلوقتي ليه بتبعد؟..
لنفسِ السبب قالها وهو ينزعُ قميصه، توقَّفَ بعدما فكَّ أزرارهِ ينظرُ إليها:
هتفضلي واقفة كدا عايز أغيَّر هدومي..
لحظات وهي تطالعهُ بنظراتٍ خلت من الحياة..استدارت للخارجِ دونَ حديث، وما إن اختفت عنهُ حتى اكتساهُ الحزنَ وسقطت ملامحُ بروده، لتتحرَّكَ بخطواتٍ متعثِّرة، ودموعها تفترشُ خطواتَها، اتَّجهت إلى مكتبها ودلفت للداخلِ تغلقُ البابَ خلفها ثم خرجت إلى الشرفة، فتحتها بدموعِ عينيها تنظرُ للخارجِ بضياع، ماذا فعلت لكي تجني ذاكَ العشقُ المتألِّم ..جذبت المقعدَ وجلست تضعُ ذقنها على ركبتيها التي رفعتها تستندُ عليها…
بالخارجِ ألقى مابيدهِ يزفرُ بغضبٍ على ماتوصلَّت الحياةُ بينهما، جلسَ يُرجعُ خصلاتهِ للخلفِ بعنفٍ حتى كادَ يقتلِعُها، تنهيداتٍ متحسِّرةٍ حتى شعر بتوقُّفِ دقَّاته..ورغمَ حربهِ مع نفسهِ ومايشعرُ من فوضى بداخلهِ لم يقوَ على التحكُّمِ باشتياقِه، ودقَّاتِ قلبهِ العنيفة، نهضَ واتَّجهَ إليها يبحثُ عنها، ذهبَ لغرفةِ مكتبها ولكنَّهُ وجدها مغلقة، دبَّ الذعرُ بأوصاله، طرقَ عليها الباب عدَّةَ مراتٍ ولكن لا يوجد رد، انهارت حصونهِ بالكاملِ وعقلهِ يصوُّرُ لهُ أشياءً مفزعةً لا يستطيعُ القلبُ تقبُّلها، دفعَ البابَ بقدمه بقوَّةٍ عدة مرات إلى أن انفتح، دلفَ يبحثُ عنها بلهفةٍ ودقَّاتُ قلبهِ كجرسِ معبدٍ للتعبُّد، ذهبَ ببصرهِ إلى جلوسها بتلكَ الطريقة، نزفَ قلبهِ حتى شعرَ وكأنَّ أحدُهم انتزعهُ من صدره، دنا منها بخطواتٍ متمهِّلة، وصلَ إليها وجلسَ خلفها يجذبها لأحضانهِ بقوَّةٍ حتى شعرت بسحقِ عظامها ..أغمضت عينيها تمنعُ دموعها التي تكوي جفنيها، أخرجها من أحضانهِ يحتضنُ وجهها:
زعلان منِّك، ومش قادر أزعَّلِك..
حاوطت عنقهِ وهنا انفجرت بالبكاءِ بعدما فقدت سيطرتها…نهضَ وحملها متَّجهًا إلى غرفتهما ليلبِّي نداءَ قلبيهما بالاشتياقِ الكامنِ بصدرِهما، ويعزفُ لها لحنهِ الأثيرَ ليعلِّمها أنَّ جميعَ لغاتِ المعاجمِ تخلو مما يشعرُ به الآن وهي بداخلِ أحضانه، لم يجد مايعبِّرُ به عمَّا ينتابهُ فلقد تسرَّبت واستوطنت ثنايا الروحِ والقلب…
همسةٌ ضعيفةٌ خرجت من بينِ شفتيها بإبعادهِ عنها، أسبلَ عيونهِ بوميضِ الغضبِ معتدلًا:
تاني ياميرال، تاني.. قالها وهو يجذبُ قميصه، تشبَّثت بذراعهِ تهزُّ رأسها:
إلياس أنا تعبانة، تعبانة منَّك ومن حياتي اللي ماعرفشِ إنتَ واخدنا على فين..
شهقةٌ خرجت من ثنايا روحها قبلَ قلبها ترفعُ أكتافها تنظرُ حولها بضياع:
عجبَك كدا، قولِّي إيه أهمية جوازنا، وإنتَ عايش بعيد عني ونبذني من حياتَك، قولِّي إيه فايدة جوازنا وأنا لوحدي وكأن مفيش حاجة اتغيَّرت بالعكسِ الأوِّل كان أفضل..
نهضت من مكانها وتوقَّفت أمامه:
ليه بتعاملني كدا، علشان غلطت، ماكلنا بنغلط إنتَ مبتغلطش، ليه منتظر مني غلطة واحدة علشان تمسحني من حياتَك، ليه الضغط والصراع دا، مش متحمِّل وجودي عرَّفني ووعد هبعد عنَّك بس أكون عارفة حدودي، رفعت كفَّيها وأدارت وجههِ إليها تنظرُ بعمقِ عينيه:
لو شايف قربي منَّك بيخنقَك ومش قادر تتحمِّل هبعد بهدوء ووعد محدش هيعرف بس أكون عارفة أنا عايشة إزاي، ولو خايف أعمل مشاكل وعد مني هانسحب ولا كأنَّك قرَّبت حتى..
جذبها بقوَّةٍ لأحضانهِ ولفَّ ذراعيهِ حولَ جسدها يضغطُ بقوَّةٍ على خصرها مما جعلها تتألَّم، ورغم آلامها تعلقَّت بعينيهِ التي تحدجها بلهيبٍ مستعر، انحنى من خاصَّتها يهمسُ بفحيح:
قدرِك قدري، إنسي إنِّي أتنازل عن اللي قهرتني، بلاش أسلوب الدموع دا علشان مفيش حاجة تشفعلِك عندي غير قلبك اللي بيدُق باسمي وبس، ووقت ما يوقف النبض باسمي، هقسمهولِك نصِّين، بلاش تشغلي نفسِك بالتفكير علشان هتتعبي، أنا سألتِك قبلِ ماأقرَّب منِّك موافقة نكمِّل حياتنا، وإنتِ وافقتي، خلاص مبقاش فيه رجوع إلَّا إذا حد مننا يموت…
ملَّست على وجنتيهِ وعانقت عينيه:
يعني هتفضل تعذِّب فيَّا طول حياتك، إنتَ كدا مبسوط، وسعيد ببعدَك عنِّي، عايز تعرَّفني إنَّك سعيد وإنتَ شايفني بنهار على بُعدك…
دفعها على الفراشِ خلفها وحاوطها بجسدهِ ينظرُ لجسدِها بعيونٍ راغبة:
مين قالِّك أنا سعيد، مين اللي قالِّك أنا مرتاح، اقتربَ منها واحتضنَ ثغرها بقبلةٍ عاشقةٍ ثمَّ وضعَ جبينهِ فوقَ خاصتها وأااه بأنفاسهِ الحارقةِ تلفحُ بشرةِ عنقها الناعمةِ يهمس:
افتكري قولتلِك حبُّك نار ياميرال، بتحرَق اللي يقرَّب منِّي، وإنتِ لعبتي على الوتر دا، متستخفِّيش بقلبي دا لو عايزة تفضلي بقلبي…
نظراتٍ جانبًا منها سعيد وجانبًا منها حزين لتهمس:
طيب لمَّا زعلان من البعدِ ليه بتبعد، قلبك مش قالَّك كفاية عليها عذاب، مصعبتِش عليك؟..
لا، مصعبتيش عليَّا قالها سريعًا، وهو يحرِّكُ أناملهِ على عنقها وفتحةِ صدرها التي ظهرت أمامهِ وعينيهِ تتعلَّقُ بعينيها وتابعَ حديثه:
مش إنتِ شايفة جوازي منِّك رغبة وبس، مش دا كلامِك، شايفة اشتريتِك جارية، ليه تصعبي عليَّا…
تحجَّرت عيناها بالدموعِ ليغمضَ عينيهِ حتى لا يضعفَ أمام فتنتها الهالكة لا محالة، حاوطت عنقهِ تهمس:
وحشتني أوي، فتحَ عينيهِ لتتعلَّقَ بعيونها السوداء التي تلوَّنت بالدماءِ لكثرةِ بكائها، رفعَ كفِّهِ يملِّسُ على خصلاتها:
وبعدين معاكي، عايزة منِّي إيه.. أقرَّب تقوليلي إبعد، أبعد تقوليلي قرَّب، ماهو لو ناوية تجنِّنيني فإنتي فعلًا جنِّنتيني..
سيبِك من جنانِك دا وإعقلي بقى..
تؤ..قالتها بهمسٍ خافتٍ لتقضي على تمسُّكهِ ولم تكتفي بذلكَ لتقرَّبَ رأسهِ تهمسُ له:
مجنونة بحبَّك مش محتاجة تجنِّني..
تعلَّقت الأعين وارتفعت النبضاتُ بالعزفِ وهي ترى مدى تأثيرها عليهِ حينما همست بحبُّهِ مرَّةً أخرى لتسقطَ أقنعةُ البرودِ وتعلنُ طبولَ القلوبِ بالعزفِ المنفرد، الذي عبَّرَ كلٍّ منهما بطريقتهِ الخاصة…
بعدَ فترةٍ ليست بالقليلةِ كانت تتوسَّدُ ساقيهِ وهو يعملُ على جهازه، وجدَ إشعار برسالةٍ لأحدهما على جهازه، مع صور أمامِه…تفحَّصَ الصورَ أمامهِ ليرسلَ إلى الآخر:
تراقبُه كويس، دوَّنها وقامَ بإرسالها، ذهبَ ببصرهِ للتي تهمس:
هدِّي المكيف بردت، جذبَ من جوارهِ غطاءٍ خفيفٍ ووضعهُ فوقها، ثمَّ ملَّسَ على خصلاتِها:
لو لسة بردانة أجبلِك حاجة تلبسيها، هزَّت راسها بالنفي تحتضنُ ساقيهِ قائلة:
وجودَك مدفِّيني، المكيف اللي كان عالي ..انحنى يهمسُ بجوارِ أذنها:
هخلَّص شوية شغل وأخدك في حضني..رفعت عينيها تنظرُ إلى وجهه القريب:
كويس إنَّك حسيت ببعضِ واجباتك..
أطلقَ ضحكةً مرتفعة:
ليه أنا مقصر في واجبي؟..هزَّت رأسها بإرهاق؛
هوَّ إنتَ عملت أي واجب أصلًا علشان تبقى مقصَّر ..ألقى جهازهِ المحمول وانحنى يحملُها قائلًا:
عندِك حق ماأنا اللي دلَّعتِك زيادة عن اللزوم، نظرت حولها برعب:
إلياس واخدني فين..أنزلها بكابينةِ الحمَّام وقامَ بفتحِ المياهِ دونَ قبل أن تعترض..
دا أوِّل واجباتي ياروحي كنت مقصَّر فيها، صرخت تحتَ المياهِ الباردة ولم تشعر بإغلاق الزجاجِ عليهما، برقت عيناها تطالعهُ بذهول:
إنتَ هتعمل إيه؟..
هعمل الواجب، مش أنا تلميذ فاشل، عندِك حق، قالها وهو ينزعُ ثيابهِ لتصرخَ تواليهِ ظهرها تضربُ أقدامها بالأرض..وضعَ كفِّهِ على شفتيها يجذبها إليه:
إشش هتفضحينا، بطَّلي غباء، واللهِ لأحمِّيكي ومش هخرج حتى لو لمِّيتي البيت كلُّه..
بعدَ فترةٍ كانت تغطُّ بنومٍ عميقٍ بعدما مرَّت بأيامٍ ثقال وهو يعاقبها بأشدِّ عقابه..أنهى بعضَ أعمالِه، نهضَ يضعُ أشيائهِ بمكانها المخصَّص، ذهبَ ببصرهِ لذاكَ الصندوقِ الذهبي، اتَّجهَ إليهِ وقامَ بفتحه، وجدَ بهِ ذكرياتِ طفولتها مع عائلتها، لمسَ صورةً وهي بالصفِّ الثالثِ الثانوي تُقبِّل مصطفى أثناءَ تكريمها لتفوِّقها ..ملَّسَ على ملامحها الطفولية مبتسمًا على ذاكَ اليوم..
عادت بعد تكريمها، كان يسبحُ بالمسبح، وصلت إليهِ وعقدت ذراعيها أمامَ صدرها:
ممكن أعرف مجتشِ حفلةِ التكريم ليه؟..
خرجَ من المسبحِ يجذبُ منشفتهِ وتحدَّثَ بنبرةٍ باردة:
مبروك، كنت هباركلِك هنا، وبعدين كلُّهم معاكي، مجتشِ عليَّا، اقتربت منهُ تطالعهُ بحزن:
وجودَك كان مهم ياإلياس، تحرَّكَ أمامها وكأنَّها لم تحادثهُ لبعضِ الخطواتِ ثمَّ توقَّفَ بعدما وجدَ وقوفها:
شايفِك اتكرَّمتي وجيتي من غيري فين الأهمية في وجودي..
تعلَّقت بنظراتهِ لبعضِ اللحظاتِ ثمَّ تحرَّكت للداخل:
آسفة إن كنت ضيقتِ حضرةِ الظابط..قالتها وتحرَّكت دونَ حديثٍ آخر..
استني عندِك، نظرت أمامها تضغطُ على شفتيها بقوَّةٍ حتى لا تنسابُ دموعها.
أنا قدمتلِك إعلام زي ماإنتِ عايزة مع إنِّي مش مقتنع بالمجال دا، وطبعًا هتختاري صحافة ..دنا ينظرُ بمقلتيها:
لو ناوية على الإذاعة هحولِك أي كلية تانية، علشان منتعبشِ بعض في كُترِ الكلام هتدخلي صحافة ..قالها وتحرَّكَ من أمامها دونَ إضافةِ شيئٍ آخر…
بعد أسبوعين ..استمعت إلى طرقاتٍ على بابِ غرفتها ثمَّ دلفَ بعدَ السماح..
دلفَ للداخلِ وجدها تشاهدُ بعضَ البرامجَ السياسية، اقتربَ وجلسَ بجوارِها بعدما تابعت التلفاز دون أن تعيرهُ اهتمام..
كلمِّت بابا يعينلِك سواق ياخدك بكرة علشان تخلَّصي الحاجات المرتبطة بالكلية من اختبارات معرفشِ محتاجينك ليه…
ظلَّت تتابعُ التلفازَ بصمت، تنهَّدَ يسحبُ نفسًا طويلًا ثمَّ أخبرها:
مش عايز صداقة مع حد مهما يكون، السواق هياخدِك ويجيبِك، مفيش عربيات دلوقتي، والعربية اللي بابا جابها مش هتركبيها قبلِ سنتين…
هبَّت من مكانها وتعمَّقت بالنظرِ إليه:
خلَّصت أوامرَك ياحضرةِ الظابط؟..
دي مش أوامر دا اللي المفروض تعمليه…
دنت تجذبُه من كنزتهِ التي يرتديها بعدما أضرمَ النيرانَ بداخلها:
ملكشِ دعوة بيَّا، أركب عربية مركبشِ.. أدخل صحافة أدخل إعلام، شيء ميخُصَكش، أنا ماقولتش للباشا يدخُل إيه يبقى هو مالوش يدَّخل في حياتي.
دنا منها فتقهقهرت للخلفِ حتى سقطت على الفراشِ فانحنى بجسده:
نفسِك دا مينفعشِ تاخديه من غير إذني، عايزة تكمِّلي تعليمِك تعملي اللي قولته..مش عايزة يبقى إتنيلي في البيت أهو تتعلِّمي حاجة في البيت..
اعتدلت تنظرُ بعمقِ عينيهِ وهدرت به:
اسمعني ياإلياس أنا مش هدخل صحافة حتى لو هتموتني..
ضغطَ على فكِّها واقتربَ يهمسُ بهسيسٍ أرعبها:
طيِّب لو جدعة عارضي أوامري ..لم تهتم بالقربِ المهلكِ لقلبيهما:
مش لسة هعارض ياإلياس أنا معترضة أصلًا، رجفة أثارت قشعريرةً أصابت جسدهِ من نفسها الناعمِ الذي لفحَ عنقه، حتى اهتزَّ ولم يشعر سوى بجذبِ عنقها يلتقطُ ثغرها في لحظةِ ضعفٍ لكلٍّ منهما..لحظاتٍ كانت من نارِ جهنم لكليهما ..اعتدلَ سريعًا وهرولَ للخارجِ يصفعُ قلبهِ بصفعاتٍ ناريةٍ على ضعفه، فتحَ بابَ غرفتهِ بعنفٍ وقامَ بتحطيمِ كلِّ ما تحتويه، يزأرُ على ضعفهِ الذي أهلكهُ بتلكَ الطريقة، استمعَ والدهِ للتحطيمِ فدلفَ للداخل:
إلياس فيه إيه ياحبيبي، جذبَ هاتفهِ وتحرَّكَ للخارجِ دونَ رد..
أمَّا هي فمازالت بمكانِها كما تركها تنظرُ لسرابِ خروجهِ بضعف، وجسدها مازالَ يرتجفُ من آثارِ قبلته، كيف فعلَ بها ولماذا اقتربَ منها بتلكَ الطريقة، مرَّت ساعاتٍ وهي لم تقوَ على الحركةِ أو الوقوفِ من مكانها، بعد يومين دلفت والدتها بطعامِها بعدما رفضت النزول فتساءلت عنه:
إلياس مارجعش، كنت سامعة عمُّو بيزعَّق ..ربتت على ظهرها:
رجع من عشر دقايق بس قفل على نفسُه، ماتحاوليش تقرَّبي منُّه، لحدِّ ماعمُّو مصطفى يعرَف مالُه ..قالتها فريدة وغادرت الغرفةَ نظرت للطعامِ الذي وضعتهُ والدتها، ثمَّ توقَّفت بهدوءٍ تحملُ الطعامَ واتَّجهت إلى غرفته، دلفت تبحثُ عنه، وجدتهُ يخرجُ من غرفةِ الرياضة، وضعت الطعامَ على الطاولة:
إلياس ..استدارَ إليها كالملسوع، ثمَّ اقتربَ يهدرُ بجنون:
إزاي تُدخلي هنا، وليه تدخلي أصلًا، أوعي عقلِك يوزِّك علشان اللي حصل يبقى خلاص إنِّك حاجة في حياتي، إمشي اطلعي برَّة، وإنسي أيٍّ حاجة..
استدارت وتحرَّكت بعدما ذُهلت من حديثهِ الذي شقَّ قلبها لنصفين، شهرًا كاملًا ولم يتقابلا بها…
مرَّت الأيام إلى أن جاءَ أوَّلِ أيامِ جامعتها، هبطت بجوارِ فريدة سعيدةً تتحدَّثُ مع فريدة بما ستفعلهُ اليوم، دلفَ من البابِ بعدَ غيابهِ أسبوعًا بعملهِ الأوَّل بعدَ تخرُّجه، توقَّفَ على بُعدِ بعضِ الخطواتِ ينظرُ إلى تلكَ الطفلةِ التي نضجت وأصبحت أنوثةً متفجرةً لقلبهِ الطاغي، قبَّلت والدتها وتحرَّكت تجمعًُ أشياءها، ثمَّ اتَّجهت إلى مصطفى تحتضنُه، كانت تتنقَّلُ بينهم مثلَ الفراشةِ على الزرع، لم تشعر بوجودهِ سوى من حديثِ إسلام:
أبيه إلياس جه، قالها إسلام الذي وصلَ إليه يحتضنُه، ضمَّ الأخوانُ بعضهما البعض ثمَّ تحرَّكَ إلى الجميعِ ملقيًا السلام..
تحرَّكت بجوارهِ دونَ أن تعيرَهُ اهتمامًا تشيرُ إلى والدتها، أوقفتها فريدة:
حبيبتي لمَّا توصلي طمِّنيني، وبين المحاضرات ياميرو ..قبَّلت والدتها في الهواءِ وتحرَّكت إلَّا أنَّها توقَّفت متسمِّرة على صوته:
استني ..توقَّفت تواليهِ ظهرها فاقتربَ منها:
السوَّاق بعتُه مشوار مهم أنا هوصلِّك، تحركَّت دونَ حديثٍ مع نظراتِ فريدة عليهما، جلست بجوارهِ بالسيارةِ تنظرُ للخارجِ بصمتٍ حمحمَ قائلًا:
مبروك الكلية، لو حد ضايقِك عرَّفيني بس وشوفي هعملِك فيه إيه..
استدارت برأسهِا تطالعهُ بسخرية:
ماحدش يقدَر يكسرني ويضايقني غيرَك ..توقَّفَ بالسيارةِ على جنبٍ ثمَّ استدارَ إليها بجسده:
اسمعيني قولتلِك اللي حصل إنسيه، وعلشان ترتاحي شبِّهتِك بحد عزيز ماحستشِ بنفسي وخاصة لمَّا شُفتِكو شبه بعض..
التفتَ برأسها تنظرُ للخارجِ بصمت…
أسبوع اخر لم يلتقيا، عاد ذات مساء بيوم ميلاد غادة واسلام، بحث عنها بعينيه لم يجدها اتجه لأخته
-كل سنة وانت طيبة يادودي
-حبيبي ياابيه، ميرسي، فتحت هديته وتعلقت بعنقه
-احلى أخ في الدنيا دا ولا ايه
ذهب ببصره لوقوفها بالحديقة مع أحدهما يتلاعب بخصلاتها مرة، ثبت بصره عليهما ثم تحرك إليهما..لم يشعر بنفسه وهو يجذبه يدفعه على الأرض وهو يراه يقترب منها ليقبلها
خرجَ من ذكرياتهِ على صوتها بعدما وجدها تجلسُ فوقَ الفراش:
الساعة كام ..وضعَ الصندوقَ بمكانهِ وتوقَّفَ مقتربًا منها:
الساعة أربعة العصر، قومي صلِّي العصر..وضعت رأسها على كتفهِ تهمسُ بإرهاقٍ تجلَّى بنبرةِ صوتها:
مش قادرة تعبانة ومرهقة، هنام ولمَّا أقوم ..انحنى ليحملُها ثمَّ اتَّجهَ للداخلِ يساعدُها في الوضوءِ قائلًا:
مينفعشِ تأجلي صلاة، أحبُّ الأعمالِ إلى اللهِ الصلاةُ بأوقاتها ..أغلقَ المياهَ وعادَ يحاوطُ أكتافها..
صلِّي ونامي براحتِك، بعدَ دقائقَ ألقت نفسها على الفراشِ بإسدالِ صلاتها، قامَ بنزعهِ مع إحضارِ قميصَ نومٍ من اللونِ الأسود، ونزعَ ذلكَ الروبِ وساعدها بارتدائه…
ألقت نفسها على الوسادةِ تهمسُ بحبِّه:
بحبَّك أوي ..استندَ بذراعهِ على الوسادةِ يخلِّلُ أناملهِ بخصلاتها، يبحرُ بعينيهِ فوقَ ملامحها مع دقَّاتِ قلبه التي تثبتُ لهُ أنَّها شريانُ نبضهِ في الحياة لا يعلمُ كيفَ وصلت لمرحلةٍ أنًَها أغلى من الروح ..تمدَّدَ بجوارِها واحتضنَ كفَّها يضعهُ تحتَ رأسهِ يهمسُ بنبرةٍ خافتةٍ بصوتهِ الأجش:
“بحبِّك” قالها ليسبحَ بنومٍ عميقٍ لا يشعرُ به سوى بأحضانها..
بعد فترةٍ تململت لتجدَ نفسها فوقَ صدرهِ العريان الذي لأوَّلِ مرَّةٍ تراهُ بتلكَ الهيئة، ظلَّت تحدجهُ للحظاتٍ تهمسُ لنفسها:
نفسي تبقى معايا على طول زي دلوقتي، رفعت رأسها إلى وجههِ تتجوَّلُ بعينيها عليهِ باشتياق، وأناملها تتحرَّكُ بهدوءٍ على ملامحه…
ليه يوم عن يوم حبِّي ليك بيزيد أوي كدا، داعبت وجههِ بأنفها تحتضنُ عنقِه..
إلياس بُعدَك بيعذبِني ماتبعدشِ تاني، قالتها وهي تمرِّرُ أناملها ترسمُ دوائرَ وهمية على صدرهِ ثمَّ استندت برأسها عليهِ تتطلَّعُ إليهِ تودُّ أنَّها لاتغلقُ عيناها أبدًا.
قبلَ قليل:
بأكبرِ المشافي بالقاهرة كانَ جميعُ الأطباءِ في حالةِ ترقبٍ من تشخيصِ حالةِ المريضِ الذي بين أيديهم فاقدَ الحياة، بعدما زأرَ إسحاق بهم…
جلست ملك بالخارجِ بأحضانِ والدتها تبكي:
بابا هيعيش ياماما صح ..نظراتٍ ضائعةٍ بكلِّ الأنحاءِ وهي تتذكَّرُ دخولَ والدتهِ عليه تصيح بحدة ارعبتها:
فاروق ملك مبقاش ليها قُعاد هنا، أنا هسافر انجلترا وهاخدها معايا..
إيه اللي بتقوليه دا ياماما، عايزة تاخدي بنتي مني …ألقت بعضَ الأوراقِ التي حصلت عليها:
بنتي مش هتقعد مع ابنِ شوارع تاني، شوف مش دي تحاليل مراتَك، شوفت مراتك الزبالة عملت إيه، عيِّشتنا قراطيس، وطلعت مبتخلفشِ ومش بس كدا، لا..دي استأصلِت الرحم، عايز مني أسيب حفيدتي تربيها مع ابنِ الحرام اللي مانعرفشِ جبتُه منين..
دارت الأرضُ تحتَ قدميه، وشعرَ بألمٍ يضربُ صدرهِ بقوَّةٍ كأنَّهُ يتمزَّقُ من شدَّةِ اللطمةِ القوية..رفعَ كفِّهِ محاولًا فتحَ زرَّ قميصهِ وهو يشعرُ بالاختناق، ولكنَّ صوتَ والدته:
أنا تجبلي ابنِ حرام تلاتين سنة وتفهِّمني أنُّه حفيدي، بنتِ الشوارع تضحك عليَّا، والله لأطردُه من البيت وأفضحها بكلِّ مكان، حاولَ أن يتفوَّه، ولكن لسانهِ ثَقُلَ ولم يشعر بفمهِ الذي تعوَّج، ليهوى على الأرضيةِ يمسكُ صدره، هرولت صفية إليهِ ودموعها تحفرُ وجنتيها:
فاروق..لكزتها بعكَّازها:
إبعدي عنُّه ياحيوانة، شوفتي متحملشِ اللي عملتيه فيه..قالتها بدخولِ إسحاق يتحدَّثُ بهاتفهِ ويضحك، ولكنَّهُ توقَّفَ على صوتِ والدته:
إمشي اطلعي برَّة إنتِ وابنِ الحرام..هنا شعرَ وكأنَّ أحدَهم سكبَ عليهِ دلوًا من الماءِ البارد، ليشحبَ وجههِ يهمسُ باسمِ أرسلان، صرخت صفية باسمِ زوجها بعدما هوى بكاملِ جسدهِ وازرقَّت شفتاهُ وكأنَّهُ فقدَ الحياة، فاقَ إسحاق من صدمتهِ على ضمَّةِ صفية لزوجها وبكائها:
فاروق ..صرخت بها صرخةً تقشعرُّ لها الأبدان وكأنَّهُ تركها ورحلَ لتصبحَ وحيدةً كطفلٍ يتيمٍ فقدَ والديه.
اقتربَ إسحاق كالمجنونِ بعدما استمعَ ورأى أخيهِ بتلكَ الحالة، يصرخُ بالأمنِ الخارجي أشار إليها:
وصَّلوا ماما للمطار، مش عايز أشوف وش حدِّ فيكم لمَّا أعرف إنَّها وصلت لرحلتها..
إسحاق..نظرةٌ لها لأوَّلِ مرة يحدجُها بها:
أمي، صابر عليكي علشان إنتِ أمي …قالها واتَّجهَ إلى أخيه، بعدما اتَّصلَ بالاسعافِ وحاولَ بعملِ إسعافاتٍ أوليةٍ لإعادةِ القلبِ للنبضِ مرَّةً أخرى، ضغطةٍ خلفَ ضغطةٍ وهو يصرخُ بصوتٍ أرعبَ الجميع:
فاروق لازم تعيش سمعتني، مش عايز تفرح بابنك ولا تقولِّي مبروك هتبقى عم .. فاروق قالها عدَّةَ مراتٍ مع ضغطهِ لعضلةِ القلبِ بوصولِ سيارةِ الإسعاف …فاقت من شرودها على خروجِ الأطباء:
حالة غيبوبة منعرفشِ هيفوق إمتى.. قالها الطبيبُ وتحرَّكَ مهرولًا من أمامِ إسحاق الذي وقفَ كالأسدِ الذي يريدُ الانقضاضَ على فريسته ..وصلَ أرسلان مع حديثِ الطبيب ينظرُ بالوجوهِ كأنَّهُ يبحثُ عن والدهِ ثمَّ اتَّجهَ بنظرهِ لعمِّه:
بابا مالُه..سمعت صوتهِ ملك لتهبَّ من مكانها تُلقي نفسها بأحضانه:
بابي تعبان أوي يارسلان..
إهدي ياملوكة، بابا كويس حبيبتي، روحي عند ماما دلوقتي..
أرسلان الدكتور قال غيبوبة ..كانت عيناهُ على إسحاق الذي استندَ على الجدارِ خلفهِ يطالعهُ بعيونٍ حزينة..دفعَ البابَ إلَّا أنَّ الممرضة توقَّفت أمامه:
ممنوع يافندم ..دفعها بقوَّةٍ يُبعدها عنه، ثمَّ دلفَ للداخلِ بأقدامٍ متراخية،يريدُ أن يُطمئنَ قلبهِ أنَّ مايستمعُ إليهِ ماهو سوى ترَّهاتٍ فارغة، والدهِ بصحةٍ جيدة، هو يعلمُ أنَّ والدهِ لن يتركه ..هذا ماصوَّرَ لهُ قلبهِ الضعيف..
توقَّفَ يتطلَّعُ إلى جسدهِ المسجَّى على الفراشِ يوصلُ بهِ بعضُ الأجهزة، سقطت مقاومتهِ ونزلت دمعةٌ عبر وجنتيهِ يشهقُ بصوتٍ كالأطفال:
بابا..قالها متسمِّرًا ولم تقوَ أقدامهِ عن الحركة،هنا فاقَ الوجعُ قوَّةَ الاحتمالِ وهو يريدُ أن يُطلقَ العنانَ لساقيهِ لتصلَ إليهِ كي يلقي نفسهِ بأحضانهِ كطفلٍ عادَ والدهِ بعد فترةِ انقطاعٍ طويلة، ضاقَ صدرهِ وانسابت عبراتهِ يخطو بخطواتِ الطفلِ الذي يتعلَّمُ المشي، وصلَ إلى فراشهِ وجثى بجوارهِ وشهقةٍ خلفَ شقهةٍ ليحتضنَ كفِّهِ يقبِّله:
حبيبي إيه اللي حصل يوصَّلك لكدا؟..
تآذرَ الألمُ بداخلهِ وهو يرى والدهِ لاحولَ لهُ ولا قوَّة..دلفَ إسحاق ..سُكبَ الألمُ داخلهِ حتى كادَ أن يمزِّقَ أوعيته، تدحرجت دمعةٌ غائرةٌ على وجنتيهِ وهو يرى حالةَ أرسلان بتلكَ الطريقة، توقَّفَ وعينيهِ على الذي يجثو على ركبتيهِ بجوارِ أخيه، وهمسٌ مخيفٌ بداخله:
اللي يحاول يقرَّب منَّك همحيه من على وشِّ الأرض، حتى لو أمي نفسها، إنتَ ابنِ روحي قبلِ ماتكون ابنِ أخويا..
هزَّ رأسهِ يهمسُ بفحيحٍ لنفسه:
أرسلان فاروق الجارحي، وعد عليَّا الاسمِ دا يفضل لحد مايتكتِب في شهادة وفاتَك.
أخرجَ تنهيدةً على هيئةِ حممٍ بركانيةٍ كادت أن تحرقَ جوفهِ ورئتيه، تحرَّكَ إلى جلوسه، وضعَ كفِّهِ على كتفهِ يضغطُ عليه:
قوم وإسند نفسَك، إيه الضعف دا، أبوك ربَّى راجل، مش بنت علشان تبكي كدا، قوم ..أخرجها من بينِ شفتيهِ بقهرِ الألمِ الذي يشعرُ بهِ، توقَّفَ مهزوزًا يشيرُ إلى والده:
إيه اللي حصل يوصَّل بابا لكدا ياعمُّو، بابا طول عمرُه صحتُه كويسة..
حاوطَ أكتافهِ وتحرَّكَ للخارج:
مفيش شوية تعب في القلب الصُبح هيفوق، مش واثق من كلام عمَّك يالا، وبعدين من إمتى ضعيف كدا ..هزَّهُ من أكتافه:
اسمعني يالا أنا مكنتش بربيك وأطلَّعك راجل علشان في الآخر تطلع زي البنات تعيَّط كدا، فوق يابنِ فاروق علشان ماضربكشِ على وشَّك..
ألقى نفسهِ بأحضانهِ وارتفعت شهقاتهِ كأنَّهُ لم يبكِ طيلةَ حياتهِ يردفُ من بينِ بكائه:
هموت لو حصلُه حاجة، أنا قصَّرتِ مع بابا ياعمُّو، رميت كلِّ حاجة عليه وجريت ورا طموحي مفكرتِش في أبويا أنُّه لمَّا يكبر له حق عليَّا، خليه يفوق ياعمُّو وأنا أوعدَك مش هسيبُه تاني ..أخرجهُ من أحضانهِ يضمُّ وجههِ بين راحتيه:
اسمعني يارسلان، حبيبي كلِّ واحد مننا بيكون عندُه نقطة ضعف ونقطة قوَّة، أنا عايز نقطة قوِّتِك تبان قدَّام الكل وبس، ونقطة ضعفك دي ماتظهرهاش غير لنفسَك وبس،
إنتَ راجل ودموع الراجل غالية ماتنزلشِ قدَّام حد مهما كانت حالتُه،إرفع راسك وأقف وأصلب نفسك متنساش إنَّك خليفة الجارحي، دلوقتي الخبر هينتشر والكل هتلاقيه جاي، لازم تقابل الكل وإنتَ قوي مش حتة عيِّل ضعيف بيبكي علشان أبوه تعب شوية، إنتَ أرسلان الجارحي تتعامِل على كدا ..همسَ بجواره:
دا ظابط مخابرات، دا إنتَ على حالتك دي مش محصَّل مخبر حتى…
عندَ غرام:
بعدَ خروجهِ توضأت وجلست على مصلَّاها بعد تأديتها ركعتينِ للواحدِ القهَّار تدعو إليه بكلِّ خشوعٍ أن يوفِقهُ اللهُ بدربهِ وينجي والده..قطعَ خلوتها مع الله رنينَ هاتفها، نهضت تحملهُ وأجابت:
بابا حبيبي عامل إيه..
عاملة إيه حبيبة بابا..جلست بمسبحتها وأجابتهُ مبتسمة:
كويسة حبيبي، حضرتَك عامل إيه وزياد عامل إيه؟..
كويس يابنتي بيذاكر جوَّا، تكلِّميه؟..
لا..خلاص حبيبي..حمحمَ متسائلًا:
جوزِك عندِك حبيبتي ولَّا في شغلُه؟..
لا..هوَّ راح المستشفى والدُه تعبان شوية، وعمُّو إسحاق كلمُّه ونزل من ساعة تقريبًا.
نهضَ من مكانهِ مردِّدًا:
لاحولَ ولا قوَّةَ إلَّا باللهِ العلي العظيم..مش المفروض تكوني جنبُه يابنتي..
إزاي بس يابابا، ومحدش يعرَف بجوازنا غير عمُّه..
ماشي يابنتي قولت أطمِّن عليكي، يبقى طمنيني عليه، لو مش خايف حد ياخد بالُه كنت رحت زرتُه..
تفهَّمت حديثهِ وأردفت:
أرسلان عارف كويس بيعمل إيه ..أنهت الحديثَ مع والدها ثمَّ قامت بمهاتفته:
كانَ جالسًا بجوارِ والدتهِ يضمُّها بينَ ذراعيه ..استمعَ لهاتفه، تذكَّرَ أنَّهُ لم يطمئنُها، نهضَ قائلًا:
هرد على التليفون حبيبتي..أومأت لهُ دونَ حديث، تحرَّكَ إلى حديقةِ المشفى وقامَ بمهاتفتها بعدما انقطعَ الرنين:
آسف انشغلت ونسيت أطمنِّك..
همهمت متسائلة:
والدَك عامل إيه..
لسة مفيش جديد، دخل غيبوبة ومحدش قال حاجة..
ألف سلامة عليه، ربنا يقوِّمه بالسلامة إن شاءالله..
صمتت لبعضِ اللحظاتِ ثمَّ تساءلت:
محتاج حاجة منِّي أعملها..
أيوة ..قالها بنبرةٍ مهزوزةٍ لأوَّلِ مرَّة أمامها، توقَّفت بعدما شعرت بالحزنِ الذي يسكنُ نبرتِه:
إنتَ فين؟..ابعتلي عنوان المستشفى..
إنزلي للسواق هيجيبِك لعندي..قالها وأغلقَ الهاتف ..هرولت للداخلِ بقلبٍ متلهف للوصولِ إليه.. دقائقَ معدودة لم تعلم كيف تجهَّزت وهبطت إلى السيارة، وجدت السائقَ ينتظرُها أمامَ السيارة ..استقلَّت السيارةَ تشعرُ بشيئٍ غريبٍ بداخلها، ودَّت لو أنَّها تمتلكُ أجنحةٍ لتصلَ إليه..استندت على نافذةِ السيارةِ وذهبت بشرودها لتلكَ الليلةِ التي تغيَّرت حياتها بها..
فلاش باك:
شعرت بارتفاعِ حرارتهِ فاتَّجهت تجلبُ إليهِ مبردَ الحرارة ..وضعتهُ فوقَ رأسهِ واستندت على ذراعيها تطالعهُ بحنو، إلى أن غفا، لتضع رأسها بجوارِ رأسهِ وتذهبُ بنومها..بعدَ فترةٍ فتحَ عينيهِ متأوِّهًا، حاولَ الاعتدالَ ولكن شعرَ بثقلٍ فوقَ ذراعهِ السليم..اتَّجهَ برأسهِ وجدَ تلكَ الحوريةِ التي ينفردُ شعرها على الوسادةِ وذراعيه، استدارَ بهدوءٍ يحدُجها بنظراتٍ صامتة، بسطَ أناملهِ يرفعُ شعرها من فوقِ وجهها، ظلَّ يحرِّكُها بهدوء، فتحت عينيها بتململ وكأنَّها تحلُم، استمعت إلى همسه:
لو حد قالي لمَّا تتصاب هتصحى تلاقي ملاك جنبَك كدا كنت دعيت اتصاب من زمان..هبَّت من نومها تعدِّلُ ملابسها، رفعت كفَّيها على خصلاتها، وجدت حجابها سقطَ من فوقِ شعرها..
ابتلعت ريقها بصعوبةٍ ونهضت تبحثُ عنه ..انحنى يجذبُها من رسغها:
إهدي إنتِ بتعملي إيه، ناسية إنِّك مراتي، يعني من حقِّي أشوف كلِّ حاجة مش شعرِك بس..
رجفةً أصابت جسدها من أنفاسهِ القريبة، حاولت التحدُّثَ إلَّا أنَّها لم تقو..
أقعدي لازم نتكلِّم ..جلست تفركُ كفَّيها، اعتدلَ متأوِّهًا، نهضت مقتربةً منهُ وسندتهُ حتى جلسَ بطريقةٍ مريحة، وهو يتشبثُ بذراعها..
آاااه ..أمسكت دوائهِ وحاوطت كتفهِ ليستندَ عليها:
خُد الدوا فيه مسكنات قوية، رفعَ عينيهِ إلى ذراعها الذي يحاوطُ جلوسهِ حتى يستندُ عليه .. تراجعَ عليها بجسدهِ وكأنَّها أتت إليه كنجاةٍ للغريقِ بعدما فشلَ في إسنادِ نفسه..
رفعت الكوبَ إليهِ وحاوطتهُ بيدها الأخرى على يديهِ وهو يرتشفُ المياه:
بالشفاء إن شاءالله..
بتعملي معايا كدا ليه ..قالها وهو ينظرُ أمامهِ بشرود..
ابتسمت قائلة:
متنساش إنَّك جوزي، واجب عليَّا مساعدتَك..
واجب بس ..استدارت تطالعهُ بنظراتٍ مستفهمة:
يعني إيه ؟!
رفعَ حاجبهِ وابتسم:
ودي براءة ولَّا استهبال؟..
تأفَّفت وأجابتهُ بصوتٍ أجفلُه:
لا، استهبال..زمّّ شفتيهِ على كلماتها يهزُّ رأسهِ مستهزئًا حديثها:
طيِّب ياستِّ المستهبلة، أنا سألت عن جوازنا..
توقَّفت وقطعت حديثه:
أنهي جواز بالظبط ياحضرةِ الظابط؟..
ظابط إيه يختي بعيد الشر، أنا ممكن أكون ظابط الأداء في حاجات تانية..
توسَّعت عيناها ورمقتهُ تسبُّه بهمس:
سامعِك ياستِّ المستهبلة ..منعت ابتسامتها تهزُّ رأسها على حركاته ثمَّ اقتربت منهُ وانحنت تنظرُ إلى وجههِ لأوَّلِ مرَّة:
بس يابتاع الحج متولي إنت، أنا عملت معاك اللي ربِّنا أمر الزوجة بيه
غير كدا متتعشمش..
أتعشِّم، هو إنتِ هبلة يابت، ليه بتحسِّسيني إنِّك أختي الكبيرة وعايزة أقسمِك تركة أبويا ..العشم دا ممكن يكون في طبق بسبوسة بالمكسرات أو كوب آيس كريم بالشوكولا..
انفجرت بالضحكِ تضربُ كفَّيها مبتعدةً عنه:
فعلًا إنتَ ظابط في الأداء ..ظلَّ يطالِعها بعيونٍ لامعةٍ لأوَّلِ مرَّةٍ يرى ضحكاتها وعفويتها ..دقيقتانِ تلهو بحركاتها وضحكاتها وهي تتحدَّثُ ومازالت عيناهُ تخترقُ أفعالها ..توقَّفت عن الحديثِ بعدما وجدت صمتهِ ونظراتهِ إليها ..ارتبكت وتراجعت تجلسُ على المقعدِ بصمت ..قطعَ صمتها:
جوازنا حرام، هبَّت من مكانها:
إنتَ بتقول إيه، الجواز عند مأذون وكمان إشهار، حارتي كلَّها عرفت، أه والدَك مايعرفشِ بس دا ميديش أنه حرام..
جذبَ سيحارتهِ ليشعلها، اقتربت عليهِ سريعًا، تجذبها من فمهِ بعنف:
إنتَ مجنون، إزاي تشرب سجاير قبلِ الأكل وكمان واخد مضاد حيوي..
لحظة هجهزلَك حاجة تاكلها ..قالتها وتحرَّكت…
غرام ..توقَّفت وانتفضَ قلبها وهي تستمعُ إلى اسمها بصوته ..ظلَّت كما هي لم تستطع أن تستديرَ إليه:
أنا مبفطرش، ماليش نفس، تعالي عايز أتكلِّم معاكي في موضوع مهم..
هربت من أمامهِ حينما فشلت في السيطرةِ على رعشةِ قلبها لا تعلمُ مالذي يحدثُ إليها منذُ فترة..
عادت تحملُ بعضَ الطعامِ الذي أحضرهُ إليها قبلَ خروجهِ بالأمس، حتى لا تفتحَ البابَ لأحدٍ بغيابه.
وضعت الطعامَ على الطاولةِ المتحرِّكة،
لازم تاكل أيِّ حاجة علشان معدتَك متتعبشِ من المسكنات..
أومأَ لها حاولَ أن يحرِّكَ ذراعيه ولكنَّهُ تألَّم، قامت بتقطيعِ الطعامِ بأناملها تهربُ من نظراتهِ مردِّدة:
مبعرفشِ أقطع الطعام بالشوكة والسكينة، هينفع تاكل بطريقتي..
رفعَ كفَّها بيديهِ السليمة على فمه:
أممم حلو مش بطَّال، هبَّت من مكانها وابتلعت ريقها بصعوبة هجبلَك عصير ..
استني عندِك، استدارت تطالعهُ..
