رواية شظايا قلوب محترقه
الفصل الرابع4
بقلم سيلا وليد
باليوم التالي بغرفةِ فريدة،
انتهت من قراءةِ وردها اليومي، ثمَّ جلست بالشرفةِ تنظرُ للخارج .
استدارت بعدما شعرت بخطواتِ أحدُهم بالغرفة :
نهضت وتبسَّمَت :
حمدلله على السلامة يامصطفى ..
أومأَ لها ثمَّ قامَ بخلعِ جاكيتَ بدلتِه، اقتربت منهُ تأخذهُ وهي تتعمَّقُ بنظراتها إليه، وضعت كفَّيها على كتفِه :
مُصطفى مالك، فيه حاجة حصلت؟..
جلسَ على المقعدِ يفركُ جبينِه، رفعت كفَّها تخلِّلُ أناملها بخصلاتهِ المختلطةِ بالشعرِ الأبيض :
عندَك صداع ولَّا إيه؟!
تراجعَ بظهرهِ على جسدها، حاوطتهُ بذراعٍ والآخر تُحرِّكها بهدوءٍ كمساجٍ برأسه :
ياحنان إيدك يافريدة، بحسَّها بلسم .
افترت شفتاها ابتسامة :
بتدلَّع يامصطفى، ولَّا بتهرب مني ؟..
اعتدلَ واستدارَ إليها :
عرفتي إلياس طرد ميرال من مكتبهِ مش عايزِك تزعلي، وفيه موضوع طول اليوم بفكَّر فيه .
طالعتهُ بنظراتٍ مستفهمة، احتضنَ كفَّيها يربتُ عليهما :
فريدة أنا قرَّرت أجوِّز ميرال لإلياس، ومش عايز اعتراض .
ضيَّقت عينيها متسائلةً بلهفة :
ليه يامصطفى، علشان راجح ظهر تاني صح؟..
جذبَ رأسها لأحضانهِ بعدما انفجرت عيناها بالدُّموع :
إيه اللي بتقوليه دا، هوَّ أناخايف منُّه علشان أجوِّزها لإلياس !..
تأملَّها بعينينٍ حزينةٍ ونظراتٍ مترجيِّة :
فريدة إلياس عمرُه ماهيتجوِّز لو فضل كدا، عندي أمل في ميرال ..
هبت من مكانها تفرك بكفيها ثم
حانت منها نظرةً ممزوجةً بعيونها المترقرِقة :
هايعذبها يامصطفى، هياخُدها بذنبي، والبنت متستَهلِش معاملتُه الجافَّة، متزعلشِ مني، إنتَ عارف أنا بحبُّه أد إيه، بس عند ميرال مقدرشِ أضحِّي بيها .
أصابهُ الحزنَ فنكسَ رأسهِ للأسفل :
كان عندي أمل فيها، الولد يوم عن يوم قلبُه بيقسى، فكَّرت لمَّا يتجوِّز قلبه يحنِّ ويبعد عن قسوتُه شوية ..
هاجَ قلبها على حالته، جلست بجوارِه :
طيِّب عايزة مؤخَّر كبير علشان مايحاولشِ يطلَّقها..قالتها بابتسامةٍ حزينة…رفعَ رأسهِ يطالعها مذهولًا :
موافقة..هزَّت رأسها تُربتُ على كتفهِ
وأجابتهُ بنبرةٍ واثقة:
ابنَك مش قاسي يامصطفى، هوَّ عايز يفهِّمنا كدا، بس لو قرَّبتِ منه هتلاقي حنِّية الدنيا كلَّها عندُه، المهم مايكرهش البنت، وبلاش انا أظهر في الموضوع
إنتِ اللي بتقولي كدا بعد اللي حصل دا كلُّه!..
اكتفت بتنهيدةٍ مرتجفةٍ أفلتتها من بينِ آلامها :
مش هاخبِّي عليك يامصطفى، إلياس أكتر واحد هيقدَر يحافظ على ميرال، رغم جحوده معاها بس جوايا يقين بيقول أنه اكتر واحد هيحميها
لاحت نظراتهِ بتساؤلٍ عن ماتعنيه، نهضت مرتبكةً تفركُ بكفَّيها :
من وقت ما شوفت خبر القبض على ابنِ راجح ، وعرفت إنِّ الولد هايكون تبع أمنِ الدولة، لأنَّها قضية تمسُّ بالأمنِ القومي ..وأنا بفكر في اليوم اللي هقابل فيه راجح، عايز قدر اكتر من إن الولد ميلقوش حد غير إلياس يحقق معاه، مش شايف دي إشارة من ربنا
اهتزَّ جسدهِ يطالعُها بذهول :
فريدة إنتِ ناوية على إيه؟!
استدارت سريعًا وعادَ الوجعُ ينبثقُ من نظراتِ عينيها .
وأنا بأيدي إيه أعمِلُه، تقدَر تقولِّي، لو بإيدي حاجة كنت عملتها من خمس وعشرين سنة يامصطفى، واحدة وحيدة عاجزة وانداس عليها، اتسلَب منَّها كلِّ حاجة، حتى سُمعتها وشرفها، تفتكِر اللي مقدرتِش أعمله زمان هقدر أعمِله دلوقتي، بس أنا منتظرة عدالة ربِّنا واللي متأكدة منها .
زفرة حادَّة مع نظراتٍ مكدَّسة بالعتاب :
أنا مقصَّرتِش يافريدة، حاولت على قدِّ ماقدرت، استخدمت كلِّ نفوذي، بس معرفتِش أوصل لحاجة ، عارف إنك موجوعة، بس معرفش انك لسة شايلة جواكي الوجع دا
انهارت حصونها وبكت بدموعٍ تحرقُ عينيها قبلَ وجنتيها :
أنا عمري مانسيت قهرتي يامصطفى، دول ولدين، وعيشة ذل ووجع، أنا عمري ماهتنازِل عن ميرال يامصطفى، دي حقِّي، حقِّ وجع قلبي..بنتِ قلبي سمعتني اللي خففت وجعه في قهرته
محدِّش يقدَر يقرَّب منها، أنا هاحميها من الكل، حتى لو اتجوِّزت إلياس
بغرفةِ ميرال :
أنهت تبديلَ ثيابها وقضت فرضها،ثمَّ اتَّجهت إلى جهازها المحمول لإنهاءِ بعضَ أعمالها التي تتعلَّقُ بأخبارِ القضايا التي تسعى لمعرفةِ تفاصيلها.. استمعت إلى طرقاتٍ على بابِ الغرفة :
أدخل..دلفَ إليها بغرورهِ المعهود،
تطلَّعت إليهِ بذهولٍ فلأوَّلِ مرَّة يأتي إلى غرفتها منذُ سنوات :
هاستنَّاكي تحت، عايز أتكلِّم معاكي .
اتَّجهت إلى جهازها مردفة :
مش فاضية عندي شغل، لمَّا أفضى يبقى أبعتلك..
عقدَ حاجبيهِ بغرور، واقتربَ منها :
إسمعي يابت خُلقي ضيِّق، مش عايز هبل البنات هستناكي تحت، خمس دقايق وتكوني ورايا،
طالعتهُ برفعةِ حاجبٍ قائلة :
خلقك ضيِّق نوسَّعهولَك، أنا مش فاضية، وزي ماقولت لجلالة البيه المغرور لمَّا أفضى يبقى أكلِّمك ..
انحنى بجسدِه قليلًا، وبفظاظتهِ المعهودة :
لمَّا أأمُرِك بحاجة تسيبي كلِّ اللي في إيدِك وتيجي .
اندفعت صارخةً بوجهِه :
إنتَ إيه ياأخي، ماتسيبَك من شويِّة الغرور اللي نافخ نفسك بيهم، اسمعني علشان دا آخر الكلام بينا، إنتَ على بعضك ماتهمِّنيش، ووسوسة شيطانَك أنا مش مسؤولة عنها،
وياله إطلع برَّة سبني أكمِّل شغلي، شكلَك فاضي ومش لاقي حاجة تعملها .
احتقنَ وجههِ بالغضبِ من تلكَ الشرسة، فدنا ينحني بجسدهِ إليها حتى لفحت أنفاسَ غضبهِ وجهها :
-من بكرة مش عايز أشوف وشِّك في البيت دا، ولو فعلًا بنتِ فريدة خلِّيكي متمسِّكة برأيك، بلاش شوية الحوارات ودموع التماسيح اللي قدَّام أبويا، علشان تصعبي عليه، خلِّيكي شاطرة وفاردة عضلاتِك كدا قدَّام الكُل، بدل مابشُفهُمش غير معايا، بلاش خبثِ البنات دا علشان مهما تعملي ماتهزِّيش منِّي شعرة..قالها ونصبَ عودهِ متوقِّفًا :
أغمضت عيونها للحظاتٍ محاولةً تمالكَ أعصابها حتى لا تصفعهُ على وجهه، حاولَ إخفاءِ ابتسامتهِ من تبدُّلِ حالتها الغاضبة، إلَّا أنَّهُ أفلتَ ضحكةً رجوليَّةً قائلًا :
كدا شكلِك عجبني أكتر، كلِّ ماأشوفِك غضبانة كدا بحسِّ بارتياح نفسي .
-لأنَّك مجنون.. قالتها ببساطة، استدارَ للمغادرة وبدأَ يدندنُ بأغنيةٍ أجنبية، أمسكت جهازَ تحكُّمِ التلفازِ الذي يجاورها وألقتهُ برأسه، فاستدارَ إليها متأوهًا وعينيهِ تطلقُ شررًا، اقتربَ منها، فهدرت به قائلة
-هصوت وألم البيت واقولهم بيتهجم عليا، وشوف بقى عمو مصطفى هيعمل ايه..نفرت عروقه وتجهمت ملامحه ، وصل إليها بخطوة
-عايز اللي في الحديقة تحت يسمع صراخك يابنت فريدة، قالها وهو يجذبها من ذراعها، إلَّا أنَّهُ توقَّفَ بدخولِ فريدة قائلة :
ميرال، ولكنَّها توقَّفت مصدومةً من وجودهِ بغرفةِ ابنتها، واقترابه وتمسكه بها بتلك الطريقة، وزَّعت النظرات بينهما متسائلة :
فيه حاجة؟..تحركت ميرال متَّجهةً لوالدتها ويبدو أنها نست ما ترتديهِ من ملابسَ صيفيَّة :
مفيش قالها وتحرَّكَ سريعًا بعدما توقَّفت وظهرت أمامهِ بتلكَ الطَّلةِ التي لأوَّلِ مرَّةٍ يراها بها، سحبتها فريدة وأجلستها على الفراشِ غاضبة :
إزاي تقابلي إلياس كدا، إنتِ اتجننتي ياميرال، مش واخدة بالِك من هدومك، -وهوَّ جاي ليه؟!..
نظرت لنفسها ورغمَ ذهولِها إلَّا أنَّها لوَّحت بكفَّيها متمتمة :
ماأخدتِش بالي ياماما، غير أنُّه دا مايفرقشِ معاه حاجة، يعني حملة فريزر عندنا في البيت .
أفلتت ضحكةً تضربُ كفَّيها ببعضهما ثمَّ رمقتها واستطردت :
حبيبتي ماينفعشِ إنتِ مش صغيرة حرام تقابليه كدا، وبعدين أنا خلاص مابقتش هاتساهِل بشعرك دا، لازم تلبسي حجاب، ولبسِك كلُّه لازم يتغير،
نفخت بضجر، واتَّجهت إلى فراشها :
رجعنا بقى للبسِ الحجاب والبناطيل، ماما مش هاعمِل حاجة مش مقتنعة بيها .
زفرت فريدة بغضبٍ ثمَّ جلست بجوارِها واسترسلت قائلة :
– وأنا كدا مش هارضى عنِّك ياميرال، لأنِّك وعدتيني وأخلفتي وعدِك .
-أوووف ياماما هانرجع نتخانِق تاني بسببِ اللبس، تمام حاضر وعد أفكََر في الموضوع كدا كويس .
توقَّفت فريدة تشيرُ إلى الباب :
إنزلي نتعشى تحت، عمِّك مصطفى عايزِك ..
قطبت جبينها متسائلة :
– عايزني أنا ليه؟!..تذكَّرت ما قالتهُ لهُ منذُ ساعات، فأومأت متباعدة :
هوَّ قال لحضرتِك حاجة ..هزَّت رأسها بالنفي واستدارت :
– لا، ياله إنزلي متتأخريش ..قالتها وفرَّت هاربة حتى لا تنفلتَ الكلماتَ من بينِ شفتيها، هي تعلمُ بقساوةِ إلياس ورغمَ ذلكَ تشعرُ بداخلهِ حنانًا يفيضُ العالم، وافقت مصطفى على ارتباطِ إلياس بابنتها لتحافظَ عليها من تقلُّباتِ القدر، رغمَ تيقُنِها بعدمِ أمومتها لها، ولكن كيفَ ستقنعُ قلبها بالابتعادِ عنها، أحبَّتها وتعلَّقت بها لتشعرَ أنَّها فلذةِ كبدِها وابنةِ روحها .
بعدَ فترةٍ تجمَّعَ الجميعُ على طاولةِ العشاء، كانت تنظرُ بصحنِها دونَ النظرِ إلى ذاكَ الذي يقابلها وعلى وجههِ ابتسامة حمقاء لا تعلمُ ماهيتها همست لنفسها :
نفسي أضربَك على وشَّك أوقَّعلك سنانك دي، دنت غادة تهمسُ إليها :
مالِك ياميرو، بتكلِّمي نفسِك ليه؟!..
رفعت عينيها فتقابلت بعينيهِ الصقريَّة، ونظراتهِ التي تحملُ الكثيرَ من الوعيد، كانَ هناكَ من يراقبُ تلكَ النَّظرات،
رمقتها بنظرةٍ تشيرُ إلى إلياس :
هاقوم أطيَّر سنانُه اللي فرحان بيهم .
أفلتت غادة ضحكةً صاخبةً بينهم إلى أن قطعَ مصطفى حديثهم قائلًا :
أنا اتَّفقت مع فريدة هانكتِب كتبِ كتاب إلياس على ميرال يوم الجمعة .
ألقت مابفمها دفعةً واحدةً بوجهِ غادة..التي صرخت بها :
إيه دا ياميرال..
جحظت عيناها تنظرُ إلى مصطفى متسائلة :
ميرال مين وإلياس مين؟!..لكزتها غادة تشيرُ بعينيها لذاكَ الذي ينفثُ سيجارَتهِ ببرود..
فنهضت كالمجنونة :
حضرتَك قصدك أتجوِّز ابنك اليأس دا، زمَّ شفتيهِ مستمتعًا بجنانها بعدَ معرفتها ..ضحكت غادة تردُّ على والدها :
أعذرها، دي من فرحتها بتلخبط في اسمه، دلوقتي هتقولُه صح مش كدا يامريولة…
جزَّت على أسنانها تنظرُ لذاكَ المتعجرفِ :
لا، هو اليأس بذاته، وبعدين أنا مش موافقة، إزاي عايز تجوِّزني أبو الهول دا، يعني بعدِ السنين دي ماتجوِّزشِ غير ابنك الباير؟!..
1
ضحكَ الجميعُ على حديثها إلَّا ذاكَ الذي يرمقها بنظراتٍ مبهمة وهو ينفث سجائره بهدوء مميت، ورغمَ بركانهِ الداخلي، إلَّا أنَّهُ ابتسمَ قائلًا :
ماهو الباير كان مستنِّي البايرة تكبر .
ضربت قدميها بالأرضِ ودفعت المقعدَ متَّجهةً إليهِ كالفريسة :
اسمعني ياعمو اليأس إنتَ، أنا مستحيل أتجوِّز واحد زيَّك، وبعدين ترضى تتجوِّز واحدة غصب عنها؟..
1
نفثَ سيجارتهِ وغمزَ بعينيهِ لأوَّلِ مرَّةٍ مبتسمًا :
أه، هاخليكي تحبِّيني، قالها وتوقَّفَ يشيرُ إلى والدِه :
أنا موافق أتجوِّز الأمورة..قالها وتحرَّكَ مغادرًا المكان ..هرولت خلفِه :
نظرت فريدة إلى مصطفى متسائلة :
ماتوقعتِش إلياس يوافق بسرعة كدا، إنتَ قولت له حاجة، أوعى تكون ضغطت عليه..ربتَ على كفِّها :
ودا موضوع ينفع أضغط فيه يافريدة، أنا قولتلُه وهوَّ قالِّي هافكَّر، ودلوقتي لقيتُه موافق مكُنتِش أعرف حتَّى رأيه..قالها وتحرَّكَ إلى مكتبهِ قائلًا :
خليهُم يجبولي قهوتي، عندي شويِّة شغل مش عايز إزعاج..
ظلَّت تلاحقهُ بنظراتها إلى أن أغلقَ بابَ مكتبه، استدارت على صوتِ إسلام :
مش فاهم حضرتِك معترضة يعني على أبيه إلياس ولَّا إيه ؟..
هزَّت رأسها بالنفي ورسمت ابتسامة مردِّدة :
أبدًا حبيبي مش عايزة بابا يضغط عليه، هوَّ من حقُّه يختار شريكة حياتُه..
طيِّب وميرال ياماما فريدة مش من حقَّها تختار شريك حياتها، ليه غصبتوا عليها؟!.. هكذا سألتها غادة .
توقَّفت ومازالت تبتسم :
ومين قالِّك إن ميرال رافضة إلياس ياغادة، قالتها وهربت من أمامهم بعدما شعرت بالعجزِ عن الردِّ على أسئلتهم .
بالخارجِ عند سيارتهِ صرخت به :
أنا مستحيل أوافق على الجوازة دي سمعتني..استدارَ إليها وهنا ثارت جيوشَ غضبهِ وعنفوانهِ الكارهِ لها، فقبضَ على ذراعيها بقوَّة، وهناكَ نظراتٍ كالطَّلقاتِ الناريَّة يريدُ أن يلقيها صريعًا يهمس بفحيح افعى :
-ولا أنا عارفة ليه، لأنِّي بكرهِك، روحي للستِّ الوالدة وافهمي منها ليه عايزة تجوِّزنا بعض، قالها وهو يدفعها بقوَّةٍ ثمَّ اتَّجهَ لسيارتهِ وقادها بسرعةٍ جنونيَّةٍ، وحديثُ والدهِ يخترقُ آذانه :
قدَّامك حل من الاتنين، ياتتجوِّز ميرال وتحميها من أي حد حتى نفسك، ياأما تنسى إنِّ ليك أب، سمعتني ولَّا لأ
وقبلِ ماتجاوب، ميرال ليها عم بيدَّور عليهم وعايز يوصلَّهم بأي طريقة، ووقتها لو عمَّها وصلِّها وعرف ياخدها مش هاسامحك ياإلياس، مش بعد اللي فريدة عملتُه معايا يكون جزاتها أحرمها من بنتها الوحيدة .
طالعَ والدهِ وأفلتَ ضحكةً ساخرة :
يعني علشان الستِّ فريدة، تجوِّز ابنك غصب عنه …اقتربَ منهُ والدهِ وعينيهِ تحاوطهُ بنظراتٍ غاضبة :
-لا، علشان ميرال دي بنتي، أخدتها وهيَّ بنت شهور، ولو إنتَ ناسي أنا فاكر البنتِ دي كانت بتقولِّي يابابا، أمَّها ضحِّت بنفسها علشانك، إيه ياحضرة الظابط نسيت فريدة عملت إيه معاك؟..
ركلَ المقعدَ حتى سقطَ على الأرضيَّة واستطردَ غاضبًا :
ولو كنت أعرف هاعيش بسببها كنت اتمنِّيت الموت أفضل من إنِّي أعيش على أفضالِ الستِّ فريدة ..
-ولد تأدَّب!!.. إنتَ نسيت اللي بتتكلِّم عنها دي مراتي، وفي مقام أمَّك..غرزَ عينيهِ التي تحوَّلَ لونها لخيوطٍ حمراء بعينِ والدهِ وأردفَ بهسيس :
ماليش غير أم واحدة ماتت قدَّام عيوني وإنتَ في حضنِ الستِّ فريدة الكذَّابة المخادعة..
لطمة قوية على وجههِ حتى توقَّفَ مذعورًا ينظرُ لوالدهِ بعتاب، لأوَّلِ مرَّة يرفعُ يدهِ عليه..تراجعَ للخلفِ وتجمَّعت عبراتهِ تحتَ أهدابهِ ليستديرَ مغادرًا المكانَ بأكملِه؛
وذكريات السنوات تمر أمام عينيه كشريط سينمائي،
خرجَ من شرودهِ على اتصالِ صديقه :
إلياس ليه نقلت سجنِ الواد بتاع الخليَّة، توقَّفَ بسيارتهِ بمكانٍ هادئٍ أمامَ النيل :
إجراءات أمنيَّة ياشريف، لازم نعرَف مين بيموِّل العيال دي، وأه بالنسبة لهيثم الشافعي أنقلوه سجنِ الجنايات، قضيِّتُه مش عندنا ..قالها وأغلقَ هاتفهِ دونَ حديثٍ آخر…
اتَّجهَ بنظراتهِ للنيلِ وذكرياتٍ متألِّمة تعصفُ به :
فلاش :
قبلَ عشرِ سنواتٍ كلَّفَ أحدًا من فريقِ أمنهِ قائلًا :
فيه إسم عايزَك تكشِف عنُّه يامحمود، من غير ماحدِّ يعرف .
اتفضَّل ياباشا أي خدمة، ابعتلي التفاصيل وأنا هاعرَفلك كلِّ حاجة ..أخرجَ بطاقةَ فريدة الحقيقيِّة وقامَ بإملائهِ بمعلوماتها الشخصيَّة .
عدَّةِ أيامٍ وهاتَفهُ الذي كلَّفهُ بالبحثِ عن حقيقتها :
أيوة ياباشا، جبتلك الأخبار اللي إنتَ عايزها .
توقَّفَ بالسيارةِ على جانبِ الطريق يستمعُ إليه :
مافيش حدِّ في السويس في المكان دا باسمِ جمال الدين، بس فيه جمال الشافعي، ولُه أخ اسمُه راجح الشافعي، جمال مات في حادثةِ بحر، ومراتُه اتجوَّزِت أخوه بس هربت منُّه بعد ماعرف إنَّها على علاقة براجل تاني، غير أنَّها كان عندها طفلين من جوزها الأولاني واتخلِّت عنُّهم، فيه اللي بيقول علشان تتخلَّص منهم وتعيش حياتها وفيه اللي بيقول باعتهم علشان الفلوس، بس معظم الناس قالت حاجات قريبة من كدا، إلا ستِّ وحيدة اللي قالت إن أخو جوزها راجح دا كان مفتري واتجوِّزها تحتِ تهديد، ومراتُه هي اللي خطفت ولادها ….
أه وكمان فيه بيقول علشان تنتقم من أخو جوزها علشان رفض يطلَّق مراته الأولى فخطَفِت بنته وهربت بيها، وهوَّ دوَّر عليها في كلِّ مكان، لحدِّ مافقد الأمل .
شعرَ وكأنَّ أحدهُم سكبَ عليهِ دلوًا من الماءِ المثلَّج، حتى شحبَ وجههِ بالكامل، وحديثُ والدهِ يتردَّدُ بأذُنه :
كذبتي عليَّا يافريدة، استغفلتيني..تلك الكلمات استمع اليها صدفة بطفولته بعد عقد قرانه على فريدة، تلصص الطفل الذي يبلغ من العمر عشر سنوات على كلمات والده وهو يصرخ بها
-ازاي عرفتي توقعيني كدا، انا مصطفى السيوفي حتى بنت زيك تضحك عليا..فاق من شروده بانفاسه المتسارعة
كوَّرَ قبضتهِ ونفرت عروقهِ وهو يستمعُ إلى تكملةِ حديثِ الرجلِ عن أخلاقها،
صمتًا مقتولًا.. مرّّ عليهِ وكأنّّ أحدَهم وضعَ السيفَ على عنقهِ ليشعرَ بعدمِ ابتلاعِ ريقه، فاقَ على صوتِ الرجل :
فيه حاجة يإلياس باشا تانية ولَّا كدا تمام؟..
عايز تاريخ راجح دا كلُّه، تعرفلي كلِّ حاجة عن حياتُه يامحمود، كلِّ حاجة مش عايز غلطة، إتأكِّد من كلِّ معلومة .
أومأَ لهُ ثمَّ استرسلَ قائلًا :
جبتلَك من غير ماتقول، كنت عارف إنَّك هاتُطلبُه، دا كان ظابط شرطة بس تقاعد بعد هروبِ مراته، فيه اللي قال سمعتها ضرِّت شغله، وفيه اللي قال علشان يتولَّى شغلِ أخوه، عندُه ولدين وبنت، ولد من مراتُه الأولى أصله اتجوِّز تلات مرات، واحدة جابتلُه ولد ودي معنديش معلومات عنها كتير، غير أنَّها اتجوِّزت واحد بعدُه وهربت بابنها علشان ماياخدوش بعد مايعرَف بجوازها، والتانية دي بتكون بنتِ عمِّ فريدة اللي حضرتَك طلبتها، معاها وولدين غير البنت اللي فريدة خطفتها، واحد في كلية تجارة، والتاني ثانوي عام، والستِّ دي فاتحة مستحضرات تجميل بالسويس .
خرجَ من ذكرياتهِ متراجعًا بجسدهِ يهمسُ لنفسه :
هاشوف أخرتها معاكي يامدام فريدة .
بمكانٍ آخرٍ بالقاهرة :
استيقظَ من نومهِ على صوتِ الخادمة :
دكتور آدم، زين بيه منتظِر حضرتَك تحت ..
طيِّب شوية ونازل..قالها وهو يعتدلُ على فراشهِ يمسحُ على وجهه، ثمَّ اتَّجهَ ينظرُ بساعته، ناهضًا من فوقِ فراشه .
هبطَ للأسفلِ يبحثُ عن والده، قابلهُ أخيه :
أدخُل لبابا المكتب عايزَك..دقَّقَ النظرَ بملامحهِ متسائلًا :
مالَك يابني..تحرَّكَ بعدما حملَ أشيائه :
عندي محاضرة اتأخَّرت سلام ..راقبهُ إلى أن خرجَ من البوابة .
دلفَ لوالدهِ الغرفة، أشارَ إليهِ بالجلوس: صباح الخير ..
أومأَ لهُ دونَ حديث..جلسَ مبتسمًا ثمّّ هتف :
أكيد الموضوع يُخص إيلين بنتِ عمِّتو مش كدا؟..
فكرت في اللي طلبته منك، عايزَك تتجوزِّها ياآدم، البنت أمانة عندي، وصيِّة عمِّتَك ياحبيبي، وزي مااطَّمنِت على مريم عايز أطَّمن عليها .
موافق يابابا، بس لازم تعرف حاجة مهمَّة ..طالعهُ منتظرًا حديثه،
نكسَ رأسهِ للأسفلِ مردفًا :
أنا متجوَّز في ألمانيا، اتعرَّفت على بنت هناك، هبّّ زين منتفضًا وهدرَ بصوتٍ مرتفع :
إنتَ بتقول إيه، إنتَ اتجنِّنت!..
بابا لو سمحت..رفعَ يديهِ يشيرُ إليهِ بغضبٍ اندلعَ من حدقتيه :
البنت دي ولا كأنَّك شوفتها ولا عرفتها، وتطلَّقها وإيَّاك حد يعرَف بالمصيبة دي ..قالها وخرجَ للخارج كالمطارَد..جلسَ آدم على المقعدِ محتضنًا رأسهِ يشعرُ بألمٍ يفتكُ برأسه.
بعدَ فترةٍ جلست بجوارِ خالها بعدما أصرَّ على وجودِ الجميعَ على طاولةِ طعامِ الإفطار..
استمعت إلى خطواتهِ فاهتزَّ قلبها وكأنَّهُ يخطو فوقَه..ألقى تحيَّةَ الصباح ثمَّ جلسَ بجوارِ صديقه :
صباح الخير، ياااه من زمن ماشُفتِش الأكل دا، وشمِّيت الريحة الحلوة دي..
طالعهُ والدهِ مسترسلًا وهو يشيرُ إلى التجمُّع :
ولا من اللمَّة دي، قالها بمغذى ..قاطعت حديثهِ سهام زوجةُ والدِ إيلين :
مش مهم ياحجِّ زين، المهم أنُّه كان عايش مبسوط، ورجعلنا بالدكتوراة .
رمقها زين بنظرةٍ صامتة، ثمَّ رفعَ رأسهِ إلى محمود والد إيلين :
ساكت ليه يامحمود؟..
هزَّ كتفهِ قائلًا :
هاقول إيه يازين، المهم أنا مسافر شغل في الغردقة وممكن أغيب تلاتة شهور، خلِّي بالَك من البنات .
تراجعَ زين بجسدهِ وحدجهُ بنظراتٍ غاضبة :
وبعدين من سفرياتك اللي كترت يامحمود، أنا اتَّفقت معاك امبارح مفيش سفر غير لمَّا نجوِّز إيلين وآدم .
هنا رفعت رأسها، وطالعت خالَها وأردفت بوجع :
وأنا مش موافقة ياخالو، حضرتَك سألتني من فترة وأنا رفضت، ليه ترجَع تتكلِّم تاني .
نظر زين إلى آدم الذي حمحمَ معتذرًا :
بعد إذنَك ياعمُّو محمود، ممكن أتكلِّم مع إيلين شوية؟..
رمقَ ابنتهِ الغاضبة، ثمَّ رجعَ بنظراتهِ إليه :
ومالُه يادكتور، أهي بنتِ عمِّتك .
اتَّجهَ إلى جلوسها وسحبَ كفَّها :
تعالي نتكلِّم شويَّة مع بعض .
سحبت كفيها سريعًا حينما شعرت وكأن كفيه ماسًا كهربائيًا
-مفيش بينا كلام يادكتور، انا قولت اللي عندي، مش هتجوز دلوقتي
هزت سهام ساقيها تطالعها بخبث:
-ليه شايفة واحد احسن من الدكتور، ماهو طول الليل مش مبطلة وشوشة التليفونات دي
-سهام ألزمي حدك، ثم رفع عيناه إلى محمود والد إيلين مردفًا بعتاب:
-أنا بناتي مربيهم كويس يامحمود، قول لمراتك تلزم حدودها، إلا الشرف
توقفت ترمق زوجها واردفت موبخة إياه:
-أنا الوحشة دلوقتي علشان بقول الحق، شوف بنتك ماشية على حل شعرها وخالها عاجبه
-اخرصي..قالها زين بصوت مرتفع، توقفت مريم تحتضن اختها التي انسابت عبراتها على صمت والدها، سحب آدم كفيها ووزع نظراته يصيح بالجميع
-إيلين من اللحظة دي تخصني واللي يحاول يزعلها بكلمة مش هسكتله..قالها وسحبها متحركًا للخارج
بإحدى الأحياءِ الراقيَّة دلفَ بسيارتهِ
فورد فوكس الزرقاء إلى حديقةِ منزلهِ الواسعة، أغلقَ مُشغِّلَ صوتِ الأغاني وترجلَّ يلقي مفاتيحها للأمن، وصلَ إلى البابِ الإلكتروني للمنزلِ الذي فُتحَ عندَ دلوفه، دلَف للداخلِ وجدَ والدتهِ تجلسُ بجوارِ أختهِ التي تبلغُ من العمرِ عشرينَ عامًا، هبَّت من مكانها :
أبيه أرسلان وصل، قالتها وهي تهرولُ إليه، رفعها يدورُ بها :
ملوكة حبيبة أخوها، تشبَّثت بعنقهِ تقبِّلُ وجنتيه :
وحشتني أوي ياأبيه وكنت هازعل منَّك لو ماحضَرتِش عيد ميلادي .
حاوطها بذراعيهِ متحرِّكًا لوالدته، انحنى يطبعُ قبلةً فوقَ رأسها :
وحشتيني مدام الدراملِّي باشا..استدارت للجهةِ الأخرى قائلةً بتذمُّر :
ماتكلِّمنيش، روح لعمَّك جاي عندنا ليه، قبَّلَ كفَّيها :
أقدَر برضو صفيَّة خانم، دا أنا بحبِّك أكتر من حبِّ فاروق .
لا والله..قالها والدهِ الذي دلفَ يرمقهُ غاضبًا :
إيه ياأستاذ ماكنتِش ناوي تيجي ولَّا إيه؟..
-لأ..قالها هو يضحك ثمَّ استرسلَ قائلًا :
حضرِتَك مخاصمني، ينفع حدِّ يروح لحد مخاصمُه من غير مايصالحُه؟!..
-وإيه اللي جابك ياسيادةِ المقموص؟..
جاي أحضر عيد ميلاد ملوكة وهارجع مقموص تاني ..
لكزتهُ والدتهِ بخفَّة :
هاتفضل طول عمرك كدا، يابني حرام عليك بتوحشني ، قبل رأسها
-ست الكل تؤمر بس إنما فاروقو لا
-قوم تعالَ عايزك ..وضعَ رأسهِ على كتفِ والدتهِ وتمتم :
-تدفع كام وأنا أجيلَك..كتمت ملك ضحكاتها..رمقها والدها قائلًا :
عجبِك كلامه أوي، توقَّفت متَّجهةً لوالدها، خلاص يابابي علشان خاطري، ثمَّ اتَّجهت لأخيها :
الصراحة مابضحكشِ غير وهوَّ هنا..
فتحَ ذراعيه :
تعالي في حضنِ أخوكي ياروح أخوكي إنتِ..هزَّ فاروق رأسهِ وتحرَّكَ إلى مكتبهِ قائلًا :
مستنيك ياعمِّ الفيلسوف …رفعَ رأسَ أختهِ من أحضانه :
هاشوف الملك فاروق وراجعلك، قبل مايوزع جنوده لاستعمار البلد، وبعد كدا ننزل نشتري أجمل هدية لأجمل ملوكة …صفَّقت بيديها مثلَ الأطفال :
أحلى أبيه أرسلان في الدنيا، دمغها بقبلةٍ حنونةٍ ثمَّ نهضَ متَّجهًا إلى والده .
استدارت ملك لوالدتها :
يارب بابي مايتخنقِشِ معاه علشان الشغل ..شردت بدخولهِ عندَ زوجها، وهيَ تعلمُ ماذا سيحدثُ بالداخل..
بالداخلِ جلسَ أمامَ والده :
خير ياباشا؟!
بكرة في اجتماع لرؤساءِ الأقسام في الشركة …عايزك بكرة تكون على رأسِ المجموعة …
تنهيدةً عميقةً بنظراتٍ صامتةٍ للحظاتٍ حتى توقَّفَ من مكانهِ واتَّجهَ إلى نافذةِ الشرفةِ ينظرُ للخارج متمتمًا:
-حضرتك عارف رأيي في الموضوع دا، ليه مُصِّر، أنا مش بتاع اجتماعات يابابا لو سمحت، عجبنِي شغلي ..
اللي هوَّ إيه ياأرسلان ؟..
التفتَ برأسهِ مدعيًّا عدمَ الفهم، نهضَ فاروق من مكانهِ واتَّجهَ إلى وقوفه :
بتعمل إيه إنتَ وإسحاق ياأرسلان، وإيَّاك تكذب على أبوك، أصلِ شُغلِ الصالات الرياضيَّة دا مش داخل دماغي بربعِ جنيه…رفعَ حاجبهِ مستنكرًا حديثه :
-ماهو لازم مايدخُلشِ دماغك، لأن الربعِ جنيه انقرض ياوالدي ..
ابتسمَ ساخرًا ثمَّ رفعَ كفِّهِ يربتُ على كتفه :
أبوك ماعجِّزشِ وعارف كلِّ نفس إنتَ بتتنفسه، بس كنت أتمنَّى تيجي وتحكيلي لوحدك…
تراجعَ بجسدهِ يستندُ على النافذةِ عاقدًا ذراعيه :
من شابهَ أباهُ فما ظلم يافاروق باشا، انحنى يغرزُ عينيهِ في مقلتيه :
أكبر رجل مخابرات تاريخَك كلُّه عندي..
استدارَ فاروق ضاحكًا :
-عمَّك البغل اللي قالَّك؟..
-ولو يافاروق باشا، وقع ملفَّك قدَّامي بالصدفة .
توقَّفَ مستديرًا يرمقهُ بصمت، ثمَّ اتَّجهَ إلى مقعده :
إنتَ تعرف لو اتكشفت إيه اللي هايحصل..هزَّ كتفهِ للأعلى قائلًا :
ولا يفرِق معايا حاجة، ابنك مش قليل برضو ..قطعَ حديثهما رنينَ هاتفه :
صقر منزل دكتور بهاء الدين تحت المراقبة لازم توصل للجهاز .
تمام …قالها وأغلقَ الهاتفَ وهمَّ بالمغادرة إلَّا أنَّ والدهِ أوقفه :
رايح فين، عمَّك اللي كان بيتكلِّم؟..
أومأَ لهُ ونظرَ بساعته :
بابا لازم أتحرَّك حالًا..صاحَ غاضبًا :
استنى عندك، رايح فين؟..
بابا عندي مهمة لازم أتحرَّك، ساعة بالكتير وهاكون هنا علشان عيد ميلاد ملوكة..بعد إذنك قالها وتحرَّكَ سريعًا من أمامه …
وصلَ بعد قليلٍ لتلكَ الفيلَّا، توقَّفَ أمام البوابةِ الخارجيَّة يطالعها لدقائق حينما عجز لدخولها، اضطر لبعض خططه فصاح على الرجل:
-عايز أقابل دكتور بهاء الدين .
اقتربَ منهُ المسؤولِ الأمني :
– عندَك ميعاد؟..
قولُّه دكتور حمدي الجامعي .
-آسف يادكتور، ماعنديش إخباريَّة بوجود حضرتك، ترجلَّ من سيارتهِ يوزِّعُ أنظارهِ على ذاكَ المكانِ الذى يوجدُ بهِ يعج ب رجالٍ من الأمن، كانَ على تواصلٍ مع إسحاق عن طريقِ جهازه :
لحظاتٍ واستمعَ إلى حالةِ هرجٍ ومرجٍ داخلَ الحديقة، استدارَ الأمنُ للسيطرة على الوضع..صاحَ إسحاق عبرَ جهازه :
إرجع ياأرسلان، ماتُدخلشِ الفيلا..أغلقَ جهازهِ وتسلَّلَ من بينِ الطلقاتِ الناريَّة بينَ المقتحمين وأمنِ المنزل،
دقائقَ ووصلَ إلى غرفةِ العالمِ المقصود،
رفعَ يديهِ أمامه :
ماتخافش أنا ظابط، قالها وهو يُخرجُ له بطاقته، هدأَ الرجلُ قليلًا، يشيرُ إلى جهازه :
الجهاز، دول جايين علشان الجهاز، نظرَ من خلفِ الستائرِ على الوضعِ الأمني بالاسفل، ثمَّ اتَّجهَ إلى العالمِ قائلًا :
لازم نتحرَّك من هنا يادكتور لو سمحت، قالها وهو يسحبهُ بجهازهِ للخارج، ولكنَّ هناكَ من عرقلَ تحرُّكهِ ليقفَ عاجزًا عندما وجدَ أحدهم يضعُ السلاحَ برأسِ العالم قائلًا :
أترُك مابيدكَ حتى تُنقذَ رأسك .
نظرَ بكافَّةِ الاتجاهات، لحظاتٍ قليلةٍ وهو يبحثُ عن مخرج، إلى أن لمحَ ذاكَ التمثالَ الذي بجوارِ العالم، ثانية اثنتان ثلاثة وهو يخرجُ سلاحهِ مع ركلتهِ لذاكَ التمثال، ليطفئَ الأضواءَ بالكاملِ عن الغرفة، مغادرًا المكانَ وهو يسحبُ ذاكَ العالمَ إلى أن وصلَ إلى سيارتهِ بالخارج، استقلَّ السيارة لعدَّةِ أمتارٍ ولكنَّهُ توقَّفَ فجأةً حينما توقَّفت تلكَ السيارة المصفَّحة أمامهِ لتصطدمَ بسيارته .
بعدَ عدَّةِ ساعاتٍ بمنزلِ فاروق الجارحي، اتصالات عديدة ليصلَ إليه، دلفت ابنتهِ بدموعها :
لسة ماوصلشٍ يابابي؟..
كيفَ يهدِّئها وبداخلهِ نيرانٍ تقنعهُ بأنَّ ابنهِ أصابهُ مكروهًا، خرجَ متَّجهًا إلى سيارته، دقائقَ ووصلَ إلى منزلِ أخيه .
صاحَ بصوتٍ صاخبٍ اهتزَّت لهُ أرجاءَ المنزل :
إسحاااق…صاحَ بها فاروق .
خرجَ من مكتبهِ يطالعهُ بألمٍ انبثقَ من عينيه :
صدَّقني مقوِّم الجهاز كلُّه إن شاءالله خلال ساعات وهايظهر، إنتَ مش تايه عنُّه .
أشارّ بسبباتهِ هادرًا بتهديد :
ابني خلال ساعتين بس لو مظهرشِ هاقتلَك، علشان حذَّرتك كتير، وإنتَ ماسمعتِش الكلام… قالها وغادرَ المكان..
بمكانٍ في ضواحي القاهرة ..فتحَ عينيهِ يلتفتُ حوله، متذكِّرًا ماصار، كوَّرَ قبضتهِ بغضب :
غبي أرسلان، إزاي توقع في خطأ تافه زي دا، لازم تفكَّر بسرعة ..
دلفَ أحدُ الرجالِ العمالقة مع شخصٍ تظهرُ عليهِ الهيبة متسائلًا :
من أنتَ ولما كنتَ في منزلِ الدكتور؟!..
مطَّ شفتيه وضحكَ ساخرًا :
كنت بتفسَّح، إيه عندك مانع؟..ركلهُ الرجلَ الآخرَ بضهره، فنهضَ من مكانه، يطبقُ على عنقهِ وتحوَّلت عيناهُ لخيوطٍ حمراء .
هاكسرلَك رجلك لو حاولت تعملها تاني، اقتربَ من الآخرِ يزيحهُ بقوَّة :
أأنتَ ظابط؟..
رمقهُ بنظرةٍ ساخرة :
لا بلعب بلياتشو..أخرجَ مافي جيبهِ فوضعَ الرجلُ السلاحَ على رأسه :
ماهذا أيها الغبي، رفعَ أحدَ الحلويات يشيرُ إليه :
تشكوليت علشان أتحكِّم في أعصابي قبلِ ماأموِّتك إنتَ وهوَّ …استمعوا إلى أصواتِ طلقاتٍ ناريَّة بالخارج :
حاولَ الرجلُ الانقضاضَ عليهِ ولكنَّهُ كانَ الأسرع حينما جذبَ سلاحهِ يضعهُ برأسِ رئيسه :
هاتقرَّب هاموِّتُه، إرجع ورا يالا، جاي بلدي تحطِّ عينك في عيني بكلِّ بجاحة …
دقائق واختفى كلَّ شيئ، خرجَ من ذاكَ المنزلِ يزفرُ بغضبٍ بعدما نظرَ بساعتهِ التي تعدَّت الثالثة فجرًا ..قابلهُ إسحاق على بابِ المنزل ..توقَّفَ يطالعهُ مذهولًا :
إيه اللي جابك، هرولَ إليهِ يجذبهُ لأحضانه :
رعبتني خوف يامتخلِّف، إيه يالا.. إزاي توقع كدا؟!..
تراجعَ يدقِّقُ النظرَ بعينيه، ثمَّ غمز :
خُفت عليَّا إسحاقو..جذبهُ من ذراعهِ وأجابهُ ممتعضًا :
تعالَ يامتخلِّف، أبوك موَّلَّع الدنيا وحالف ليقتلني .
أشعلَ سيجارة والتفتَ إلى إسحاق :
أهو يريَّحني منَّك، وآخُد نفس شويَّة .
قهقهَ إسحاق عليهِ متمتمًا:
طول عمرَك حلُّوف يابنِ أخويا ..انحنى بجسدهِ ينظرُ لمقلتيه :
-إحلِف …
ضيَّقَ إسحاق عينيهِ قائلًا :
-أحلِف بإيه ..أشارَ على نفسه :
أنا حلُّوف ..ضربهُ على رأسهِ بخفَّة :
دا وقت هزار يالا ..
تحرَّكَت السيارة بهما فاستدارَ أرسلان إليه :
غلط ياعمُّو اللي عملتُه دا، مهما كان اللي يحصل، مكنشِ ينفع تيجي بنفسك .
تجهَّمت ملامحهِ بالحزنِ قائلًا :
استنى لحدِّ مايجيبوك جثَّة ياأرسلان، فداك عمَّك وكلِّ مايملك ياحبيبي
حانت منهُ التفاتة إليهِ قائلًا :
ماتحرمشِ منَّك حبيبي بس برضو أتمنَّى ماتعملشِ كدا تاني ياعمو لو سمحت..اه الدكتور فين
-للأسف مش موجود، والجهاز كمان تبخر..نقر على باب السيارة واردف بشرود
-مش هيخرج من مصر، ولو خرج هنعرف نوصله..ربت اسحاق على كتفه
-كويس انك شغلت الساعة ليه وقفتها
