رواية شظايا قلوب محترقه
الفصل السادس6
بقلم سيلا وليد
تجمدت الدماء بشريان السوهاجي واهتزت جفونه
-طيب اسمعني كويس ياباشمهندس.. طول عمرك كنت ولد مطيع، رغم إنَّك مش من صُلبي بس طلعت ابنِ حلال يابني ربنا يباركلي فيك
داخل ينتحب بقوة، داخله بركان ثائر ولكن ماذا عليه فعله وهو يرى والده بتلك الحالة ..رسم ابتسامة وانحنى
يقبَّلَ رأسهِ متمتمًا:
وحضرتك كنت نعمَ الأب، مهما يحصل هتفضَل أبويا، لأن في نظري الأب اللي بيربِّي مش اللي بينجب.
ربِّنا يبارك فيك ياحبيبي ودايمًا السعادة والقبول في حياتك، عارف هشيِّلَك هم أكبر من همَّك بس إخواتك أمانة في رقبتك يايزن، أوعى ياحبيبي تفرَّط فيهم، إيَّاك واليتيم يابني، دول مالهمش ذنب، ووالدتك كمان ماتزعلهاش صحتها على قدَّها، أوعى تزعلَّها ولا تزعل منها حبيبي هي عملت اللي في مصلحتك، عارف إنَّك مصدوم من الحقيقة، هي كانت عايزة تعرَّفك من زمان بس أنا اللي رفضت، قولت لمَّا تكبر وتستوعب الكلام.
كانت الكلمات تنزلُ فوقَ مسامعهِ كصوتِ عويلٍ يصيبُ الأذنَ ويرتجفُ لهُ القلب، غامت عيناهُ بتحجُّرِ الدموعِ
وشعرَ باختناقِ أنفاسه، وكأنَّ الهواءَ الذي يحاوطهُ ماهو سوى ثاني أكسيد الكربون الذي يخنقهُ أكثر وأكثر:
ماما قالتلي كلِّ حاجة يابابا وزي ماقولت لحضرتَك مش يمكن نصيبي معاك أحسن من لمَّا أكون مع أهلي الحقيقيين.
خرجَ من شرودهِ على صوتِ أحدِ الزبائن:
يزن ممكن تشوف العربية بطلَّع دخان ليه للأستاذ.
أومأَ ونهضَ متحركًا إليه
كان يتابعهُ بعينيهِ بأسى:
عيني عليك يابني حملَك تقيل، وصلَ صديقهِ الذي يُدعى كريم يعملُ طبيب جراح.
مساء الورد يازينو، رفعَ رأسهِ مبتسمًا:
وأنا بقول الورشة نوَّرِت ليه يادوك.
اقتربَ منهُ واحتضنا بعضهم البعض
بعدَ فترةٍ خرجَ إلى مقهى بالقربِ من العمل، جلسَ بمقابلتهِ قائلًا بعد فترةٍ من الصمت:
-عرفت بفسخ الخطوبة..رجعَ بظهرهِ متّّكئًا على المقعدِ البلاستيكي ثم دارَ برأسهِ يشملُ المكانَ بنظرة متفحصة، كأنَّه يشعرُ بأنَّ الجميعَ يرمقونهُ بأسى على الشخصِ الذي اندهست رجولتهِ بينَ الناس ..استفاقَ من تخيُّلهِ على نقرِ كريم على الطاولة:
– يزن رحت فين؟..
زفرَة مهمومة بجميعِ آلامه مجيبًا:
– معاك أهو ..دنا كريم بجسدهِ متمتمًا بصوتٍ خافت:
متستهلكش والله يابني اللي زي دي ماتزعل عليها.
– مش زعلان…صمتَ بعدما وصلَ الصبي يضعُ مشروباتهم وتحرَّك:
– مش باين يابنِ السوهاجي.؟؟
ابنِ السوهاجي..ردَّدها مع ابتسامة فاترة ..حاولَ كريم مؤازرتهِ فأردف:
تعرف أنا سألت على الواد اللي خطبها دا، وجبتلك أصله من وقتِ ماتولد من ظابط عقر، واللهِ وفرحان فيها وتستاهل اللي بيحصلها.
قطبَ جبينهِ مستهزئًا بكلماته:
– وليه دا كلُّه يالا، إنتَ مجنون ولَّا إيه، مبقاش يخصنُّي.
طيِّب اسمعني وبعدين أحكم..
تجهَّمت ملامحهِ واشتعلت عيناهُ يحذِّرهُ من الحديث، ولكنَّهُ رفعَ كوبهِ يرتشفُ منهُ وتابعَ حديثه:
الواد دا اسمه طارق راجح الشافعي، أهله كانوا عايشين في السويس، بس نقلوا من شهرين علشان له أخ اتسجن في قضية أمنِ دولة
أصابه الجنون فتوقفَ غاضبًا وهدر بهِ
-مُصرّ تضايقني، قولت لك مش عايز اسمع حاجة ..سحبه بقوة من يديه وأجلسه واردف بقوة:
-يابني اقعد واسمع للآخر، على طول كدا، البنت واقعة في عشّ دبابير وتستاهل وفرحان فيها
تأففَ بضجر فتابعَ الآخر حديثهُ
-بقولك أخوه مقبوض عليه، والواد دا أبوه فتح له بوتيك ملابس كبير اللي شغالة فيه مها، بس واد بتاع بنات، عرفت أنّه بتاع مزاج وستّات، يعني صَاحبتك وقعت بدعوة الوالدين يازينو
-لم يرد عليهِ لفترة، ظلّ يُطالعهُ بنظراتٍ صامتةٍ، ثم أردفَ مُتسائلًا:
-ايه اللّي خلّاك تسأل عنّه !!
زمّ شفتيه رافعًا حاجبهُ ثم أردفَ ممتعضًا:
-إنتَ رخم على فكرة، جايبلك أخبار حلوة وحضرتك مش عجبك
-أخبار حلوة!!..قالها مستنكرًا، ثم تابع مستطردًا:
-الموضوع ميهمّنيش ياكريم، كنّا وخلّصنا، حياتها وهي اختارت، خلاص مبقاش يلزمني..
نقرَ بأصابعهُ على الطّاولة متسائلاً:
-يعني مش فرحان من اللّي هيحصل
– لا ..قالها ونهض يُلقي بعض النّقود على الطاولة ينادي على الصّبي وأردف:
-أنا مش من النّوع اللّي بيشمت، بس باخد حقي بعدلِ ربّنا…سلام ياصاحبي
2
بمنزل إيلين
جلست سهام تتناول بعد الفواكه ترمقُ إيلين المنشغلة بدراستها، وضعت ساقًا فوقَ الأخرى وهتفت:
-إيلين اعمليلي فنجان قَهوة عندي صُداع ..لم تُعيرها اهتمام وظلّت كما هي، فهبّت تلكَ واقفةً، واتّجهت إليها تجذبُ من أمامها أشيائها وتصيحُ بها
-لمّا اكلّمك من الإحترام توقفي وتردي عليّا، أنا في مقام والدتك
-اخرسي ..مين انتِ علشان تحطّي راسك من راس أُمّي، فَشرتي انتِ ما إلّا خَطّافة رجّالة سَرقتي راجل من مِراته وولاده
صفّقت بيديها تنظرُ إليها من أسفلها لأعلاها قائلة بنبرة ساخطة:
-اسم الله عليكِ يادكتورة، دا أنتِ مدوّراها مع شبابِ البّلد كُلّهم، اتلميّ يابتّ أبوكي اتجوّزني لمّا زِهق من أمّك المريضة، اللّي كان وجودها زيّ عَدمه، اقترَبت مَنها تحدجها بنظراتٍ مُستاءة
-ابوكي ملقاش الحنان والحبّ واحتياجاته ومحسّش برجولتهُ غير في حُضني ما أنتِ معذورةَ متعرفيش يعني إيه ستّ تسعد جُوزها، عِندهُ حقّ الدّكتور يرفضك ماهو شايف راجل قدامه طول الوقت لابسة خيمة ..قالتها وهي تُشير على إسدالها مُشمئزّةَ
-شوفي نفسك، وتعالي يابتّ و أنا أعلّمك، قال سرقتِ راجل، أبوكي، معرفش ِكلمة راجل غير مع العبدة لله،ويلّا عكّرتي مزاجي عايزة اشغل ميوزك وأرقص، مفيش مُذاكرة هِنا، عندك اوضّتك ياختي
رمقتها مشمئزّة وابتعدت تجمع أشياءها ودلفت للغرفة، وهي تَكبح عبراتها التي تحجّرت تحتَ أهدابها.
وضعت أشياءها وتركتْ لعيناها الإفراج
-يارب إمتى أخلص من الحرباية دي، استمعت إلى رنين هاتفها، وجدتهُ أُختها
-أيوا يامريم ..
-عاملة إيه ياإيلين، إحنا رجعنا بيتنا عدّيت عليكي ومرات أبوكي الزّفت قالت إنّك في الجامعة.
أزالت عباراتها وإجابتها :
-فعلاً لسّة راجعة، صَمتت ثمّ تسائلت
-خالو رِجع ولا لسّا هنا ..
-لا كُلّنا رجعنا ياقلبي، خالو قال يومِ الجُمعة هنرجع علشان نكتب كتابك على آدم، اسمعيني ياإيلين أنا عارفة العقربة مشْ سيباكي في حالك، وافقي على آدم حبيبتي صدّقيني آدم بيحبّك .
سَحبت نفسًا عميقًا ثمّ لفظتهُ على مهلًا
-وافقتِ يامريم بلّغت خالو، وبابا، هشوف الدّنيا مخبيالي إيه اتمنى مفقوشِ على كابوس .
عند آدم دلفَ إلى منزلُهم الذّي يقطنون به بإحدى الأحياء الراقية، اتّجه إلى غرفته قائلاًا:
-هنام ساعتين علشان حفلة خالو يابابا واحتمال أجيب رحيل تقعد يومين
أمسكهُ والدهُ من ذراعيهِ واردف قائلًا:
-بلاش رَحيل الأيّام دي ياآدم، خلّينا نخلّص من جوازك مش عايزك تزعّل إيلين، انت عارفهم من صغرهم مابيحبوش بعض..
أومأ متفهّمًا ثمّ تحرّكَ إلى غرفتهِ.
بمنزل اسحاق قبل قليل
جلسَ بجوارهِ يتحدّثونَ في بعض ِالقضايا التي تخصّ الأمن القوميّ، مع بعض صور للأشخاص.
نظرَ لذاكَ المبنى فاستطردَ مستفسرًا
-العيال بيتجمعوا هنا، وأمن الدّولة بتلاحقهم..أومأ يطالع الصّور بكلِّ دقّةٍ
فحكَّ ذقنهُ
-انهي دور بالظبط !!
جلسَ اسحاق بعدما شرح مايجب فعلهُ
-الدّور التّاسع فيه شقتين واحدة لمدرّس ثانوي، والتّانية لصاحب الجنسيّة، إنت هتدخل تحت الجهاز في الشّقة من خلال شقّة المدرّس دا
أومأ متفهمًا ..أشارَ لهُ اسحاق محذرًا إياه
-رسلان الموضوع مش سهل، دا جنسيّة اجنبية، عايزين نعرف الواد دا اللي بمول الإرهابين ولا إيه، مش عايز غلطة
تمام لازم اعديّ على بابا الأول علشان زعلان، توقّف يشير إليه بالخروج
-أيوا أنا كمان خارج على الشّركة، نسيت النهاردة اجتماع لمجلس الإدارة
بعد قليل وصل إلى الشّركة ..دلف للداخل بينما توقّف اسحاق مع إحدى المهندسات
– صباح الخير..
-أهلاً بحضرتَك مستر اسحاق ..
-أيوا بدل مستر يبقى زعلانة
هزّت أكتافها للأعلى والأسفل وهتفت :
-حضرتك عملت حاجة تزعل، كلّ اللّي عملته شهر وأنا معرفش عنّك حاجة ممكن أعرف هنفضل كدا لحدّ امتى ؟
دنى بخطوةٍ مقتربًا منها ينظرُ لعيناها
-دينا انا مفهمك الوضع، حاليًا مقدرش أعلن جوازنا
قاطعته ترفع سبّابتها أمامهُ :
-اسحاق اسمعني دا أخر كلام عندي، يا إمّا تعلن للدّنيا كلّها إنّي مراتك.
تعمّق بعيناها مردفًا بنبرةٍ جليديةٍ
-يا إمّا ..كمّلي
تلعثمت وتجمّدت الكلمات على أعتابِ شفتيها وهي تنظرُ إليهِ بأسى :
-أنا تعبت بجدّ، حاسّة إنّي مش عايشة، من حقي أنام كل ليلة في حضن ِجوزي علشان أشعر بالأمان، إبن عمّي بقى يضيّق خناقهُ عليّا وحضرِتك عارف وساكت .
أطبقَ على ذراعيها بقوةٍ يهمسُ بفحيحٍ مرعب ٍ
-أنا خيّرتك وأنتِ اخترتِ، مَتجيش تعملي ملاك بريئ أنا مش مستعدّ دلوقتي، سمعتي ولّا لأ، عايزة اطلّقك براحتك، بس مش اسحاق اللّي يتلوي.
قالها ودفعها بقوة واستدارَ مغادرًا إلى غرفةِ الإجتماعات..
بعد فترة انتهى الإجتماع، تحرّكَ ارسلان قائلًا :
-عندي مشوار يا فاروق، اشوفك باللّيل، واللّي بيني وبينك صفيّة مالهاش دعوةَ بيه، عيب يافاروق تزعّل أمّي بسببي، لو عملتها تاني هحتجّ وهرفع عليك قضيّة خلع.
القاهُ بالقلمِ الذي بيديه
-امشي يا حلوف من هنا..قهقه وهو يتحرك يلوح بكفيه
التمعت عيناه بالسعادة، وهو يتابعُ مغادرته ..اتّجه إلى اسحاق متسائلًا :
-باعتهُ في مهمة ولّا إيه ؟
تراجعَ مستندًا على المقعد يومئ برأسه وهو مغمّض العينين.
-مالك قابلت دينا ولا ايه ؟
فتح عيناه ومازالَ على حالتهِ
-ياريتني ماسمعت كلامك، عمالَ تزنّ علشان نعلن جوازنا، وأنا دماغي مش فاضية فيها مليون حاجة
غمغم مزمجرًا بخفوت:
-من عمايلك اشرب بقا
تفتكر أحلام هانم هتوافق ولا تقعد تقولّي مواعظ في الطّبقات
قهقهَ فاروق وسلّطَ عيناهُ عليه :
-أحلام هانِم هتولّع فيك، علشان كدا لازم ترتّب لكلِّ حاجة قبل ماتطردك من حلفِ الجارحي.
زفرَ بسأم يخلّل أناملهُ بخصلاتهِ متسائلًا:
-والله أمّك دي عليها شويّة تطبيقات للمجتمع تهوس، ياسلام بتحسسني إنّنا عايشين في عهدِ البشوات .
جفَّ حلقهُ وهو يطالعُ أخيهِ قائلًا بصوتٍ متقطع ٍ:
-إنتَ عارف إنّ أمّك لو عرفت حكاية ارسلان ممكن تعمل إيه يافاروق؟
تأرجحت عيناهُ بالقلق ِيهزّ رأسهُ ودقّات قلبهُ تخترق صدرهُ ممّا جعلهُ يهتف بتقطع:
-لا لا يااسحاق إنتَ وعدتني زمان، وبعدين أنا عملت اللّي عليّا واتجوّزت، هي كان أهمّ حاجة عندها أتجوّز غير صفيّة علشان أجبلها وريث، وربّك كريم وقعدت عَشر سنين من غير عيال، لولا إصراري على رجوع صفيّة وسَفرنا اللّي جه في مصلحة ارسلان،
تفتكر بعدِ ماربّنا كرمني بكلِّ حاجة حلوة بعد مارزقني بيه ..تحجّرت عيناهُ بالحزن ِ ونظرَ إلى اسحاق طويلًا ثمّ أردفَ بنبرةٍ مهزوزةٍ:
-محدّش يقدر ياخده مني يااسحاق، سمعتني، ارسلان فاروق الجارحي، لو دفنتني يااسحاق، ارسلان إبني سمعتني، وأنا كاتب وصيّتي محدّش يقدر يقول غير كدا .
نهضَ اسحاق من مكانهُ وجلسَ بجوارهِ
يربّتُ على ظهرهِ:
-حبيبي وعدِ منّي مستحيل حدّ يعرف حقيقته متخافش، مش معقول بعد السّنين دي كلّها حدّ هيعرف .
جاهد يكبح دموعهُ ولكنّها نزلت رغمًا عنهُ، زُهِلَ اسحاق منه فضمّه :
-فاروق إنتَ بتعيّط، صدّقني محدّش يقدر يقرّب منه، أنا بحميه أكتر من روحي، ارسلان إبني وأخويا وكلِّ ما أملك انت فاهم كدا، دا روحي اللي لو بعدت عني بتجنن
ارتسم الألم داخل عيناه:
-وصيّتي الوحيدة يا اسحاق ارسلان، مش خايف على ملك لأنّي متأكد أن جدّتها هتراعيها أما ارسلان من يومها وهي مبتحبوش علشان ابن صفية .
طالعهُ بغضبٍ محموم اندلعَ من حدقتيه وهدرَ بنبرةٍ غاضبةٍ:
-خليها تقرب منه بس، علشان كدا دخّلته المخابرات، هي بس لو عرفت أنّه تبع المخابرات بلاش أقولّك هتترعب إزاي، بس أنا أهمّ حاجة عندي أمانه
مسحَ على وجههُ متوقّف ثم أردفَ:
-ربّنا يرحمه أبوك بقى اختارلك أمّ من كوكب تاني .
بعد اسبوع
.ليلةً شتويةً قاسية البرودة، مع ظلامها الحالك بإختفاء ِنجومها ، عائدًا من عملهِ ليلًا، وهو يحتمي بنفسهِ من البرد بذاكَ البالطو وتلكَ الاسكارف، يتحرك برشاقة حتى يتفادى مياهُ الأمطار، إلّا أنّه توقّف فجأة على ذاكَ المشهد المريب، بعض الخارجين عن القانون يهرولون خلفَ شخص ٍما بعدما ترجّلَ من سيارتهِ بعد قتل سائقهِ، هرولَ الرّجل الذي يبلغُ من العمرِ 50 ربيعًا من أمامه يحتضنُ ذراعهِ الذي ينزفُ دمائه ُالممزوج بمياه الأمطار، دفعَ باب منزلِه ودلفَ إليه بوقوفه متسمرًا ملجومًا، كأنّ جسدهُ أصيبَ بشلل على ذاك المشهد إلى أنْ آفاق على صوتِ ذاك الرّجل:
-إنت مشفتش راجل بيجري من هنا
لحظات وعقله غير مستوعب مايدور، ذهبَ ببصرهِ سريعًا لمنزلهِ الذي دلفَ إليه الرّجل و يبعده ببعض الأمتار ، فاتّجه للرّجل يهزّرأسه بالنّفي ..تحركَ ذاكَ الرّجل حينما صاح الآخر :
-تعالى نشوفه في الشّارع دا، الدّنيا ضلمه هناك ممكن يكون متخبي لازم نخلص منه ..ظلّ للحظات واقفًا، إلّا أنّ صدمهُ صوتُ الرّعد بالبرق .مع غزارةِ الأمطار فاتّجه إلى منزلهُ، فتحَ بابَ المنزل الخارجي بهدوء ودلفَ يبحث بعينيهِ عن ذاكَ الرّجل الذي وجدهُ جاثيًا على الأرضية محتضنًا ذراعهُ يهمس بأنين
-انقذني ارجوك، متخلهمش يوصلولي ..أرجوك يابني عايزين يقتلوني ..أرجوك قالها ثم فقدَ وعيه .. دقائقٌ وهو عاجز عن فعلِ أيّ شيئ ولم ييقظهُ سوى صوتُ أختهِ.
-ابيه إنتَ تحت، إبيه يزن الكهربا قطعت لو حضرتك اللّي تحت ردّ عليّا ..أخرج صوتهُ مهزوزًا وهو يجيبها :
-أيوا يا إيمان انا حبيبتي هقفل الباب واطلع على الكشّاف ادخلي نامي.
بفيلا السيوفي وبخاصّة بتلكَ الغرفة المزيّنة التي أرسل الخدم إليها لتزينها مع فستانٍ من اللونِ الأبيض مطعّم بفصوصٍ من اللؤلؤ، وتاج مرصع الألماس ..وضعتهما إحدى الخدم
-إلياس باشا بعتلك دول ياميرال هانم
أومأت لهُ دون حديث..نهضت من أحضان فريدة تفحص الأشياء ثم أردفت متسائلة :
-معقول البارد يشتري فستان بالجمال دا، قلبت التّاج بيديها مع ابتسامة سعيدة مستديرة لوالدتها
-شوفتي جايب إيه..شعور الرّاحة والأمان تسرّب لداخل فريدة، فتوقّفت تمسّد على خصلاتِها :
-شوفتي مش قولتلك أنّه حنين، اسمعي منّي حبيبتي والله إلياس دا مفيش أحنّ منه، طيب عارفة وإنت صغيرة مكنش حدّ بيشتري لك ألعاب وحاجات غيره، هوّ بس اللّي لما كبر شاف البعد احسن .
هناك شعور لذيذ بداخلها وهناك عتابٌ من عقلها يمنعها، وضعت الأشياء وجلست متمتمة:
-خايفة ياماما، ساعات بحسّه قاسي وجبروت، رفعت عيناها لوالدتها قائلةً:
-تعرفي اتّهمني إنّي بغريه، وبيقول بتخطّطي إنت ووالدتك عليا
اخترقت الكلمات صدر فريدة كالخنحر الباردة، حتى شحبَ وجهها، فنهضت من مكانها متخبطة تحاول سحب نفسًا عميقًا لتردفُ بتقطع
-معذور حبيبتي، أبوه اتجوّز وأمه مريضة، غير ليلة فرحنا والدته ماتت فطبيعي يكرهني، بس صدقيني ياميرو إلياس بيحبّك حتى لو مش بيحبّك دلوقتي متأكدة بعد الجواز هيحبك أوي هو واخد طبع باباه بيخبي مشاعره
خطت عدة خطوات محاولة السّيطرة على نفسها بعدما شعرت بإنقباض صدرها قائلة:
-اجهزي ياميرو وزي ماوعدتك حبيبتي لو مرتحتيش معاه هطلّقك منه ..قالتها وغادرت سريعاً الغرفة .
بعد ساعتين على طاولةِ عقد القران ، جلسَ الجميعُ بانتظارِ نزولها، شعرَ بالقلق لتأخرها فانسحبَ بهدوء وصعد إلى غرفتها دفع الباب ودلفَ للداخل، تسمّرت قدماه وهو يراه تجلسُ بتلكَ الهيئة كحوريةٍ هبطت من الجنة، اقترب منها وعيناه تبحران ِعلى ملامحها حتى توقّف أمامها،وقال:
-قاعدة هنا ليه والكلّ مستنّيكي تحت
توقفت بمقابلتهِ ترسمه بعيناها :
-عايز تتجوّزني ليه إلياس، بصراحة إيه سبب جوازنا، قالتها وطالعته بعيونًا متلهّفة تنتظر حديثه بشقّ الأنفاس
لحظات صمتٍ مريعة لكليهما، عجز عن الرّد بينما هي تجمّعت دموعها لتتلألأ بعيناها متمتمةً بارتجاف :
-عايز تنتقم من ماما فيّا صح، علشان ماما اتجوّزت والدك فأنت تنتقم مني.
حروف بسيطة كنيران ملتهبة أحرقت داخله، لينحني ويسحب كفّيها متجهًا للأسفل ناكرًا أي شعور :
-إحنا مش بنلعب، مش المأذون يجي ويمشي ويقولوا العروسة رفضت إلياس السّيوفي، مش على أخر الزّمن اتهان من واحدة زيك
تحرّرت دموعها لتسيل على خدّيها متوقّفة على الدّرج تهزُّ رأسها رافضًة الحركة قائلة:
-مش على شان كرامتك أحرق حياتي ياالياس باشا أنا مستحيل أكون مراتك سمعتني، جذبها بقوةٍ لتصطدم بصدرهِ وحاوطها بذراعيه يجزّ على أسنانهِ:
-اللّيلة ياميرال هتُكتبي بإسمي، خلّيني امشيها كتب كتاب بس، بدل مااخليها دخلة .
غرزت عيناها بمقلتيه قائلة بنبرة جافة:
-مستحيل أكون مراتك، مستحيل لو أخر يوم في حياتي
دنى أكثر من اللّازم بعدما أشعلت فتيل غضبه وجعلته كتلة من النّيران تريد إحراقه ثم انحنى لخاصتها مما جعل دقات قلبها كالطّبول تقسم أنه استمع إليها وعيناه تحتضنُ عيناها قائلًا بصوته الرّخيم الممزوج بالغرور والكبرياء:
-اقسم بالله لو ماانزلتي وتم كتب الكتاب بهدوء لتكون آخر ليلة لفريدة هانم في فيلا السيوفي، دنى أكثر واكتر مما لمس وجنتيها بشفتيه هامساً:
-تليفون مني لعمّك اللّي بيدوّر عليها وشوفي بقى هيعمل فيها إيه بعد اللّي عملته، رفع عيناه وحرب أعين حارقة بينهما وتابع بهمس مميت :
-امك المصون هربت من عمك بيكي ومش بس كدا عندي الأكتر والأكتر
متفكّريش أبويا هيحميها من جحيم غضبي ..قاطعهم وصول فريدة تطالع وقوفهم بشهقة، اردفت بنبرة مزعجة :
-ايه اللي بيحصل هنا، ازاي توقفوا كدا، انزلوا يلا اتأخرتوا ؟
ابتعد عنها وعيناه تحاورها ثم بسط كفيه وابتسامة باردة على وجهه:
-إيه يامراتي هنمشي ولا عجبك وقوف السّلم …
نظرت إلى فريدة التي هزّت رأسها بالموافقة ثم رجعت الي نظرات التهديد فوضعت كفّيها بكفّيه الذي ضغط عليه وتحرك كالملك الذي ينصب على عرشه.
بعد قليل انتهى عقد القران وهي جالسة بجوار غادة بصمت توزّع نظرات على الجميع، الجميع يشعرون بالسّعادة، فتح مصطفى ذراعه :
-حبيبتي ألف مبروك، واخيرًا هتفضلي تحت رعايتي العمر كلّه ..أغمضت عيناها بأحضانه تريد أن تصرخ بأعلى صوتها ولكن كأن أحدهم يدفنها بداخل قبر ولا تستطع الصراخ.
جذبتها غادة
-ميرو تعالي نرقص نحتفل، مش كفاية كتبنا الكتاب ساكت كدا
أشار إليها بعينيه :
-اقعدي يابت رقص إيه اتجننتي، نهضت من مكانها أخيرًا بعدما فاقت من الغيبوبة الفعلية التي وضعت بها ثمّ هتفت :
-تعالي نرقص فوق، ولا يهمّك هنرقص للصبح وخلّي اللي يعترض يعترض .
هزت فريدة رأسها باستياء من ردود أفعال إبنتها، اتجه مصطفى إليه قائلًا
-حبيبي ليه مخرجتش مع خطيبتك تحتفل برة، توقف واجابه:
-لا مش قادر، عندي سفر بكرة لمدة يومين
-خلاص يامصطفى مش مهم المهم يكونوا فرحانين
ابتسم بسخرية وأجابها بغموض:
-فعلا عندك حق أنا النهاردة أسعد واحد ، قالها وصعد للأعلى .
صعدَ إلى غرفةِ أختهِ طرقَ الباب ثم دلف، توقف على الباب مشيرًا بتهديد:
عارفة لو رقصتي هعمل إيه؟،
صمتت ولم تعبرهُ إهتمام حتى خرجَ من باب الغرفة، فألقاته بالوسادة
-والله لأرقص وفوق التربيزة كمان اخبط دماغك في الحيطة، تحرك وعلى وجهه ابتسامة متمتمًا
مجنونة ياميرو ..قالها وهو يدلفُ إلى غرفته، تحرَّكَ إلى أن توقَّفَ أمامَ المرآةِ ينظرُ لنفسه، ابتسمَ ساخرًا:
عملت اللي عايزُه ياإلياس، هتقدر تنتقم منهم و لَّا دا كان مجرد تهديد عشوائي علشان تمتلكها وبس
عند إلياس بعد اسبوع
خرج من عمله يهاتف أحدهما
-الاستاذة في الجريدة ولا فين؟!
نظر للمبنى أمامه قائلًا:
لا يافندم في الجريدة..تمام، قالها وهو يغلق الهاتف وتحرك إليها وعلى وجهه ابتسامة قائلًا:
-جايلك يامراتي البايرة..وصل بعد قليل، كانت منهمكة بعملها لم تشعر بوجوده سوى من رائحته التي تسللت إلى رئتيها، رفعت رأسها تبحث عنه بلهفة غير مصدقة أن أحدهما يحمل نفس رائحته، وجدته يقف أمامه بهيئته التي سلبت عقلها قبل قلبها مع ابتسامته التي بدأت تراها في بعض الأحيان
ضربت على كفيها قائلة
-خير ياحضرة الفاضي ..جذب المقعد وجلس بغروره يضع ساقًا فوق الأخرى
يشمل المكان بنظرة قائلًا
-بقالك سنتين شغالة وأول مرة اشوف مكتبك، وانت ماشاءالله أربعة وعشرين ساعة عندي ..دنى بجسده وحاورها بنظراته
– بس المكتب مش بطال على فكرة، ماهو مش معقول حرم إلياس السيوفي تقعد في أي مكان
أشارت إليه تلتفت حولها
-يعني إنت السبب في نقلي للمكتب دا
اومأ لها بغمزة ثم أردف
-لحد النهاردة بس، شوفتي كنت معاكي حنين ازاي من غير ماتعرفي
جزت على أسنانها وطرقت على المكتب
-خير جاي ليه ؟!
-بردلك الزيارة ياروحي
دنت بجسدها تشير إليه بالاقتراب ولكنه ظل كما هو قائلًا:
-بطلي شغل الاطفال دا، انت كبيرة اعقلي، ومتنسيش انتي مراتي وانا ميرضنيش يقولوا مراتك هبلة
-طيب ياعاقل ياجوز الهبلة قوم امشي بدل مااطردك
غاص في عناد تمردها الذي راق له وقال
-قهوتي مظبوطة يامراتي البايرة
رسمت بسمة سمجة على وجهها مضيقة العينين
-معندناش بن ياجوزي الباير
رسمت عيناه ردودها الطفولية بابتسامة عريضة يضع خديه على كفيه
-اطلبي عصير اكيد حافظة انواع العصير اللي بحبها
تأففت بضجر فهبت من مكانها واردفت من بين أسنانها
-معندناش سكر، وقوم امشي بدل مااطلب لك الأمن
توقف واستدار يستند بظهره أمامها على المكتب غامزًا بطرف عينيه
-مش كفاية انا مسكر
ذابت من كلماته، هذا الرجل يثير بداخلها مشاعر متضاربة تحملها له لم تعد تعلم بماذا تشعر بقربه، انحنى بجسده وعلم ماتشعر به من خلال تحرك عيناها فأردف هامسًا:
-هتطلبي العصير للمسكر…تراجعت مبتعدة واطلقت ضحكة صاخبة مما جعل الجميع يطالعونهم، رفعت كفيها تشير معتذرة
-اسفة ياجماعة عندنا شئ مسكر هنا والدبان بيزن فوق راسي
انحنى يسحب كفيها مع نظراته للجميع
-اعذروها أصلها مصدومة بعد ماعرفت أنها انطردت من الشغل
برقت عيناها تطالعه بذهول، وتسائلت
هي مين دي اللي انطردت، حاوط جسدها بكفيه وتحرك مغادرا المكان قائلًا
-إنتِ ياروحي، مفيش شغل وتنطيط بعد كدا ..تحرك مسلوبة الإرادة بسبب قربه الذي سلب عقلها
وصلت بعد قليل بسيارته مترجلًا منها
-انزلي ياحلوة ..قالها وتحرك للداخل دون حديث آخر
ظلت كما هي بالسيارة لمدة دقائق ثم هبطت من سيارته بخطوات متخبطة، قابلتها غادة تطالعها بذهول عندما وجدتها بتلك الحالة
-ميرال مالك ..رفعت رأسها إلى غادة وتمتمت بتقطع
-اخوكي خلاهم يطرودني من الشغل
خطت بخطوات تاكل بها الأرض وكأن هناك من يطاردها، توقف غادة أمامها :
هتعملي ايه يامجنونة، دفعت الباب والله لاندمه، دلفت غرفته دون استئذان، تصرخ باسمه، خرج من المرحاض محاوط جسده بمنشفة، وبيده أخرى يجفف خصلاته توقف حينما وجدها بتلك الهيئة الغاصبة
-عايزة ايه بوتجاز، داخلة اوضتي ليه..لم تهتم بهيئته، اقتربت منه
-هموتك، والله هموتك لو قربت من شغلي تاني، ورقة الجواز تبلها وتشرب ميتها، انسان مستفز، مفكر الكل عليه الطاعة، هفضحك يازوجي المستبد..قالتها واستدارت لتغادر
-استني عندك يابت…..
دنى منها يشير إليها بالاقتراب
-ايه اللي قولتيه دا ..اهتزت حدقتيها بعدما استفاقت على حالته، فركت يديها تتراجع للخلف تبتعد بنظراتها عن عيناه
– انت واحد مستبد متفكرش هسكت على اللي عملته، فوق انا مش خايفة منك ولا تفكر ورقة الجواز دي هتخليك تتحكم فيا، انا ميرال جمال الدين ولا انت ومليون زيك، فارد ضلوعك عليا ليه،انا مش معترفة بيك اصلا ، قالتها وهمت بالمغادرة الا أنه جذبها بقوة يدفعها على فراشه عندما أخرجت شيطانه قائلا
-وأنا دلوقتي هخليكي تعترفي بيا يااستاذة علم الدين
بالأسفل دلفت إلى مكتبه وابتسامة خلابة تزين وجهها
-طلبتني، توقف يفتح ذراعيه إليها
-تعالي حبيبتي انا اقدر استغنى، سحبها وأجلسها بأحضانه، نزل برأسه يدفنها بعنقها يستنشق رائحتها بوله
-من أول مرة اخدتك في حضني وريحتك دي بعشقها، وضعت رأسها على رأسه واحتضنت كفيه
-ربنا يباركلي فيك يامصطفى ومايحرمنيش منك يارب
اعتدل جالسًا وحاوط أكتافها، سحب نفسًا قويًا حتى يستطع اخراج مايؤلم روحه، رفعت رأسها تتعمق بعيناه ومازالت ابتسامتها تزين ملامحها
-يااااه دي كلها تنهيدة..
فريدة بتثقي فيا قد ايه!!
أشارت إلى قلبه ووضعت كفيها على صدره قائلة بنبرة واثقة:
-قد دقات قلبك تحت ايدي يامصطفى، شوف القلب بينبض كام مرة في الدقيقة واضرب اضعافهم، بلاش احلف لك انك اجمل حاجة حصلت لي بعد موت جمال
احتضن وجهها ودمغ جبينها بقبلة حنونة، تحكي الكثير من المشاعر، ثم رجع بجسده للخلف وجذبها تحت حنان ذراعيه مردفًا:
-هقولك سر مخبيه بقاله تلاتين سنة عن الكل، حتى اختي الوحيدة متعرفوش…اعتدلت ونظرات مستفهمة منتظرة حديثه باهتمام
احتضن عيناها واردف بلسان ثقيل
-إلياس!!..اومأت له منتظرة تكملة حديثه بلهفة ولا تعلم لماذا ..اغمض عيناه حينما شعر بثقل اهدابها من الدموع ثم فتحهما قائلاً
-اوعديني الكلام اللي هقوله يفضل بينا سر يافريدة
ملست على وجهه وتعمقت بالنظر إليه
-وحياة مصطفى اللي هو اغلى من أي حاجة ماهقول لحد
ابتلع غصة مدببة كأنها سيوف حادة واسترسل:
-إلياس مش ابني حقيقي، دا ابني بالتبني ..
ألجمتها الصدمة ولم تشعر بما حولها وكأن أحدهم سلب روحها، لينتفض جسدها وتشعر بانصهار روحها، وبدأت تشعر بدوران الأرض وكأنها ستفقد وعيها..حاولت تستفسر عما استمعت إليه ، ولكن هربت الحروف ولم يعد لديها القدرة على النطق
اقترب يحتضن وجهها وحاول استرضائها بعدما وجدها بتلك الحالة:
-سامحيني علشان خبيت عليكي، بس مكنش ينفع اقول لأي مخلوق، الواد ظابط في أمن الدولة، انت عارفة يعني ايه يطلع مش ابني
تآذر الوجع بصدرها من ضربات قلبها المرتفعة، تطالعه بأعين مرتجفة
-ازاي تخبي عليا حاجة مهمة زي دي، احنا متجوزين بقالنا اكتر من عشرين سنة عارف يعني ايه، عشرين سنة وأنا بنام في حضنك، عشرين سنة شوف كام مرة اتكلمنا فيهم عليه، ازاي وليه وانت لقيته فين ولا اتبنيه ازاي، وازاي وازاي وازاي يامصطفى حرام عليك ، دا انا خبيت عليك حقيقة ميرال سنة عقبتني وبعدت عني، قولي اعمل ايه. وكمان اتجوز بنتي، نهضت من مكانها تدور بالغرفة تشير لنفسها
-مكنتش قد الثقة علشان تقولي حاجة مهمة زي دي، انا اللي قولت لك على كل حاجة وانت مخبي حاجة مهمة زي دي، طيب ليه ..توقفت فجأة وهرولت تجثو أمامه
-الياس عنده 32 سنة يامصطفى، انت لقيته ولا اتبنيه منين، اوعى تكون لقيته مكان ماضربتني بالعربية، نهضت تهز رأسها لا لا .. مستحيل ممكن يكون ابني، إلياس ممكن يكون ابني
توقف اخيرا يضمها إلى صدره
-فريدة اهدي هو لو عندي شك ماكنت زماني قولت لك، لا مالقتوش في السويس، غادة اللي لقيته على باب الدار، انت ناسية أنها كانت فاتحة الدار قبلك، الصبح اتصلوا بيها وعرفوها، الولد كان عنده سنتين وقاعد بيعيط ومش راضي يسكت، اخدته غادة واتعلقت بيه، ويوم عن يوم بقت تتجنن من بعده لدرجة كانت بتبات معاه في الدار وساعات بتجيبه، وبعد عمليات الحقن الكتيرة فقدنا الأمل نجيب ولاد طلبت مني نسجل الولد باسمي، ومخبيش عليكي استخدمت سلطتي والولد اتكتب باسمنا ومن وقتها والكل عرف ان الولد ابني بعد سفر غادة خمس سنين ألمانيا، وبعد مارجعت عملنا حفلة واعترفت للدنيا كلها أنها أنجبت طفل، وفي الفترة اللي سافرت فيها غيرت طقم الدار كله علشان محدش يشك في حاجة، والولد فضل عايش معانا لحد ماقابلانكي والباقي اكيد تعرفيه
جلست بجسد منتفض تمسح على وجهها بعنف لازم تعرفلي لقيته امتى بالظبط، بكت بشقهات تضع كفيها على صدرها
-حتى ولو عرفت أن اليوم دا هو اختفاء يوسف دا مش إثبات أنه ابني ، اثبت ازاي يارب، يارب يطلع ابني معقول يطلع ابني ، معقول ربنا يكون رحيم بيا ويكون انا اللي ربيته، مش مهم كره ليا المهم يطلع ابني
-فريدة ..اتجننتي ايه اللي يجيب ابنك عندنا ..هزت رأسها انا هثبت لازم ادور
راااااجح ..لازم اعمل التحليل
كان أحدهم يستمع إلى حديثهما..فتوقفت كالجثة التي سُحبت أنفاسها إلى بارئها
