رواية شظايا قلوب محترقه
الفصل الثالث3
بقلم سيلا وليد
توقَّفَ يزن محاولًا استيعابَ ماقالتُه، رفعَ عينيهِ إليها :
استني عندِك، إيه اللي بتقوليه دا ؟!.
فركت كفَّيها تبتعدُ ببصرها عنه :
كلِّ شيء قسمة ونصيب يايزن…
بتقولي إيه يامها؟!
ابتعدت بخطواتِها بوقوفِ إيمان بجوارِ أخيها :
مها أدخلي إفطري معانا، قالتها بدخولِ معاذ :
أهلًا أبلة مها، وأنا بقول الطعميَّة لذيذة ليه، علشان أبلة مها هتفطَر معانا …
كانت تطأطئُ برأسها للأسفلِ ولم تقوَ على النظرِ إليه :
أنا هتخطب يايزن ربِّنا يرزقك ببنتِ الحلال ..
رجفةٌ قويةٌ حتى شعرَ بسحقِ عظامه، فتراجعَ خطوةً للخلفِ وعينيهِ تلتهمها بنيرانِ صدرهِ المشتعلة..دقائقَ حتَّى يستوعبُ ماقالتهُ تلكَ المجنونة، مسحَ على وجههِ بكفوفهِ مع عدَّةِ أنفاسٍ مضطربة، أعادهُ لحالتهِ صوتَ أختِه :
أبيه أدخلوا جوَّا، استدارَ إليها وعينيهِ على معاذ :
خُدي معاذ وأدخلي جوا ياإيمان .
أومأت برأسها قائلة:
حاضر.. سحبت أخيها وألقت نظرة على مها، ثمَّ دلفت للداخل :
تراجعَ يجذبُ مقعدَ طاولةِ الطَّعام، ثمَّ أشارَ لها بالدخول :
أدخلي نتكلِّم، عايز أعرف إيه اللي حصل..
مفيش حاجة نتكلِّم فيها يايزن، أنا تعبت، بقالنا خمس سنين مخطوبين، العمر بيسرقني، إنتَ راجل، السِّن عندك مش فارق لكن أنا دلوقتي عندي تمانية وعشرين سنة عايزة أعيش حياتي يايزن، أتجوِّز وأجيب أطفال، وأعيش حياتي مرفَّهة ودا مش هلاقيه معاك، متزعلشِ مني أنا ذنبي إيه أشيل مسؤولية
أختك وأخوك، بحبَّك أه، لكن الحبّ مابأكلشِ عيش، كلِّ شوية أقول أعذار لأمِّي وأبويا، تعبت من نظراتهم وخصوصًا بعد آخر عريس و…أشارَ بيديهِ أن تتوقَّفَ عن الحديث، ألقى نظرةً على أشيائهِ التي أحضرتها :
علشان كدا مختفية بقالِك أسبوعين وكلِّ ماأروحلِك يقولوا تعبانة، ياترى كنتي واخدة القرار ومكسوفة تقوليلي ولَّا بتهربي؟..
يزن أنا بحبَّك بس ظروفك أقوى من الحبِّ دا، مقدرش أفضل كدا ..
1
مبروك عليكي العريس يامها، الحاجات دي متلزمنيش، مبروكة عليكي، اقتربت تهزُّ رأسها مع انسيابِ عبراتها :
لا يايزن مش حقِّي، أنا اللي فركشِت .
توقَّفَ سريعًا، ورمقها بنظرةٍ مستاءة :
إسمها أنا اللي بعت، وأنا اللي يبعني ضغطَ على أسنانه، وعيناه تطلق أسهمًا ناريَّة يرمقها بها، ثم دنا منها مردِّدًا بجفاء:
أحرق اللي يفكَّرني بيه..غرزَ عينينهِ بمقلتيها..جاية بكلِّ بجاحة توقفي قدامي، تقولي واحد إتقدملِك وإنتِ موافقة !.
دنا إلى أن أصبحت المسافة بينهما معدومة ثمَّ انحنى بجسدِه :
خنتي العهد اللي بينا يامها، حرقتي قلبي، روحتي اتكلِّمتي مع واحد وإنتِ مخطوبة، إنتِ عارفة أنا شايفِك إيه دلوقتي ؟..
نكست رأسها بأسفٍ وتمتمت بخفوت :
لو سمحت يايزن، بلاش تجريح .
خاينة إنتِ واحدة خاينة وكذَّابة وأنا اللي غلطان.. تراجعَ وجنونُ العشقِ الغادرِ بداخلهِ يحرقُ روحه :
اطلعي برَّة وخدي الحاجات دي، خُديها حتى لو هاترميها .
همَّت بالمغادرة إلا أنّّهُ صاحَ باسمها :
مها منتظر دعوةِ الفرح.. هرولت للخارج، أمَّا هو فهوى بجسدهِ على المقعد، وخزاتٌ كالمسامير تغرز بصدره دونَ رحمة، لحظاتٌ يشعرُ بانسحابِ أنفاسهِ وكأنَّهُ داخلَ قبر، خرجت أختهِ تطالعهُ بأنينِ قلبها، كم تعلم عشقهِ الذي دُفنَ لسنوات، خطت
إلى أن جثت بركبتيها أمامَ أخيها :
يزن ليه كدا، ليه تتنازل عن حبَّك، قولتها قبلِ كدا، من حقَّك تعيش، لو سمحت يايزن، فكَّر في نفسك شوية، مش من حقَّك تحرم نفسك علشانا ..
انحنى وحاوطَ وجهها :
أنا أبيع الدنيا كلَّها علشانِك إنتِ ومعاذ، أوعي أسمعِك تقولي كدا، أنا قبلِ ماأكون أخوكي فأنا أبوكي.. هوَّ فيه أب بيجي على ولادُه علشان نفسه، أنا راضي بيكم حتى لو متجوزتِش طول حياتي ..
هزَّت رأسها رافضةً حديثه :
تضيَّع حياتك ليه، إنتَ مش أبونا..
إيمي مش عايز أسمع كلام في الموضوع دا، أهمَّ حاجة دلوقتي تهتَّمي بدراستك وبس، متنسيش إنتِ ثانوية عامة، كفاية السنة اللي اتأجلِّت بسبب وفاة ماما مش هاقبل أعذار، عايز طب ياإيمي غير كدا مش مسمحولِك تفكَّري في حاجة، لو فعلاً بتحبِّي أخوكي.. عايز نجاح باهر.
قبَّلَت كفِّهِ الذي يحتضنُ بهِ وجهها :
إنتَ أحسن أخ في الدنيا، ربِّنا مايحرمني منِّك .
دمغَ جبينها بقبلةٍ حنونةٍ :
ولا منِّك حبيبة قلبي، وبنتي الغالية، هاعوز إيه أكتر من إنِّي أشوفِك إنتِ وأخوكي في أحسن حال ..
طيِّب مها، هتقدَر تنساها، تنسى حبِّ حياتك.
أشاحَ ببصرهِ بعيدًا عنها ثمَّ أردف :
ربِّنا أنعم علينا بالنسيان علشان ننسى أعزِّ النَّاس، فتخيلي اللي ميستهلوش مش هنقدر ننساهم؟..قومي ياقلبي جهِّزي الفطار أنا اتأخرت ..
حبيبي متزعلشِ هيَّ الخسرانة لأنَّها متستهلكش، أوعى واحدة زي دي تكسر يزن السوهاجي، اللي كلِّ بنات المنطقة هتموت على نظرة من عيونُه :
رسمَ ابتسامة، وارتفع جانبَ وجههِ بشبهِ ابتسامةٍ ساخرة قائلًا :
بنات المنطقة كلها مرَّة واحدة، قومي يالِمضة قومي..
بعدَ فترةٍ على طاولةِ الطعامِ أردفَ معاذ :
أبيه يزن عايز فلوس درسِ الانجليزي، الميس طلبتهم منِّي الحصَّة اللي فاتت.
حاضر.. قالها وأخرجَ سيجارة يرتشفُ من كوبِ الشاي، وعينيهِ شاردة بكافَّةِ الاتجاهات، كانت تتابعهُ بعينيها، أصابَ قلبها الألم على نظراتهِ الحزينة رغمَ محاولتهِ بالظهورِ أَّنَّهُ على مايرام .
وضعَ الكوبَ وتوقَّفَ متحرِّكًا إلى أشيائه، جمعها ثمَّ أخرجَ نقودًا من الحافظة الخاصَّة به :
موني دي فلوس درسِ معاذ، عدِّي على الميس وشوفيه عامل إيه معاها، وكمان فلوس الفيزيا، آسف حبيبتي نسيتهم امبارح، كان لازم تفكَّريني بدل ماتلغي الحصَّة كدا .
توقَّفت واتَّجهت إليهِ متمتمة :
لا يايزن أنا سمَّعت الدرس فيديو على اليوتيوب، استفدت مكنشِ له لزوم الدَّرس ..
داعبَ خصلاتها مبتسمًا:
على يزن برضو ياموني، النِّت أصلًا فصل، مش عيب تكذبي على أخوكي..
جذبها لأحضانهِ بعدما شعرَ بحزنها :
شوفتي بتزعَّليني إزَّاي، مكسوفة تسأليني على الفلوس، نسيت واللهِ ياقلبِ أخوكي، بعد كدا هقبَّضِك شهريًا كلِّ دروسك، إحسبي الحسبة وقولي عايزة إيه وأنا تحتِ أمرِك .
ابتسمت تهزُّ رأسها دونَ حديث، فيكفي مايشعرُ به، همَّ بالمغادرة إلى أن أسرعَ معاذ يحملُ حقيبته :
وصَّلني معاك بالمكنة ياأبيه، عمُّو اسماعيل عامل عمرة للتوكتوك، أومأَ وتحرَّكَ إلى دراجتهِ البخاريَّة .
ارتدى الخوذة وأشارَ إليهِ بالتحرُّك :
استناني برَّة لمَّا أخرَّج المكنة، خرجَ وتوقَّفَ أمامَ معاذ، رفعَ نظرهِ على تلكَ السيارةِ التي توقَّفت أمامَ منزلِ خطيبته، ترجَّلَ منها شاب يافعَ الطول، عرفهُ من ظهره، نعم صاحبَ العمل الذي تعملُ به، وصلت إليهِ بجوارِ والدتها، التي رمقت يزن بنظرةٍ مستاءة ثمَّ أشارت على ذاكَ الشابِّ الذي يُدعى طارق وصاحت بصوتٍ مرتفعٍ ليصلَ إلى آذان يزن :
تعالَ إفطَر معانا ياخطيب بنتي، حماتك بتحبِّك ..
كوَّرَ قبضتهِ حتى ابيضت مفاصلِه، يضغطُ على شفتيه بقوَّةٍ بأسنانهِ ولم يشعر بدمائها.. رفعت عينيها لتتقابلَ بعينيهِ وهناكَ الكثير من الأحاديثِ الملامة، ضغطَ بقدمهِ على الوقودِ ليصدحَ صوتُ الدراجةِ وكأنَّهُ لم يعد يستمع لأصواتِ تلكَ الشمطاءِ وهي ترحبُّ به، كيفَ يفعلوا به ذلك، كيفَ تقبَّلت أن تجلسَ معهُ وهي على عهدٍ معه…
قادَ دراجتهِ بسرعةٍ فائقةٍ مما أزعجهم بخارَها، كانت تطالعهُ بأعينٍ حزينة، تعلمُ أنَّها خلت بوعدهما ولكن ماذا عليها أن تفعلَ بعد إصرارِ والديها بجبرها على الزواجِ في ظلِّ ظروفه، استقلَّت السيارة بجوارِ من اعتبرتهُ زوجها المستقبلي ولم تعلِّق على حديثهِ حينما قال :
شكلِك عرَّفتي الولد اللي كنتي مخطوباله، شايفه مش طايق نفسه..
أشارت على الطريقِ وردَّدَت :
هنتأخَّرعلى الشغل، أمالَ برأسهِ مقتربًا منها، حتَّى أصبحت المسافة بينهما معدومة، ليهمسَ لها :
مفيش شغل النَّهاردة فيه طارق وبس، عازمِك على فسحة هاتعجبِك أوي .
يعني إيه؟..
قادَ السيارة وتحرَّكَ قائلًا :
هانعمل تور أنا وإنتِ وبعد كدا نروح نشوف الفستان ..
ضيَّقت عينيها متسائلة:
فستان إيه، ليه هوَّ الفرح إمتى؟!
غمزَ بطرفِ عينهِ قائلًا :
وقتِ مالجميل يؤمر..
عندَ يزن وصلَ إلى مكانِ عمله، ودلفَ للدَّاخلِ ملقيًا تحيَّةَ الصباحِ على صاحبِ العمل، نظرَ بساعةِ يده :
اتأخرتِ ليه يايزن النهاردة ؟..
ارتدى ثيابَ عملِه، متهرِّبًا بنظراتهِ من ذاكَ الرجلِ الذي يعتبرهُ بمقامِ والده، ثمَّ أجابه :
مشكلة واتحلِّت ياعمو اسماعيل.. ربتَ على كتفِه :
حبيبي ربِّنا ييسرلك أمورَك دايمًا .
يارب.. قالها بدلوفِ إحدى السيارات، فأشارَ لهُ الرجلِ بمقابلةِ زبائنه .
بمكانٍ آخر :
وصلَ إلى مكانِ عمله، وجدَ أحدَ الضباطِ بانتظارِه :
إلياس باشا، القضية دي جيَّالنا عن طريقِ المخابرات، وعايزينَك بالإسمِ في تحقيقها، فتحَ الملَّف يطالعهُ لثوان، ثمَّ رفعَ نظرهِ قائلًا :
دي مش تبع الأمنِ القومي، ليه جايَلنا؟!.. قالها وهو يتحرَّكُ لداخلِ مكتبِه..
خلعَ جاكيتَ بذلته، وقامَ بثني أكمامهِ بعدما تحرَّكَ لمقعدِه :
دي خليَّة ياباشا بتموِّل الإرهابيين، الشرطة مسكتهُم متلبِّسين بمشاركةِ المخابرات.. قالها أحدُ الضباط،
مش جناية يعني..
أومأَ متفهِّمًا ثمَّ أردف :
تمام ليه جت علينا وهيَّ تبع السويس؟..
معنديش معلومة والله ياباشا .
دلفَ العسكري يضعُ قهوتهِ ثمَّ توقَّف :
فيه واحد برَّة عايز يقابل حضرتَك ياباشا.. قالها وهو يبسطُ كفِّهِ بذاكَ الكارت.. رفعهُ يقرأ مايدوَّنُ به :
راجح الشافعي، ودا عايز إيه، مكتوب هنا رائد متقاعد، مش دا اللي ابنه اتمسَك من كام أسبوع وحقَّقنا معاه..نقرَ على مكتبه، ثمَّ أشارَ للعسكري :
خلِّيه يدخل لمَّا نشوف أخرتها إيه ..
دلفَ راجح ملقيًا السلام ..
أومأَ إلياس يشيرُ للمقعد.. جلسَ بعدما فكَّ زرَّ بذلته :
إزَّيك إلياس باشا ؟..
أهلًا بحضرتك، ممكن أعرف إيه المطلوب ؟..
حمحمَ راجح متمتمًا :
عرفت إنَّك اللي بتحقَّق في قضيةِ ابني، جايلَك وأملي كبير، ابني اتمسك من ضمنِ الولاد دول، واللهِ ياإلياس باشا هو مالُه دخل بالسياسة، يعني أبوه كان ظابط، ليه يعمل كدا ..
مش فاهم حضرتَك، ياريت توضَّح..
ابني كان في الشَّقة بس مش علشان إرهابي دا ابنِ ظابط، هوَّ بس كان متصاحب على شويِّة عيال، وكانوا بيروحوا الشقة دي يلعبوا قمار ..
تراجعَ بجسدهِ للخلفِ قائلًا :
ليه هو ابنِ الظَّابط بيلعب قمار؟..
حمحم قائلًا :
شباب بقى ياإلياس باشا، والغلط عندي علشان نقلت جامعتُه القاهرة..
أخرجَ الملفَّ الخاص وطالعهُ لبعضِ الدقائق، ثمَّ رفعَ نظرهِ إليه :
قدَّامك عشَر دقايق تشوفُه، ودا مبعمِلوش مع حد، تأكَّد إكراميَّة مني علشان في مجالِ الشرطة .
نهضَ وشكرهُ :
شكرًا يابني، ربِّنا يريَّح بالك ..
استمعَ إلى طرقاتٍ ثمَّ دلفَ العسكري :
إلياس باشا، أستاذة ميرال جايبة إذن عشان تعمل حوار صحفي مع المسجون .
بتقول مين؟!
تساءلَ بها وعينيهِ كالحممِ البركانيَّة .. دلفت للدَّاخلِ مقاطعةً حديثه :
إيه هوَّ حضرة الظابط واقع على ودنُه وهوَّ صغير، اتفضَّل دا تصريح من اللوا مصطفى السيوفي بذات نفسُه علشان أقابل المتَّهم اللي اتمسك في الشَّقة، وكمان المتَّهم بتاع المحطَّة .
خُد راجح باشا يقابل ابنُه عشر دقايق، قالها وهو يشيرُ لراجح بالخروج، ثمَّ التفتَ للتي تعقدُ ذراعيها أمامَ صدرها،
توقَّفَ راجح أمامها :
عدِّيني يابنتي، رفعت نظرها إليهِ ورسمت ابتسامة :
آسفة حضرتَك ..قالتها وتراجعت تُفسحُ المكان ..خرجَ راجح ونظراتِ إلياس عليه إلى أن أغلقَ الباب، ثم انتفضَ بجسدهِ إليها :
أنا مش محذَّرِك الصُّبح، إنتِ ليه مصرِّة تخرَّجي شياطيني عليكي، علشان عَندِك واسطة كلِّ شوية تقرفيني…
1
رفعت حاجبها وشيَّعتهُ بنظرةٍ متهكِّمة :
يعني علشان بعمِل شغلي، بص ياحضرة الظابط، المسجون دا أنا هقابلُه، وهاعرَف منُّه اللي حضرتِك معرفتِش توصلُّه .
1
أشارَ إلى مقعدِه :
تعالي أُقعدي مكاني، وحقَّقي ولَّا أقولِّك سيبِك من الصحافة، وأقدِّملِك في الشرطة .
جزَّت على أسنانها واقتربَت منه :
إنتَ ليه مستِّفز، أنا بعمِل شغلي، الواقفة قدَّامَك دي ميرال جمال الدين اللي أي مكان يتفتحلها من غير واسطة، ياحضرة الظابط، بس أعمِل إيه..في ظابط مغرور وواخد في نفسُه مقلب .
جلسَ يدَّخنُ سيجاره وتركها تثرثرُ كما زعم، توقَّفَت عن الحديثِ عندما وجدتهُ بتلكَ الحالة، رفعَ نظرهِ بقلقٍ بعدَ صمتها، ثمَّ نفثَ دخانَ سيجارتِه :
قلقت عليكي، كمِّلي تعريف وهيصة..
احتقنَ وجهها بالغضب، حتى توردَّت وجنتيها، فدنت منهُ وانحنت برأسها لمستواه :
إنتَ إيه ياأخي فريزَر برجلين قاعد على المكتب، بقولَّك عايزة أشوف شُغلي .
رفعَ رأسهِ ونفثَ دخانَ تبغهِ بوجهها، فتراجعت برأسها تسعُل، مطَّ شفتيهِ ساخرًا :
ياحرام، ماكنتِ عاملة فيها سكوت آدكنز من لحظات ..
إلياااس..صاحت بها غاضبة، نصبَ عودهِ متوقِّفًا واقتربَ منها بخطواتٍ سُلحفيِّة، دبَّت الرعبَ بقلبها، ورغمَ ذلك
اقتربت منهُ وتحدَّثت بجرأة :
عايزة أقابِل المتَّهم، مش خايفة منَّك، متحاولشِ تعملِّي فيها قابض الأرواح .
كوَّرَ قبضتهِ يجزُّ على أسنانه، لتتراجعَ للخلف، ليهمسَ بفحيحٍ أعمى :
إمشي من هنا معنديش متَّهمين .
اتقدَّ الغضبُ كنيرانٍ مشتعلة، وهدرت به :
إنتَ ليه بتعمِل كدا، أنا عايزة أوضَّح للجمهور حياة الولد وإيه اللي وصَّلُه لكدا .
رفعَ كفِّهِ ولم يشعر بنفسهِ إلَّا وهوَ يضعُ أناملهِ على ثغرها، لتتوسَّعَ عيناها بذهولٍ من حركتهِ الجريئة، دنا يهمسُ بجوارِ أذنها بأنفاسهِ الحارَّة التي تريدُ إحراقها :
ميرال ..ميرال، مالكيش شُغل في محيطي، اختفي من قدَّامي بدل ماأندِّمِك..قالها وتراجعَ للخلفِ وكأنَّهُ لم يفعل شيئًا..أمَّا هي فكأنَّ قربهِ شلَّ جسدها ولم تعد لساقيها القُدرة على الحركة..جلسَ فوقَ مقعدهِ يشيرُ إليها :
أخدتِ من وقتي حضرة الصحفيَّة الفاشلة، روحي شوفي شُغلِك بعيد عني …
استفاقت أخيرًا من سيطرتهِ الطَّاغية التي فرضها عليها، رفعت عيناها تتأمَّلُ جلوسهِ المغرور ثمَّ اقتربت إلى أن وصلت إلى مكتبِه، ونظراتهِ تلاحقُ حركتها .
1
استندت بكفَّيها على مكتبِه :
حضرتَك في المكان دا، وبتاخُد مرتَّب منِّي ومن غيري، بلاش القنعرة الكدّّابة دي..
جحظت عينيهِ، ونظراتٍ كالسهامِ الناريَّة، يصرخُ بالعسكري، حتَّى هبَّت من مكانها فزعة، هاتلي المسجون يشوف أبوه، وخُد أستاذة ميرال عرفَّها طريق الخروج منين..
تنهيدة ناريَّة خرجت منها وهي تشيرُ إليهِ بغضب :
إلياس متقوفشِ قدَّام شغلي، اللي بينا مالوش علاقة بالشغل، إنتَ عارف ومتأكِّد أنا بعمِل شُغلي، فلو سمحت متقوفشِ قدَّامي…
دنا منها، فتراجعت للخلف، حتَّى اصطدمت بالجدار، حاوطها بذراعيهِ
وانحنى ينظرُ لعيونِها التي تشبهُ عيونَ الغزال، ثمَّ همسَ بهسيسٍ مرعبٍ وعينيهِ تخترقُ عينيها :
إنتِ بقالِك تكَّة معايا، أي كلمة تانية هاندِّمِك على حياتِك طول العمر، كلِّ شوية إلياس، إلياس دي عند مامتِك هناك مش هنا في مكان شغلي، تنطيطِك ليَّا كلِّ شوية مالوش غير معنى واحد وبس، عايزة تلفتي انتباهي، بس غبية لو الستِّ فريدة بتحلَم وزقِّتِك عليَّا هافعصِك، استلفي شوية عقل من عندِ مامتِك اللي معرفشِ بترسم على إيه، اتعاملي معايا بيهم لحدِّ ماأشوفلِك مصيبة، سمعتيني ولَّا لأ …
ثقلَت أهدابها لحجزِ الدموعِ تحتها، رفعت عينيها مع رأسها بكبَرِ أنثى داسَ على كرامتها :
إعرَف لو إنتَ آخر راجل على الكرة الأرضيَّة علشان ألعب عليه وأجذِبُه، مستحيل.. لأنِّي هاضيَّع وقتي مع الشخصِ اللي ميستهلِشِ ميرال جمال الدين، إنتَ أخرَك تزعَّق وبس، إنَّما تِتحَب وتكون من طموحاتي تبقى مجنون.. قالتها ودفعتهُ بقوَّةٍ ليبتعدَ عنها، ثمَّ أشارت مهدِّدةً إيَّاه :
هاكتِب فيك شكوى لنقابةِ الصحافة ياعمِّ المغرور، قالتها وجذبت حقيبتها،
وتحرَّكَت بخطواتها الواثقة، وغادرت المكانَ بالكامل، وقلبها يئنُّ كالوترِ المقطوع..سبَّها قائلًا :
دمِّك يلطُش، إصبري عليَّا بت متخلِّفة،
جلسَ على مقعده، بدلوفِ المسؤول :
الولد جاهز للمقابلة
أشعلَ سيجارة ينفثها بهدوء :
خلِّيه يشوفه كدا، علشان يعرَف يربِّيه، دلفَ صديقهِ بالعمل :
صباح الخير :
ارتفعَ جانبَ وجههِ بشبهِ ابتسامةٍ ساخرة :
صحِّ النوم ياعريس، ناموسيِّتَك كحلي .
هوى على المقعدِ يشيرُ للرجل :
قهوتي يابني، استدارَ إلى إلياس :
عملت حاجة في القضيِّة بتاعة الخليِّة؟..
تراجعَ بجسدهِ ورمقهُ ساخرًا ثمَّ تمتمَ :
مش بقول عريس وصباحيَّة مباركة، الولد المخابرات صفِّتُه إمبارح، والتَّاني في الزنزانة بين الحيا والموت .
يعني إيه؟..اقتربَ يستندُ بذراعيهِ على المكتب :
الولد مالوش في السيَّاسة فعلًا، دا بتاع قُمار وشرب، بس فيه ولد هرب قبلِ الهجوم، كدا يبقى عرف إنِّ الشقَّة هاتُقتَحم ..
مسحَ على ذقنهِ قائلًا :
معنى كدا فيه حد بيحرَّكهم…أومأَ له مجيبًا :
بالظبطِ كدا، دا اللي عايز أقوله ..نهضَ من مكانهِ وهمَّ بالمغادرة إلَّا أنَّ إلياس أوقفُه :
شريف الولد أبوه عندُه، عشر دقايق ومش عايز حدِّ يقرَّب منُّه، وممنوع من الزيارة، حتَّى أبوه نفسه ممنوع يشوفُه تاني
قطبَ جبينهِ مستفسرًا :
ليه خلِّيت أبوه يشوفه، هوَّ ينفع؟!
نهضَ من مكانهِ قائلًا :
عايز أعرَف اسمِ الولد اللي كان معاهم، ودا مش هيقولُه لحدِّ غير أبوه، وكمان أبوه طلع كان ظابط بس تقاعد، نُصِّ ساعة وهنجيب ملفُّه بالكامل .
تمام يعني فيه تسجيلات ..
-ولو ..إنتَ مجنون، فيه حاجة تفوتني..أومأَ لهُ وتحرَّك، ولكنَّهُ توقَّفَ على بابِ الغرفة :
أستاذة ميرال قابلتني تحت، وكانت مضَّايقة، إكسَب الصحافة علشان ميقلبوش علينا ..
لوَّحَ بيدهِ قائلًا :
سيبَك منها، هاعرف أوقفَّها
هزَّ رأسهِ ضاحكًا : واللهِ البنت زي القمر، معرفش مالَك ومالها ..
إنتَ اتجنِّنت ولَّا إيه، إنتَ بتعاكِس في البنتِ قدَّامي!..
اقتربَ شريف مقهقهًا :
إيه الغزالة غمزِت ولَّا إيه.. استدارَ إلى مقعدهِ يشيحُ بكفَّيه :
غزالة إيه يابني، دي من أهلِ بيتي.. أه مختلفين بس دا ميدلَكشِ الحقِّ تتكلِّم عنها مهما كان ..
غمزَ بطرفِ عينهِ مردفًا :
من إمتى الحنان دا ياأمِّ كلثوم ..
أوووف إمشي من قدَّامي، أهو إنتَ بارد زيَّها..رفعَ حاجبهِ ساخرًا :
طيِّب إحنا الاتنين شبه بعض،ماتجوِّزنا لبعض، اهو تلمِّني وتاخد فيَّا ثواب بدل الأفلام الثقافيَّة اللي مبهدِلة أخوك .
شريف ..صاحَ بها بغضبٍ وكأنَّهُ تحوَّلَ لشيطانٍ أعمى :
قولتِلَك أهلِ بيتي مش للهزار، أوعى تفكَّرني هتساهِل معاك، دي زيَّها زي غادة، اللي بينا مالوش علاقة بحد، سمعتني ولَّا لأ، ياريت تلتزم حدودك في الموضوع دا .
أومأَ معتذرًا :
آسف ياإلياس مكنشِ قصدي أزعَّلك، أشارَ لهُ بالخروجِ وأجابهُ ممتعضًا :
روح شوف شُغلَك، وابعتلي تسجيلات مقابلة الراجل وابنُه، عايز نشوف شُغلنا .
بفيلَّا السيوفي :
تقرأُ بمصحفها، وتنسابُ عبراتها مع ذكرياتٍ متألِّمة، أغلقت المصحف ووضعتهُ بمكانِه، جلست تنظرُ للخارجِ تزيلُ عبراتها تهمسُ لنفسها :
إيه يافريدة، ظهور راجح قلَّب عليكي الماضي، عايزة إيه ..حقِّك وربنا جبهولِك، وأكيد عند ربنا الأكبر والأعظم .
تنهيدة متألِّمة ثمَّ وضعت كفَّها على صدرها تتمتمُ بخفوت:
متأكدة ربنا هايجمعني بيهُم قريب، يارب استودعتكَ أولادي، إحفظهُم بحفظك، واجمعني بيهم،
1
ذهبت بذاكرتها منذ ساعتين :
خرجت من غرفةِ مكتبها، ونادت على مربيِّة الدار التي تمتلكُها :
علية ..هرولت إليها السيدة قائلةً :
نعم يامدام فريدة..أشارت إليها :
شوفي أستاذة حنان فين، ناديها علشان نعمِل جولة على غرفِ الأطفال ونشوف المستوى..أومأت لها وتحرَّكَت سريعًا .
تحرَّكَت فريدة إلى مكتبها وهاتفت ابنتها :
ميرال حبيبتي خلَّصتي شغلك؟..كانت تستقلُّ سيارتها فأجابتها :
لا ياماما، لسَّة عندي مقابلة عند عزرائيل باشا، نفسي أطبق على زمَّارِة رقبتُه دي وماسيبوش غير وهوَّ بيرفرف ..
ضحكت على حديثِ ابنتها :
قصدِك إلياس؟..همست ميرال بخفوت ؛
هوَّ فيه غيرُه الطاووس المغرور .
عيب ياميرال مهما كان مينفعشِ تغلطي فيه حبيبتي دا في مقام أخوكي الكبير..قطعت حديثَ والدتها:
متقوليش بس أخوكي، عمرُه ماهيكون أخويا ياماما، دا شبه جنكيز خان ..أفلتت فريدة ضحكةً قائلةً :
بلاش تضَيقيه ياميرال، المهم أنا هاتأخَّر شوية في الدار النهاردة متقلقيش حبيبتي .
قادت سيارتها وتحرَّكَت قائلة :
تمام حبيبتي المهم خُدي بالِك من نفسك..
خرجت فريدة مع المسؤولة وقامت بعملِ جولةٍ على كلِّ الغُرَف، عادت إلى غرفتها بعدما ألقت أوامرها بقيامِ المهام لكلِّ فردٍ في الدَّار، ثمَّ تحرَّكَت إلى غرفةِ مكتبها بدخولِ وكيلةِ الدَّار :
شوفتي الأخبار يافريدة ..جعدَت جبينها متسائلة:
أخبار إيه؟..ألقت الجريدة أمامها على المكتب :
الإرهابيين اللي مسكوهُم من فترة، نظرت إليها منتظرةً باقي حديثها ، فتابعت السيدة :
إنتِ مش ابنك أمنِ دولة وجوزِك لوا، إزَّاي متعرفيش!..
جلست على المقعدِ مستفسرة :
مبدَّخلشِ في شغلهُم إلَّا إذا كانت قضيِّة رأي عام .
والانفجارات اللي بتحصَل دي ماهيَّ رأي عام برضو، وضعت الجريدة أمامها :
شوفي مصوَرينهُم أهو، بس أهاليهُم اللي صعبوا عليَّا، دول عيال مش فاهمين حاجة، وداعش مابيصدَّق يوصل لعيال زي دي..
أومأت بتفهُّم تنظرُ إلى تلكَ الجريدة، هزَّة عنيفة أصابت جسدها وهي ترى صورةُ ذاكَ الشَّخصِ وبجوارهِ شابًا بالعشرينات، رفعت الجريدة تدقِّقُ النظرَ بالصورة، فنهضت سريعًا تجمعُ أشياءها قائلةً بتلعثم :
رحاب خلِّي بالِك من الدَّار، عندي مشوار مهم ..قالتها وغادرت سريعًا، اتَّجهت إلى سيارتها بساقينِ مرتعشة، وصلت إلى السيارة ودقاتٍ عنيفة تكادُ تخترقُ صدرها ..توقَّفت تلتقطُ أنفاسها تنظرُ حولها بتشتُّت :
راجح..همست بتقطُّع تتلفَّتُ حولها وكأنَّهً يراها، أنفاسٍ كالمسامير تدقُّ بصدرها، فتحت بابَ السيارةِ وجلست بداخلها مع انسيابِ عبراتها .. دقائقَ كأنَّها دهرًا طويلًا حتَّى شعرت وكأنها كهلةً لما شعرت به من ثقلِ أنفاسها، فتَّشت عن هاتفها بتذبذبٍ إلى أن وجدتهُ ورفعتهُ بكفِّها المرتعش :
ليه ماقولتليش ابنِ راجح في القضية؟..
صمتًا دامَ للحظات، يستمعُ إلى أنفاسها المضطربة، إلى أن سحبَ نفسًا عميقًا :
علشان متكونيش زي دلوقتي كدا .
ثقلُت حروفُ نطقِها مما جعلها تصمتُ وكأنَّها لم يعد لديها القدرة على التحمُّل إلى أن استمعت إلى صوتهِ الحنون :
فريدة مصطفى السيوفي مستحيل حد يقدر يقرَّب منها، أدفنُه حي، أقسم بالله يافريدة اللي يقرَّب منِّك أو من ميرال أدفِنُه حي، حبيبتي إهدي، ميقدَرش يعمل حاجة، ولا يقدر يقرَّب منِّك .
مصطفى أنا خايفة…قالتها بتقطُّعٍ ممَّا جعلته يشعرُ بتفتيتِ ضلوعِه، ليتوقَّفَ متَّجهًا للخارج :
إنتِ فين حبيبتي، أنا جايلِك، تلفَّتت حولها وانسابت عبراتها قائلة :
قدَّام الدَّار ..
خليكي يافِري أنا في الطَّريق .
مساءَ اليومِ التالي :
جلسَ أمامَ مسبحِ منزلهِ يطالعهُ بشرود، وصلَ إليهِ إلياس :
مساء الخير ياسيادة اللوا..
رفعَ رأسهِ مبتسمًا وردَّ تحيَّتِه :
مساء الخير ياحبيبي، رجعت إمتى شايفَك مغيَّر هدومك…
جلسَ بمقابلةِ والدهِ ينظرُ إلى دلوفِ سيارةِ إسلام وبجوارهِ غادة واجابه:
من ساعة تقريبًا، استدارَ بعدما استمعَ إلى ضحكاتِ غادة بنزولِ ميرال :
طيِّب أقوم أضربهم.. بتقولِّي ماتشدِّش عليهم وخلِّيك حنيِّن، سامع صوت الضحك..
حدجهُ والدهِ بنظراتٍ مبهمة، ثمَّ أردف :
بيضحكوا في البيت ياإلياس، وبعدين غادة صغيرة، خلِّيها تفرح حبيبي بلاش الشدَّة علشان ماتغلط برَّة .
صغيرة إيه يابابا، دي أولى جامعة، يعني مش طفلة، والأستاذة ميرال برضو صغيرة؟..دي لمَّا الأمن يسمع ضحكاتها بالطريقة دي…
وصلت الخادمة إليهما بمشروباتهم :
مدام فريدة بعتت لحضرتَك العصير دا ياباشا، والبيه قهوتُه..قالتها بعدما وضعتهم على الطاولة وغادرت .
رفعَ مصطفى عصيرهِ يرتشفه، ثمَّ تساءل :
سألت على فريدة؟..
رفعَ قهوتهِ وارتشفَ منها يسحبُ بصرهِ من نظراتِ والدهِ إلى أن استمعَ إليه :
مابترُّدِش ليه ياإلياس، سألت على مامتك؟..
توسَّعت عيناهُ بضجر، وأردفَ ممتعضًا :
بابا لو سمحت اتكلِّمنا كتير في الموضوع دا، أتمنَّى ماتزعَّلنيش تاني، الستِّ دي هاتفضَل لآخِر يوم في حياتي مرات أبويا اللي استغفلتنا .
إلياس..هدرَ بها مصطفى بوصولِ ميرال إليهما ملقيةً تحيَّةِ المساء :
مساء الخير عمُّو مصطفى ..قالتها وهي تنحني تقبِّلُ رأسه..كانت عيناهُ ثابتة على ابنه، وزَّعت نظراتها بينهما متسائلة:
جيت في وقت مش مناسب، أمشي..
ابتسمَ مصطفى يشيرُ إليها بالجلوس :
لا حبيبتي إنتِ تيجي في أي وقت، دا إلياس كان عايز يعتذِر منِّك بسبب اللي حصل منُّه في المكتب .
جحظت عيناهُ يرمقُ والدهِ بذهول، فهمت ميرال ماينويهِ مصطفى، فالتفَتت تبتسمُ إليه :
لا ياحبيبي مش مستاهلة أنُّه يعتذر، الواحد لمَّا بيغلط بيعتذِر لأن بيكون حسِّ أنُه قليل ذوق، فابيضَّايق من نفسُه وبيعتذِر، أمَّا حضرِة الظابط دي شخصيتُه، شخصية عاملة زي فرعون لمَّا كان بيقول أنا ربُّكُم الأعلى..
تجاهلَ ثرثرتها، ثمَّ هتف:
صوتِك ياأستاذة ميرال لمَّا تضحكي وطِّي صوتِك، الأمن في كلِّ مكان، إحنا مش في مسرح، بلاش شُغلِ المهرِّجين .
أسبلَت عيونها بوميضٍ قائلة :
أنا مش مهرِّجة يا إلياس، أنا مهرجة وعاجبة نفسي مالكش فيه..استدارت إلى مصطفى ثمَّ احتضنت كفَّيه :
عمُّو مصطفى حضرتَك عارف أنا بحبِّك قدِّ إيه، فيه موضوع أتمنَّى توافِق عليه وتقنِع ماما بيه .
ابتعدت بنظرِها عنهُ وهتفت :
أنا اشتريت بيت صغير في آخرِ الشارع دا، خلاص كفاية لحدِّ كدا، وجودي بقى تقيل على بعضِ النَّاس، حتى إنُّهم وصلوا يتِّهموني بأخلاقي..رفعت نظرها إليهِ وترَجَّتهُ بعينيها الدامعة :
من زمان والموضوع في دماغي، بس النهاردة قرَّرت واتَّصلت بمكتبِ العقارات ومن حُسنِ حظِّي خليتُه يشوفلي بيت قريب من هنا علشان أمِّي عارفة إنَّها هاتُرفض، بس لمَّا تعرف هاكون قريبة هاتوافِق..
سقطت كلماتها على مسامعهِ كسقوطِ نيزك، ليستندَ على الطاولةِ مقتربًا منها :
ليه حبيبتي بتقولي كدا، عمرِك ماكنتي تقيلة إنتِ بنتي ياميرال واللي مش عاجبُه يشرب من البحر.
توقَّفت من مكانها وابتسمت قائلة :
حبيبي ياعمُّو مفيش داعي لدا، أنا كنت مقرَّرة مالوش لازمة، من حقِّ حضرِة الظَّابط ياخد راحتُه في بيته، علشان يتجوِّز براحتُه أصلي طلعت عقبتُه..
رمقَ ابنهِ الذي انشغلَ بهاتفهِ دونَ أنَّ يعيرَهُم اهتمام، ثمَّ أردف :
إيه الكلام دا ياإلياس؟..
قاطعته ميرال
-بعد إذنكُم، أنا قرَّرت وخلاص، أتمنَّى تقنِع ماما ياعمُّو، مستحيل أقعُد في البيت دا يوم بعدِ النهاردة…
أخيرًا رفعَ رأسهِ وانصهرَ جمودهِ ليُردفَ ساخرًا :
وهدومِك هاجمَّعهالك وأبعتها متشغليش بالك إنتِ..
زمَّت شفتيها تجيبهُ بملامحٍ جامدة:
شكرًا على خدماتك..قالتها وتحرَّكت سريعًا، ولم تلتفِت خلفها رغمَ مناداةِ مصطفى إليها..
خطواتٍ ظاهرَها ثابتةٍ ولكنَّها متعثِّرة، وكأنَّها تخطو فوقَ سيفٍ مدبَّبٍ ليشحذَ قدميها، هرولت إلى الحديقةِ الخلفيَّة، لتجثو بركبتيها على الأرضيَّةِ تضعُ كفَّيها على صدرها وكأنَّ حجرًا ثقيلًا يُطبِقُ على صدرها،
مع انفجارِ شلَّالِ عينيها، دقائقَ وهي على حالها تسألُ نفسها لماذا من صُغرِها وهو يعامِلُها بذاكَ الجمودِ والقسوة، ذكرياتٍ خلفَ ذكريات، تعبِّرُ عنها عيناها مع ألمٍ حارقٍ كادَ أن يُزهقَ روحها .
عندَ مصطفى وإلياس الذي كانَ يتابعُ تحرُّكِها وابتسامةً ساخرةً على ملامحه، يهتفُ لنفسِه :
بت غبيَّة مفكَّرة نفسها ملكة والكلِّ لازم يقولَّها آمين .
مسحَ بكفَّيهِ على وجههِ في محاولةٍ يائسةٍ لوقوفِ ابنهِ :
مش شايف إنَّك تخطِّيت حدودَك في وجودِ أبوك يا محترم…
إيه اللي حضرتَك بتقولُه دا، حضرتَك مش شايف هايفِتها، أشارَ بكفِّهِ بالتوقُّف :
البنتِ دي لو خرجت من البيت مش عايز أشوفَك قدَّامي…
أحسَّ بقبضةٍ تعتصرُ فؤادِه، رفعَ عينيهِ بخيبةِ أملٍ إليهِ ونظراتٍ تحكي الكثيرَ من الانكسارِ هاتفًا بتردُّد :
كنت متوَقِّع حاجة زي كدا من حضرتك، نصبَ عودهِ متوقِّفًا لا يعلمُ كيف توقَّفَ بذاكَ الشموخَ أمامَ والدهِ بعدما استمعَ لتهديدهِ البائن :
دايمًا الستِّ فريدة وبنتها فوقي، بقيت أشُك إنِّي ابنك أصلًا…
رعشةٌ قويةٌ أصابت جسدُ مصطفى، حتَّى شعرَ بشحوبِ جسدِه، وتثاقلَ لسانهِ عن الحديث، صمتَ ونكسَ رأسهِ للأسفلِ بعدما شعرَ وكأنَّ أحدُهم طوَّقَهُ بطوقٍ من النيران..ظلَّ إلياس يحدُجهُ بنظراتٍ ثابتة، ورغمَ حزنهِ البائن إلَّا أنَّهُ لامَ نفسهِ في فظاظةِ حديثهِ مع والده، فاقتربَ منهُ وجثا أمامَ مقعدهِ يحتضنُ كفَّيه :
آسف عارف قسيت بكلامي مع حضرتك، حقيقي معرفشِ إيه اللي بيحصَل معايا، آسف بابا متزعلشِ منِّي .
رفعَ رأسهِ يتعمَّقُ بعينيهِ :
بتحبِّني ياإلياس؟..طالعهُ مصدومًا من حديثه، فابتسمَ يهزُّ كتفِه :
إيه اللي حضرتَك بتقولُه دا، إنتَ روحي يابابا، ولو طلبت عمري مش هاتأخَّر .
ربتَ على كتفهِ قائلًا :
عايزَك تتجوِّز ميرال..
رانَ صمتًا هادئًا بالمكان، ولكنَّهُ لم يخلو بتعلُّقِ الأعين بالنظرات بينهما، فجأةً أطلقَ ضحكةً صاخبةً متوقفًا يضربُ كفَّيهِ ببعضهما :
بتموت في الهزار يادرش، بس وحياة ابنك بلاش الهزار اللي يُخنُق الواحد دا ..
توقَّفَ مصطفى واقتربَ منهُ يغرزُ عيناهُ بمقلتَيه :
شوف عايز نعمِل الفرح إمتى وأنا موافق، واللي إنتَ عايزُه، عايز تقعد معانا، عايز تقعُد مع مراتَك لوحدك براحتك ..قالها مصطفى وتحرَّكَ من أمامهِ حتَّى لا يناقشهُ بقرارِه .
