رواية شظايا قلوب محترقه
الفصل السابع7
بقلم سيلا وليد
خطت بخطواتٍ تأكلُ بها الأرضَ وكأنَّ هناكَ من يطاردها، توقَّفت غادة أمامها :
هاتعملي إيه يامجنونة!..دفعت الباب والله لأندِّمُه، دلفت غرفتهِ دونَ استئذان، تصرخُ باسمه، خرجَ من المرحاضِ محاوطًا جسدهِ بمنشفة، وبيدهِ الأخرى يجفِّفُ خصلاتهِ، توقَّفَ حينما وجدها بتلكَ الهيئةِ الغاصبة:
عايزة إيه يا بوتجاز، داخلة أوضتي ليه؟!..لم تهتَّم بهيئته، اقتربت منه:
تدفعهُ بغضبٍ وهدرت وكأنَّها تحاربُ شياطينها:
هاموِّتَك، واللهِ هاموِّتَك لو قرَّبتِ من شغلي تاني، ورقة الجواز تبلَّها وتشرب ميِّتها،إنسان مستفز، مفكَّر الكل عليه الطاعة،هافضحَك يازوجي المستّّبِد، لو مارجعتِش في الهبل دا…قالتها واستدارت لتغادر.
استني عندِك يابت…..
دنا منها يشيرُ إليها بالاقتراب:
إيه اللي قولتيه دا ..اهتَّزت حدقتيها بعدما استفاقت على حالته، اقترب منها وهتف بصوت اجفلها
– متفكريش علشان ساكت وبعدي تسوقي فيها
تراجعُت للخلفِ تبتعدُ بنظراتها عن عينيه:
إنتَ واحد مستَّبِد، ماتفكَّرش هسكت على اللي عملته، فوق أنا مش خايفة منَّك ولا تفكَّر ورقة الجواز دي هاتخليك تتحكِّم فيَّا، أنا ميرال جمال الدين ولا إنتَ ولامليون زيك، فارد ضلوعك عليَّا ليه، أنا مش معترفة بيك أصلًا، قالتها وهمَّت بالمغادرة إلَّا أنَّهُ جذبها بقوةٍ يدفعها على فراشهِ عندما أخرجت شيطانهِ قائلًا:
وأنا دلوقتي هخليكي تعترفي بيَّا ياأستاذة نجمة الدين، ياله عايزة أعرف بنت جمال الدين هتعمل إيه.
ابتلعت ريقها بصعوبةٍ من هيئتهِ الغاضبة، واقترابهِ الغير مسموح:
إلياس ..أخرجت اسمهِ من بينِ شفتيها متقطِّعًا:
إبعِد بقولَّك ماينفعشِ كدا.
شعرَ بتخدُّرِ جسدهِ وعدم قدرتهِ على الصمود أمامَ جمالها الطاغي.
اشتعلت عينيهِ بلهيبِ الرغبة لتذوُّقِ كرزيتها..حاورتهُ بعينيهِ أن يرحمَ ضعفها بحضرته، من خلالِ لمعانها بطبقةٍ كريستالية. تصارعت أنفاسه وحرب داخليه ألهبت جميع حواسه
-إلياس ابعد انت كدا بتتمادى ..أنهت كلماتها المتألمة التي خرجت من بين شفتيها بتقطع
رسم قناع بارد فوق ملامحه كي لا يعكس لهيب عشقه الدفين
اعتدلَ متمسِّكًا بكفَّيهِا ليعدلها من فوقِ فراشه، واستدارَ بظهرهِ قائلًا:
اطلعي برة، وتاني مرة إياكي تدخلي أوضتي تاني من غير إذن.
أغمضت عينيها تستمعُ إلى حديثهِ القاهرِ لقلبها، ثمَّ تحرَّكت بعضَ الخطوات، توقَّفت مستديرةً إليه:
أنا بحبِّ شغلي، ومن صغري وأنا نفسي أكون مذيعة، بس حضرتَك منعتني من الحلمِ دا من غير أسباب، حطِّيت أعذار وقولت يمكن علشان طبيعة شغلك ومن حقَّك، بس إنَّك تهدم شغلي اللي اتأقلمت عليه دا يبقى إنتَ بتهدمني لتاني مرة، اقتربت خطوةً تنظرُ لمقلتيه:
معرفشِ ليه كلِّ الكره دا، عايزني أترجَّاك، تمام ياإلياس ..اقتربت خطوةً أخرى حتى أصبحت المسافة بينهما تكاد معدومة ونظرت إليه متمتمة:
لو سمحت ياإلياس إلَّا شغلي، شغلي دا حياتي بلاش تسحبها مني كفاية امتلاكك ليَّا ..
صمتٌ من الأصواتٍ بالغرفة، ولكنَّ هناكَ ارتفاعَ أنفاسٍ تودي إلى توقُّفِ القلب، تدحرجت دمعةٌ غادرةٌ عبرَ وجنتيها، حينما وجدت جمودِه، فأزالتها واستدارت مغادرةً الغرفة بالكامل، دلفت غرفتها، وأغلقت البابَ خلفها، لتحتضنَ نفسها مع ذكرياتها المتألِّمة معه، اتَّجهت إلى مكتبتها وأخرجت ألبومًا من الصورِ يجمعهما في طفولتهما، فتحته بدموعِ عينيها التي طُبعت عليه، مع شهقاتها المرتفعة، تسألُ نفسها وهي تقلِّبُ بين الصور، وترى كيف هنا كانت نظراتُ الحبِّ والحنان، ومنذُ لحظاتٍ نظراتٍ جليديةٍ لا يوجدُ بها أي مشاعر.
أما عندهُ بعد خروجها اتَّجهَ إلى غرفةِ ثيابهِ وارتدى ملابسهِ بجسدٍ فاقدٍ لجميعِ حواسِّه، كلَّ ما يشعرُ به أنَّهُ يريدُ تحطيمَ كلَّ مايقتربُ منهُ بذاكَ الوقت.
دقائقَ وهو يحاولُ السيطرة على نداءِ قلبهِ الذي يحاربهُ بدقاتهِ العنيفة أن يخترقَ كلَّ الحواجزَ بينهما، حربٌ شعواءٌ صماءٌ تحرقُ داخلهِ بين صفعِ قلبهِ والتَّحكُمَ بنبضهِ وبين عقلهِ الذي يجزعُ من نبضِ القلب.
زفرَ باختناقٍ ليتَّجهَ إلى جهازهِ يجذبهُ ويجلسَ فوق فراشه، قامَ بحفظِ بعضِ المعلوماتِ التي توصلُ إليها، ثمَّ رفعَ هاتفهِ ليردَّ أحدهما بعدَ قليل:
أيوة ياباشا، آسف الفون كان بعيد.
إخلَص قول اللي عندك.
اسمعني ياباشا، وصلت للست اللي حضرتَك بدَّور عليها ..استمعَ إليهِ باهتمام:
الست اسمها إسراء متجوزة في العين السُخنة جوزها شغَّال في المينا، عندها ولد وبنت، الولد محامي لسة تحت التدريب والبنت ثانوية عامة، ليها أخ وحيد مسافر أبوظبي.
إبعت لي عنوانها …
حاضر لحظة وهاتلاقيه عندك.
بالأسفلِ قبلَ قليل:
دلفَ إسلام من بابِ المنزلِ استمعَ إلى هرولةِ غادة على الدرج توقَّفَ أمامها :
مالِك يادودي..أشارت إلى الأعلى:
إلياس وميرال بيتخانقوا لازم أعرَّف بابا، خلَّاهم يفصلوها من الشغل.
ربتَ على كتفها يشيرُ إلى الأعلى:
طيِّب اطلعي إنتِ حاولي تهدِّيهم، أنا ماينفعشِ أدخل ..استدارت هاتفة:
طيِّب بسرعة ..تحرَّكَ إلى غرفةِ مكتبِ والدهِ، رفعَ يدهِ ليطرقَ فوقَ الباب ولكنَّهُ توقَّفَ حينما استمعَ إلى بكاءِ فريدة:
إلياس مش ابنك، إزاي،
دقائقَ يستمعُ إلى حديثهم بذهولٍ حتى شعرَ بدورانِ الأرضِ وكأنَّها تُسحَبُ من تحتِ قدميه..تراجعَ سريعًا للخارجِ محاولًا سحبَ أنفاسًا معتدلة، حينما شعرَ بارتفاعِ أنفاسهِ التي تزدادُ كالمتسارع.
بالداخلِ توقَّفَ مصطفى
واتَّجهَ إليها يرفعها من فوق الأرضية، ولكنها دفعتهُ بعيدًا، وهرولت للخارجِ ودموعها تفرشُ الأرضَ أمامها …قابلها إلياس على الدرج، رفعَ رأسهِ إليها بعدما استمعَ إلى شهقاتها، توقَّفَ يطالعُها بتدقيق، شعرت بوجودهِ فرفعت عينيها إليه، وتقابلت العيونُ للحظات، لا يعلمُ لماذا خفقَ قلبهِ إشفاقًا على دموعها، لم يشعر بنفسهِ وتحرك مقتربَا منها متسائلًا:
إنتِ كويسة؟!..
كانت تسبحُ بعينيها تتفحَّصهُ بلهفةِ أم، تناست كلَّ شيئ، وكأنَّ العالمَ اختفى من حولها ولم يتبقَ سوى وليدها، اقتربت خطوةً وعينيها متعلقةً بعينيه، إلى أن وصلت إليه، حاولت الحديثَ ولكنّّها لم تقو كأنَّ لسانها ثقلَ أو هربت حروفه، استغربَ حالتها ووجهها الذي أصبحَ كلوحةٍ متفننةٍ بالأسى والحزن.
إنتِ كويسة؟!..تسائل بها مرةً أخرى حينما وجد نظراتها التائهة عليه، هزَّت رأسها وابتلعت غصَّتها وسحبت نفسها من جوارهِ بصعوبة، كالذي ينسحبُ إلى غرفةِ إعدامه، صعدت إلى الأعلى، بوصولِ مصطفى إلى إلياس الذي يراقبُ صعودها:
واقف كدا ليه يابني ..استدارَ إليهِ مقتربًا:
أبدًا مفيش، خطى من جوارهِ إلى الخارج، أوقفهُ والده:
إلياس…استدارَ برأسهِ منتظرًا حديثه، تراجعَ مصطفى إلى وقوفهِ وتساءل:
كنت في السويس بتعمل إيه؟..
ارتدى نظارتهِ قائلًا بنبرةٍ باردة:
شغل ياباشا…قالها وتحرَّكَ للخارجِ دونَ إضافةِ أيِّ حديث..
بالأعلى دلفت فريدة إلى غرفتها وهوت على الأرضيَّةِ خلفَ الباب، تضعُ كفَّيها على فمها تمنعُ شهقاتها كلَّما تخيَّلت ماذا لو أصبحُ ابنها..
ذهبت بذكرياتها ….
فلاش باك:
تحرَّكت بجوارِ غادة تشيرُ إلى الغرفةِ التي ستمكثُ بها قائلةً بإبتسامةٍ عذبة:
دي أوضتِك، هاتقعدي فيها لحد مامصطفى يشوف موضوعك..
ترقرقت عيناها بالدموعِ هاتفة :
ممكن أطلب منِّك طلب …
أومأت لها قائلة:
طبعًا أكيد، اتفضلي…
همست بضعفٍ قائلة:
مش عايزة حد يعرف مكاني، أوراقي كلها اتحرقت في بيتي، كنت طالبة خدمة مش هانسهالِك العمر كلُّه.
أومأت غادة منتظرةً بقيَّةِ حديثها، وضعت ميرال على فراشها ثمَّ اقتربت من غادة:
عم بنتي لو وصلِّنا هايموتني أنا والبنت، دا قادر وظابط كمان، يعني هيسلَّط كلِّ نفوذه، زي ماسلَّط نفوذه وأخد منِّي كلِّ حاجة، عايزة أغيَّر اسمِ العيلة، بدل فريدة عبد المجيد يعمله أي اسم تاني، استدارت إلى ابنتها تشير إليها:
وكمان البنت يكتبها ميرال جمال الدين، دا أهم من أي حاجة وشكرًا لحضرتِك، وقت ماأوراقي تخلص، هامشي من هنا وأدوَّر على شغل.
تنهدت غادة برهةٌ تطالعها بشك، ثمَّ أردفت قائلة:
ماعرفش مصطفى هيوافق ولَّا لأ، بس هاقولُّه، لكن ماتتعشميش، مصطفى بيعامل ضميرُه أوي ماعتقدشِ أنُّه يقبل يزوَّر.
اقتربت منها وطالعتها بنظراتٍ متوسلةٍ مقتربةٍ منها بملامحٍ متألمة:
وحياة أغلى حاجة عندك يامدام، ربنا يجازيكي خير دا ثواب كبير هاتعمليه وتنجِّيني من حاجات كتيرة.
تجهَّمت ملامحُ غادة تشيرُ إليها بهدوء:
طيِّب نامي دلوقتي وبعد كدا نتكلِّم.
بعدَ عدَّةِ أيامٍ دلفت إليهِ المكتب بعد إستدعائهِ اليها، وتوقَّفت على الباب..فتوقَّفَ عندَ مقعدهِ بهيئتهِ التي تجعلُ قلبها كالمضخَّةِ خوفًا من اكتشافِ أمرها، أشارَ إليها بالدخول، دلفت بخطواتٍ ثقيلةٍ وكأنَّها ستساقُ إلى حسابها..
أقعدي يامدام فريدة..جلست تفركُ بكفَّي يديها منتظرةً حديثهِ بفارغِ الصبر:
أنا سألت عنِّك..رفعت رأسها سريعًا تنظرُ إليهِ بذهول، فهتفَ وعينيهِ تخترقُ جلوسها:
العنوان اللي قولتي عليه، دا عنوان عمِّك صح؟..
أومأت لهُ وقلبها ينبضُ بعنفٍ وكأنَّهُ سيتوقَّف.. تصنع النظرَ للورقةِ التي أمامهِ وتابعَ حديثه:
فريدة عبد المجيد
توسَّعت عيناها حتى شعرت بخروجها من محجريها فهبَّت قبلَ إتمامِ حديثه:
عرفت الحاجات دي إزاي؟..
زوى مابينَ حاجبيهِ متسائلًا:
بتتكلِّمي بجد ولَّا بتهزَّري؟!..إنتِ ناسية أنا ظابط، وسهل جدًا عليَّا، سحبت منهُ الأوراقَ سريعًا تنظرُ إليها بلهفة، ولكن وجدتها فارغة، طالعتهُ مقتربةً وهتفت بصوتٍ أجفله:
ليه تدوَّر ورايا أنا ماطلبتِش منَّك حاجة، إنتَ اللي طلبت آجي هنا لحدِّ ماأتحسِن، والصبح هاخُد بنتي وأمشي من هنا.
انكمشت ملامحهِ مستنكرًا حديثها، فنصبَ عودهِ متوقِّفًا، وأشارَ بيديهِ قائلًا بخشونة:
عايزة مني أدَّخل واحدة بيتي من غير ماأعرف هيَّ مين، مايمكن يكون تخطيط.
توقَّفت الكلمات على شفتيها، ولم يُسعفها الحديث، فنكست رأسها مع انسيابِ عبراتها بصمت.
زفرَ بضيقٍ واقتربَ منها يشيرُ إليها بالجلوس:
أقعدي يافريدة لازم نتكلِّم.. أومأت لهُ وجلست تفركُ بردائها.. حمحمَ معتذرًا:
مش قصدي أشك فيكي، أنا قصدي مكانتي حساسة ولازم أعرف كلِّ حاجة عنِّك، ماحبتشِ أنزِّل صورتك.
رفعت عينيها إليه سريعًا:
أنا ماطلبتِش من حضرتَك حاجة، ليه تعمل معايا كدا؟!..
تأفَّفَ يمسحُ على خصلاتهِ بضجر:
أنا ظابط وفي مكان حساس إنتِ متخيِّلة لو حد زقِّك عليَّا ممكن تعملي إيه!!ماخبيش عليكي كنت رافض وجودك معانا لولا إصرار غادة وخاصَّةً معاكي بيبي ومن غير أوراق، ولا أي حاجة تستندي عليها
استدارت سريعًا مردِّدةً:
شكرًا لحضرتك، وكتَّر خيرك أنا هاخد بنتي وأمشي.. قالتها وهمَّت بالمغادرة إلا أنَّهُ صاحَ قائلًا:
استني عندِك..توقَّفت بجسدٍ مرتجفٍ.
خطا إلى وقوفها ومع كلِّ خطوة كانت تشعرُ وكأنَّ جدرانَ الغرفةِ تطبقُ عليها خوفًا من هيبته التي دبَّت بقلبها الرعب، وصل إليها متوقِّفًا بثباتٍ واضعًا كفوفهِ بجيبِ بنطاله:
انا بعت اسأل عليكي في السويس
شهقة خرجت من فمها مع ازديادِ بكائها بنحيبٍ حتى فقدت القدرة على التَّحمُل، فهوت على الأرضية أمامهِ تبكي بصوتٍ مرتفعٍ مما أفزعَ غادة بالخارج، لتدفعَ بابَ المكتبِ وتدلفُ مذعورة:
مصطفى إيه اللي حصل؟!
أشارَ إليها تساعدها على الوقوف، حاولت غادة مساعدتها، إلا أن بكاءَها أفقدَ غادة اتِّزانها ليميلَ هو ويرفعها من ذراعيها محاولًا تهدئتها..
خطفوا ولادي، خطفوا حياتي..قالتها لتهوى بين ذراعيهِ مغشيًا عليها.. بعدَ فترةٍ جلست زوجتهِ بمقابلتهِ في المكتب:
إيه اللي بتقوله دا، دي شكل واحدة جاسوسة. نفثَ دخانَ سجائرهِ وتمتمَ ممتعضًا:
هوَّ أنا بقول هعمل التحريَّات
تعاظمَ الحزنُ بداخلها رافضةً ماتستمعُ إليه ، اللي أقدر أقولُه مستحيل تكون كذابة ولا مخادعة…
أطفأَ سيجارتهِ بالمطفأة، ثمَّ مسحَ على وجههِ بعنف
مسحَ على وجههِ بعنف، ثمَّ رفعَ رأسهِ إلى زوجته:
أنا ماسألتِش عليها ياغادة، أنا بخوِّفها بس..انكمشت ملامحها قائلة:
ليه يامصطفى، هاترجع تقولِّي علشان إنتَ ظابط..توقَّفت غادة وهدرت به:
إنتَ ظابط يامصطفى أه، بس مش مخابراتي ، علشان تبقى خايف أوي كدا، البنت شكلها طيِّب والكام يوم اللي قعدت فيهم هنا أنا اختبرتها في حاجات كتيرة، اقتربت منهُ بعدما وجدت تجهُّمِ ملامحه، عانقت ذراعيهِ وتحدَّثت بدلال:
حبيبي اللي دايما بيشك في صوابعِ إيدُه، البنت دي على ضمانتي أنا الشخصية، مستحيل تكون بتخطَّط لحاجة، وبعدين تعالَ هنا هيَّ كانت تعرفنا ولَّا حد كان يعرف إننا في السخنة ياباشا، ماتركِّز شوية ياظبوطي، دماغك بقت بتفلت منَّك ليه؟..
قهقهَ عليها يضمُّها لأحضانه:
بتعرفي تسيطري ياغادة …حاوطت عنقهِ مبتسمة، ثمَّ تمتمت:
عيب عليك يامصطفى بعد السنين دي كلَّها وماعرفشِ شخصيتك!..
انحنى يدمغُ جبينها بقبلةٍ ثمَّ أردف:
ربنا يخليكي ليَّا حبيبتي، ياله قهوتي وابعتيلي إلياس وحشني من امبارح ماشفتوش.
باليومِ التالي ..دلفت غادة إلى غرفتها وجدتها تحملُ ميرال للمغادرة، توقَّفت أمامها:
رايحة فين يافريدة؟..مسَّدت على شعرِ ميرال تبتعدُ بنظراتها عن غادة وأجابتها:
ماشية يامدام.
توسَّعت عيناها تنظرُ إليها بصدمة، ثمَّ اقتربت تحملُ ميرال التي صدحَ صوتها:
طيِّب سيبي البنت يافريدة، عايزة تاكل، ثمَّ استدعت المربية:
خدي البنت أكِّليها، ثم سحبت كفَّ فريدة وخرجت قائلة:
تعالي يافريدة عايزاكي…جلست وأشارت إليها بالجلوس، طالعتها للحظاتٍ صامتة، ثمَّ أردفت:
تعرفي أنا ماليش أخوات، بابا وماما اتوفوا في حادثة وأنا ثانوية عامة، وعمِّي اللي اتولى رعايتي، كنت بتمنَّى يكون ليَّا أخت أو أخ أقعد أحكيلهم، علشان كدا خلِّيت مصطفى يفتح لي الدار دي، أنا معايا طب نفسي وأعرف أحكم على اللي قدَّامي كويس جدًا، أنا متأكدة إنِّك كويسة وطيبة، بس الدنيا عاندتك شوية، ماتزعليش من مصطفى، طبيعة شغله شكاك، أه نسيت أقولك مصطفى دا حب حياتي كلها، يعني ماتخافيش منُّه مابيقدرشِ يزعلني، وبدل قالي خلاص صدَّقيني مش هيزعَّلِك تاني ..أنا متشوقة أسمع حكايتك، إنتِ بقالك شهر عندنا ماحاولتِش أضغط عليكي، لكن حاسة وراكي وجع كبير، وحزن عميق.
ترقرقت عيناها بالدموع، ثمَّ همست بتقطُّع:
أنا كمان حبيتِك.. إنتِ طيبة أوي، رغم إنِّك ماتعرفينيش بس دخلتيني بيتِك وساعدتيني، ربنا يجبر بخاطرك، أنا طالبة منِّك خدمة وهاكون شاكرة لحضرتِك كتير.
انتظرت غادة حديثها، فركت فريدة كفَّيها قائلة:
عايزة شغل، ولو أوضة أقعد فيها أنا وبنتي..ابتسمت غادة بمحبة، ثمَّ نهضت من مكانها وجلست بجوارها تربتُ على ظهرها:
إيه أشوفلِك أوضة دي!..بقولِّك أنا ماعنديش أخوات تقوليلي أشوفلك أوضة..دلفَ إلياس يحملُ جهازَ تحكُّمِ سيارتهِ يبكي؛
مامي الريموت اتكسر، والعربية ..قالها بشهقات، نهضت فريدة تمسِّدُ على خصلاته:
ماتزعلشِ حبيبي المهم إلياسو بخير، وبابي لمَّا يرجع هايصلَّح عربية إلياسو، استدارت إلى غادة التي تبتسمُ بمحبةٍ قائلةً: مش كدا يامامي؟..
نهضت غادة وجلست أمامهِ مثلَ جلوس فريدة:
حبيب مامي زعلان علشان الريموت، طيِّب إيه رأيك نجيب عربية شُرطة كبيرة زي بتاعة بابي لإلياسو أحسن من عربية اللصوص دي.
صفَّقَ بيديهِ وعانقَ غادة:
أحلى مامي ..ثمَّ اتَّجهَ إلى فريدة وطبعَ قبلة على وجنتيها:
أحلى أنطي فريدة، ممكن أروح أبوس ميرو بقى؟..
وضعت كفَّيها موضعَ قبلتهِ وخطٌّ كرستالي من الدموع برزَ بعينيها، وهزَّت رأسها فتحرَّكَ من أمامهم سريعًا
يصدحُ بصوتهِ الطفولي.
توقَّفت غادة تبسطُ كفَّيها إليها قائلةً بمغذى:
مش يمكن دي تدابير من ربنا علشان يكون ليَّا أخت تراعي ابني بعدي،
هبَّت من مكانها تطالعها بصدمة، سحبتها غادة وجلست تنظرُ إلى فريدة، أخرجت تنهيدةً عميقةً متمتمة:
هاقولِّك سر بس أوعديني مصطفى ميعرفش، ظلَّت فريدة كما هي تنتظرُ حديثها إلى أن تابعت غادة قائلة:
عندي القلب، وخايفة أموت في أي وقت وإلياس محتاج حد يراعيه، وخصوصًا مربيته هتتجوِّز، فإنتِ لو وافقتي تكوني مربية لابني هكون شاكرة أكيد.
أمسكت فريدة كفيها وابتسمت تهزُّ رأسها:
أكيد شيئ يسعدني، لكن مصطفى بيه مش هيوافق وخصوصًا إنُّه هوَّ مصرّ يدوَّر ورايا.
توقَّفت بمقابلها تهزُّ رأسها بالنفي:
أبدًا.. مصطفى وعدني، بس لو سمحتِ ريَّحي قلبي وقولي إن فكرتي فيكي مش غلط، إحكي لي ووعد كلِّ كلمة هاتقوليها ماحدِّش هايعرفها حتى مصطفى نفسه.
جلست فريدة وطالعتها لمدَّةِ دقائقَ بصمت، تريدُ أن تبوحَ لها مايؤلمُ روحها ولكن خائفة، لم تأتمن أحدًا بعد مامرَّت بتلكَ الظروف العصيبة.
مسحت وجهها وقامت بقصِّ حكايتها منذُ ولادتها إلى أن وصلت إلى ميرال وصمتت للحظاتٍ قائلة:
وميرال بنتي منه، حبِّيت أحافظ عليها فهربِت بيها.
طالعت غادة لترى أثرَ كلماتها عليها، وجدت دموعها تنسابُ على خدَّيها بصمت، توقَّفت تطالعها بعيونها الباكية:
اتخطف منِّك ولدين، إيه كميِّة الأذية دي!..
اقتربت دونَ حديثٍ وعانقتها بقوَّةٍ:
أنا مش عارفة أقولك إيه، أه ياقلبي اللي اتحرق عليكي.
بكت فريدة بنشيجٍ وكأنَّها لم تبكِ من قبل، دقائقَ وهي بأحضانِ غادة حتى شعرت بالهدوءِ فتراجعت معتذرة:
آسفة يامدام غادة ..حاوطت غادة وجهها مردِّدَةً بصوتٍ مفعمٍ بالبكاء:
ربنا يصبَّر قلبِك، ويرجَّعلِك ولادك بخير يارب، بطَّلي عياط بقى وجعتيلي قلبي.
ظلُّوا لبعضِ الوقت إلى أن استمعوا الى صوتِ سيارة مصطفى، توقَّفت غادة وخرجت معتذرة:
مصطفى جه، إغسلي وشِّك واجهزي علشان نتغدى، وبقولِّك آخر مرَّة أسمع منِّك هاتمشي، ميرال بنتي زي ماإلياس هايكون ابنك.
خرجت من ذكرياتها على صوتِ طرقاتٍ على بابِ غرفتها ودلوفِ ميرال.
ماما قاعدة في الضلمة ليه؟..ثبَّتت نظراتها على ميرال تطالعها بصمت، وحدَّثت نفسها، هل سينصفها القدر ويجمعُ ابنها بابنةِ عدوِّها..عدوِّها كررتها فهبَّت فزعة من مجرَّدِ وجودهِ وأخذهِ ميرال، نعم إنَّها ابنتهِ ولكنَّها لاتستطع العيشَ من دونها، وضعت كفيّّها على صدرها وكأنَّ أنفاسها تُسحبُ
جلست ميرال بجوارها تنظرُ إليها بريبة، بعدما وجدت صمتها وحالتها التي لأوَّلِ مرَّةٍ تراها بها ..
ماما..قالتها وهي تربتُ على ظهرها..
سحبت نفسًا عميقًا، وبداخلها يغلي كالبركان يريد الانفجار، لقد خانها من ظنَّتهُ أصدقَ الناس لقلبها،
ماما..أطبقت على جفنيها من صوتِ ميرال وخاصَّةً حينما نادت بأمِّها…
أه ياقلبي كيف ستصمدُ أمامَ كلَّ هذا
قاطعهم طرقاتِ الباب ودلوفِ الخادمة:
إلياس باشا بيقول لحضرتِك إجهزي علشان هاتخرجوا..فتحت فمها للحديث، أشارت لها فريدة بالتوقُّفِ قائلةً وهي تستديرُ للخادمة:
قوليله هاتجهز وتنزل..اتَّجهت لوالدتها جاحظةَ العينين قائلةً برفضٍ قاطع:
مش هاخرج معاه ياماما، سمعتيني، وأنا العلاقة دي بتخنقني، لو سمحتِ، لو فعلًا بتحبِّيني إنهي العلاقة دي، يرضيكي بنتك تتجوِّز واحد مابتحبوش..نسيت فريدة مايؤلمُ قلبها أو هكذا أقنعت نفسها وتوقَّفت تجذبُ ابنتها:
تعالي علشان أساعدِك هتلبسي إيه، أوعي في يوم خطيبِك يعزمك وترفضي عزومته حبيبتي.
مسحت على وجهها تداعبُ وجنتيها، وبحرت فوقَ ملامحها، كصيادٍ ماهر، تحدِّثُ نفسها، واخدة من جمال كتير ياميرال اللي يشوفك يقول بنته، علشان كدا اتعلِّقت بيكي، قلبي وجعني ونفسي أقولِك كل اللي جوايا حبيبتي بس مش قادرة.
فاقت من شرودها على حديثِ ابنتها:
ماما روحتي فين؟..
أه..أنا هنا ياقلبي…إيه رأيك باللون دا؟..
طالعت الفستانَ للحظات، ثمَّ تذكرَّت كرههِ للَّونِ الأزرق، فبسطت يديها تجذبُ ذاكَ الفستان متمتمة:
هلبس دا خلاص يامامي، حلو وبحبِّ اللون دا أوي.
هتخرجي مع خطيبك بفستان زي دا!..إنتِ عايزاه يتخانق معاكي وخلاص ياميرال، وبعدين إنتِ ماكنتيش وعدتيني إنِّك مش هتلبسي الفساتين المكشوفة دي؟!..
دلفت للداخلِ ولم تجب والدتها، تأفَّفت فريدة بضجرٍ من أفعالِ ابنتها، ثمَّ تحرَّكت مغادرةً غرفتها، قابلها مصطفى على بابِ الغرفة، رسمَ حزنها بعينيهِ يسحبُ كفَّها بعدما وجدَ آثارَ دموعها، وصلَ إلى غرفتهما، دلفَ للداخلِ وحاوطها بذراعيه:
لسة زعلانة مني..قالها وهو يرفعُ ذقنها يتعمَّقُ بعينيها، تراجعت للخلفِ وأنزلت يديه؛
هاخلِّيهُم يجهزولك العشا، ميرال وإلياس هايتعشوا برَّة..قالتها واستدارت للمغادرة إلَّا أنَّهُ قبض على كفيها، يجذبها لأحضانهِ هامسًا بصوتهِ الرخيم:
فريدة وحشاني، قالها وهو يحتضنُ خاصتها.
بغرفةِ إلياس يقفُ أمامَ المرآةِ يصفِّفُ خصلاتهِ مع حديثهِ بالهاتف:
إزاي يعني، وليه الشقة دي متراقبة؟..
أجابهُ شريف على الجانبِ الآخر:
ماتيجي ياعم، القضية معقربة وأنا بغرق من غيرك.،
ارتدى ساعتهِ واتَّجهَ بنظرهِ لمفاتيحهِ وهو مازالَ يهاتفه:
لا أنا مش هارجع النهاردة، وبكرة كمان..اتولى إنتَ الأمر، لحد ماأرجع.
تسائلَ على الجانبِ الآخر:
رايح فين …خرجَ من غرفتهِ متَّجهًا للأسفلِ قائلًا:
عندي مشوار شخصي، هكلِّمَك بكرة ..قالها وأغلقَ الهاتف، ثمَّ استدارَ على صوتِ كعبِ حذائها، رفعَ عينيهِ لتلكَ التي تهبطُ درجاتِ السلَّمِ كملكةٍ متوَّجة، ظلَّت نظراتهِ على خطواتها ورغمَ هدوئهِ إلا أنَّها أشعلت فتيلَ نبضه، ليشعرَ بعزفهِ لأوَّلِ مرَّةٍ وهو يراها بعينِ الحبيب، أبحرَ فوقَ جسدها بالكامل، كقبطان سفينة ليستكشفَ لأوَّلِ مرَّةٍ مفاتنها التي تُركعُ القديس أمامَ فتنتها ..فاقَ من افتتانها على صوتِ غادة:
أوعي وشك ياميرو، إيه الجمال دا؟!..
اقتربَ منها يشيرُ إلى الأعلى:
الفستان دا يتغيَّر ومش عايز حرف.
اقتربت غادة تلفُّ حولها قائلة:
ليه ياأبيه واللهِ تحفة، واو ياميرو..
غادة ماتدَّخليش في اللي مايخُصيكيش، اطلعي أوضتِك، ثمَّ اقتربَ منها حتى اختلطت أنفاسهما عندما ردَّت:
أنا مش هاخلع حاجة، دا لبسي وماحدِّش له يدَّخل، لم تُكمل حديثها حينما ارتفعت أنفاسها جاذبًا حمَّالةَ الفستان، وهدرَ بغضبٍ ارتجَّت لهُ جدرانَ المنزل:
ومش أنا اللي مراتي تمشي تعرض جسمها قدَّام الناس، حذَّرتِك قبل كدا من العريان، بس الغبية مش واخدة من دينها غير الاسم بس.
وصلت فريدة على صياحه، حاولت الحديث، رفعَ سبباته أمامها:
مراتي ..مراتي ياريت تاخدي بالك من الكلمة، مستحيل أقبل تكون على إسمي وتخرج بالطريقة دي، لو هيَّ فرحانة بجسمها أوَّلعلها فيه..
لقد صفعَ بفعلتهِ وحديثهِ كبريائها، فدنت منهُ حتى لم يفصل بينهما سوى الهواء تنظرُ لمقلتيه:
وأنا مش مراتك، ومش موافقة عليك
قست عيناهُ وارتفعت الأنفاسُ بحربِ النظراتِ هادرًا بصوتٍ مرتفعٍ بوصولِ مصطفى إليهما:
مالكم ياولاد فيه إيه؟!..
نظرَ إلى والدهِ ثمَّ أشارَ عليها مشمئزًا:
شوف المنظر دا، الأستاذة المتربيَّة خارجة بفستان عريان مبيِّن أكتر ماخافي، لا وبتتبجح ..خطا إلى أن توقَّفَ أمامَ فريدة منحنيًا بجسده:
عرفتي تربي مدام فريدة، ولولا عيني على غادة كان زمانها متربية تربية تليق بأولادِ السيوفي.
لم تعلم ماذا يقول، كانت نظراتُ الأمومة لديها تتفحَّصُ كلَّ مابه، عينيهِ التي لأوَّلِ مرَّة تراها تشبهُ عينا زوجها الراحل، لم تشعر بنفسها سوى وهي تضعُ كفَّيها على وجههِ فجأةً تهمسُ بقلبِ أمٍّ ينزف:
يوسف ..قالتها بدلوفِ مصطفى الذي طالعها بذهول، وحاولَ جذبَ إلياس:
حبيبي أنتوا خارجين؟..كانت نظراتهِ
على فريدة التي فاقت من غيبوبةِ آلامِ روحها، مستديرةً تزيلُ دموعها قائلةً بصوتٍ مفعمٍِ بالبكاء:
ميرال غيَّري فستانِك وأخرجي مع خطيبِك ..رفعت حاجبها وشيَّعتهُ بنظرةٍ ساخرةٍ ثمَّ أردفت:
أنا مش خارجة، عايز يروح يتعشَّى يروح، دي حياتي ومالوش حق يدَّخل فيها، عجبُه على كدا عجبُه مش عجبُه يبعد عنِّي، أنا أصلًا مش موافقة على الجواز.
تبدَّلت ملامحهِ وثارَ غضبهِ ينظرُ لوالدهِ بكبريائه حينما شعرَ بالدماءِ تغلي بعروقهِ من فظاظةِ حديثها وهدرِ رجولتِه:
البنت دي ماتلزمنيش، وهاطلَّقها، قالها وتحرَّكَ للخارج.
صدمةٌ عنيفةٌ أصابت فريدة ملتفتةً إلى ميرال تهدرُ بها بعنف:
روحي صالحيه، إمشي روحي صالحي خطيبك ..طالعتها بصمتٍ للحظاتٍ ثمَّ أردفت:
أنا ماغلطِّش فيه علشان أصالحُه، وأحسن حاجة هايعملها،معرفش ليه مصرِّين أنُّكم تجوزونا وأنتم متأكدين إنِّنا ماننفعشِ لبعض.
قالتها وتحرَّكت تختبئُ بغرفتها، هوت على فراشها وهنا تركت لعينيها السماحَ بالإفراجِ عن ألمِ روحها، تمدَّدت تحتضنُ نفسها وتبكي بصمت، مع أنينِ قلبها الذي ينزفُ دونَ شعورِ أحدهم.
عندهُ.. خرجَ إلى سيارتهِ قابلهُ إسلام بهيئةٍ جعلتهُ يقفُ مذهولًا ينظرُ إليهِ بلهفة:
مالك إيه اللي عمل فيك كدا وليه مختفي من الصبح؟!..
توقَّفَ أمامهِ ينظرُ إليه بدموعٍ تحجَّرت تحتَ جفنيهِ يحدِّثُ نفسه:
إزاي يكون مش أخويا، معقول بعد السنين دي كلَّها نكون عايشين في وهمِ الأخوَّة، اقتربَ إلياس بعدما وجدهُ شاردًا يربتُ على كتفه:
إسلام سامعني…رفعَ عينيهِ التي خطَّت الكثيرُ من الدموعِ على وجنتيهِ رغمًا عنه، ولم يشعر بنفسهِ سوى وهو يلقي نفسهِ بأحضانهِ يبكي كالفتاةِ التي فقدت والديها ..ربتَ على ظهرهِ وشعور الصدمة سيطرَ على جميعِ خلاياه، ظلَّ صامتًا لم ينبت ببنتِ شفة حتى يهدأ، صمتَ لدقائقَ معدودة، سحبَ كفَّيهِ يشيرُ إلى السيارة:
تعالَ نروح نتعشى مع بعض.
هزَّ إسلام رأسهِ بالنفي وتمتمَ بتقطُّع:
لا أنا هاطلع أنام شوية وأقوم علشان عندي مشروع اشتغل عليه.
أشارَ بعينيهِ على سيارتهِ قائلًا دونَ جدال:
مش باخد رأيك، إركب العربية، قالها وهو يستديرُ إلى القيادة يرفعُ هاتفهِ يحدِّثُ أحدهما بخفوت:
إسلام أخويا كان فين؟..أجابهُ الآخر:
من وقت ماخرج من البيت قعد شوية في المسجد، وبعدين لف بعربيته لحدِّ ماوصل جبل المقطَّم، قعد عليه يجي ساعتين ورجع تاني..
تمام ..قالها وأغلقَ ثمَّ استقلّّ السيارة بجوارهِ إلى أن وصل إلى أحدِ المطاعمِ المشهورة، دلفَ للداخلِ ووصلَ إلى طاولتهِ المخصَّصة كلَّما أتى إلى ذاك المطعم، ابتعدَ إسلام بنظراتهِ يتجوَّلُ بعينيهِ بالمطعم إلى أن قاطعهُ إلياس:
تاكل إيه؟..
أي حاجة ..طلبَ طعامًا لهما وظلَّ الصمتُ سيِّدَ المكانِ إلى أن تحدَّثَ وهو يشعلُ سيجارته:
سامعك..قالها وهو يطالعهُ بتدقيق، وصلَ الطعامُ فتوقَّفَ عن الحديثِ ومازالت نظراتهِ تحاصره، ابتلعَ إسلام غصَّةً مدبَّبةً وكأنَّ روحهِ تُسحبُ لبارئها يفكرُ بتلكَ المعضلة، يعلمُ أنَّهُ لم يتْركُه، تذكَّرَ تلكَ الفتاة التي قابلها بالجامعة، فرفعَ رأسهِ قائلًا بثباتٍ اكتسبهُ من مواجهاتهِ مع أخيه:
متخانق مع البنت اللي بحبِّها.
زوى مابينَ حاجبيهِ ثمَّ أخرجَ زفرةً متهكِّمًا من حديثه:
بنت، إنتَ أهبل بت تعمل فيك كدا، ماتخلينيش أرمي الطبق دا في وشَّك، هيَّ ناقصة غباء قالها وهو ينفثُ تبغهِ بغضب، وكأنَّ حديثهِ أخرجَ نبضهِ لينتفضَ بداخلهِ عندما تذكَّرَ عنيدته.
أشارَ لهُ بالطعامِ مبتعدًا عن دقَّاتِ قلبهِ العاصية، قائلًا بثباتٍ انفعالي:
إتعشى، أهو أحسن من الهبلة اللي كنت ناوي اتعشى معاها.
ضيَّقَ عينيهِ متسائلًا:
قصدك مين، لم يرد عليه واتَّجهَ بنظرهِ للطعامِ وهناك قبضةً قويَّةً تحرقُ صدرهِ من صدى صوتها بالإجبارِ على زواجها.
عندَ ميرال دلفَت غادة إليها وجدتها تحتضنُ نفسها كالجنين، جلست بجوارها تمسِّدُ على خصلاتها:
ميرو حبيبتي هاتفضلي كدا، ماغيرتيش ليه؟..أطبقت على جفنيها حتى شعرت وكأنَّ هناكَ وخزاتٍ تحرقُ مقلتيها، فهمست بتقطُّع:
سبيني عايزة أنام..تسطَّحت بجوارها تتلاعبُ بخصلاتها قائلة:
أقولِّك سر..ظلَّت ميرال كما هي إلى أن تابعت غادة حديثها قائلة:
ماعرفشِ ليه النهاردة حسِّيت إن إلياس مغرم بيكي ياميرو.
رفعت رأسها تُطالعها بلفهةٍ من عينيها لتؤكدَ لها ما وقعَ على مسامعها، استندت غادة على خديَّها ورفعت أناملها تخللها بداخلِ خصلاتِ ميرال
مردِّدة:
قرأت شوية معلومات كدا علشان أعرف إمتى هتحَّب يعني ..قالتها بشقاوتها. اعتدلت مرام تلملمُ خصلاتها وتدفعُ كفَّيها:
بَوظتي تسريحتي ياغبية..
رفعت حاجبها وأردفت ساخرة:
تسريحة إيه ياختي، اللي يسمعك يقول البت خارجة مع حبيبِ القلب، دنت تغمزُ بعينيها:
إنَّما يابت يامرمر عايزة تطَّلقي من العسل أخويا ولَّا إيه؟..هبلة وعبيطة، بقولِّك بيحبِّك ودا شوفته النهاردة لأوَّل مرَّة أشوف إلياس بالجنان دا، أه هوَّ شديد وأنا مانكرشِ أنُّه معظم الوقت كدا، بس عيونه عليكي كانت غير، وصلني إحساس غيرة نارية بتخرج من عيونه، لكزتها وتابعت حديثها:
مش تحكُّم زي ما حضرتك قولتي، بدليل لبستي الفستان دا في عيد ميلادي وماعملشِ كدا، ليه دلوقتي اتجنن، اعتدلت جالسةً تنظرُ لأناملها قائلة:
عدِّي معايا ياستي، عيد ميلادي ماكنشِ فيه شباب غير إسلام أخويا وصحباتي اللي فيهم بنت هتموت علشان إلياس بس يكلِّمها، عرفاها طبعًا وعارفة إنَّها بتيجي هنا علشانُه، ثانيًا خروجك بالفستان دا عيون كتيرة هاتشوفِك وإنتِ عارفة جنانُه لو حد بصِّلِك، رابعًا دا الأهم عنده، شايف إن دا حرام، وإنتِ ملاحظة كلامه ليَّا طول الوقت عن اللبس، بلاش ضيِّق ياغادة، بلاش قصير ياغادة، بلاش عريان ياغادة ..يعني مش تحكُّم زي ما حضرتِك بتقولي، يبقى ليه شوفتيها كدا، ماخبيش عليكي الفستان ظاهر صدرك كلُّه، وحضرتِك كمان رافعة شعرك، يعني منيِّلاها من كلِّ حتة، وأنا حاولت أفهمِّك بطريقتي بس الغباء راكب دماغك.
