رواية شظايا قلوب محترقه الفصل الخامس5 بقلم سيلا وليد

رواية شظايا قلوب محترقه 
الفصل الخامس5
بقلم  سيلا وليد

وصلَ إلى مكانٍ ما بالحديقة وجلس، يشيرُ إليها :
أقعدي ياإيلين لازم نتكلِّم .
جلست دونَ حديث…ظلَّ الصمتُ بالمكان سيدَ الموقف إلى أن حمحمَ قائلًا :
زعلانة مني ليه، من وقت ما رجعت وإنتِ واخدة مني موقف .
ذهبت ببصرها لنقطةٍ وهميَّةٍ وأجابته:
وأنا هزعل منَّك ليه يابنِ خالي، كلِّ الحكاية الدراسة بدأت ومشغولة .
استدارَ إليها بجسدهِ متعمِّقًا بالنظرِ إليها :
يعني مش زعلانة..هنا رفعت عينيها الزيتونية وهتفت بخفوت :
إنتَ عملت فيَّا حاجة علشان أزعل منَّك ؟!..قالتها وعيناها تحتضنُ عينيه .
حمحمَ مبتعدًا يهزُّ رأسهِ بالنفي، ثمَّ تحدَّثَ قائلًا :
ليه مش موافقة على ارتباطنا ؟..
وليه أوافق؟!
استدارَ إليها مرَّةً أخرى وعينيهِ تخترقُ عيناها :
وليه رفضتيني، فيه حد بحياتِك؟..
افترت شفتاها بسمةً ساخرة، ودقَّاتِ عنيفة بصدرها قائلة :
حد في حياتي، مش شايف الكلمة صعبة على إيلين يادكتور ..
تنَّهدَ بقلَّةِ حيلة متمتمًا :
حقِّك ياإيلين تحبِّي وتنحبي، علشان كدا بسألِك عن سببِ الرفض .
أطبقت على جفنيها وكتمت صرخاتها بداخلها، تحدِّثُ نفسها :
كيف لا تشعرَ بدقَّاتِ قلبي التي تدقُّ بعنفوانٍ بوجودك، آه ياقلبٌ حُكِمَ عليك بالأنين، لقد قتلني شوقي، ومزَّقني حنيني لشخصٍ لم يشعر بك..آه وآه ..
أفاقها حديثِه :
إيلين..قالها وهو يجذبُ كفَّيها يحتضنها بين راحتيهِ لتشعرَ برعشةٍ عنيفةٍ تسري بعمودها الفقري، طالعتهُ بأعينٍ مرتجفةٍ ونبضاتٍ تخترقُ قلبها الضعيف لتهمسَ بشفتينٍ مرتعشتين :
آدم سيب إيدي..احتضنت النظراتُ بين بعضها البعض، ليردفَ بصوتهِ الأجشَّ الرخيم :
إيلين أنا عايز أتجوِّزك، إدِّيني فرصة نقرَّب من بعض، مش يمكن تحبِّيني..
ابتعدت عنه حينما شعرت بانهيارِ دوافعها بحضرته، حنانُ صوتهِ الذي وقعَ على مسامعها كصوتِ كروانٍ يسبِّحُ الله، لمسَ وجنتها بإصبعه، ومازال يفرضُ سيطرتهِ عليها، بصوتهِ الرجولي الرخيم الذي جعلها تقسمُ بداخلها أنَّهُ الأحبَ إلى مسامعها ..مرَّر إبهامهِ على وجنتيها يرسمها بعينيهِ البنيَّة التي تشبهُ لونَ القهوة قائلًا بابتسامتهِ العذبة :
كبرتي واحلويتي أوي ياإيلي..تورَّدت وجنتاها تبتعدُ برأسها عن لمساته وباغتته قائلة :
ومين لسَّة صغير ياآدم، إنتَ كمان كبرت ماشاء الله.
قهقهَ عليها مازحًا :
بس مش حلو زيِك..
إحمرََّ وجهها حتى شعرت بإنبثاع الحرارة منه، نظرت للأسفلِ تفركُ بكفَّيها، وحاولت لملمةَ شتاتِ نفسها متسائلة:
كنت عايز إيه؟..
نسيتي بالسرعة دي؟!..
ابتلعت ريقها بصعوبة مردِّدةً بصوتٍ متقطِّع :
مش فاهمة برضو !..
توقَّفَ يضعُ كفَّيهِ بجيبِ بنطالهِ وعينيهِ مازالت تحتضنها :
إيه يادكتورة، يعني المفروض تبقي أذكى من كدا …توقَّفت بمقابلتهِ وطالعتهُ متسائلةً بعينيها قبلَ شفتيها؟..
ليه ياآدم…قطبَ جبينهِ مستفسرًا عن معنى سؤالها؟!
مش فاهم تقصدي إيه؟!..
طافت عيناها بالمكانِ حولها تبتعدُ عن نظراتهِ التي اعتبرتها جريئة :
ليه عايز تتجوزني؟!
ثَقُلَت أنفاسهِ، فالحديثُ معها شاقًا، تركَ مايؤرقُ خواطرهِ واقتربَ يبسطُ كفَّيهِ إليها..نظرت لكفَّيهِ ثم لعينيهِ مستفسرة :
مش فاهمة، دي مش إجابة؟..
انحنى يجذبها من رسغها لتقتربَ منه، ثمَّ حاوطها بذراعيه :
إلينو..أنا كبرت وعايز أكوِّن أسرة، ومش هالاقي أحسن منِّك اكمِّل حياتي معاه
رفعت رأسها لتقتربَ من عينيه :
دا سبب يخلِّيني أوافق عليك..نزلَ برأسهِ ينظرُ لقربها وهناكَ ماأشعرهُ بخفقةٍ لذيذةٍ راقت له، ليبتسمَ وهو يضغطُ على أكتافها يقرِّبها إليهِ أكثر :
حاجات كتير ياإلينو، أولها إنِّك أوِّل دقِّة قلب، نسيتي؟..لو نسيتي أنا فاكر كلِّ حاجة ..
ابتعدت عنهُ ونظراتهِ تحاصرها ثمََّ أردفت :
علشان عرفتني أوَّل ماجيت، علشان كدا كنت بتطَّمِن عليَّا طول السنين دي، مش كدا ولَّا إيه ياأبو أوَّل دقِّة قلب ..قالتها وهمَّت بالمغادرة، إلَّا أنَّهُ جذبها بقوةٍ لتصبحَ بأحضانهِ يهمسُ لها :
إيلين أنا خلقي ضيَّق هانتجوِّز حتى لو غصب عنِّك يابنتِ عمِّتي، لأنِّي مش هاتجوِّز غيرك، فياريت تقنعي قلبك وعقلك دا لو مش مقتنعين بيَّا أصلًا .
ارتجفَ جسدها من أنفاسهِ التي ضربت وجهها، وارتخت ساقيها لتفقدَ الحركة، حتى شعرت بالعجزِ من ابتعاده، تلعثمت بالكلام :
آدم إبعد..إنتَ ماسكني كدا ليه؟..إبعد .
أمالَ بجسدهِ عندما راقَ لهُ خجلها، ليهمسَ بجوارِ أذنها :
مش هاسيبِك لمَّا توافقي الأوَّل،
آدم إبعد بقى ..ضغطَ على خصرها أكثر لتنهارَ كلَّ حصونها تهزُّ رأسها :
موافقة موافقة..وسَّع بقى .
لم يدع لها الابتعاد لينحني ويطبعُ قبلةً فوقَ جبينها :
مبروك ياإلينو…دفعتهُ بقوةٍ بعدما شعرت بسخونةِ شفتيهِ فوقَ جبينها وهرولت لمنزلها بسيقانٍ تكادُ تحملنها، دفعت بابَ غرفتها لتهوى على فراشها تضعُ كفَّيها فوقَ صدرها الذي يقذفُ بنبضاتهِ القوية.. دقائقَ وهي تسحبُ أنفاسًا بطيئة لانتظامِ تنفسها .
استمعت إلى طرقٍ على بابِ غرفتها، ثمَّ دلفت مريم أختها :
أدخل ولَّا أرجع؟..أشارت لها بالدخول دونَ حديث..دلفت وهي تطالُعها بابتسامةٍ قائلة :
شكل حبيب القلب تأثيرُه عال العال..أخفت وجهها بين كفَّيها تهمسُ بتقطُّع :
بيضعِفني يامريم، ماعرفشِ ليه كده، أنا مضايقة من نفسي أوي، ليه بضعف وبكون زي الطفلة اللي محتاجة حضنِ أبوها..
مسحت أختها على ظهرها مبتسمة :
دا الحب ياقلبي، علشان بتحبيه .
أزاحت كفَّيها عن وجهها تطالعُ أختها بعيونٍ مترقرقة:
بحبُّه أوي يامريم أوي، وكأنِّ ربنا جمع حبِّ العاشقين كلُّهم وحطُّه في قلبي.
ضمَّتها مريم مبتسمة:
إنتِ تستاهلي ياإيلين، تستاهلي الحب كلُّه حبيبتي، والظاهر آدم كمان لسة بيحبِّك .
أزالت عبراتها تخرجُ من أحضانِ أختها :
قلبي موجوع منُّه يامريم، إزاي السنين دي كلَّها ماحاولشِ ولا مرَّة يسأل عليَّا، إزاي قدر يعيش وينسى الحب اللي كان مابينا؟..
احتوت وجهها بين راحتيها تنظرُ بمقلتيها مستطردة :
حبيبتي ماتنسيش كنتي في ثانوية، يمكن ماكانش عايز يشغلِك، ويمكن ظروفُه ماكنتش تسمح، المهم أنُّه رجع وطلب يتجوِّزِك…
ظروف!!.. قالتها مستنكرة وهي تقطبُ جبينها ،تراجعت بجسدها بعيدًا عن أحضانها :
ظروف مايتِّصلشِ بيَّا بعد وفاة ماما، ظروف تمنعه يطَّمِن عليَّا وأنا محجوزة أربع شهور بالمستشفى، إيه، ولا مرَّة اتصل بخالو وعرَّفه أنا تعبانة، نسي ارتباطي بأمي، ماوصلوش خبر جواز أبويا، دا كلُّه ماكانشِ ينفع يطَّمن على البنت اللي قالها بحبِّك قبل مايسافر، البنت اللي سرق قلبها وكلِّ آمالها أنُّه يرجع ويطِّمنها ويقولَّها متخافيش أنا موجود، وفي الآخر جاي يوقف قدَّامي ويقول مين دي …
امتلأت عيناها بطوفانِ الوجع عن طريقِ دموعها التي أصبحت كالشلال، لتقتربَ منها أختها تضمُّها بحنان:
حبيبتي المهم أنُّه رجع وعايز يتجوِّزك، دا دليل أنُّه لسة بيحبِّك…
نهضت من مكانها تهزُّ رأسها:
خايفة يكون خالو هوَّ اللي غصبُه، هازعل أوي يامريم، مش عايزة أتصدم مش عايزة أكرهه، أنا ضايعة خايفة أفضل مصرِّة على رأيي ويطلع بيحبِّني بجد، وأرجع أندم وخايفة أوافق وأفوق على كابوس…
توقَّفت مريم بمقابلتها واقتربت تمسِّدُ على خصلاتها :
لا، حبيبتي آدم مش من النوع اللي يتغصب على جوازه .
أومال ليه كان رافض في الأوِّل يامريم، نسيتي قال إيه أول ماوصل؟..
قالتها مقهورة تهزُّ رأسها بشهقاتٍ مرتفعة .
تنهيدة عميقة من جوفِ آلامها تنظرُ لأختها بآلامٍ تنبثقُ من عينيها متمتمة:
يمكن وجودِك قريبة منُّه خلال الشهر دا قوِّم مشاعره وافتكر الماضي دا لو كان نسيه أصلًا ..
مسحت على وجهها بعنف :
مش عارفة حقيقي مش عارفة ومش قادرة آخد قرار…لازم أهدى وأشوف إيه اللي هايحصل الأيام دي.
عندَ آدم بعد تحرِّكها، جلسَ على المقعدِ وزفرةً حارقةً من جوفه:
وبعدين ياآدم ذنبها إيه إيلين تعيش معاها وقلبك مع غيرها .
مسحَ على وجههِ بعنفٍ حتى شعرَ باقتلاعِ جلدهِ وتنهيداتٍ بوخزاتٍ واحدة خلفَ الأخرى مما أشعرتهُ بألمٍ في صدره:
ياترى ياإيلين لسة عايشة على مشاعرنا القديمة ولَّا قلبك اتحرَّك لحد تاني …أفاقَهُ من شرودهِ صوتَ والدهِ،
نظرَ حولهِ يلتفتُ باحثًا عن إيلين فتساءل :
فين إيلين؟..
أشار بعينيهِ على منزلها قائلًا :
مشيت ..جلسَ والدهِ بجوارهِ متسائلًا:
ليه مشيت لسة مصرِّة على كلامها؟..
استدارَ ينظرُ لوالده:
بابا ليه عمُّو محمود إتجوِّز سهام، تراجعَ زين مستندًا على المقعدِ واستطردَ:
محمود طلع متجوِّز من قبلِ ماعمِّتَك تموت، ودا اللي وجع البنات وطبعًا إيلين ماتقبِّلتشِ سهام واعتبرت إنِّ أبوها خان مامتها، ومن هنا المشكلة بدأت..سهام طبعًا مش طايقة إيلين وطلَّعت عليها إنَّها مريضة نفسية، وطبعًا البنت حالتها اتدمَّرت بسبب إشاعات سهام في البلد، لدرجة البنت أخدت شقة جنب كلِّيتها واستقرِّت فيها، بس سهام ماسكتتش وفضلت توِّز في جوز عمِّتك أنها ماشية على حلِّ شعرها وكلام كتير، لحد ما محمود جابها غصب عنها وعاشت معاهم، وأنا تدخَّلت وقولتله مالوش دعوة بيها هاتعيش معايا..بس البنت رفضت وقالت هاتفضَل في بيت أبوها، وكلِّ يوم سهام منكِّدة عليها زي ماسمعت كدا على الفطار .
اتقدَّ الغضبُ ليتجلَّى بمحيَّاه، ليهدرَ بغضب:
إزاي جوز عمتي يسمح لواحدة زي دي تتكلِّم عن بنته، والله لأطيِّن عيشتها الحيوانة…
بصفتَك إيه ياآدم …إنتَ تعرف كان متقدِّملها واحد جزَّار وكانوا موافقين، لولا أنا قولت أنا ربطت كلمة مع نورة قبل ماتموت إن إيلين هاتكون لآدم، مش دا كان كلامك قبل ماتسافر يادكتور ؟..
نكسَ رأسهِ آسفًا وردَّدَ بتقطُّع :
آسف يابابا، بس قلبي مش عليه حكم، اتعلَّقت بواحدة هناك، البنت ممتازة وعجبتني جدًا، غير أنها ساعدتني كتير، وعرَّفتني بشخصيات مهمَّة ساعدوني على منحي الجنسية الألمانية اللي قبلي بسنين ماعرفوش ياخدوها، غير شغلي في الجامعة هناك، الصراحة مقدرشِ أبعد عنها بعد دا كلُّه، ولولا إصرارك على نزولي دلوقتي مكُنتش هاسبها في الوقت دا، لأنها بتحضَّر دكتوراه هيَّ كمان .تننهد زين قائلاً بلوم:
ليه يابني تعمل كدا، يعني تتجوِّز واحدة وتواعد واحدة، إنتَ تعرف كام عريس اتقدِّم لإيلين وهيَّ ترفض علشان وعدك، غير متأكِّد إن البنت بتحبَّك .
سحبَ نفسًا عميقًا ثمَّ لفظهُ على مهل، يطبقُ على جفنيه :
بابا مش هاقدر أتجوِّز إيلين وحياتنا تكون طبيعية زي أي اتنين متجوزين، لازم أقولَّها وهيَّ تختار .
ضربَ زين بعصاه الأبنوسية الأرضَ ناهرًا إيَّاه :
أنا البنت اللي هناك مش معترِف بيها يادكتور، وبنت عمِّتك هاتتجوزها وهتِّم جوازك منها وعايز أحفاد أكيد فاهم كلامي، أما البنت الأجنبية دي أنا مش معترف بيها…استطرد موضحًا:
هيَّ مش أجنبية يابابا، دي مغربية بس مستقرة هناك.
أشارَ محذِّرًا إيَّاه:
حتَّى لو مصرية، الكلام خلص يادكتور، أنا مش هاحاسبك بجوازك من غير معرفتي، في مقابل تتجوِّز بنت عمتك، دي وصية منها آخر كلام قالته لي، آدم يتجوِّز إيلين يازين دي وصيتي الوحيدة.
نهضَ من مكانهِ مردفًا:
خالو كلِّمني وقالِّي عامل حفلة علشان هيولِّي رحيل إدارة الشركات .
أومأَ له قائلًا:
هتحضَر الحفلة أنا ماليش دماغ للحفلات..
طالعهُ والدهِ متسائلًا:
هاتستلِم شغلك إمتى؟..
يوم واحد في الشهر إن شاءالله، جامعة عين شمس، واحتمال كبير أدَّرس إيلين، لسة مش أكيد.
توقَّفَ زين مبتسمًا، يربتُ على كتفه:
أتمنَّى كدا، وصيِّتَك إيلين ياآدم لو أبوك حصلُّه حاجة هسألك عليها…
-متقولشِ كدا يابابا، ربنا يباركلنا في عمرك يارب..
بفيلَّا فاروق الجارحي:
بعدَ عدَّةِ ساعاتٍ استيقظَ على صوتِ هاتفه:
رسلان إنتَ لسة نايم!..
اعتدلَ يعدِّلُ خصلاتهِ من فوقِ جبينه، متسائلًا بصوتهِ الناعس:
صباح الخير ياعمُّو..
صباح الورد حبيب عمَّك، فوق وصلِّي وتعالَ على بيتي عايزك ضروري.
قطبَ جبينهِ متسائلًا:
فيه حاجة ولَّا إيه ؟!
أيوة لمَّا تيجي هاتعرف، وعلى فكرة عمِّتَك فخرية هنا وطمطم الظريفة…
ابتسمَ أرسلان وتحدَّثَ مشاكسًا:
البت عسل بنتِ اللذينة.
فوق يالا مش عايز دوشة ومرارة حلق على الصبح.
هبطَ من فوقِ فراشهِ وتحرَّكَ إلى غرفةِ ثيابه:
ساعة وأكون عندك، صفيَّة الدراملِّي مخصماني من إمبارِح علشان عيد ميلاد ملوكة.
طب مستنيك ياحليتها، فوقلي كدا وصالح بنتِ الدرامَلِّي بدل ماتقيم عليك الحد.
– إسحاقو، أمِّي أنا بس اللي بدلَّعها، وياله أخدت من وقتي الثمين.
-قصدَك السمين ياديك البراري، وندبحوك ونوزَّعوك..قهقه ارسلان مازحًا:
-لحمي عسل خايف عليك ياإسحاقو.
قهقهَ عليهِ قائلًا:
ولا، مستنيك ربعِ ساعة وتكون عندي..
ههه ومالَك جاي على نفسك كدا كتير خليها خمس دقايق، باي.
دلفَ لمرحاضهِ وخرجَ بعدَ دقائقَ معدودة، متَّجهًا للأسفلِ بعدما قضى فرضَ ربه..وصلَ لتجمُّعِهم على طاولةِ الطعام، انحنى يقبِّلُ رأسَ والدته:
صباحو صفية الدرامَلِّي..
دفعتهُ وأدارت رأسها للجهةِ الأخرى، استدارَ إليها:
صفصف الحلوة مخصماني، طيِّب أدعي على نفسي يارب ياأرسلان يابنِ صفية الدرامَلِّي يخبطَك صاروخ..وضعت كفَّها على فمهِ تلكزُه:
أسكت يارسلان كدا هازعل منَّك أكتر، ربنا يباركلي فيك ياحبيبي..قبَّلَ كفَّيها:
ويباركلي فيكِ ياستِّ الكُل ..التفتَ إلى والدهِ الذي يرتشفُ قهوتهِ ويقرأ الجريدة:
صباحو فاروقو..
صباح الزفت على دماغك..قالها وهو يلقي الجريدة بوجهه:
إنتَ ناوي تموِّتني يابني، حرام عليك إيه اللي مكتوب دا!..
حانت منهُ التفاتة لوالدتهِ ثمَّ رسمَ ابتسامة:
إيه يافاروقو باشا، مالَك زعلان ليه، أيكونشِ حضني وحشك…
هبَّ من مكانهِ وهدرَ بصوتٍ مرتفع:
إفطَر والحقني على الشركة، إيَّاك تتأخَّر..قالها وتحرَّك.
التفتَ لوالدته:
مزعِّلة فاروق ليه ياصفية، يعني أنتوا تتخانقوا وتحطُّوا همُّكم فينا..
توقَّفَ فاروق واستدارَ إليهِ وجدهُ يرتشفُ قهوتهِ غامزًا بطرفِ عينه:
دمَّك ياباشا، الست عايزة الكلمة الحنيِّنة، مش كدا ياصافي؟..
برقت عيناهُ بنيرانٍ تطلقُ إليهِ سهامًا، مع ضحكاتِ صفية وملك عليهما، رفعَ فنجانُ قهوتهِ لوالده:
تشرب قهوة، طعمها حلو تاخد رشفة…
صفية ..صاحَ بها وهو يرمقهُ قائلًا:
ابنِك لو مسمعشِ الكلام ..نهضَ مقاطعًا له:
هاتحرمني من الميراث، وأنا مش أبوك، فاروق إحنا في القرنِ الخمسين، يعني شغلِ الأبيض والأسود دا تضحك بيهم على عيِّل بيلعب في الطين، مش حليوة زيي..
اااااه..صرخَ بها وتحرَّكَ وهو يسبُّه.
جلسَ بمكانهِ ينظرُ إلى أختهِ يلوِّحُ بيديه:
منشكحة إنتي وفرحانة، هزَّت رأسها ضاحكة:
جدًّا ياأبيه، فوق ماتتخيَّل.
برزت ابتسامتهِ الماكرة يغمزُ إليها:
حلوة الهديَّة علشان كدا فرحانة وبعتي أبوكِ اللي عايز ينفخني ويطيَّرني.
قهقهت بصوتها الناعم:
جدًا، ميرسي بجد ياأبيه، عجبتني جدًا، ماتحرمشِ منَّك. بس ايه القرن 50 دي
كانت صامتة توزِّعُ نظراتها بينهما، تدعو من الله أن يديمَ محبَّتهم، قاطعت حديثهما:
رسلان إفطر وروح الشركة ماتزعَّلشِ باباك حبيبي..
نهضَ من مكانهِ وهو يرتشفُ آخرَ مافي فنجانِ قهوته:
عندي ميعاد مهم ياماما، أخلص وأعدِّي عليه …سلام ياملوكة قالها وهو يطبعُ قبلةً على وجنتيها…
بفيلَّا السيوفي:
قبلَ عدَّةِ ساعاتٍ استيقظت على صوتِ أذانِ الفجر:
“الصلاةُ خيرٌ منَ النوم”..اعتدلت توقِظُ زوجها:
مصطفى الفجر..بعدَ قليلٍ أنهت صلاتها وجلست تذكرُ ربَّها لبعضِ الوقت، ثمَّ اتَّجهت إلى فراشها، ومازال لسانها يردد الذكر حتى غفت …استمعت إلى إشعارِ هاتفها:
“ميرال راجح الشافعي”
هبَّت من نومها تستغفرُ ربَّها تنظرُ حولها وجدت نفسها غفت بمكانها بعدما أنهت صلاتها ..نظرت لهاتفها ورعشة أصابت جسدها، تبتلعُ ريقها بصعوبة، وكأنَّ هناكَ ما يطوِّقُها بطوقٍ من نيران، ارتجفَ جسدها بدخولِ زوجها يردِّدُ الاستغفار:
صباح الخير حبيبتي..لم ترُّد عليهِ أو بمعنى أصَّح كانت بملكوتها، جلسَ بعدما خلعَ جاكيتهِ الشتوي:
هنام ساعة بس يافريدة وتصحِّيني، علشان عندي اجتماع مهم في الوزارة،هيختاروا وزير الداخلية بعدِ يومين وفيه قلق..قالها وهو يستديرُ إلى فراشه، توقَّفَ حينما وجدها مازالت على وضعها، اقتربَ منها يلكزها بخفَّة:
فريدة..هبَّت فزعة من مكانها وتكوَّرت دموعها تحتَ أهدابها:
مصطفى شوف حد بعتلي أي رسائل كدا..انكمشت ملامحِه، متسائلًا باستنكار:
رسايل إيه الفجر يافريدة، إنتِ تعبانة ولَّا إيه…طالعتهُ بأعينٍ مشتَّتة وقلبها ينزفُ بأنينٍ دونَ دماء، لم يعلم ما الذي أصابها، فاقتربَ منها يجذِبُها لأحضانه، يردِّدُ بعضَ آياتِ الذكرِ الحكيم إلى أن غفت. عندَ إلياس عادَ إلى منزلهِ بعدَ قضاءِ صلاةِ الفجر، دلفَ إلى غرفتهِ وهوى فوقَ فراشهِ بثيابهِ ونظراتهِ على سقفِ الغرفة، وذكرياتِ الماضي تصفعهُ بقوَّة، أطبقَ على جفنيهِ متذكِّرًا تلكَ الأيامِ التي أصابتهُ بعدمِ رغبتهِ للحياة.
فلاش باك قبلَ خمسةٍ وعشرينَ عامًا:
دلفَ مصطفى بجوارِ زوجتهِ التي تُدعى غادة، نهضَ من بينِ ألعابه:
بابي اتأخرت ليه ..انحنى يضمُّهُ بقوَّةٍ لأحضانه:
وحشتني حبيب بابي، عامل إيه..
نظرَ لوالدتهِ وهرولَ إليها:
مامي وحشتيني ..انحنت تطبعُ قبلةً على جبينه، ثمَّ أشارت إلى فريدة بالدخول:
أدخلي مدام فريدة..
دلفت بخطواتٍ بطيئة تكادُ ساقيها تحملها، طالعها يهزُّ كتفهِ متسائلًا:
مين أنطي ياماما ..أشارت إلى مربيته:
خدي إلياس طلَّعيه أوضتُه ياضحى، وشرَّبيه اللبن قبلِ ماينام.
تشبَّث بذراعها:
مامي لو سمحتي مش عايز أنام دلوقتي، تحرَّكَ إلى فريدة بعدما استمعَ إلى بكاءِ الطفلة:
البيبي بيبكي ياأنطي…استدعت غادة الخادمة:
جهِّزي أوضة لمدام فريدة ترتاح فيها، ارتفعت صيحاتُ الطفلة تأنُّ جوعًا، فاستدارت متلعثمة:
عايزة حاجة للبنت تاكلها..أشارت غادة إلى مربيِّة إلياس:
خدي البنت اهتمي بيها ياضحى، عندي هدوم بيبي فوق خلِّي عزة تجبه وغيَّري ليها..ضمَّتها فريدة متراجعة:
لا، ماحدِّش هياخد بنتي منِّي ..ربتت غادة على ظهرها:
ماتخافيش، هيَّ هتأكِّلها وتهتم بيها، إنتِ مش هتقدري في حالتك دي.
هزَّت رأسها بالرفض، تشيرُ إليها:
أنا ههتم ببنتي ماحدِّش هيقدَر ياخدها منِّي، أنتوا عايزين تاخدوها وترجَّعوها صح ..خرجَ مصطفى من غرفةِ مكتبهِ بعدما استمعَ إلى تصريحاتها فأشارَ للخادمة بالانصراف ثمَّ اقتربَ من فريدة وحملَ الطفلة بعدما رفضت، حاولَ تهدئتها:
ممكن تهدي، إنتِ شوفتي أهو، دي مراتي ودا ابني والبيت من برة مكتوب عليه ظابط يعني مش تجَّار أعضاء، ممكن تسترخي وترتاحي علشان الجرح اللي في راسك.
سحبتها غادة بعدما تحرَّكَ مصطفى بالطفلة، وأعطاها للمربِّية قائلًا:
أكِّليها وهاتيها لوالدتها، ثمَّ أشارَ إلى غادة بالدخولِ إلى الغرفة.
كانَ يقفُ بمكانهِ يتابعُ مايحدثُ بصمت، إلى أن استدارَ إليهِ والده:
حبيبي واقف كدا ليه؟..
أنطي تقربلنا يابابا..ضمَّهُ مصطفى بعدما جلسَ على عقبيهِ أمامه:
لا يابا دي ست أنا خبَطَّها بالعربية، وهيَّ مالهاش حد خالص وكان فيه مجرمين بيجروا وراها علشان يخطفوا بنتها.
توسَّعت أعينِ الطفلِ شاهقًا يضعُ كفِّهِ الصغير على فمه:
اللص يابابي كان عايز يخطف البيبي وياخدُه بعيد زي الكرتون…
داعبَ خصلاتهِ ثمَّ طبعَ قبلةً على وجنتيه:
أيوة يابابي، ممكن بقى نروح ننام علشان عندنا School الصبح..
حاوطَ عنقَ والدهِ وقبَّلهُ وتحرَّكَ للأعلى سريعًا، دلفَ إلى غرفته، ولكنَّهُ استمعَ الى صوتِ الطفلة بجوارِ غرفته، تحرَّكَ إليها، دلفَ مستئذنًا:
ممكن أدخل ياانطي؟..
استدارت ضحى إليه:
تعالَ حبيبي، تعالَ شوف القمر دا، تحرَّكَ إلى أن وصلَ إليها، ظلَّ ينظرُ إليها وضعَ كفِّهِ الصغير على أذنهِ من صراخها مردِّدًا:
هيَّ بتصرخ كدا ليه، سكِّتيها ياأنطي.
بعدَ دقائقَ معدودة كانت تحملها وتُطعمُها وهو جالسًا بجوارها، بسطَ كفَّيهِ وأمسكَ يديها، ضمَّت إصبعهِ الصغير حولَ يديها الصغيرة، أطلقَ ضحكةً عفويةً بريئة، ثمَّ أمالَ بجسدهِ يقبِّلُ يديها:
حلوة أوي ..مسَّدت المربية على شعره:
عجبتك ياإلياس؟..
نهضَ من مكانهِ يطالعها بعيونهِ البريئة مردِّدًا:
أوي أوي ياأنطي، شكلها كيوتي، ممكن أشلها؟..
لا ياحبيبي لسة صغيرة، لمَّا تكبر شويَّة.
غفت الطفلة بعد إرضاعها، دفعت فريدة البابَ تسألُ عليها بلهفة:
بنتي فين..توقَّفت المربية وهي تحملها:
أكَّلتها وغيرتلها ونامت. ماتخافيش..استدارت تضعها على مهدٍ صغير..فتحرَّكت فريدة إليها:
لا أنا هخدها معايا وكدا كدا همشي الصبح قالتها وهي تحملها بأحضانها.
أمسكَ إلياس ردائها:
أنطي سبيها هنا بليز وأنا هخد بالي منها، قاطعهم دلوفَ غادة:
إلياس ياله حبيبي على أوضتك، الوقت اتأخَّر ..هرولَ إلى والدته:
أنا شوفت البيبي يامامي، خلِّي طنط تسبها هنا وأنا هاسكِّتها لو عيِّطِت، علشان اللص هيسرقها
جلست بمستواه ثمَّ أشارت على فريدة:
طنط فريدة خايفة عليها، هنسبها الليلة مع مامتها وبكرة إلياسو لمَّا يرجع من المدرسة هيسكِّت البيبي إيه رأيك…
استدارَ الصغيرُ وهو يطالعُ فريدة التي تنظرُ إليهِ بدموعٍ مترقرقة:
طنط ماتخافيش عليها هارجع من School وأسكِّتها مع أنطي ضحى، صح أنطي ضحى…
أومأت لهُ المربية بابتسامة، التفتَ لوالدتهِ وطبعَ قبلةً على وجنتيها:
‏Good night mom
قالها الصغير وتحرَّكَ لغرفته.
فاقَ من ذكرياتهِ المؤلمة على صوتِ ضحكاتها بالخارجِ مع غادة..اعتدلَ على فراشهِ يستمعُ إلى كلامهم:
هنام ساعتين عندي انترفيو مهم بس يارب ماتروح عليَّا نومة، وماما شكلها تعبان ومش عايزة أصحيها.
ربتت غادة على كتفها:
هصحيكي أنا، ماتقلقيش أنا هذاكر شوية، ولو نمت هأكِّد على إسلام ماتخافيش.
أفلتت ضحكة تضربُ كفَّيها ببعضهما.
يبقى كدا ضمنت الرفض، ياله ياماما روحي نامي دا إنتِ بتنامي وإحنا بنصلِّي.
تحرَّكت غادة وهي تضحكُ متَّجهةً لغرفتها قائلة:
كنت هصحيكي بس إنتِ مش وش نعمة..قالتها ودلفت غرفتها.
تحرَّكَت ميرال إلى غرفتها التي تقابلُ جناحِه، ألقت نظرة على بابهِ ولا تعلمَ لماذا تذكَّرَت دلوفهِ منذُ قليل حينما هبطت لإعدادِ فنجانِ قهوتها، دلفت لغرفتها تتنهَّدُ بحزن، متذكِّرةً حديثهِ عن والدتها، قامت بخلعِ ملابسَ الصلاةِ ثمَّ اتَّجهت إلى فراشها وألقت نفسها لتغطَّ بنومٍ عميق، بعد عدَّةِ ساعات تململت بنومها على أصابعِ أحدهما على وجهها، ابتسمت تهمس:
غادة أسكتي عايزة أنام شوية..انحنى يهمسُ لها بصوتهِ الرخيم:
قومي يامراتي البايرة عندك انترفيو..فتحت عينيها وأغلقتها ظنًّا أنها تحلم، تراجعَ بجسدهِ على المقعدِ يطالِعُها بملامحً مبهمة، غفت مرَّةً أخرى فأردفَ قائلًا:
اتأخَّرتي ياعروسة، هنا فتحت عينيها مرَّةً أخرى مستديرةً برأسها، تنظرُ للذي يجلسُ على المقعدِ بجوارِ فراشها ويطالعها بأعينٍ خارقة:
هبَّت من مكانها وصاحت به؛
إنتَ بتعمل إيه هنا !!
ظلَّ كما هو مشبكًا أصابعهِ، اعتدلت تجمعُ خصلاتها المتشرِّدة على وجهها ثمَّ اقتربت منهُ تصيحُ بوجهه:
إنتَ إزاي تدخل عليَّا وأنا نايمة، إيه قلِّة الذوق دي..
نهضَ من مكانهِ بعدما توقَّفت ثمَّ أردف:
جاي أصحِّي مراتي علشان شغلها، مطلبتيش من غادة إنَّها تصحِّيكي..التفتَ سريعًا يرمقها بنظرةٍ ساخرةٍ قائلًا:
مش أولى إنِّ جوزِك هوَّ اللي تطلُبي منه كدا…
ثارت جيوشُ غضبها مقتربةً منهُ كالذي مسَّها مسًا جنونيًا هادرةً بعنف:
مرات مين إن شاءالله، أنا مستحيل أوافق عليك لو كنت آخر راجل، اطلع برَّة أوضتي وإيَّاك تقرَّب منِّي تاني، مش معنى إنِّي ساكتة هاتسوق فيها.
دنا منها فتراجعت للخلفِ حتى هوت على الفراش، انحنى يحاصرُها بذراعه :
كلمة كمان ماتلوميش غير نفسك يابايرة، هتوافقي على الجواز ومش بس كدا، هاتبيِّنلُهم إنِّك بتموتي فيَّا كمان .
جحظت عيناها ففتحت فاهها للحديث، إلَّا أنَّهُ رمقها بنظرةٍ حينها شعرت بتوهُّجٍ ناريٍّ من عينيه، يريدُ من خلالها أن يحرقها حيَّة..ابتلعت ريقها بصعوبة وقالت بصوتٍ خافت :
إلياس إنتَ ليه بتعمل معايا كدا، أنا عملت فيك إيه؟..من زمان نفسي أسألَك السؤال دا…
نظرَ إليها بقسوةٍ تبعثها عينيه يضعُ إصبعهِ برأسها :
لأنِّك بت غبية وتستهالي المعاملة دي، ثمَّ تابعَ بهدوءٍ مهينٍ لشخصها :
وإيه بعاملِك وحش دي، إنتِ مصدَّقة نفسِك علشان أحطِّك في دماغي، لا…فوقي واعرفي قدرِ نفسك، أنا إلياس السيوفي، مش حتِّة بنت مجنونة تشغل بالي علشان أفكَّر فيها إزاي أعاملها، جوازنا لمصالح شخصية، علشان الستِّ فريدة تفضل في البيت دا هتوافقي وتعملي زي مابقولِّك .
قست عيناها واعتدلت سريعًا تصرخُ بوجههِ ولم تكترث لنظراتهِ التهديدية :
اسمع يابتاع إنتَ أنا زهقت منَّك ومن غرورك المقرِف دا ..وإنتَ إذا كنت بتكرهني أنا كمان..وضعَ كفَّهِ على فمها يجذبها من خصرها بقوَّةٍ لتصطدمَ بجسده، ثمَّ أمالَ يهمسُ بجوارِ أذنها بأنفاسهِ الحارقة :
عيب تغلطي في جوزِك ياميرو، أعاقبِك ياقلبي، اتلَّمي على الصبح، دلوقتي إجهزي علشان أوصَّلِك لشغلك .
قالها وتحرَّكَ دونَ حديثٍ آخر .
بعدَ فترة:
توقَّفَ أمامَ المرآةِ ينثرُ عطرِه، ثمَّ ارتدى ساعتهِ وتحرَّكَ للخارج، هبطَ الدرجَ مع خروجها من غرفتها، توقَّفَ مستديرًا إليها
صباح الخير يامراتي..
تحرَّكَت من جوارهِ تسُبُّه:
دا في أحلامك إن شاءالله، وضعَ قدمهِ أمامها، كادت أن تقعَ على وجهها لولا ذراعيهِ التي تلقَّاها بها، رفعت رأسها تسبُّه:
إيه اللي بتعمله دا عايز توقَّعني وتكسرني، حاوطَ جسدها يرمقها بنظراتٍ متفحصة على جسدها بالكامل قائلاً:
بعد كدا أنا هاجبلِك هدومِك اللي تخرجي بيها، أنا راجل دمُّه حر.
حاولت التَّملُصَ من قبضته:
وسَّع كدا إنتَ ماطلعتِش بارد بس..لا دا إنتَ مجنون، ضغطَ بأصابعهِ على خصرها فأطلقت شهقة متألمة، فركلتهُ بساقهِ ليتراجعَ متزحزحًا:
واحد مجنون..قالتها وتحرَّكت سريعًا، ابتسمَ وتحرَّكَ خلفها إلى أن وصلَ لغرفةِ الطعامِ ملقيًا تحيَّةَ الصباح ، وصلت فريدة بقهوةِ مصطفى تطالعُ ميرال بذهول:
صحيتي إمتى!..كنت لسَّة هاطلع أصحِّيكي.
فردت محرمةَ الطعامِ وهي تهربُ من نظراتِ ذاكَ الذي يتطلَّعُ عليها منتظرًا حديثها فتمتمت بخفوت:
صحيت من شوية ياماما..جذبت فريدة المقعد ومازالت مذهولة:
أوَّل مرَّة تصحي من نفسِك ياميرو..رفعَ قهوتهِ يرتشِفها ثمّّ تمتم:
ومين قالِّك إنَّها صحيت لوحدها، أنا اللي صحيتها.
التفتت إليهِ فريدة سريعًا، تنظرُ إليهِ مذهولة وتوقَّفت الكلمات على أعتابِ شفتيها، فهمَ مصطفى ما تشعرُ بهِ فريدة فأردف:
– مش غريبة إنَّك تدخل تصحِّيها!..
ارتشفَ بعضًا من قهوتهِ وأجابَ والده:
ليه مش بعدِ يومين هتكون مراتي، ولَّا رجعتوا في كلامكم، بس عايز أقولَّك حاجة ياسيادة اللوا، أنا مش لعبة تقول أتجوِّز وسيب، الآنسة اللي قاعدة دي بقت مراتي منتظر العقد، ماهو اللي يعني آرائكم بعد كدا ماتهمِّنيش.
إلياس دا احترامك لوالدَك تكلِّمُه بالطريقة دي…
طالع والدهِ بعتاب واردف بنبرة مغلفة بالألم لم يشعر بها سوى من يشعر به فأردف قائلًا:
لو حضرتَك شايف بقلِّل من احترامك عاتبني، لكن حقيقي يابابا أنا ماقصدش، أنا عايز أرسم حياتي بنفسي، مش عايز حد يغصبني على حاجة…
تفاجئت بنبرته التي جاهد في إخفاء الالم بها، فتزاحمت الأنفاس بداخلها حتى شعرت باختناقها، رفعت رأسها حينما تابع حديثه:
-أنا مش بنت علشان تغصبني على حاجة ياسيادة اللوا، غير مابقتش الطفل الصغير، قدامك راجل
استنكرت تصريحه واعتبرته اهانها لشخصها فتشدقت ساخرة:
-وأنا ماطلبتِش إنَّك تتغصب ياسيادة الظابط، أنا مش موافقة على قرار عمُّو.
أنا كمان مبحبش الغصب
استدارَ يرمقها بنظرةٍ ناريَّةٍ حينما شعرَ بتقليلِ رجولتهِ أمامَ الجميع، لحظات وهناكَ حربُ الأعينِ إلى أن قاطعها قائلًا بصوتٍ جعلهُ متَّزنًا إلى حدٍّ ما:
وأنا لو مش مقتنع كنت مستحيل أوافق، بس بابا عندُه حق ..العمر بيجري من غير ماأحس ومحتاج أبني عيلة، وأنا ماليش خلق لجوِّ الستَّات الهابط دا، على الأقل تلاقي اللي يلمِّك ويرضى بيكي..
كادت أن يصيبها سكتة قلبية من رصاصات كلماته، فامتقع وجهها بالغضب وسئمت من حديثهِ الفظ فهبَّت واقفة وفتحت فاهها للحديثِ إلا أنَّهُ تابع، وكمان إنتِ متربية قدَّامي وأعرف أكسر رقبتِك لو غلطِّي، وبقولها قدَّام والدتك أهو ياميرال..أنا مابحبِّش الغلط، حياتِك الأوَّل كانت حاجة وبعد ماتكوني مراتي حاجة تانية…
توقَّفَ واضعًا كوبهِ قائلًا:
شوفوا عايزين إمتى تكتبوا الكتاب وأنا جاهز، بس فرح دلوقتي لأ، عندي قضية مهمِّة ماينفعشِ أعتذر عنها، ثمَّ اتَّجهَ بنظراتهِ إليها وسلَّطَ عيناهُ عليها وشبح ابتسامة ساخرة لوَّنت ملامحهِ قائلًا:
ماهو ماينفعشِ أروح أقضي شهر العسل ودماغي تبقى مشغولة في القضية، ومفضاش للعروسة مش كدا ياميرو؟..
كتمَ مصطفى ابتسامتهِ عندما استمعَ إلى تلميحاتِ ابنه، فيما برَّقت ميرال عينيها بغضبٍ جحيمي محاولةً السيطرة على ذاتها بالأ تطبقُ على عنقه:
نظرَ بساعةِ يدهِ يشيرُ إليها مردِّدًا:
اتفضلي آنسة ميرال أوصَّلِك في طريقي.
هنا فقدت عقلها وصرخت به:
أنا مش موافقة أتجوزُه ياماما سمعتيني، لو آخر راجل في الدنيا مستحيل أوافق على هذا الكائن البارد.
لم تهتزَّ عضلة من ملامحهِ وهو يستمعُ إلى حديثها، ارتدى نظارتهِ وحملَ هاتفهِ ملقيًا السلامَ ثمَّ رمقها قائلًا:
أنا في العربية ومابنتظرشِ كتير، إيَّاكِ تتأخَّري قالها وتحرَّكَ تاركًا تلكَ التي أصابها الجمود وكأنَّهُ ألقاها بقبرٍ وتركها، لحظاتٍ من الصَّمتِ تنظرُ إلى والدتها التي هزَّت رأسها ونظراتٍ تحملُ الكثيرَ من العتابِ قائلة:
دا اتفاقنا، مش اتكلِّمنا في الموضوع دا ..توقَّفت ضائعة وكأنَّ الأمرَ تعدَّى الترهات وماعليها سوى الطاعة، أردفت بتقطُّع:
أنتو بتتكلِّموا بجد، أنا وإلياس، طب أزاي، عايزة عقل يقول الشخص دا يتحب بانهي منطق، ضربتها فريدة بخفة على رأسها
-عيب يابت، دا هيبقى جوزك..زمت شفتيها كالأطفال
-حرام ياماما دا مستحيل يقول بحبك، دا شاطر بس يقول اخرصي، اسمعي، هعاقب هضرب، مايعرفش غير فعل الأمر القضائي فقط..توقَّفَ مصطفى يحاوطُ أكتافها وتحرَّكَ معها للخارج:
طيِّب حبيبتي ليه مش عايزة إلياس ياميرال، ليه رفضاه يابنتي؟..
رفعت عينيها بتشتتٍ تهمسُ بخفوت:
معرفش، خايفة منُّه يفضل قاسي كدا، وفي نفسِ الوقت عندي إحساس ورا القسوة دي حاجة تانية، توقَّفت أمامهِ متسائلة:
أنا ماعرفشِ هوَّ ليه اتغيَّر معايا، كان نفسي يقولِّي ياعمُّو بدل معاملته دي.
احتضنَ وجهها ينظرُ لمقلتيها:
إنتِ بتثقي فيَّا ولَّا لأ…هزَّت رأسها بعيونٍ لامعةٍ بالدموع:
أنا ماعنديش حد أثق فيه غيرَك وغير ماما.. مرَّرَ أناملهِ يزيلُ عبراتها التي انسابت على خدَّيها قائلًا:
لا فيه ..طالعتهُ متلهِّفةً.. قلبها يتلهَّفُ لقولهِ عنهُ وعقلها يصفعها بكبرهِ وتكبُّره.
هوَّ أكتر واحد تثقي فيه، بكرة تتأكدي من كلامي، إلياس مش كدا، وأكيد إنتِ عارفة مش منتظرة حد يقولِّك مين هو.
كثُرَت دموعها كالشلال، ضمَّها لأحضانهِ وهي تشهقُ ببكاءٍ
وتهتفُ من خلالِ بكائها:
كان ياعمُّو، دا بقى واحد تاني، من زمان أوي لدرجة نسيت شكلُه عامل إزاي لمَّا بيضحك.
أخرجَ رأسها وتساءل:
بتحبِّيه ياميرال صح…
اهتزَّ جسدها بالكامل وكأنّّ كلمة حبِّهِ صدمة كهربائية انتابت جسدها ورغمَ ذلك، لا تستطع ترجمةَ مشاعرها إذا كانت حب أم كره أم نفور لا تعلم..
تراجعت مستنكرةً حديثه:
إيه اللي بتقوله دا، مانكرشِ حبِّي له حب أخوي بصفته متربيين سوا، بس مش الحب اللي حضرتَك بتقوله.
كاد ألم حبه يمزق قلبها ليؤدي إلى هزيمتها أمام عنفوان عشقه المميت، همست لنفسها “مستحيل اكون بحبه”
ثقلت أنفاسها من مجرد ارتباطه بعشق قلبها، فتراجعت خطوة تهز رأسها
-مش قادرة اخد قرار
لم يهتمَّ لحديثها فأشارَ إليه:
طيِّب روحي وبلاش تضايقيه، اسمعي منِّي مش يمكن هوَّ بيحبِّك…
هزَّة عنيفة أصابتها لتستديرَ إلى سيارتهِ تشيِّعَهُ بنظراتٍ مشتَّتة، وشردت بحديثِ مصطفى بقلبٍ يهدرُ بعنفٍ وعقلٍ ينكرُ حماقةَ دقاتِ قلبها، انفجرت برك عيناها حينما فقدت السيطرة من انجراف مشاعرها نحوه، فهربت مهرولةً إلى سيارتها رافضةً أيَّ حديثٍ يخصُّه..رآها متَّجهةً إلى سيارتها بتلك الحالة، فارتسم على محياه ابتسامة ساخرة، وقادَ سيارتهِ متحرَّكَ إلى عملهِ دونَ حديث.
ظلَّ مصطفى متوقِّفًا يطالعُ خروجهم هامسًا لنفسه:
أتمنى اكون اخترت لك المناسب ياإلياس، شعرَ بفريدة خلفه، التفتَ برأسهِ على صوتها:
مشيوا..هزَّ رأسهِ قائلًا:
بنتِك عنيدة أوي، عملت اللي في دماغها…ابتسمت مجيبة:
وابنَك مغرور أوي…قهقهَ الاثنين معًا ثمَّ حاوطها بذراعيه:
لازم أتحرَّكَ دلوقتي علشان متأخرش.
بمنزلِ يزن أنهى فرضهِ وتحرَّكَ للخارج،
وجدَ أختهِ تضعُ الطعامَ على الطاولة:
صباح الورد يازينو..
صباح الورد ياإيمي فين معاذ لسة نايم.. لا، حبيبي راح يجيب الطعميَّة.
جلسَ على الطاولة يفتحُ هاتفهِ يتصفَّحُ الأخبار، دلف معاذ:
أنا مش هانزل تاني أشتري الطعمية، الستات بيفعَّصوني.
رفعَ نظرهِ يطالعهُ مستاءً ثمَّ أردف:
ليه صغير، إنتَ راجل يلا إجمد شوية، شوية طعميَّة، الحارة كلها بتعرف إنَّك بتجبها..
جلسَ متأفِّفًا:
يووووه على التريقة، استدارَ إليهِ وبدأ يتناولُ إفطارهِ ولكنَّهُ توقَّفَ حينما استمعَ إلى صوتِ أخيه:
طنط أمِّ محمود سألتني بتقولِّي ليه يزن ساب أبلة مها..
لكزتهُ إيمان ليصمت، وضعَ يزن الطعامَ بفمهِ يلوكهُ بهدوءٍ ثمَّ تحدَّثَ بصوتٍ جعلهُ متَّزنًا قائلًا:
قولَّها مافيش نصيب، ثمَّ نهضَ ينفضُ كفَّيهِ قائلًا:
الحمدُلله خلِّي بالك من نفسَك وإيَّاك تجري ورا العربيات، أخبارك عندي وليه امتحان الرياضة ناقص درجتين، إجهز لحد ماأرجع نراجع مع بعض الدروس اللي وقعت منَّك.
أومأَ لهُ قائلًا:
آسف ياأبيه، بحاول أفهم الهندسة بس تقيلة وبضيع فيها، جمعَ أشيائهِ وأشارَ إلى أخته:
إيمي الواد دا ميخرجشِ يلعب بعد الدَّرس، خليه يحل ليَّ خمسة اختبارات رياضيات لمَّا أرجع.
نهضت متحرِّكةً خلفَ أخيها تومئُ برأسها:
حاضر ترجع بالسلامة حبيبي.
بعدَ قليلٍ بمكانِ عمله، كانَ يقومُ بتصليحِ شيئٍ ما بالسيارة، جلسَ صاحبُ العملِ بجوارِه:
ليه سبت خطيبتك يابني، توقَّفَ عن العملِ ملتفتًا إليه:
النصيب ياعمُّو، مالناش نصيب مع بعض.. ربتَ الرجلَ على ظهره:
هتتعدِّل إن شاءلله ماتزعَّلشِ نفسك.
مش زعلان..أنا صعبان عليَّا نفسي، حبيت الشخص الغلط.
سحبَ نفسًا قويًا وزفرهُ على مراحل قائلًا:
برجع أقول عندها حق هتفضل منتظراني ليه.. لم يتسنى لهُ الحديثَ ليقفَ مبتعدًا عنه، وذكرياتٍ مؤلمةٍ تغرزُ بقلبهِ كالغرزِ الملتهبة بالنيرانِ المحرِقة.
فلاش:
وقفَ يزن الذي يبلغُ من العمرِ خمسةٌ وعشرينَ عامًا على بابِ غرفةِ والده..
حضرتَك طلبتني..أشارَ إليهِ بالدخول،
جلسَ بجوارهِ متسائلًا:
حضرتك كويس.. ربتَ على كفِّه:
كويس ياحبيبي، لسة زعلان
نظر إلى والده نظرات عتاب ممزوجة بألم روحه، ليشعر بنزيفها بصمت ..واستفهام مؤلم شق ثغره بابتسامة حزينة
-هو فيه حاجة تزعل، كل الحكاية إني مطلعتش ابنك، الموضوع بسيط
تعليقات



<>